ذرية الشيخمقالات

خصائص أبناء الشيخ التجاني

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح الخاتم وعلى آله وصحبه أجمعين

 

خصائص أبناء الشيخ التجاني

 

وَتَرَكَ الشَّيْــخُ مِنَ الْأَوْلَادِ

مِنْ بَعْدِهِ لِرَحْــمَةِ الْعِبَادِ

نَجْلَيْنِ مَنْـــهَلَيْنِ لِلْوُرَّادِ

كِلَاهُمـَا كَالْكَوْكَبِ الْوَقَّادِ

كِلَاهُمَا بَســَقَ كُلَّ باَسِقٍ

وَفَاقَ بِالتَّـحْقِيقِ كُلَّ فَائِقٍ

تَرَاهُمَا كَفَرَسَــيْ رِهَانٍ

لِلسَّبْقِ فِي الْمِدْمَارِ يَجْرِيَانِ

كِلَاهُمَا ضَمِنَ طَهَ الْمَعْرِفَهَ

بِرَبِّهِ لَهُ فَيَـــالَهَا صِفَةِ

وَلَهُمَا ضَمِنَ خَـيْراً جَمَّا

مَا خَابَ مَنْ أَتَـهُمَا وَأَمَّا

وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ ذُرِّيَّتِهْ

يُعْطَى مَقَاماً سَامِيّاً كَبُغْيَتِهْ

عَلَى يَدِ الرَّسُولِ سَيِّدِ الْعَرَبْ

جَذْباً بِلَا شَرْطٍ يُرَى وَلَا سَبَبْ

مَا لِي مَفاتِحِ الْكُنُوزِ خَرْذَلَهْ

فِي كُورَةِ الْعَلــَمِ بِالنِّسْبَةِ لَهْ

وَمِنْ ضَمَانِ أَحْمَدَ الْمُخْتَارِ

لَهُمْ غِنـــَاهُمُ بِهَذِ الدَّارِ

خَادِمُهُمْ تُسَبِّحُ الْبَــحَارُ

لَهُ وَمَا فِيهَا كَـذَا الْأَشْجَارُ

وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ حَيْثُ انْتَقَى

لِأَجْلِ خِدْمَةِ بَنِي ذَا الْمُنْتَقَى

فِي أَلْفِ أَلْفِ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ

يَشْفَعُ مِنْ بَني أَبِيهِ ذَا الْوَلِي

ابن بابا الشنقيطي

شرح الأبيات مقتبس بنصه من كتاب بغية المستفيد لبخاري الطريقة سيدي العربي بن السائح رضي الله عنه ونفعنا ببركاته آمين

 

تَرَكَ“: عَقِبَ وَخَلَّفَ. وَ” نَجْلَيْنِ“: تَثْنِيَّةُ نَجْلٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْوَلَدُ. وَ” الْمَنْهَلَيْنِ“: تَثْنِيَّةُ مَنْهَلٍ وَهُوَ مَوْضِعُ النَّهَلِ وَالرَّيِّ. وَ” الْوُرَّادُ“: جَمْعُ وَارِدٍ. وَ” الْكَوْكَبُ“: النَّجْمُ. وَ” بَسَقَ“: طَالَ. وَ”فَاقَ“: سَمَا وَجَاوَزَ. وَ” فَرَساَالرِّهَانِ” مَعْرُوفَانِ. وَهُمَا الْفَرَسَانِ اللَّذَانِ يَتَسَابَقَانِ لاِحْتِيَاِز الرِّهَانِ، وَهُوَ مَا يَتَرَاضَى عَلَيْهِ الْمُتَسَابِقَانِ. وَ” الْمِضْمَارُ“: مَحَلُّ إِجْرَاءِ الْخَيْلِ. وَ” طَهَ“: مِنْ أَسْمَائِهِ صلى الله عليه وسلم. وَ” الْمَعْرِفَةُ“: الْمَعْرِفَةُ بِاللهِ تَعَالَى الَّتِي يَنْظُرُ صَاحِبُهَا إِلَى الْحَقِّ بِبَصَرِ الإِيمَانِ، فَيُغْنِيهِ عَنْ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ.

وَ”الْجَذْبُ“: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الاِجْتِبَاءُ وَالاِصْطِفَاءُ. قَالَ سَيِّدُنَا t: “الاِجْتِبَاءُ هُوَ جَذْبُ اللهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ إِلَى حَضْرَةِ قُدْسِهِ بِحُكْمِ الْفَضْلِ وَالْجُودِ وَالْعِنَايَةِ بِلاَ تَقَدُّمِ سَبَبٍ مِنَ الْعَبْدِ”.

وَ”مَفَاتِيحُ الْكُنُوزِ“: هُمْ رُؤُوسُ الأَفْرَادِ الْخَارِجُونَ عَنْ حُكْمِ الْقُطْبِ. وَالْغِنَى: بِالقَصْرِ ضِدُّ الْفَقْرِ. وَمَعْنَى “انْتَقَى“: إِخْتَارَ، وَالْمُرَادُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، وَ” الْمُنْتَقَى“: الْمُخْتَارُ.

يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَخَلَّفَ سَيِّدُنَا t بَعْدَ انْتِقَالِهِ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ، وَالْمَنَازِلِ الْقُدْسِيَّةِ[1] الْفَاخِرَةِ، وَلَدَيْنَ جَلِيلَيْنِ، سَيِّدَيْنِ كَرِيمَيْنِ. أَحَدُهُمَا الْعَارِفُ بِاللهِ تَعَالَى سَيِّدِي مُحَمَّدُ الْمُلَقَّبُ بِالْكَبِيرِ، وَالثَّانِي صِنْوِهِ سَيِّدِي مُحَمَّدُ الْمُلَقَّبُ بِالْحَبِيبِ ذُو الْفَضْلِ الشَّهِيرِ وَالْجَاهِ الْخَطِيرِ، خَلَّفَاهُ مِنْ بَعْدِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالإِرْشَادِ، وَالنَّفْعِ الْعَمِيمِ لِلْعِبَادِ، كِلاَهُمَا بِمَا حَازَاهُ وَسَنَي[2] الْمَفَاخِرِ، يُضِيءُ فِي سَمَاءِ مَجْدِهِ وَسُؤْدَدِهِ كَالْكَوْكَبِ الزَّاهِرِ، قَدْ سَمَا فِي ارْتِقَائِهِ لِمَدَارِجِ الْمَعَالِي، كُلُّ مُتَسَامٍ لِلرُّتَبِ الْعَوَالِي. فَكَانَا فِي تَسَابُقِهِمَا لِمَقَامَاتِ الْعِرْفَانِ، كَمِثْلِ فَرِسَيْ رِهَانٍ.

كَيْفَ وَقَدْ ضَمِنَ لَهُمَا جَدُّهُمَا سَيِّدُ الْوُجُودِ، كَمَالَ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَلِكِ الْمَعْبُودِ. كَمَا ضَمِنَ لَهُمَا الْخَيْرَ الْعَظِيمَ، وَالْمَدَدَ الْجَسِيمَ. وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ الاِحْتِلاَمَ، مِنْ ذُرِّيَّةِ هَذَا الإِمَامِ، يُمْنَحُ مِنْ رَبِّ الأَنَامِ، أَسْمَى مَرْتَبَةٍ وَأَسْنَى مَقَامٍ، بِالاِسْتِفَاضَةِ مِنَ الْحَضْرَةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، مِنْ طَرِيقِ الاِجْتِبَائِيَّةِ وَالاِصِطِفَائِيَّةِ، مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلاَ سَبَبٍ فِي ذَلِكَ، بَلْ مَحْضُ الْوَهْبِ مِنَ الرَبِّ الْمَالِكِ.

وَيُفَاضُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ حَضْرَةِ رَبِّ الْعِبَادِ، مَا تَكُونُ فُيُوضَاتُ رُؤُوسِ الأَفْرَادِ، بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَنِسْبَةِ الْخَرْدَلَةِ مِمَّا يُفَاضُ عَلَى سَائِرِ الْعَوَالِمِ مِنَ الأَمْدَادِ. وَمِمَّا ضَمِنَهُ لَهُمْ جَدُّهُمْ سَيِّدُ الأَرْسَالِ، الْغِنَى التَّامِ، الَّذِي لاَ يَخْشَى مَعَهُ الْفَقْرُ بِحَالٍ.

وَمِنْ كَرَامَاتِهِمْ وَمَزَايَاهُمْ الْغِزَارِ، أَنَّ مَنْ كَانَ فِي خِدْمَتِهِمْ يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُ تَسْبِيحِ الْبِحَارِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْحِيتَانِ وَالدَوَّابِّ وَكَذَلِكَ ثَوَابُ تَسْبِيحِ الأَشْجَارِ، وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابِ شَاءَ، ]ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُوتِيهِ مَنْ يَشَآءُ، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[3][.

وَمَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الأَبْيَاتِ مِنْ أَنَّ سَيِّدَنَا رضي الله عنه خَلَّفَ نَجْلَيْهِ الْكَرِيمَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّهُمَا بَرَزَا فِي مَيَادِينِ الْكَمَالاَتِ تَبْرِيزاً ظَاهِراً، وَحَازَا مِمَّا لِوَالِدِهِمَا t مِنَ الْبَرَكَاتِ وَالأَسْرَارِ حَظّاً وَافِراً، وَأَنَّ وَالِدَهُمَا رضي الله عنه وَعَنْهُمَا أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَمِنَ لَهُمَا الْمَعْرِفَةَ بِاللهِ، وَضَمِنَ لَهُمَا خَيْراً كَثِيراً، بَعْدَ أَنْ أَوْصَاهُ y عَلَيْهِمَا، فَكُلُّهُ مِمَّا بَلَغَنَا مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ مِنْ فُضُلاَءِ أَصْحَابِ سَيِّدِنَا رضي الله عنه، وَحَقَّقْنَاهُ سَمَاعاً مِنْهُمْ كَمَا حَقَّقُوهُ كَذَلِكَ عَنْهُ رضي الله عنه.

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ، أَعْنِي النَّاظِمَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، مِنْ فَضَائِلِ ذُرِّيَّتِهِ، فَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ فِيمَا نَسْتَحْضِرُهُ الآنَ. وَلاَ شَكَّ أَنَّ النَّاظِمَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى مَا أَتَى بِهِ حَتَّى كَانَ خَبَرُهُ عِنْدَهُ مِنَ الْمَرْوِي عَنِ الشَّيْخِ الثَّابِتُ الصَّحِيحُ، فَفِيهِ الْكِفَايَةُ الَّتِي لاَ يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى تَصْحِيحٍ. وَأَعْهَدُ لِمَنْ وَقَفَ مِنَ الإِخْوَانِ عَلَى شَيْءٍ ثَابِتٍ عَنِ الشَّيْخِ فِي هَذَا أَنْ يَلْحَقَهُ فِي هَذَا التَّقْيِيدِ بِهَذَا الْمَقَامِ.

هَذَا وَغَايَةُ مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ مِنَ الْخَصَائِصِ لِذُرِّيَّةِ الشَّيْخِ رضي الله عنه الإِخْبَارُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَلْحَقَهُمْ بِهِ t فِي بَعْضِ مَرَاتِبِ الْفَضْلِ الثَّابِتِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلُوا بِعَمَلِهِ كَرَامَةً لَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى. وَهَذَا مِمَّا لاَ نِزَاعَ فِي جَوَازِهِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ]وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَتُهُم[4][الآيَةُ أَنَّ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِينَ كِبَاراً كَانُوا أَوْ صِغَاراً يَلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ فِي الْمَرَاتِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ مَرَاتِبِ الآبَاءِ شَيْءٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: »إنَّ اللهَ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِن فِي دَرَجَتِهِ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ» وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

ثُمَّ أَشَارَ النَّاظِمُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى مَا يَخُصُّ بَنِي أَبِيهِ، وَخَاصَّةً قَرَابَتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ[5]، فَقَالَ:

فِي أَلْـفِ أَلْفِ مَـرْأَةٍ وَرَجُـلِ

يَشْفَـعُ مِنْ بَـنِي أَبِيـهِ ذَا الـوَليِ

وَمَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ وَاضِحٌ.

وَلَمْ يَبْلُغْنِي مِنْ كَلاَمِ الشَّيْخِ رضي الله عنه شَيْءٌ أَسْتَحْضِرُهُ الآنَ. وَهُوَ مِمَّا لاَ غَرَابَةَ فِيهِ، وَخُصُوصاً مِنْ أَمْثَالِ سَيِّدِنَا رضي الله عنه. إِذْ غَايَتُهُ حُصُولُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ لِمَنْ ذُكِرَ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَفَاعَةَ الأَخْيَارِ ثَابِتَةٌ فِي الشَّرْعِ. قَالَ اللَّقَانِي فِي جَوْهَرَتِهِ:

وَغَيْرُهُ مِنْ مُرْتَضَى الأَخْيَارِ

يَشْفَعْ كَمَا[6] قَدْ جَاءَ فِي الأَخْبَارِ

وَفِي شَرْحِهَا: “كَالأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَالْمَلاَئِكَةِ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَفِي الْخَبَرِ: »أَكْثِرُوا مِنَ الإِخْوَانِ فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَفَاعَةٌ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ».

وَفِي الْخَبَرِ أَيْضاً عَنْهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: »لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ»، قَالُواْ: سِوَاكَ يَا رَسُولُ اللهِ. قَالَ:»سِوَايَ»، وَفِي رِوَايَةٍ »أَكْثَرُ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرٍ». وَقِيلَ فِي هَذَا الرَّجُلِ: إِنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانُ رضي الله عنه، وَقِيلَ: هُوَ أُوَيْسُ الْقَرْنِي. أُنْظُرْ شُرُوحَ الْحَدِيثِ.

وَفِي الْخَبَرِ أَيْضاً عَنْهُ صلى الله عليه وسلم:»يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَا فُلاَنُ قُمْ فَاشْفَعْ. فَيَقُومُ فَيَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ، وَلأَهْلِ الْبَيْتِ، وَالرَّجُلِ، وَالرَّجُلَيْنِ، عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ».

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضاً عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:»يُصَفُّ يَومَ الْقِيَامَةِ صُفُوفٌ ثُمَّ يَمُرُّ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَيَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: “يَا فُلاَنُ أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَسْقَيْتَ فَأَسْقَيْتُكَ شَرْبَةً” فَيَشْفَعُ لَهُ. وَيَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: “يَا فُلاَنُ أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ نَاوَلْتُكَ طَهُورًا”، فَيَشْفَعُ لَهُ، وَيَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: “يَا فُلاَنُ أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ بَعَثْتَنِي لِحَاجَةِ كَذَا وَكَذَا فَذَهَبْتُ لَكَ، فَيَشْفَعُ لَهُ”».

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ]ليُوَفِّيَهُمُ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ[7][: الشَّفَاعَةُ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ مِنَ النَّاسِ فِيمَنْ صَنَعَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ فِي الدُّنْيَا.

فَهَذِهِ الأَخْبَارُ كُلُّهَا مُصَرَّحَةٌ بِثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ لِلأَخْيَارِ فِيمَنْ صَنَعَ إِلَيْهِمْ مَعْرُوفاً.

وَمِمَّا صُرِّحَ فِيهِ مِنَ الأَخْبَارِ بِثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ مِنَ الأَخْيَارِ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ مَا فِي الْخَبَرِ مِنْ أَنَّ:»الْحَاجَّ يَشْفَعُ فِي أَرْبَعِمَائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» وَأَنَّ: »مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ، وَأَحَلَّ حَلاَلَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، يُشَفِّعُهُ الله ُفِي عَشْرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلِّهِمْ وَجَبَتْ لَهُمُ النَّارُ»[8]. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

وَإِذَا كَانَ الْحَاجُّ يَشْفَعُ فِي مِثْلِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَدَدِ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ فَلاَ يُسْتَغْرَبُ أَنْ يَشْفَعَ مَنْ آتَاهُ اللهُ مَعَ الْحَجِّ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الْمَعْرِفَةِ بِهِ، وَالْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، كَرَامَةً لَهُمْ مِنَ اللهِ تَعَالَى.

ثُمَّ إِنَّ الشَّفَاعَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةٌ نَقْلاً، فَهِيَ أَيْضاً جَائِزَةٌ عَقْلاً. لأَنَّ مِنَ الْجَائِزِ غُفْرَانُ غَيْرُ الْكُفْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ]إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً[9][وَقَوْلُهُ: ]إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ[10][الآيَةُ وَلَوْ لِجَمِيعِ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ مَذْهَبُ الأَشْعَرِيَّةِ مِنْ أَنَّ تَخَلُّفَ الْوَعِيدِ لاَ يُعَدُّ نَقْصاً، بَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْكَرَمِ. خِلاَفاً لِلْمَاتُرِيدِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ تَحْقِيقِ الْوَعِيدِ وَلَوْ فِي وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ. وَقَدْ نَصَّ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُمْ هَذَا مَرْجُوحٌ، وَالرَّاجِحُ مَا لِلأَشْعَرِيَّةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.


الهوامش:

[1] ـ وفي الأصل: ” الْمُقَدَّسَةِ “.

[2] ـ وفي الأصل: “سَنَي“.

[3] ـ الحديد: 21

[4] ـ الطور: 21

[5] ـ وَذَوِيهِ

[6] ـ وفي الأصل: “لِمّا “.

[7] ـ فاطر: 30

[8] ـ رواه الترمذي عن علي t مرفوعا.

[9] ـ الزمر: 53

[10] ـ النساء: 48

 


خصائص أبناء الشيخ

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق