الخطب

إجابة دعواته صلى الله عليه و سلم و انقلاب الأعيان له

*( خطبة الجمعة في موضوع )*:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[إجابة دعواته صلى الله عليه و سلم و انقلاب الأعيان له]

[و خصوصية تعيين قبره دون قبور غيره من الأنبياء]

بقلم:

ذ: سعيد بنيس منقار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الحمد لله الذي جعل رسوله المصطفى، و نبيه المجتبى، سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم أمانا لأمته من العذاب، و حصنا حصينا لها في الحال و المآب، فقد قال سبحانه و هو أصدق القائلين :” و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم، و ما كان الله معذبَهم و هم يستغفرون“( الأنفال 33)

* و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد كهفِ اللاجئين و ملاذِ الخائفين، وحصنِ اللائذين، الذي أنزل الله تعالى في شأنه العظيم قولَـَه سبحانه في ذكره الحكيم:” و لو أنهمُ إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللهَ و استغفر لهم الرسولُ لوجدوا اللهَ تواباً رحيما“.(النساء64)

* و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكله، بَشـَّرَ حبيبَه الكريم، و نبيَّه الحليم، بأنه ملحوظ بعين بالعناية، مشمول بكامل الرعاية، مخصوص بالإنعام والإرضاء اللذان لا حَدَّ لهما و لا غاية، فقد أقسم مولانا العظيم على ذلك، إذ قال عزَّ مِنْ قائل في ذكره الحكيم :” و الضحى و الليل إذا سجى، ما و دعك ربك و ما قلى وللآخرة خير لك من الأولى، و لسوف يعطيك ربك فترضى”

* ونشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبد الله و رسوله و مصطفاه من خلقه وخليله، أهداه الله تعالى لهذه الأمة، فعمم به الرحمة، و كشف به الغمة، و جلـَّى به الـُّظلـْمة، فقال عنه أرحم الراحمين :” و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين“( الأنبياء107) و قال:” يأيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا و نذيرا و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا، و بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا“( الاحزاب45/46/47)، فصلى الله عليه و سلم من نبي أمين، ناصح حليم مكي مدني، هاشمي مُطَّـلبي، وعلى آله وصحابته، و على من حافظ على دينه وشريعته، و استمسك بهديه وسنته إلى يوم الديـن .

أما بعد ، من يطع الله و رسوله فقد رشد و اهتدى، و سلك منهاجا قويما و سبيلا رشدا، و من يعص الله ورسوله فقد غوى و اعتدى، و حاد عن الطريق المشروع و لا يضر إلا نفسه و لا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن يطيعه يطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله و سؤله، فإنما نحن بالله و له ، عباد الله :

* إن الله تعالى جعل رسوله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم عين الرحمة و البركات، و منبع الفضائل والخيرات خصه مولاه بانقلاب الأعيان له بواضح الآيات، و عظيم الكرامات، وأكرمه بأفضل الوسائل وإجابة الدعوات.

فاستمعوا – معاشر المؤمنين – إلى بعض ما ورد من ذلك عسى أن تهب علينا و عليكم نفحة من السعادة تلحقنا بالصادقين من المحبين، أو تظلنا سحابة رحمة تنهل علينا و عليكم منها إمدادات القبول و الجذب إلى منازل العباد المُخلـَِصين، وإذا كان العلماء قد قالوا: بذكر الصالحين تتنزل الرحمات، و عواطف النسمات،فما بالكم بذكر سيد الخلق أجمعين،و إمام الأنبياء و الأولياء و الملائكة والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم، فلا شك أن ذكره تنشرح له القلوب، وتطيب به الألسنة، و تلين له الأبشار و الجلود،

عباد الله:قد جاء في حديث حذيفة رضي الله عنه أنه قال:” كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دعا لرجل أدركت الدعوةُ ولدَهُ و وَلـَدَ ولدِه“، وعن أنس رضي الله عنه قال: قالت أمي يا رسول الله! خادمُك أنس ادع الله له، قال : “اللهم أكثر ماله و ولده و بارك له فيما آتيته “، قال أنس : فو الله إن مالي لكثير، و إن ولدي و ولد ولدي ليعادُّون اليوم على نحو مائة- و في رواية : فما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت- و لقد دفنت بيدي هاتين مئة من ولدي، لا أقول سَقـْطاً و لا ولدَ ولدٍ

* و دعا صلى الله عليه و سلم لعبد الرحمان بن عوف رضي الله عنه بالبركة، قال عبد الرحمان:” فلو رفعت حجراً لرجوت ُأن أصيب تحته ذهبا “( قال ذلك لما استقر لديه من عادة الله معه من التيسير و إفاضة الخير في أي شيء يحاوله أو يناوله، ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له)، و فتح الله عليه و مات فأحْضِر الذهب من تركَتِهِ بالفؤوس حتى مجلت فيه الأيدي ( أي تنفطت من كثرة العمل ) و أخذت كل زوجة من أزواجه ثمانين ألفا، و كن أربعا وأوصى بخمسين ألفا”(رواه البيهقي)

* و دعا صلى الله عليه و سلم لمعاوية بن أبي سفيان بالتمكين في البلاد فنال الخلافة

* و دعا صلى الله عليه و سلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يجيبَ اللهُ دعوته ويُسَدِّد رميته، فما أخطأ في الرميَ قطُّ هَدَفـَهُ، و ما دعا على أحد إلا استُجيب له

* و دعا صلى الله عليه و سلم بعز الإسلام بعمر بن الخطاب رضي الله عنه أو بأبي جهل، فاستجيب له في عمر، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:” ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر”

* و دعا صلى الله عليه و سلم في الاستسقاء فسُقـُوا، ثم شكوا إليه المطر فدعا فصَحْوا

*وقال صلى الله عليه وسلم لأبي قتادة :” أفلح وجهك، اللهم بارك له في شعره وبشره” فمات و هو ابن سبعين سنة و كأنه ابن خمس عشرة سنة

* و قال صلى الله عليه وسلم للنابغة – و كان شاعرا مدح النبي صلى الله عليه و سلم بقصيدة رائية نحو مائة بيت أنشدها بين يديه صلى الله عليه و سلم فدعا له:” لا يَفْضُضِ الله فاكَ ” فما سقطت له سنٌّ، وكان أحسن الناس ثغرا، إذا سقطت له سن نبتت له أخرى، و عاش عشرين ومائة سنة،و قيل أكثر من هذا.

* و دعا صلى الله عليه و سلم لعبد الله بن عباس:”اللهم فَقـِّهْهُ في الدين وعلمه التأويل” فسمي بعدُ” الحَبْرَ و ترجمانَ القرآن” لغزارة علمه.

* و دعا صلى الله عليه و سلم لعبد الله بن جعفر” بالبركة في صفقة يمينه” فما اشترى شيئا إلا ربح فيه

* و دعا صلى الله عليه وسلم بالبركة لعروة بن أبي الجعد فقال: فلقد كنت أقوم بالكُناسَة، فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا، و قال البخاري في حديثه عن عروة هذا: فكان لو اشترى التراب ربح فيه.

دعا صلى الله عليه و سلم لعلي كرم الله وجهه أن يُكفـَى الحَرَّ و القـَرَّ، فكان يلبس في الشتاء ثيابَ الصيف، و في الصيف ثياب الشتاء، و لا يصيبُه حَرٌّ و لا برد

* ودعا صلى الله عليه وسلم اللهَ لابنته فاطمة أن لا يُجيعها الله، قالت:” فما جعتُ بعْدُ”

* و سأله الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه آية ً لقومه، فقال:” اللهم نَوِّرْ له ” فسطع له نورٌ بين عينيه، فقال الطفيل: يا رب أخاف أن يقولوا مُثـْلـَة، فتحول النور إلى سوطه، فكان يضيء في الليلة المظلمة فسُمِّي ذا النور

* و دعا صلى الله عليه و سلم على مُضَر(من قبائل العرب) فأقـْحِطُوا، حتى استعطفته قريش فدعا لهم فَسُقـُوا.

* و دعا صلى الله عليه و سلم على كِسْرى حين مزق كتابَه” أن يمزق الله ملكه” فلم يبق له باقية، و لا بقيت لفارس رياسة في أقطار الدنيا.

* و قال صلى الله عليه و سلم لعتبة بن أبي لهب:” اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ” فأكله الأسد.

* و دعا صلى الله عليه وسلم على الحَكَم بنِ أبي العاص- و كان يختلج بوجهه و يغمز عند النبي صلى الله عليه و سلم ( كان يفعل ذلك ردا لكلامه و استهزاء و سخرية) – فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:” كذلك كُن” فلم يزل يختلج إلى أن مات .

معاشر المومنين، تلك بعض الآثار المروية عنه صلى الله عليه وسلم في إجابة الدعاء و هي كثيرة، و إنما اقتصرنا على ذكر بعض منها مما ذكره القاضي عياض في كتابه: “الشفاء“.

* وأما كراماته صلى الله عليه و سلم و انقلاب الأعيان له فيما لمسه و باشره فكثير أيضا ومنه:* أنه نخس جمل جابر- و كان قد أعيى – فنشط حتى كان ما يملك زمامه.و صنع مثل ذلك صلى الله عليه و سلم بفرس لجُعيل الأشجعي: خفقها بمخفقة معه و برك عليها( مسح عليها) فلم يملك جعيل رأسها نشاطا، و باع من بطنها باثني عشر ألفا.

* و ركب صلى الله عليه وسلم حمارا قطوفا( أي يبطئ السير) لسعد بن عبادة فرده هملاجا لا يُسايَر (سريع السير)

* وكانت شعرات من شعره صلى الله عليه و سلم في قلنسوة خالد بن الوليد فلم يشهد بها قتالا إلا ورُزق النصر .

* و سكب صلى الله عليه و سلم من فضل وَضوءه في بئر قـُباء فما نزفت بعد (أي فما نقصت)

* و بزق صلى الله عليه و سلم في بئر كانت في دار أنس فلم يكن بالمدينة بئرٌ أعذبَ منها.

* و مر صلى الله عليه و سلم على ماء، فسأل عنه، فقيل له : اسمه بيسان و ماؤُهُ مِلحٌ، فقال:” بل هو نعمان و ماؤه طيب” فطاب.

* و أُتي صلى الله عليه و سلم بدلو من ماء زمزم فمج فيه، فصار أطيب من المسك.

* و أعطى صلى الله عليه و سلم الحسن و الحسين لسانـَهُ فمصَّاهُ، وكانا يبكيان عطشًا، فسكتا .

* و كان صلى الله عليه و سلم يتفل في أفواه الصبيان المراضع فيجزئهم (أي يكفيهم) ريقه صلى الله عليه و سلم إلى الليل.

* و أعطى صلى الله عليه وسلم قتادة بنَ النعمان- وصلى معه العشاء في ليلة مظلمة مطيرة – عَرجُونا و قال:” انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرا و من خلفك عشرا ( أي عشرة أذرع)، فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان“، فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته، و وجد السواد فضربه حتى خرج.

* و دفع صلى الله عليه و سلم لعُكاشة جَذلَ حطبٍ حين انكسر سيفـُه يوم بدر و قال له:”اضرب به” فعاد في يده سيفاً صارماً، طويلَ القامة، أبيضَ شديدَ المتن، فقاتل به، ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف إلى أن استـُشهـِد في قتال أهل الردة، وكان هذا السيف يُسمى العون .

فانظروا معاشر المؤمنين إلى هذا النبي الكريم الذي أكرمنا الله بالانتماء إليه، وتفكروا في القدر العظيم الذي لديه، ورددوا معنا مثل ما كان يردده علماؤنا و شيوخنا الأفاضل في ختام دروسهم الوعظية في المحافل :

محمــد بشـــر لا كالبشــــــرِ بل هــو كالياقوت بين الحـجـرِ

و إنما نسبتــه بين البشـــــــرْ كنسبة الياقوت من بين الحجرْ

جعلنا الله و إياكم ممن شملته عطفة المدد و السؤدد من فيوضات سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه و سلم صلاة تملأ المكان و الأبد آمين

سبحان ربك رب العزة عما يصفون

و سلام على المرسلين ، و الحمد لله رب العالمين .

*** الخطبة الثانية ***

* الحمد لله على نواله و إفضاله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي الصادق الزكي و على آله ، وعلى جميع من تعلق بأذياله، و نشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده ورسوله و بعد :

أيها المؤمنون إن مما فضل الله به هذه الأمة و شرفها، فامتازت به عن كل ما سواها من الأمم، أن قبر النبي صلى الله عليه و سلم معلوم عندها بيقينٍ و تواتر، لا شك فيه و لا ريب، بينما قبور غيره من الأنبياء لا تُعلم، و ما يقال في بعضها أنه قبر النبي فلان فهو قول لا يُجزم، و أما نبينا صلى الله عليه وسلم فترِدُ الناسُ من البعد و القرب كل وقت و حين إلى قبره الشريف صلى الله عليه و سلم، وتتكبد مشاق السفر و عناءه و نفقاته، مع امتلاء القلوب بالعلم و اليقين الكامل على أنه صلى الله عليه و سلم في هذا المكان المشهود، و أن هذا مسجده و هذه حجراته و مساكن زوجاته أمهات المومنين، و أن هذه روضته المطهرة، وهذا شرف و فضل لم يثبت لغيره عليه السلام، ومزية لم تحصل لغير هذه الأمة المحمدية بين الأنام، ففي ترتيب المدارك للقاضي عياض قال الإمام مالك رضي الله عنه للخليفة المهدي : يا أمير المؤمنين! إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك و يسارك، و هم أولاد المهاجرين، فسلم عليهم، فإنه ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة، فقال له المهدي: و من أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: لأنه لا يُعرف قبر نبي اليوم على وجه الأرض غيرُ قبر محمد صلى الله عليه و سلم، و مَن قبْرُ محمدٍ عندَهم فينبغي أن يُعلم فضلهم على غيرهم. و القبر الشريف -أيها المؤمنون- موضع تَنَزُّّلِ الرحمة الإلهية، فقد روى الحافظ إسماعيل القاضي بن كعب حديثا في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم :” ما من فجر يطلع إلا و ينزل سبعون ألف ملك من الملائكة حتى يَحُفُّوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي صلى الله عليه و سلم حتى إذا أمسوا عرجوا، و هبط سبعون ألفا حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم، و يصلون على النبي صلى الله عليه و سلم. سبعون ألف بالليل. و سبعون ألف بالنهار“، لا أحرمنا الله من زيارته عليه السلام و مجاورة مقامه مع الأدب و الاحترام،

هذا و أكثروا أعانكم الله معاشر المؤمنين من الصلاة والتسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم.

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق و الخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق،و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حق قدره و مقداره العظيم. صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، و تقضي لنا بها جميع الحاجات و تطهرنا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها أعلى الدرجات و تبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة و بعد الممات، آمين. وارض اللهم عن أصحاب رسولك، و خلفاء نبيك القائمين معه و بعده على الوجه الذي أمر به، و ارتضاه و استنه خصوصا الخلفاء الأربعة والعشرة المبشرين بالجنة، و الأنصار منهم والمهاجرين، و عن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين، وعن أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، اللهم انفعنا يا مولانا بمحبتهم و انظمنا يا مولانا في سلك ودادهم، و لاتخالف بنا عن نهجهم القويم وسنتهم.

[ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب] [ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لاتجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم]

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين و الحمد لله ربالعالمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق