مناسبات

حـــلاوة الإيمان

عروض وأبحات

قدمت بمناسبة تدشين الزاوية التجانية الكبرى لسيدي محمد الكبير التجاني

بحي بريمة

27 ماي 2006 / 29 ربيع الثاني 1427

حـــلاوة الإيمان

روى الإمام مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه، عن سيدنا العباس بن عبد المطلب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ذاق طعم([1]) الإيمان، من رضي بالله ربّا، وبالإسلام دينا ومحمد رسولا([2]).

(ذاق طعم الإيمان) المعنى: وجد حلاوته ولذته من اجتمعت فيه الثلاثة.

(من رضي بالله ربا) معنى رضي: قنع، يقال: رضيت بالشيء: قنعت به واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره.

فحينئذ يكون معنى الحديث: لم يطلب غير الله تعالى، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: “معنى الحديث: صح إيمانه، واطمأنت به نفسه، وخامر باطنه، لأن رضاه بالمذكورات دليل على ثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة الإيمان بشاشة قلبه”.

وفي الحديث دليل على أن من لم يكن كذلك لا يجد حلاوة الإيمان، ولا يدرك مذاقه، وإنما يكون إيمانه صورة لا روح فيها، وظاهرا لا باطن له ومرتسما لا حقيقة تحته.

وفيه إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تنعم بملذات المعاني كما تنعم النفوس بملذات الأطعمة.

وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباّ. لأنه لما رضي بالله ربّا استسلم له، وانقاد لحكمه، وألقى قياده إليه، خارجا عن تدبيره واختياره، إلى حسن تدبير الله تعالى واختياره، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض.

ولما رضي بالله ربّا، كان له الرضا من الله، كما قال تعالى: ( رضي الله عنهم ورضوا عنه).

وإذا كان له الرضا من الله، أوجده الله حلاوة ذلك. ليعلم ما منّ به عليه وليعلم إحسان الله إليه. ولا يكون الرضا بالله إلا مع الفهم، ولا يكون الفهم إلا مع النور، ولا يكون النور إلا مع الدنو، ولا يكون الدنو إلا مع العناية.

فلما سبقت لهذا العبد العناية، خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته إمدادات الله وأنواره، عُوفي قلبه من الأمراض، والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته، لصحة إدراكه، ولسلامة ذوقه.

ولو سقم قلبه بالغفلة عن الله – والعياذ بالله تعالى- لم يدرك ذلك، لأن المحموم ربما وجد طعم السكر مرّا…

فإذا مازالت أسقام القلوب، أدركت الأشياء على ما هي عليه فتدرك حلاوة الإيمان، ولذاذة الطاعة، ومرارة القطيعة والمخالفة، فيوجب إدراكها لحلاوة الإيمان اغتباطها به، وشهود المنة من الله عليها فيه، فتطلب الأسباب الحافظة للإيمان ، والجالبة له.

ويوجب إدراكها لذاذة الطاعة، المداومة عليها، وشهود المنة من الله فيها، ويوجب إدراكها لمرارة الكفران والمخالفة، الترك لهما والنفور عنها، وعدم الميل إليها.

وإنما كان كذلك لأن نور البصيرة دالّ على أن المخالفة لله، والغفلة عنه سُمّ للقلوب مهلك، فنفرة قلوب المؤمنين عن مخالفة الله تعالى هي كنفرتك عن الطعام المسموم.

وقوله صلى الله عليه وسلم : ” وبالإسلام دينا” أي ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالإسلام دينا. لأنه إذا رضي بالإسلام دينا، فقد رضي بما رضي به المولى عز وجل واختاره، لقوله تعالى : ( ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة/الآية3. ولقوله تعالى: ( إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران/الآية19، ولقوله تعالى : ( ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آل عمران/الآية 85. ولقوله تعالى: ( وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) البقرة الآية 132. .

وإذا رضي بالإسلام دينا فمن لازم ذلك: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والغيرة على الدين، إذا رأى ملحدا يحاول أن يدخل في الدين ما ليس منه، فيدفعه ببرهانه ، ويقمعه بتبيانه. قال تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله).

وقال عز وجل: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) .

وقوله صلى الله عليه وسلم: ” وبمحمد رسولا ” أي ذاق طعم الإيمان من رضي بمحمد رسولا، فلازم من رضي بمحمد رسولا: أن يكون له ولياّ وبه مقتفيا، وأن يتأدب بآدابه، وأن يتخلق بأخلاقه، زهدا في الدنيا، ورغبة في الآخرة، وشدة في العبادة، وحرصا على الطاعة، وصفحا وعفوا عمن أساء، إلى غير ذلك من تحقيق المتابعة قولا وفعلا، وأخذا وتركا، وحبا وبغضا، لقوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) آل عمران، الآية 31.

فمن رضي بالله استسلم له، ومن رضي بالإسلام عمل له، ومن رضي بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تابعه، ولا تكون واحدة منها إلا بكلها. إذ محال أن يرضى بالله ربّا ولا يرضى بالإسلام دينا، أو يرضى بالإسلام دينا ولا يرضى بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسولا، وتلازم ذلك بين لا خفاء فيه. نقله الإمام القسطاني في المواهب اللدنية ملخصا من كلام ابن عطاء الله.

وقال قبل ذلك: والمقصود: إن ذوق حلاوة الإيمان، أمر يجده القلب، تكون نسبته إليه كذوق حلاوة الطعام إلى الفم…

وللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد، ولا تزول الشبه والشكوك إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحالة، فيباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه ويجد حلاوته. والحديث الشريف الذي قررناه يلتقي تماما مع حديث الصحيح وهو عن أنس ففي الصحيحين وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار”([3]).

فعلق ذوق الإيمان، بالرضا ربّا، وعلّق وجدان حلاوته بما هو موقوف عليه ولا يتم إلا به، وهو كونه سبحانه أحبّ الأشياء إلى العبد هو ورسوله فمن رضي بالله ربّا، رضيه الله له عبدا.

 

[1]طعن بفتح الطاء قال في المصباح المنير: والطعم بالفتح ما يؤديه الذوق فيقال : طعمه حلو أو حامض، وتغير طعمه إذا خرج عن وصفه الخلقي، وفي الصحاح: والطعم بالفتح ما يؤديه الذوق.

[2]أخرجه مسلم برقم : 56.

[3]الحديث في كتاب مسلم رقم 67 وفي النسائي 8/94 وفي مسند الإمام أحمد 3/103 و 174.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق