مقالات

تميز الطريقة التجانية في الميدان الصوفي

هذا البحث الذي يقدمه السيد محمد العراقي الحسيني بين يدي القراء المنصفين، مميز بكل معنى الكلمة، تناول خصائص الطريقة التجانية ومناهجها في التربية وتثبيت دعائم العبادة الحقة والأخلاق الاسلامية الأصيلة والنهج القويم في المعاملات.

 

 

بـسم الله الرحمان الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد و على ءاله و أمته
سلسلــــــة “علوم الدين للجميع”
(2)

تميز الطريقة التجانية في الميدان الصوفي

1. مناهج السلوك في الميدان الصوفي
2. تعريف التصوف وتوضيح مقاصده
3. المستوى المشترك بين المنتسبين للطريقة التجانية
أ- عبادات
ب- أخلاقا
ج- معاملات

1- مناهج السلوك في الميدان الصوفي
إن القارئ لكتب الطريقة التجانية يلفت انتباهه تأكيد كل المؤلفين والعلماء في الطريقة التجانية على أمرين:
– أولا: انتماء الطريقة التجانية للتصوف السني.
– ثانيا: تميز الطريقة التجانية داخل الميدان الصوفي عما سواها من الطرق الصوفية.
التصوف الإسلامي السني يشمل منهجين للسلوك وطريقين للتربية:
– أولا: طريقة السلف الصالح من الصدر الأول وهي طريقة الشكر والفرح بالمنعم والرياضة القلبية وتسمى الطريقة الأولى أو الطريقة الأصلية أو طريقة الفضل والمحبة والرضا والاختصاص (الدرة الخريدة ج1 ص113، البغية ص27، الإراءة ج1 ص11).
– ثانيا: الطريقة التي استنبطها واصطلح على التسليك و التربية بها من بعد القرون الثلاثة الهجرية الأولى وهي طريقة المجاهدة والرياضة البدنية وتسمى الطريقة الثانية أو الأخرى أو طريقة التربية بالاصطلاح (البغية ص27، الإراءة ج1 ص7).
وهذا التمييز بين الطريقتين مجمع عليه عند كبار الصوفية وليس خاصا برجالات الطريقة التجانية. فقد نقل العلامة عبيدة ابن انبوجة الشنقيطي في كتابه “ميزاب الرحمة الربانية” (ص40) عن أخيه في “الجيش الكبير” عن “الذهب الأبريز”: و”طريقة الشكر هي الأصلية وهي التي كانت عليها الأنبياء والأصفياء من الصحابة وغيرهم وهي عبادته تعالى عن إخلاص العبودية والبراءة من جميع الحظوظ مع الاعتراف بالعجز والتقصير وعدم توفية الربوبية حقها وسكون ذلك في القلب على ممر الساعات والأزمان. فلما علم تبارك وتعالى منهم الصدق في ذلك أتاهم بما يقتضيه كرمه من الفتح في معرفته ونيل أسرار الإيمان به عز وجل. فلما سمع أهل الرياضة ما حصل لهؤلاء من الفتح جعلوا ذلك مطلوبهم. فجعلوا يطلبونه بالصيام والقيام ودوام الخلوة حتى حصلوا على ما حصلوا عليه. فالهجرة في الأولى (أي الطريقة الأولى) إلى الله ورسوله لا إلى الفتح ونيل الكشوفات. والهجرة في الطريقة الثانية كانت إلى الفتح ونيل المراتب. والسير في الأولى سير القلوب وفي الثانية سير الأبدان. والفتح في الأولى هجومي لم يحصل في العبد تشوف له بخلاف الفتح في الثانية. والطريقان معا على الصواب لكن طريقة الشكر أصوب وأخلص”.
وأستاذنا العارف بالله الأحسن البعقيلي لا يوافق على إضفاء صفة الصواب على الطريقة الثانية من حيث مقاصدها. فرؤساء وشيوخ وكبراء الطريقة الثانية هم على منهج الصحابة رضوان الله عليهم لأنهم تجردوا كما تجرد صلى الله عليه وسلم. فهم أهل الطريقة الأولى بخلاف أتباعهم. يقول العارف بالله الأحسن البعقيلي: “فكل من عبد من غير غرض فهو محمدي وإنما سلكوا (أي الشيوخ) غيرهم لقصد الرياضة لا غير وهم عارفون أنهم في سلوكهم مسيئون ظالمون” (الإراءة ج1 ص11).
لكن عندما يطالع القارئ الكثير من كتب الطريقة التجانية يجد فيها لغة واصطلاح التصوف بمفهوم الطريقة الثانية ومبادئه وقواعده ووصفاته التربوية من أذكار خصوصية وخلوات وإشارات باطنية ورموز. وهنا يقع له الارتباك والتحير خاصة إذا عرضت هذه المعلومات والمبادئ مع المدح لها والإشادة بها. ويتساءل المنتسب للطريقة التجانية: أين خصوصية الطريقة التجانية وتميزها عن التصوف الإصطلاحي؟
أرى أن ما يعرضه المؤلفون التجانيون في كتاباتهم حول الطريقة التجانية مما له صلة بالتصوف الاصطلاحي الغاية منه:
1- إبراز عمق وسمو وغنى المجال الصوفي.
2- ترقيق القلوب ببسط أحوال وسير رجالات التصوف.
3- إقناع القارئ بأن المؤلف ليس دعيا في الميدان الصوفي بل هو من المتمكنين من علومه ورسومه ومعارفه.
ويتعين الإشارة إلى أن كثيرا من المؤلفين التجانيين لهم رواسب التصوف الاصطلاحي حيث أنهم كانوا منخرطين في طرق صوفية قبل تحولهم إلى الطريقة التجانية.
إن التأكيد على تميز الطريقة التجانية ليس نوعا من الدعاية لها لجلب المريدين إليها باعتبارها طريقة جديدة متأخرة الظهور (القرن الثاني عشر الهجري) تحتاج إلى دعاية وإلى صرف الأنظار عما سواها من الطرق الصوفية. إن التأكيد على تميز الطريقة التجانية شيء جوهري في فهمها وفي الانخراط فيها.
الطريقة التجانية:
1- أخذت جوانب من التصوف العام. فهي تشارك غيرها من الطرق في هذه الجوانب.
2- ثم دعت إلى جوانب أخرى غير متوفرة في الطرق الأخرى أولم تبق متوفرة في الطرق الأخرى.
3- ثم دعت آخرا إلى تجاوز جوانب رأتها من الجوانب التي لا تخدم مقاصد وغايات التصوف السني والإسلام عامة.

2- تعريف التصوف وتوضيح مقاصده
1- التصوف هو التزام حر وإرادي للشخص عن طريق النذر وليس إلزاما. لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مالك رضي الله عنه »من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ( الموطأ ج2 ص30).
2- الالتزام يعني المداومة والاستمرار والتكرار. يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم: »عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر. وإن البر يهدي إلى الجنة. وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا» (رياض الصالحين باب الصدق). “ما يزال” و”يتحرى” هما حقيقة الالتزام. وهو أمر قلبي تظهر حقيقته على الجوارح. فالمتذبذب في الطريق الصوفي هو الذي لم يحكم الالتزام بقلبه واقتصر على الالتزام بلسانه.
3- الالتزام هو عهد بين العبد وربه لا بين المريد وشيخه أو نائبه (المقدم). يقول تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله. يد الله فوق أيديهم} (سورة الفتح الآية 10). وإن اتخذت المعاهدة شكل مصافحة أو مشابكة بين المريد والشيخ. فالشيخ إنما هو شاهد يبارك العهد الذي يبرمه العبد مع ربه.
4- التصوف في أصله التزام بأشياء زائدة عن الواجبات والامتناع عن أشياء زائدة عن المحرمات. فما أوجبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من أركان الدين كالتوحيد والصلوات المفروضة والزكاة والصوم والحج. وما منعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من سائر المحرمات داخل في باب الإلزام الإلهي (الشرعي) الذي لا يحتاج ولا يتوقف على التزام العبد به. فلا نقول مثلا هذا صوفي التزم على نفسه الصلوات الخمس في أوقاتها. فهي واجبة عليه لا تتوقف على قبوله هذا الوجوب أو على إيجابه. وإنما الالتزام الذي يقول به الصوفية هو إيجاب شيء مباح والامتناع عن شيء مكروه أو دون الأولى. كأن يلتزم الرجل بالصلاة في المسجد عددا من المرات في اليوم ويفرغ نفسه لذلك، أو بصدقة معينة أو صيام الاثنين والخميس أو بقيام الليل ساعات معينة أو بزيارة المرضى كل أسبوع أو بكفالة يتيم أو بالامتناع عن الجلوس في المقاهي حفظا لبصره من الوقوع في الحرام أو بالامتناع عن حضور مجلس ليس فيه وقار خوفا من الوقوع في الغيبة وكلام الفحش. إلى غير هذا مما يدخل في إطار المباح والمكروه.
5- التصوف إذن هو حد أدنى من التدين “الزائد” المتمثل في تأدية مجموعة من الوظائف “الزائدة” عن الواجبات والامتناع عن مجموعة من التصرفات “الزائدة” عن الممنوعات. ثم تطور هذا المفهوم ليصبح التصوف عبارة عن التزامات قد تضم ما هو من قبيل الواجب الشرعي وما هو قبيل من المندوبات وما هو من قبيل الوسائل المؤدية إلى هذه الواجبات.
6- التصوف التزام في إطار الشريعة الإسلامية. الصوفي المسلم يتحرك و يعمل ويسلك داخل حدود الشريعة الإسلامية مستندا إلى أصولها وقواعدها ومقاصدها لا يخرج عنها. فهو محكوم بها وإليها ابتداء وانتهاء. وشعار الصوفية كما صرح به أستاذنا وشيخنا صاحب الطريقة مولانا أحمد التجاني رضي الله عنه: “إذا سمعتم عني شيئا فزنوه بميزان الشرع فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه” (كشف الحجاب ص177).
وهذا لا يعني أن جميع تصرفات الصوفية موافقة موافقة تامة للشريعة وأنه لا يصدر منهم ما يخالفها بل فيهم العاصي والمبتدع والكاذب والمتذبذب والفاسق وسيء الاعتقاد والمغالي. وكل هذه التصرفات محسوبة على أصحابها. فلم يدع التصوف أبدا إلى المعصية أو الابتداع أو المغالاة أو سوء الاعتقاد. ثم إن رجالات الصوفية شيوخا أو أتباعا إنما هو نماذج وأمثلة للسلوك الصوفي وليسوا مرجعية للتصوف.
7- التصوف هو حمل النفس على الإلتزام بالموافقة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قصد إرضاء الله عز و جل. هذا النوع من التصوف هو الذي كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعهم في ذلك كبراء وشيوخ الصوفية. أما تصوف المنتمين إلى الطرق الصوفية فالتصوف عندهم هو الالتزام بطريقة شيخ أي بمنهج في التدين يتمثل في حمل النفس على ممارسة جملة من العبادات والأخلاق والمعاملات والتدريب المتوالي عليها قصد التطبع بها والتحقق بنتائجها. (مثلا اجتناب الفحشاء والمنكر بممارسة الصلاة لقول الله إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
فالتصوف عند الصنف الأول هو مستوى عال لا نهاية له وعند الصنف الثاني هو حد أدنى يلتزم به المنتسب. فعند الصنف الأول التصوف تخلق وعند الصنف الثاني هو تدرب على التخلق. ثم إن القدوة عند الصنف الأول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما عند الصنف الثاني هو شيخ الطريقة الصوفية إذ المنتسب للطريق الصوفي هو مقتد بشيخه الذي بدوره يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن القصد من التصوف عند الصنف الأول هو إرضاء الله عز وجل لا وجود لأي حظ من حظوظ النفس بينما القصد عند الصنف الثاني هو الالتزام نفسه (إذ مجرد القيام بما التزم به يخلف لديه ارتياحا ورضا عن نفسه) ثم نتائج وثمرات الممارسات التي التزم بها من عبادات وأخلاق ومعاملات (علامات وأمارات خارجية وكرامات).
8- ثم إن التصوف عند الصنف الثاني (أي في الطرق الصوفية) يضم مستويين اثنين من الإلتزام:
أ- مستوى أول. الالتزام فيه مشترك بين جميع المنتسبين. يمثل حدا أدنى من العبادات والمعاملات والأخلاق.
ب- مستوى ثان. الالتزام خاص بمن طلبه من المنتسبين. يمثل مجموعة من العبادات والأخلاق والمعاملات يخصص بها الشيخ بعض المريدين وهي من باب الوصفات الخاصة. فقد يخصص زيدا بما لم يخصص به خالدا من جميع الوجوه أو من بعض الوجوه. والتخصيص يرجع إلى السلطة التقديرية التي يتميز بها الشيخ. ومؤسس الطريقة التجانية وشيخها مولانا أبو العباس أحمد التجاني رضي الله عنه يندرج تصوفه ضمن تصوف الصنف الأول الذي عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبار رجالات التصوف. أما أتباع الطريقة التجانية فيندرجون في تصوف الصنف الثاني باعتبار كونهم ملتزمين بطريقة شيخ إلا أن مقصدهم يرفعهم ويدرجهم ضمن الصنف الأول.

3- المستوى المشترك بين المنتسبين للطريقة التجانية
ما هو “الحد الأدنى من التدين” الزائد عن الواجب من حيث الإتيان والزائد عن الحرام من حيث الاجتناب الذي تدعو الطريقة التجانية إلى الالتزام به ؟
“الحد الأدنى من التدين” في الطريقة التجانية يشمل ثلاث مجموعات:
1- عبادات
2- أخلاقا
3- معاملات
أ- العبادات
أذكر أن الأمر لا يتعلق بالواجب أو المحرم الشرعيين ولكن بأشياء زائدة عنهما من شأن الملتزم بالزوائد ضمان الوقوف عند الواجب والمحرم. الحد الأدنى في العبادات في الطريقة التجانية:
1- التوبة: وهي استصحاب العزم على ترك المعاصي من الكبائر والصغائر والرجوع إلى الله سريعا بعد المعصية. فارتكاب المعصية لا يخرج من الطريقة التجانية وليس سببا في تجديد العهد. يقول شيخنا رضي الله عنه “فالحذر الحذر من مخالفة أمر الله. وإن وقعت مخالفة والعبد غير معصوم فالمبادرة بالتوبة والرجوع إلى الله. وإن لم يكن ذلك عاجلا فليعلم العبد انه ساقط من عين الحق متعرض لغضبه إلا أن يمن عليه بعفوه” (جواهر ج 2 ص 161). وفي وصيته رضي الله عنه لبعض أصحابه: “وأما ما ذكرت من صعوبة انقياد نفسك عليك لأمر الله ودوامها على التخبط فيما لا يرضى فتلك عادة جارية أقامها الله في الوجود لكل من أهمل نفسه وتركها جارية في هواها أن لا يسهل عليه سبيلا إلى القيام بأمر الله. بل لا يرى من نفسه إلا الخبث والمعاصي والخروج عن أمر الله. ومن أراد تقويم اعوجاج نفسه فليشتغل بقمع نفسه عن متابعة هواها” (جواهر ج2 ص 183).
2- ذكر الورد اللازم: مائة من الاستغفار ومائة من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومائة من الهيللة بصيغة لا إله إلا الله صباحا ومساء. يقول شيخنا أحمد التجاني رضي الله عنه و”يجعل كل واحد منكم وقتا يذكر الله تعالى فيه في خلوة أقل ذلك عدد الورد الذي هو لازم الطريقة. فإن العامل بذلك يجد بركته في جميع مآربه وتصرفاته” (جواهر المعاني ج 2 ص 165).
3- قيام الليل: الحد الأدنى ركعتان قبل الفجر. يتهجد فيهما بما تيسر من القرآن. فقد كان شيخنا أحمد التجاني رضي الله عنه يرغب في ذلك غاية الترغيب حتى كاد أن يجعله ركنا من أركان طريقته. وقد زجر من قال له يا سيدي أنا لا أقدر أقوم قبل الفجر بقوله: “أنت رجل لا تصلح لطريقتنا فاطرح سبحتنا عنك” (الفتح الرباني ص36).

4- قراءة القرءان: الحد الأدنى للمتعلم قراءة حزبين في اليوم والليلة.
5- الصدقة: يقول شيخنا أحمد التجاني رضي الله عنه: “وعليكم بالمحافظة على الصدقات في كل يوم وليلة إن استطعت ولو فلس نحاس أو لقمة واحدة بعد المحافظة على أداء المفروضات المالية (أي الزكاة). فإن عناية الله تعالى بالعامل في ذلك قريب من محافظته على المفروضات في الجماعات (أي الصلوات)” (جواهر ج2 ص 163). وفي نصيحته لبعض الأغنياء من أصحابه، يقول رضي الله عنه: “وكن في وسط الأمرين بين البخل والتبذير يعني توسط في ذلك. واعط لله بقدر اتساع مالك. وقدر مصروفك على أهلك ونوائبك وعلى قدر ما يدخل يدك من التجارة والأسباب في كل وقت. ومن كان عنده خمسون قنطارا من المعهودة عندكم وكان كثير الأهل والعيال وصرف لله في كل يوم مثقالا أجزأه. ولم يطالب بحقوق المال في شيء. فإن زاد وأعطى كل يوم مثقالين فقد أكثر العطاء وإن زاد على المثقالين كل يوم فقد خرج إلى التبذير. وهذا في غير سائل أتاك جائعا” (جواهر ج 2 ص 184).
6- أذكار نبوية: كثرة الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم و ذكر لا إله إلا الله مجردة وذكر لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وقول حسبنا الله ونعم الوكيل. يوصي شيخنا أحمد التجاني رضي الله عنه بقوله “وليكن لكل واحد منكم قدر من هذه الأذكار على قدر الطاقة. فإنه بقدر الإكثار من الأذكار تتناءى عن العبد كثرة المصائب والشرور” (جواهر ج 2 ص 70). يقول رضي الله عنه لمن طلب نصيحته من الإخوان: “فإن كنت تريد نفع نفسك للآخرة فاشتغل بها (أي بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاتح لما أغلق) على قدر جهدك فإنها كنز الهح الأعظم لمن ذكرها. وكل ما تريده من الأذكار فوق الورد فزده منها. فقد نصحتك لله” (جواهر ج 2 ص 183).
7- الذكر الجماعي: الحد الأدنى فيه وظيفة اليوم والليلة وهيللة عصر يوم الجمعة في الجماعة في الزاوية وإن تعسر ففردا. والتعسير المعتبر هنا التعسير المؤقت لا الدائم على طول السنة. خاصة فيما يتعلق بالوظيفة. فقوة السلوك في الطريقة التجانية تكتسب بالمحافظة على الوظيفة والهيللة في الجماعة. والمواهب والواردات الإلهية للحاضرين للوظيفة والهيللة تكون على مستوى أعلى مرتبة روحية وتفرق الواردات على الجميع باعتبار مرتبة الفرد من جهة ومرتبة الجماعة من جهة ثانية. ويحرم من ذلك قاطع الرحم والمقاطع لإخوانه.
8- الصلاة في الجماعة: و هي من شروط الطريقة التجانية يقول شيخنا رضي الله عنه: “وشروط الورد المحافظة على الصلوات في الجماعات والأمور الشرعية” (جواهر ج 2 ص 161). ويقول أيضا رضي الله عنه: “وأديموا الصلوات المفروضة في الجماعات بالمحافظة فإنها متكلفة بالعصمة من جميع المهلكات إلا في نبذ قليلة توجب العقوبات وإن لله سبحانه وتعالى للمداوم عليها عناية وعظيمة” (جواهر ج 2 ص 163). والمحافظة على الصلاة لا تتم إلا بتثقيل هيئتها. يقول مولانا الشيخ رضي الله عنه: “فالواجب لها يعني الصلاة المحافظة لها على شروطها وهي معلومة واستكمال فرائضها وهي مشهورة وتثقيل هيئتها في الركوع والسجود على الحد الذي ذكره صلى الله تعالى عليه وسلم …. واحذروا كل الحذر من الوقوع في الهلاك الذي وقع الناس فيه من عدم مبالاتهم بتكميلهم للصلاة فإنهم ينقرونها نقر الديكة للحب وذلك مبطل” (الرماح ج ص 180). وإنا لنتأسف كثيرا لبعض الزوايا التجانية التي ضيع أئمتها وصية الشيخ رضي الله عنه يسرعون بالصلاة إسراعا شديدا فيبطلونها.
انتهينا من عرض الحد الأدنى للعبادات الزائدة التي تلزمها الطريقة التجانية للمنتسب إليها وهي التوبة والورد اللازم والأذكار النبوية وقراءة القرءان وقيام الليل والصدقة والوظيفة والهيللة في الجماعة والصلاة في الجماعة.
ثماني عبادات تتميز بكونها:
• متفرقة على النهار والليل مما من شأنه أن يديم ربط العبد بمولاه ويجنبه الغفلة.
• غير مستغرقة لأوقات الفقير مما يمكنه من القيام بعمله وبواجباته الأسرية وغيرها.
• متنوعة لتمس أكبر جوانب الشخصية الإنسانية: ففيها ما هو قلبي وما هو لساني وما هو مالي وما هو فكري. وفيها ما هو فردي وما هو جماعي واجتماعي.
ب- الأخلاق
ننتقل إلى المجموعة الثانية: الأخلاق. الحد الأدنى في الأخلاق التي تلزم به الطريقة التجانية أفرادها:
1- الصدق: في القول وفي الفعل وفي الشعور. الصدق أي اجتناب الكذب والخداع هو أول قدم يضعه المريد على طريق التدين والتصوف. والصدق هو أول مقام من مقامات الإيمان فلا يتيسر السلوك لكذاب أو مخادع.
2- عدم لباس حلة الآمن من مكر الله: يقول شيخنا رضي الله عنه “وإياكم والعياذ بالله من لباس حلة الأمان من مكر الله في مقارفة الذنوب باعتقاد العبد انه آمن من مؤاخذة الله له في ذلك. فإن من وقف هذا الموقف بين يدي الحق تعالى ودام عليه (أي لم يتب) فهو دليل على أنه يموت كافرا والعياذ بالله تعالى” (جواهر ج 2 ص 161). وخطورته تكمن في الاستهانة والتجرؤ على مقام الألوهية والعزة. وقد كان كثيرا ما ينشد شيخنا لأصحابه هذين البيتين (الفتح الرباني ص 39):

وآمــن مــكـر الله بالله جــاهــل   وخــائف مـكر الله بالله عـارف
ولا جــاهـل إلا مـــن الله آمــن   ولا عـــارف إلا من الله خـائف

وقد علق شيخنا تحقق جميع الضمانات الإلهية والنبوية التي أعطيها لأصحابه بهذا الشرط.
3- بر الوالدين وعدم عقوقهما: قال شيخنا: “من لم يبر والديه لا يتيسر له سلوك هذا الطريق” (الفتح الرباني ص 38). وقد وجدنا في الطريقة التجانية مقدمين يشترطون موافقة الوالدين لمريد الدخول في الطريقة.
4- الصبر لمجاري الأقدار الإلهية: يقول شيخنا: “ولا تجزعوا من المصائب والبليات فإن الله سبحانه وتعالى ما أنزل العباد في دار الدنيا إلا لتصاريف الأحكام الإلهية والأقدار الربانية مما تضيق به النفوس. فإن من عقل هذا عن الله في تصاريف دنياه تلقى كل مصيبة بالصبر والرضا بالقضاء” (جواهر ج 2 ص 166). ويوصي رضي الله عنه: “وليكن في علمكم أن جميع العباد في هذه الدار أغراض لسهم مصائب الزمان… فمن نزل به منكم مثل ذلك فالصبر الصبر لتجرع مراراتها” (جواهر ج 2 ص 127). ويوصي أيضا: “ووطن قلبك على الثبوت لمجاري الأقدار الإلهية. ولا تعود نفسك الجزع من أمر الله. فإن ذلك مهلك للعبد دنيا وأخرى” (جواهر ج 2 ص 181). ويقول: “ثم الحذر الحذر من تكرر الفزع إلى الله تعالى في كل كرب. فإنك بذلك يصير لك الجزع من أمر الله عادة و لا تنتفع بحياتك” (جواهر ج ص 182).
5- تعلق القلب بالله: يقول شيخنا: “والأمر الذي لا بد منه وهو بداية جميع الأمور ونهايتها هو تعلق القلب بالله بالانحياش إليه والرجوع إليه وترك كل ما سواه عموما وخصوصا” (جواهر ج 2 ص 168).
6- عدم التمسك بالأساليب التربوية المعتمدة في طريق التربية بالاصطلاح: يقول مولانا الشيخ رضي الله عنه “اعلم أن التمسك بما في كتب أهل الخواص من دائرة الشاذلي رضي الله عنه وأسماء الله والحروف والجداول كله كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. ما في جميعها إلا التعب والطمع الذي لا يوجد فيه قليل من الفائدة و لا جدوى من العائدة” (جواهر ج 2 ص 178). وإجابة لطلب أحد أصحابه قال رضي الله عنه “ثم إنك طلبت مني أن آذن لك في زيادة الأذكار والأسماء والآيات والأدعية حيثما أردت وكيفما أردت إلا ما كان من أوراد الشيوخ التي هي لازمة للدخول في طرقهم فلا آذن لك” (جواهر ج 2 ص 183).
7- الصحبة الصالحة: الصحبة الصالحة في الطريق غير الإخوة. فالمسلمون إخوة يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه. ولا يشترط فيها اللقاء والمعاشرة. والفقير أخ لجميع الفقراء المنتسبين لطريقته. الصحبة شرطها الملاقاة والمذاكرة والمعاشرة والإخبار بالأسرار. فالحد الأدنى في الصحبة للفقير التجاني صحبة مقدمه وصحبة أخ له واحد في الطريق لا يكتم عنهما أحواله. والحد الأدنى في الصاحب توفر حظ من العلم ومن الخلق وإلا فهو وبال على نفسه وعلى صاحبه. وشرط الصحبة بين اثنين الموافقة في الطباع وفي المناهج ({إنك لن تستطيع معي صبرا} (سورة الكهف الآية: 67)).
8- التودد إلى الخلق و عدم مقاطعتهم و إذايتهم: وخاصة أهل الطريقة يقول مولانا الشيخ التجاني “من لم يتحفظ على تغيير قلبي من أصحابنا بعدم حفظ حرمة أصحابنا طرده الله تعالى عن قربه و سلبه ما منحه” (الفتح الرباني ص38). ويقول في موضع آخر “وترك المقاطعة مع جميع الخلق وآكد ذلك فيما بينكم وبين الإخوان (يعني في الطريقة). وزوروا في الله تعالى وواصلوا في الله وأطعموا في الله تعالى ما استطعتم في غير تعسير ولا كد” (الفتح الرباني ص38).
9- التعلم والتعليم: يقول شيخنا في وصاياه للاخوان “وليعمل (أي الفقير التجاني) بعضا من أوقاته فيما يجري على يديه من النفع لعباد الله لا عموما بل خصوصا. الأقرب فالأقرب من غير إفراط ولا تفريط. وليكن شديد الاهتمام بحقوق إخوانه في طريقته التي لا يمكن التأخر عنها لكن ملازمة الواجب منها فقط من غير أن يجعلها هجيراه. فان لكل عاقل أوقاتا يخلو فيها بربه لا يمكنه التأخر عنها والاشتغال عنها وأوقاتا يجالس فيها إخوانه في الطريقة لله تعالى لتذكير أو تعليم أو استفادة مما لم يكن عنده من العلم من غير إفراط ولا تفريط” (جواهر ج2 ص190).
10- محبة الشيخ مولانا أحمد التجاني رضي الله عنه: واحترامه والاعتقاد فيه وعدم موالاة من يبغضه يقول مولانا الشيخ “كل من أخذ وردنا يبعث من الآمنين بشرط الاعتقاد وعدم نكث المحبة وعدم الأمن من مكر الله” (الفتح الرباني ص38). ثم المحبة “التربوية” المتمثلة في قصر الهمة عليه وعلى طريقته بعدم التشوف إلى غيره من الأولياء مع احترامهم ومراعاة حرمتهم وحرمة طرقهم.
انتهينا من عرض الحد الأدنى للأخلاق التي تلزمها الطريقة التجانية على أتباعها وهي: الصدق وعدم لباس حلة الأمن من مكر الله وعدم عقوق الوالدين والصبر لمجاري الأقدار الإلهية وتعلق القلب بالله وعدم التمسك بأساليب الطرق الثانية والصحبة الصالحة والتودد إلى الخلق والتعلم والتعليم ومحبة الشيخ مؤسس الطريقة واحترام الأولياء وشيوخ الطرق الأخرى.
عشر أخلاق تتميز بكونها:
• تستغرق جميع علاقات العبد: بينه وبين ربه. بينه وبين نبيه. بينه وبين شيخه مؤسس الطريقة. بينه وبين والديه. بينه وبين مقدمه. بينه وبين إخوانه.في الطريقة. بينه وبين مجتمعه. بينه وبين نفسه. بينه وبين سائر الخلق. بينه وبين الكون والعالم الذي حوله.
• متنوعة وشاملة لأمهات وأصول الأخلاق الإنسانية: الصدق، البر، الصبر، التوكل، الأدب، الصحبة، التودد، التعلم، التعليم، المحبة، الإخلاص.
• ننتقل إلى المجموعة الثالثة: المعاملات. الحد الأدنى في ذلك مما تلزم به الطريقة التجانية أتباعها.
ج- المعاملات
1- العمل: أي البحث عن سبب للعيش. يخبرنا صاحب “الإفادة الأحمدية” بموقف الشيخ مولانا أحمد التجاني من الشاب الذي مكث في الزاوية قاعدا بعد انقضاء الذكر وانصراف الناس فقال له مولانا الشيخ منكرا عليه قعوده ومعلما له “رح يا هذا ابحث لك عن عمل”.
فالمنتسب التجاني لا يكون بطالا عالة على غيره. فالبطال القادر على العمل لا حظ له في السلوك إلا من أقامه الله في مقام الإرشاد في الطريقة. فعمله ووظيفه الإرشاد ونفقته لازمة على الأتباع لأنهم مشتغلون بتحصيل دنياهم وأمور عيشهم وهو مشتغل بتحصيل دينه و دينهم حلى حساب دنياه ومعاشه. فيبحث لهم و يدرس لهم ويؤلف لهم ويتفقدهم. أما ما سوى المرشد أي الذي التزم بالإرشاد (لا فقط الحائز على إجازة التقديم يستعملها وقتما شاء) فيجب عليه الكد والسعي للرزق.
2- الرزق الحلال: ومما جاء في بعض وصايا مولانا الشيخ التجاني “والأمر الثاني مما أوصيك به ترك المحرمات المالية شرعا أكلا ولباسا ومسكنا. فإن الحلال هو القطب الذي تدور عليه أفلاك سائر العبادات ومن ضيعه ضيع عبادة العبادة” (جواهر ج2 ص168). فلا مطمع في الاستقامة لمن لم يطهر رزقه من الحرام.
انتهينا من عرض الحد الأدنى للمعاملات التي تلزم بها الطريقة التجانية المتمسكين بها وهي: العمل والرزق الحلال. معاملتان تشترطهما الطريقة التجانية إذ لا تكتفي بالعمل أي عمل وإنما بالعمل الذي يكسب رزقا حلالا.
إذا تتبعنا في الختام مجموع الالتزامات التي تطالب الطريقة التجانية أتباعها وجدنا عشرين التزاما:
• ثماني التزامات تعبدية
• عشر التزامات أخلاقية
• التزامان في المعاملات
وبمجموع هذه الالتزامات تتكفل الطريقة التجانية بأن تخرج للمجتمع الإسلامي رجالا ونساء وشبابا مسلمين، عالمين، متعلمين، عاملين، تائبين، ذاكرين، متهجدين، متصدقين، رحماء فيما بينهم، متوددين للخلق على اختلاف أصنافهم، محافظين على صلواتهم في الجماعات، رواد للمساجد والزوايا، صادقين في عهودهم، أدباء مع ربهم، متوكلين، بررة لآبائهم وأمهاتهم ولشيوخهم، صابرين، متعلقين بربهم، متمسكين بالسنة، إخوانا.
هذا عرض مجمل “للحدود الدنيا” للطريقة التجانية كوصفة عامة تمهد للرواد – الذين جذبتهم العناية الإلهية إلى الزاوية التجانية واستهوتهم أذكارها ورجالها – الطريق إلى ما هو أعمق.
وأسأل الله تعالى بما سأله به نبيه ومصطفاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم إني أسألك لي ولإخواني في الطريقة وللمؤمنين والمؤمنات صحة في إيمان وإيمانا في حسن خلق ونجاحا يتبعه فلاح ورحمة منك وعافية ومغفرة منك ورضوانا.
وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وأمته.

العراقي الحسيني محمد
04 دجنبر 2003
09 شوال 1424

المؤلف
محمد العراقي الحسيني

• مواليد 1958 م
• دبلوم الدراسات العليا في اقتصاد المقاولات
• إجازة في الدراسات الإسلامية
• عمل أستاذا في المعاهد العليا الحرة للتجارة لمادتي “التدقيق الداخلي” و”مراقبة التسيير”
• عمل في الميدان البنكي والصناعي في “التدقيق الداخلي” و”مراقبة التسيير” و”تدبير الجودة” و”التنظيم”. ويعمل حاليا مدير “التدقيق الداخلي” و”مراقبة التسيير” و”تدبير الجودة” بشركة صناعية
• باحث في “التدقيق الداخلي” و”مراقبة التسيير” و”المالية الإسلامية” و”التصوف” و”علوم الدين”
• أصدر كتابين في “التدقيق الداخلي” بالفرنسية و”فقه صوم رمضان” بالعربية
• له مجموعة من البحوث تحت الطبع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق