مقالات

الرؤية الصوفية للجمال/ أحمد بلحاج آية وارهام

خاض العلماء في التصوف بين مؤيد ومعارض ووجهت له سام مسمومة نخرت جسم أدعية التصوف فأطاحت بمملكتهم عند العوام لكن الصوفية الحقة ما زادها هذا الهجوم إلا مناعة وقوة، لأن التصوف الحق هو الرَّتْعُ في رياض الجمال برؤية فنية بعيدة عن كل خادش في لوحاته الفنية الرائعة، والأستاذ الباحث الأديب الصوفي أحمد بلحاج آية وارهام يوقفنا على ضفاف الجمال بطريقته النبيلة الرقيقة.

 

الأستاذ الباحث السيد:  آية بلحاج وارهام

 

الرؤية الصوفية للجمال

وتنهضُ حقيقية الجمال لديها على الوحدة والعشق والانسجام، فهي ترى – وعلى امتداد العصور- أن كل الحقائق؛ وضمنَها حقيقة الجمال، سماويةُُ- أرضيةُُ. فما يَظهر لنا أرضيًّا هو في باطنه سماوي، وما يَظهر لنا كذلك سماويا هو في باطنه أرضيُُّ، وذلك لأن العلاقة بين السماء والأرض هي علاقة محبة ووحدة. فالمعرفة هي هدية الله للإنسان (وعَلَّم آدم الأسماء كلها) (1)، وبها تأهلَّ ليكون خليفةَ الله في الأرض، وصانعَ الجمال فيها، لأن دائرة العلاقة اكتملت بينه وبين الله بطاقة المعرفة التي هي عبادة.
وإذن؛
فالعلاقة هي معرفة ارتقائية جمالية، ولا وجود فيها لثنائية الصراع أو فكرة المقدَّس والمدَنَّس. فالحياة لها سِمَةُ الدينامية، وهذه الدينامية تقتضي الحركةَ وتوليدَ الطاقة لاستمرار الحركة، وهذا لا يتم إلا بالاحتكاك والمُقَابَلَةِ، وهذان لا يمثلان صراعًا وتضادًّا، وإنما هما مجاهدة، والمجاهدة أمرُُ داخلي يقوم في النفس بين نوازعِ الحق والسمو، وبين نوازعِ الضلال والهبوط، كما أنها كذلك أمر خارجي يقوم في المجتمعات بين الناس لمواجهة الانحرافات، فدينامية الحركة تنشأ من هنا، وتتولدُ منها طاقة خيّرة مستمرة، تَضمَن استمرارَ الحركة وتكاملها في إِطَارِ الوحدة التكاملية بين الأرض والسماء، وليس في إطار الثنائيات المتصارعة .
ففي إطار الثنائيات الصراعية يبدو طبيعيا التحدثُ عن ثنائيات: الشكل والمضمون، الله والإنسان، السماء والأرض، ولكن في إطار رؤية صوفية “أَحَديةٍ صمديةٍ” لا وجودَ لمثل هذه الثنائيات في الشكل والمضمون، والنفس والجسد، والمادة والروح، واللفظ والمعنى. فالرؤية لحقيقة الجمال أَحَديةُُ صَمَدية، لا أُحَادية، لأنها التمامُ المطلق. فالأُحادية مقبرة للإبداع والحرية، أما الأحديةُ الصمدية فروحُُ جمالية توليدية، تُولِّدُ المتعدِّدَ، ومن المتعدد تنبثق الإبداعاتُ والحريات فيوضاتٍ مُتتاليةً، ولهذا كان مُتعدِّدُ الرؤية الصوفية واحدًا، وواحدُها هو التمامُ المُطلق الذي تتكامل وتتناغمُ فيه كل الإيقاعات المتعددة (2). ولأجل هذا نرى الصوفي يواجه الرؤية التشكيلية العامةَ للتاريخِ والواقعِ والزمن برؤية تشكيلية جمالية تُزلزلُ الأُولَى وتُعَدِّلُها، وتُعيدُ خلقَها من جديدٍ بموازاةٍ رمزيةٍ تُبدي ما في جوهر الكون من جمال.
إن أداة الصوفي الوحيدة هي الرؤية المواجهةُ المُشكِّله لموقف جمالي، ولا تصحُّ الرؤية المُواجِهة إلا بشهود بصائري عالٍ، لأن صحتَها متوقفة على مدى استيعابها فيوضاتِ مُطلق الجمال. فالرؤية الصوفية للجمال هي قهرٌ للضرورة في الكون. وتمزيقُُ للحُجُب، للوصول إلى الحرية التي هي فهمُُ لقوانين الحِكمة التي يَسيرُ عليها الكون، وبذلك تتحول الضرورة التي كانت عمياء إلى ضرورة مُبصرة، تتحول إلى حرية البشر، عندما يكتشفون تلك القوانين. فأعمقُ تحقيق للحرية هو في جوهره أكملُ معرفةٍ بالضرورة.
وبهذا المنحى تكون الرؤية هي (صُوفِيسْتَانْ = أرض الصوفي) التي ما ينفك يرتحلُ فيها، مُكتشفًا ما لَمْ يُكتشفْ بعد، وكاشفًا عَمَّا أَضْمَرَتْه الرؤياتُ الأُخْرَى لِتَسْيِيدِ براءَاتِها، وتخصيبِ مَفَاعِيلِها في الأرض .

هوامش:
1 ـ   سورة البقرة /الآية 31.
2 ـ عبد الفتاح رَوَّاس قلعه جي : مدخل إلى علم الجمال الإسلامي، ط1،دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1141هـ/1991 م، ، ص ص: 112، 111.

أحمد بلحاج آية وارهام
باحث وكاتب وأديب صوفي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق