مقالات

الطريقة التجانية تاريخ وتحد

التصوف السني طريقة في تنزيل التدين منزلته زمانا ومكانا معتمدا في ذلك على التطوع بالعمل المقرب إلى حضرة المعبود بحق رب العالمين، الآمر في كتابه العزيز بالإكثار من ذكره والصلاة على حبيبه، فكان النهج والطريق، اجتمع عليه أقوام وتلذدوا بحلو الخطاب مجتمعين عليه ومتفرقين علي، لا يجمعهم غير حب الله ورسوله وشيخهم المفيض والممد لهم من الحضرة المصطفوي. بالتوجيه الرباني الخير.

 

بسم الله

و الصلاة على رسول الله الفاتح الخاتم و على آله و صحبه و سلم

الطريقة التجانية من أكثر الطرق الصوفية انتشارا في العالم، ففي نيجريا وحدها “55” مليون تجاني، بل إن البعض يقدر عدد أتباع هذه الطريقة بـ : “450” مليون نسمة وهو ثلث عدد المسلمين في العالم..
مؤسس هذه الطريقة هو الشيخ سيدي أحمد التجاني المولود سنة 1150 هـ فى عين ماض بالجزائر حيث عاش وتربى قبل أن يبدأ رحلته العلمية التى قادته الى الكثير من علماء عصره . وفد استقر بفاس بالمغرب سنة 1213 هـ ، حيث استضافه وأكرم وفادته ملك المغرب حينها السلطان مولاي سليمان الذى أهداه أحد قصوره وهو “دار المرايا “التى كان يقيم بها مجالس الذكر والعلم ويستقبل بها الوفود قبل أن يقيم زاويته.

*ثناء من علماء عصره*

أثنى عليه علماء عصره من كل قطر .. يقول عنه السيد محمد بن جعفر الكتانى ( من المغرب ) فى كتابه ” سلوة الانفاس ” : ” هوالشيخ الواصل ، القدوة الكامل ، الطود الشامخ ، العارف الراسخ ، جبل السنة والدين ، وعلم المتقين والمهتدين ، العلامة الدراكة المشارك الفهامة ، الجامع بين الشريعة والحقيقة ، الفائض النور والبركات على سائر الخليقة، الواضح الآيات والأسرار، ومعدن الجود والافتخار، البحر الزاخر الطامي، المعروف بخصوصيته بين الخاص والعام، نادرة الزمان ومصباح الأوان القطب الجامع والغوث النافع أبو العباس مولانا أحمد بن الولي الكبير والعالم النحرير أبي عبد الله محمد فتحا بن المختار بن أحمد بن محمد فتحا بن سالم الشريف الحسني الكامل التجاني يرجع نسبه إلى الإمام محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل”.
ويقول عنه سيدي عبد الله بن أحمد دام الحسني (من موريتانيا) وقد عاصر الشيخ التجاني:

من كان في مــذهب التـجاني ممتريا   فإنــنــي لــكــمـــال الشـيــخ معـتـقـد
مـن ينـظــر الكـتــJJب التـي أفـاد بـها    يـنـظــــر كــــــلام مـحـــق كـلـه رشـد

ويقول عنه سيدي إبراهيم الرياحي (من تونس) في كتابه “مبرد الصوارم والأسنة”: “الشيخ من الرجال الذين طار صيتهم في الآفاق وسارت بأحاديث بركاتهم وتمكنهم في علمي الظاهر والباطن طوائف الرفاق.. وكلامه في المعارف وغيرها من أصدق الشواهد على ذلك”.. توفي الشيخ سيدي احمد التجاني سنة 1230هـ.

*مسار التجانية في إفريقيا*

لقد انتشرت الطريقة التجانية في موريتانيا وإفريقيا بواسطة الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن احبيب العلوي المتوفي سنة 1247هـ الذي أجازه الشيخ التجاني مباشرة ومكث معه ثلاث سنوات في فاس قبل أن يعود إلى موريتانيا.
وقد تخرج على يديه العديد من جهابذة المشايخ والعلماء منهم خليفته السيد محمدى بن سيدى عبد الله “بدى ” الملقب بحسان الطريقة المتوفى سنة 1264 هـ .
ومنهم كذلك سيدي مولود فال المتوفي سنة 1267هـ الذي لقن الطريقة للسيد عبد الكريم الناقل الذي لقن الطريقة -بدوره- للعالم المجاهد سلطان الطريقة الحاج عمر الفوتي المولود 1213هـ.
والحاج عمر الفوتي جاهد من أجل تأسيس دولة إسلامية في إفريقيا وامتد سلطانه من نيجيريا إلى حدود موريتانيا ورافقه علماء ومشايخ موريتانيون في رحلة الجهاد مثل أحمد بن محم وأولاد انبوجه.. ودافع العديد من العلماء عنه مثل أحمد بن بدي في كتابه “الدرع والمغفر في الذب عن الشيخ عمر”..
وسقطت الدولة العمرية على أثر المواجهات غير المتكافئة مع القوات الاستعمارية الفرنسية التي أحست بخطر هذه الدولة على مستقبلها في إفريقيا..
ولكن الطريقة التجانية بقيت قوية في إفريقيا وظهر فيها مشايخ حافظوا على هذه الطريقة مثل الحاج مالك سي المولود 1264هـ والمجاهد الحاج عبد الله إنياس والد الشيخ إبراهيم إنياس الذي هو مجدد القرن العشرين وناشر الطريقة التجانية في إفريقيا والعالم..

*الخلافة في أبناء الشيخ التجاني*

وفي هذه الفترة المتميزة من تاريخ الطريقة التجانية وهي الفترة التي عاش فيها الشيخ إبراهيم انياس “من 1900 إلى 1975” كانت الخلافة في أبناء الشيخ التجاني عند سيدي الطيب بن سيدي أحمد عمار التجاني الذي عاش بمراكش بالمغرب وتوفي سنة 1974..
وانتقلت الخلافة من بعده إلى سيدي علي بن سيدي محمود بن سيدي البشير إلى أواخر الثمانينيات حيث انتقلت الخلافة بعد وفاته إلى سيدي عبد الجبار بن سيدي إحمد عمار.. ومنه انتقلت الخلافة إلى الخليفة الحاج محمد بن سيدي محمود بن سيدي البشير -تغمده الله برحمته- ثم إلى الخليقة الحالي سيدي  علي التجاني بن سيدي محمد بن سيدي عمار بن سيدي علال بن سيدي احمد عمار بن سيدي محمد الحبيب نجل القطب المكتوم الشيخ الأكبر مولانا احمد التجاني رضي الله عنه وهؤلاء كلهم عاشوا في عين ماض بالجزائر..
أما الخلافة في دكار فقد انتقلت بعد وفاة السيد محمد الحبيب بن سيدي محمود سنة 1983 إلى ابنه السيد زين العابدين ثم إلى الخليفة الحالي سيدي أبو طالب أطال الله بقاءه..
أما على مستوى المغرب فكان الملك المغربي الحسن الثاني قد عين بظهير ملكي سيدي البشير بن السيد محمد الكبير بن سيدي البشير شيخا للطريقة التجانية..
وفي الـ 22 صفر 1430هـ “18 فبراير 2009” عين الملك المغربي محمد السادس بظهير ملكي سيدي محمد الكبير بن السيد أحمد بن السيد محمد الكبير بن سيدي البشير شيخا للطريقة التجانية..

*تظاهرات بالمغرب والجزائر*

ومنذ وفاة السيد محمد الحبيب بن الشيخ التجاني سنة 1983 الذي نقلته الطائرة الرئاسية الخاصة بالرئيس السنغالي إلى جمهورية الجزائر ليدفن في عين ماض.. منذ ذلك التاريخ بدأت الجزائر والمغرب في تنظيم تظاهرات تستدعي لها التجانيين خاصة من القارة الإفريقية.. ففي سنة 1984 نظمت الجزائر زيارة للتجانيين إلى عين ماض..
وفي سنة 1986 نظمت المغرب ندوة في فاس حول الطريقة التجانية حضرها مشايخ وعلماء الطريقة..
وفي سنة 2006 نظمت الجزائر ملتقى دوليا للطريقة التجانية حضره التجانيون من كل الأقطار، واحتضنته زاوية عين ماض..
وفي الـ 11 جمادى الثانية 1428هـ “27 يونيو 2007” شهدت فاس تنظيم جمع عظيم للمنتسبين للطريقة التجانية جرى تحت الاشراف المباشر لوزير الأوقاف المغربي والرعاية السامية لجلالة الملك المغربي محمد السادس الذي ذكر في رسالته التي وجهها للتجمع بدور الملوك العلويين في رعاية مشايخ الطريقة التجانية ومساعدتهم على نشر التربية الروحية وترسيخ قيم الاسلام المثلى على منهج التصوف السني..
وفي الـ 4 نوفمبر 2008 جري تحت الرعاية السامية لفخامة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة تنظيم الملتقى الدولي الثاني للطريقة التجانية وذلك بزاوية قمار التابعة لولاية الوادي جنوب الجزائر.. وهذه الزاوية هي الأولى في تاريخ الطريقة التي تأسست بأمر من القطب المكتوم الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه في عام 1204هـ “1789”..
واتخذ هذا الملتقى عنوانا له “الخطاب الصوفي التجاني: زمن العولمة”..

تظاهرة بفاس

بمناسبة ذكرى مرور 200 سنة على وفاة الشيخ التجانى نظمت المشيخة التجانية بالمغرب تظاهرة كبرى جرت تحت الرعاية السامية لجلالة الملك المغربي محمد السادس وتنادى لها التجانيون من داخل المغرب ومن خارجه..
فعلى مدى ثلاثة أيام “8 – 9 – 10 اكتوبر 2009″، سعد المئات من التجانيين بزيارة ضريح الشيخ التجاني، والتمتع بحضور مجالس لذكر الله في الزاوية التجانية: هيللة واستغفار وصلاة على النبي المختار بالعشي والابكار، وكذلك إنشاد ديني أدته فرق متخصصة، ومحاضرات حول حياة الشيخ التجاني وقصائد مديحية، وكلمات وخطب باسم الوفود المشاركة.
في جو الزاوية التجانية العبق بفاس القديمة التي كانت تعرف بمدينة الألف مئذنة تجمع مشايخ وعلماء الطريقة التجانية القادمون من أكثر من 30 دولة في العالم ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله.. جاءوا من كل حدب وصوب ليجددوا تمسكهم بالعهود ويتعرضوا لنفحات زيارة خاتم الأولياء وممدهم في دار دنياهم الشيخ التجاني..
من أفغانستان في أقصى الشرق تحدث أحد مشايخ الطريقة التجانية في هذا البلد وقال: “أنا حنفي تجاني وإلى جنبي شافعي تجاني وحنبلى تجانى ومالكي تجاني.. رغم اختلافنا في المذاهب فقد جمعتنا الطريقة التجانية التي توحد بين المسلمين.. وأنا أعتز بانتمائي لهذه الطريقة”..
من أقصى الغرب ساحل العاج قال المتحدث باسم الزاويا التجانية أن الإسلام في ازدياد من خلال أهل هذه الطريقة وقال أنه هو الناطق الرسمي باسم المسلمين في تلك البلاد إلى جانب أنه الناطق باسم الزوايا التجانية..
المتحدث باسم التجانيين في نيجيريا أكثر البلدان الإفريقية سكانا قال إن أهل نيجيريا متمسكون بالطريقة التجانية التي هي طريقة العلماء والانتماء إليها يتطلب تأهيلا وتوفيقا ولا ينخرط فيها كل من هب ودب – حسب تعبيره -، وقال إن التجانيين في نيجيريا وحدها يزيدون على “55” مليون تجاني..
إلى جانب هؤلاء تبادل على منصة الخطابة في هذا المحفل المهيب مشايخ وعلماء من موريتانيا والمغرب والسنغال والسودان ومصر ومن بلدان أخرى ثمنوا مبادرة تنظيم هذه التظاهرة مهنئين السيد محمد الكبير بن السيد أحمد بن الشيخ التجاني شيخ الطريقة التجانية في المغرب على نجاح هذا اللقاء، وشاكرين الملك المغربي محمد السادس على حسن رعايته وعنايته بالطريقة التجانية وأهلها..
وكان الملك المغربي قد أصدر ظهيرا ملكيا في الـ 18 فبراير 2009 عين بموجبه السيد محمد الكبير بن السيد احمد التجاني شيخا للطريقة التجانية؛ وسلم الملك المغربي هذا الظهير للسيد محمد الكبير بمسجد القرويين يوم الجمعة 27 فبراير 2009.. وهي خطوة من السلطات المغربية تظهر المزيد من العناية بالتجانيين في هذا البلد.
وكل الذين حضروا هذه التظاهرة التي نظمت بالمغرب أشادوا بحكمة وحنكة السيد/ محمد الكبير بن السيد احمد التجاني الذي هو شخصية علمية محبوبة في الأوساط التجانية..

* ترميم “دار المرايا” عيد للتجانيين*

وتميزت هذه التظاهرة كذلك بإعلان وزير الأوقاف المغربي، خلال أيام هذه المناسبة أن الملك المغربي محمد السادس أمره بترميم “دار المرايا” وهي الدار التي كان يسكنها الشيخ التجاني خلال حياته. وكان يقيم بها “الوظيفة” – مجلس الذكر- قبل بناء زاويته كما كان يستقبل فيها الوفود القادمة إليه من مختلف المناطق..
وسعى التجانيون في السنوات الأخيرة إلى ترميمها لتبقى مزارا لهم؛ إلا أن الملك المغربي اتخذ المبادرة ليؤكد عنايته بهذه الطريقة وأهلها..
وثمن العديد من الشخصيات التجانية التي حضرت في فاس هذه المبادرة وأعربوا عن شكرهم وامتنانهم للملك المغربي عليها..
ودار المرايا تمتد على مساحة “600” متر مربع.. ويكلف ترميمها 6 ملايين درهم مغربي حوالي “500 الف يورو”..وسيكتمل في ظرف 24 شهرا، كما أعلنت وزارة الأوقاف المغربية؛ والدار من الوقف التابع للزاوية التجانية بفاس..
لقد كان هذا اللقاء وماسبقته من لقاءات مناسبة أبرز فيها التجانيون حرصهم على إشاعة مثل الخير والمحبة التى يدعو لها ديننا الاسلامى الحنيف الذى ينتشر اليوم على أوسع نطاق من خلال هذه الطريقة الصوفية ذات المنهج الربانى .

محمد الحافظ ولد محم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق