مقالات

بداية الحركة الوهابية 1/ 2 ( 1154-1233 ) ذ:محمد المهدي الكنسوسي

 

بداية الحركة الوهابية

11541233

1/ 2

محمد المهدي الكنسوسي

 

 

ذكر الأستاذ حمادي الرديسي في كتابه القيم عن حلف نجد بين الداعية محمد بن عبد الوهاب والشيخ محمد بن سعود أن لقاء الرجلين كان سنة 1154 هـ الموافق لسنة 1745 م. وكان هذا اللقاء في قرية الدِّرعية التي تولى أمرها الشيخ المذكور بعد أن قتل عمه. و الدرعية قرية بمنطقة العارض غير بعيد من الرياض عاصمة المملكة السعودية اليوم. و العارض تُكون مع منطقة القصيم و جبال شمّار بلاد نجد المشهورة في وسط  جزيرة العرب. و من بلاد نجد كذلك اليمامة. و هذه المنطقة تتميز بقساوة المناخ وقلة الأمطار و نذرة الساكنة لصعوبة العيش بها على الرغم من كونها أقدم بلاد العرب إعمارا.

و القبائل التي تسكن نجد هي تميم ( قبيلة محمد بن عبد الوهاب ) و طيء و بنوا أسد. و منهم كذلك بنوا عبس وذبيان. وقد اشتهر في كل فصيل من هذه الفصائل شاعر كبير كعنترة و النابغة الذبياني و الكريم في قومه، حاتم الطائي. كما اشتهرت نجد بحرب داحس و الغبراء التي دامت أربعين سنة قبل الإسلام، وبحروب الردة في اليمامة بعد الإسلام، التي مات فيها مسيلمة الكذاب و كثير من القراء حفظة القرآن حتى خشي بعض الصحابة على ضياع كتاب الله.

كانت أسرة محمد بن عبد الوهاب مستقرة بقرية العيينة وأبوه قاضيها و شيخها عثمان بن معمّر. و العيينة  قريبة من الدرعية التي تحت نظر آل سعود. فحصل خصام بين القاضي و بين شيخ القرية فاضطر القاضي على مغادرة بلده  و استقر بقرية أخرى غير بعيد تسمى بالحريملة. وهناك استأنف مهنة القضاء و التدريس إلى أن لحق به ولده محمد الذي خرج يجوب الآفاق من اجل الدراسة.

فمن هو محمد بن عبد الوهاب؟

تقول المصادر الرسمية و أهمها كتاب: عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بِشر أنه محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي المولود سنة 1115 – 1703 بالعيينة. و بها توفي سنة 1206 – 1791 . حفظ القرآن صغيرا ودرس مبادئ العلم على والده القاضي الذي يعد من شيوخ الحنابلة في زمانه. و حج في سن مبكرة ثم توجه إلى القصيم من أجل العلم ثم جال في بعض كبريات المدن العلمية كالبصرة و بغداد و بلاد كردستان حيث اطلع على علوم مختلفة منها الفلسفة و التصوف لكنها لم ترقه فأنكر على أصحابها لأن أغراضها و مقاصدها لا تتفق مع وجهة نظره عن الإسلام السلفي البسيط الذي عرفه في بيئته النجدية البدوية. فتملكته رغبة قوية في الإصلاح و الدعوة إلى العودة إلى الإسلام كما فهمه الجيل الأول من المسلمين.

و ذكروا لابن عبد الوهاب شيوخ كثير كعبد الله بن سالم البصري و عبد الله بن سالم بن سيف و محمد حياة  بن إبراهيم السندي و إسماعيل بن محمد العجلوني و عبد الله بن فيروز الإحسائي. و كل هؤلاء من كبار الفقهاء لكن صلتهم بابن عبد الوهاب تحتاج إلى التأكد من صحة الادعاء.

دعا ابن عبد الوهاب إلى اتباع عقيدة سلفية لا تشوبها شوائب البدع كغيره من علماء الإسلام كالسحر والشعوذة وكثير من مظاهر الانحراف التي ظهرت بين المسلمين ولا يختلف حول بطلانها اثنان. لكن إنكاره لم يقف عند هذا الحد بل تعداه إلى المؤاخذة على الصوفية و اتباع المشايخ من أهل الطرق الاحياء و الأموات و اعتبرهم من المعطلة و وصفهم بالتشيع الفاسد و أمر بهدم الأضرحة و المشاهد. كما أنه عمل على نشر الفقه الحنبلي دون غيره من مذاهب أهل السنة. و لما صار يدعوا الناس لإتباع عقيدته التكفيرية المسطرة في رسالته المشهورة كتاب التوحيد ثم في رسالته كشف الشبهات طرده شيخ الحريملة من قريته على إثر وفاة والده،  فعاد إلى مسقط رأسه بالعيينة. فاستقبله شيخها عثمان و أكرم وفادته و صاهره على إحدى قريباته وساعده على عقد حلقات الدرس. لكن ابن عبد الوهاب تغافل عما كان يدعوا له من الأمر بالمعروف و معاقبة المفسدين من السرّاق و قطاع الطرق و مرتكبي الأفعال الشنيعة، وأصبح همه الكبير الطعن في عقيدة الصالحين و التشهير بأعمالهم والسعي لهدم المشاهد و القباب المشيدة على قبورهم و اعتبر ذلك مظهرا من مظاهر الوثنية.

وأول ما سعى إلى هدمه، قبة بنيت بقرية الجبيلة على قبر الصحابي الجليل زيد بن الخطاب أخ الخليفة عمر بن الخطاب المتوفى شهيدا باليمامة في حروب الردة في خلافة أبي بكر الصديق. واعتبر ابن عبد الوهاب أن تلك القبة أسست على غير هدى و أن الله لا يرضى بهذا العمل وأن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن البناء على القبور. كما أن هذه القبة فتنت الناس و غيّرت العقائد وحصل بها الشرك، فيجب هدمها. فساعفه عثمان بن معمّر على هذا الفعل الشنيع وذهبوا في جيش قوامه 600 رجل فهدموا القبة. فكان لذلك أثر كبير في نفوس الناس و انتشر الخبر في كل الجزيرة. صار لابن عبد الوهاب صيت كبير بعد فعلته فكاتب علماء نجد و الحجاز و البحرين و اليمن. ودعاهم بوقاحة لا نظير لها إلى التوحيد وتجديد إيمانهم ونصرته في جهاده. فاستجاب له البعض و أنكر عليه الجم الغفير لخروجه عن الجماعة.

وممن آخذ عليه أفكاره الخارجية الشاذة أخوه سليمان بن عبد الوهاب، فألف في الرد عليه كتاب الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية.  و قد أثبت في مقدمة الكتاب أن شروط الإمامة الإحدى عشر( معرفة لغة العرب بتشعباتها و تراجم العلماء، المعرفة الواسعة للفقه المقارن، معرفة النحو والمسائل الخلافية،  حفظ لكتاب الله بقراءاته وتفاسيره، معرفة الحديث و علومه، مشهود له بالورع و صدوق ثقة) لا تتوفر في أخيه. كما أن الاطلاع على فهرس الكتاب يدلنا على مظمونه حيث أنه خص الباب الأول للرد على أهل التكفير و التشريك والباب الثاني للتعريف بالفرق الشاذة وقول علماء السلف فيها. و تحدث بإسهاب على أقوال ابن تيمية و ابن القيم في الخوارج و تكفيرهم و براءة هذين العالمين من فعل أخيه. و أظهر في الباب الثالث بطلان قول الوهابية أنهم الفرقة الناجية و أن صفات هذه الطائفة لا تنطبق على أخيه و أتباعه. و قد كان سليمان بن عبد الوهاب عالما تولى القضاء بعد وفاة والده.

وممن آخذ عليه نحلته شيخه محمد بن سليمان الكردي الذي بعث له برسالة جاء فيها: يا ابن عبد الوهاب لا سبيل لك إلى تكفير السواد الأعظم من المسلمين، و أنت شاذ عن السواد الأعظم. فنسبة الكفر إلى من شذ عن السواد الأعظم أقرب، لأنه اتبع غير سبيل المؤمنين. قال تعالى: و من يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوليه ما تولّى و نصله جهنم و ساءت مصيرا.  و إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. و قد جلب العلامة أحمد الزيني دحلان في كتابه الفتنة الوهابية كثيرا من أقوال العلماء الذين تصدوا للحركة الوهابية منذ نشأتها بالبراهين و الحجج المبنية على الكتاب و السنة.

لكن ابن عبد الوهاب لم يصغ لأحد، بل قسم معارضيه إلى قسمين: قسم جاهل  أو خرافي لا يعرف دين الله و لا يعرف توحيد الله و إنما يعرف ما هو عليه آباؤه و أجداده من الجهل و الشرك و الضلال و البدع و الخرافات و يضعهم في خانة من قال فيهم الله تعالى: إنّا وجدنا آبائنا على أمة و إنا على آثارهم مهتدون.

وأما القسم الثاني فطائفة تنتسب إلى العلم عارضوه حسدا و عنادا حتى لا تقول العامة: ما بالكم لم تنكروا علينا هذا الشيء؟ لماذا جاء ابن عبد الوهاب و صار على الحق وانتم علماء و لم تنكروا هذا الباطل؟ فحسدوا و خجلوا من العامة و اظهروا العناد للحق إيثارا للعاجل على الآجل واقتداء باليهود في إيثارهم الدنيا على الآخرة.

زادت هذه الادعاءات المغرضة حنق علماء نجد على ابن عبد الوهاب فأوغروا عليه صدر أمير الإحساء سليمان بن عريعر الخالدي و كاتبوه من أجل معاقبة الدّعي. فأمر شيخ العيينة أن يجعل حدا لفتنته و قتله. لكن عثمان بن معمّر لم يقو على ذلك و أمره بالخروج من قريته لأن في مخالفة أمر الوالي خطر عليه.

  طرد ابن عبد الوهاب مرة أخرى و اتجه نحو الدرعية التي يحكمها محمد بن سعود. فاستجاب لدعوته التي قد يصدر عنها جاه و اتساع إمارة لفائدته، كما حدث في العصور الخالية لأصحاب الدعاوي. و يحكى أن أقرباء ابن سعود هم الذين نبهوه للتحالف مع ابن عبد الوهاب و قالوا له: هذا الرجل ساقه الله إليك و هو غنيمة فاغتنم ما خصك الله به. فالتقى الرجلان و جرى بينهما هذا الحوار. قال الأمير: أبشر ببلاد خير من بلادك و أبشر بالعزة و المنعة. فأجاب الفقيه: و أنا أبشرك بالعزة و التمكين. و هذه كلمة لا إله إلا الله، من تمسّك بها و عمل بها و نصرها ملك البلاد و العباد. وأنت ترى نجدا و أقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة و قتال بعضهم بعضا، فأرجوا أن تكون إماما يجتمع عليه المسلمون و ذريتك من بعدك. كل شيء قد اتضح. فقد اجتمع و تحالف هذين الرجلين على ما اجتمع عليه من قبل عندنا عبد الله بن يس و يوسف ابن تاشفين و المهدي بن تومرت و عبد المؤمن بن علي و أبو مسلم الخراساني و السفاح من قبل. و في زماننا هذا أسامة ابن لادن والملا عمر في بلاد الأفغان. والأمثلة كثيرة.

اتفق الداعية مع حامل السيف سنة 1158 – 1745 على أن يتحالفا من أجل الجهاد و نصرة التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينتشر الإسلام من جديد ويكون جزاء ابن عبد الوهاب الجنة التي وعد المجاهدون ومحمد بن سعود تأسيس دولة قوية. و عملت ذرية الرجلين على الوفاء لمضمون هذه المبايعة التي لازالت قائمة إلى اليوم بين آل سعود و آل الشيخ.

انطلقت الغارات على القبائل والقرى من أجل إخضاعهم لسلطة آل سعود فصارت رقعة الإمارة في توسع مطّرد. فتنبّه عثمان ابن معمّر لهذا الأمر فطلب من ابن عبد الوهاب أن يعود إلى جواره بالعيينة، لكن محمد ابن سعود لم يقبل بذلك فوقع شنئان بين الأميرين انتهى باغتيال ابن معمّر وهو يصلي صلاة الجمعة بأمر من ابن عبد الوهاب سنة 1750 – 1163.

استمر حلف نجد خلال إمارة محمد بن سعود إلى أن توفي سنة 1765 – 1178 فعمل ابن عبد الوهاب على تنصيب ولد الهالك عبد العزيز مكانه. فاستمر في حروبه التوسعية التي توجت باحتلال الرياض عاصمة الإقليم سنة 1773 – 1186. فلما اتضح لابن عبد الوهاب أن الإمارة الجديدة التي سعى لإنشائها قد تجسمت، عاد إلى قريته العيينة وانقطع للتدريس و تكوين الأجيال التي ستحمل لواء عقيدته وتدافع عنه بشراسة إلى أن توفي سنة 1793 – 1206. واستمر الحلف المقدس بين ابنه عبد الله و عبد العزيز آل سعود المؤسسين الفعليين لدولة الخوارج بجزيرة العرب.

يمكن اعتبار احتلال الرياض و تنحية أسرة بني خالد عن إمارة الإحساء مرحلة حاسمة في حياة الدولة الجديدة، إذ صار حكامها يتشوفون إلى مناطق غنية و بعيدة عن نجد كقطر و عمان و البصرة و بغداد و دمشق والحجاز. حاول سليمان باشا والي بغداد التصدي لآل سعود لكنه عجز عن ملاحقتهم بنجد التي تبعد عن قاعدته بمسيرة 12 يوم في صحراء قاحلة.

لكن هذا الحاجز الطبيعي لم يثن الوهابيين عن نهب مشهد الإمام الحسين بكربلاء حيث أغاروا سنة 1802 – 1216 على هذا المكان المقدس عند الشيعة و غيرهم بدعوى لانتقام لبعض أتباعهم، فقتلوا حسب المصادر المختلفة بين 2000 و 5000 شخص بين رجل وامرأة و طفل ونهبوا ذخائر المشهد الحسيني و هدموه. و قد أقر ابن بشر في كتابه تاريخ نجد بهذا الحدث الشنيع واعترف أن النهب كان عظيما والأموال المسروقة من المدينة كثيرة. لكنه لا ينظر إلى الأمور بهذه العين بل اعتبر سرقة المسلمين فيء، حيث أخذ من الغنيمة الخمس الشرعي و فرّق الباقي على أتباعه كأن مال أهل كربلاء مال للمشركين المحاربين. وبعد سنتين 1803 – 1218 على هذه الحادثة، قام رجل من الأكراد فطعن الأمير عبد العزيز و هو يصلي فقتله.

ثم انتقلت الإمارة السعودية إلى ولد عبد العزيز المدعو سعود فانتقم لاغتيال والده بالإغارة على البصرة  والنجف الأشرف ثم مكة في السنة التي تولّى فيها الإمارة. فكان أول ما قام به هدم بيت السيدة خديجة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وأم الأشراف كما هدموا البيت الذي ولد فيه رسول الله تفاديا للشرك حسب زعمهم. و قد ذكر حمادي الرديسي رسالة لعبد الله بن عبد الوهاب ( 1751 – 1865 ) يزكي فيها ما حدث يوم الإغارة على مكة نقلا عن كتاب الهدية السنية وأنهم وزعوا كتب ابن عبد الوهاب وحملوا علماء الحرم على اختلاف مذاهبهم للإذعان لما جاء فيها وألغوا كل الامتيازات التي كانت متوفرة لآل البيت ومنعوا تداول الكتب المصنفة في الشمائل المحمدية وانصب عدائهم على وجه الخصوص على كتاب روض الرياحين في مناقب الصالحين لعفيف الدين  لليافعي (698 – 768) ودلائل الخيرات للإمام الجزولي ( ت 870 ) كما منعوا استعمال السبحة وحديث الإنصات قبل خطبة الجمعة…الخ.

خلافا لما عرف عن محمد و ولده عبد العزيز، اللذين كانا يعيشان في بساطة وشظف عيش، مثلهما مثل سائر البدو، يمكن القول أن سعود ابن عبد العزيز أول أمير من الأسرة الجديدة الذي سعى إلى إظهار أثر الملك عليه بل البذخ و الترف لأن المؤرخين الذين عرفوه مثل ابن بِشر يقول أن عباءته ب 200.000 ريال وأن حريمه يقدر ب 1500 نفر بين عبد و جارية، كما أنه كان يحيط نفسه بثلاث صفوف من العبيد كلما حضر الصلاة، حتى لا يكون ضحية مغامر أو عدو مثلما وقع لوالده.

لم ينته سعود عند هذا الحد، بل أمر إمام الحرم المكي، أن يدعو له في خطبة الجمعة. وأمر بكساء الكعبة بثوب أسود عليه خطوط حمراء كتب عليه: لا إله إلا الله سعود خليفة الله. وقد اعتاد والي مصر، منذ زمن طويل، تجديد كساء الكعبة كل سنة بثوب فاخر من حرير كتبت عليه آيات قرآنية و يرسله في شهر ذي الحجة، بأمر من الخليفة العثماني.

وفي سنة 1805 – 1220 وقع الهجوم على المدينة المنورة و سرق سعود كل ما في الحجرة الشريفة من التحف. ذكروا أنه كان بالحجرة النبوية عرش كسرى أنو شروان وسيف هارون الرشيد والأحجار الكريمة التي لا تقوم بثمن. فكان مجموع ما سرق حمل ستين جمل انتقلت إلى الدرعية.

ذكر أكنسوس في كتابه الجيش العرمرم نقلا عن أبي القاسم الزياني أن سعود وعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب كتبا رسائل إلى علماء المسلمين في جميع الآفاق يطلبان منهم المؤازرة والدخول في دعوتهما. فوصلت إلى فاس رسالة سعود سنة 1226 من تونس بعث بها العلامة المفتي الشيخ إبراهيم الرياحي . فتولّى الإجابة عنها عالمين كبيرين هما حمدون بن الحاج السلمي والطيب بنكيران. إلا أن جواب السلمي هو الذي أخذه معه الأمير مولاي إبراهيم بن سليمان تلك السنة إلى الحجاز في جماعة من العلماء. و تولى الحديث مع سعود قاضي مراكش محمد بن إبراهيم الزداغي و سأله عن بعض القضايا التي تعاب على الوهابية كالاستواء الذاتي لجسمية المستوي، فأنكر سعود قولهم بذلك والتزم بما جاء على لسان الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة. كما سأله عن مخالفة أهل السنة في قضية حياة الأنبياء في قبورهم، فأنكر وسأله عن سبب منع الناس من زيارة القبور فأنكر مرة أخرى وقال إنما نمنع من لا يعرف أدب الزيارة المفضي بالعامة إلى الشرك…الخ

وأضاف أكنسوس قائلا بأن  الداعي لمدح السلمي لسعود ليس دليلا على موافقته في اعتقاده المخالف لعمل أهل المغرب المشهورون بالانتماء للمدرسة الأشعرية- السنوسية، إنما مرجعه لتسهيل حج المغاربة والحفاظ على أموالهم والثناء على أفعاله الحسنة الظاهرة من تأمين الحجاز وتنظيفه وغير ذلك مما لا ينكر حسنه.

وغاية ما يقال في ذلك الوهبي أنه من غلاة الحنابلة مثل ابن تيمية وابن حزم. فإن الحنابلة لهم مسائل ينكرها غيرهم من أرباب المذاهب ولا يضرهم ذلك. وهكذا أهل كل مذهب لا يقولون إلا بقول إمامهم و ينكرون غيره ولا محذور في ذلك للقاعدة التي هي أن المجتهد لا يحتج عليه بقول مجتهد آخر. ولو أراد مجتهد محّاجة مجتهد مثله فله ذلك.انتهى

فلما خرج حكم الحرمين من يد الخليفة وولاته صار لزاما على الدولة العثمانية القيام بدورها من أجل تهدئة روع الناس الذين صاروا يخافون على أنفسهم وأهلهم وأموالهم، لأن الوهابية يفتون في كل من خالفهم بالكفر والشرك ويستحلون أموال الناس وأعراضهم بالفتاوى الواهية.

ومن غريب الصدف أنه في سنة 1805 التي احتلت فيها مكة، صار محمد علي باشا خديوي على مصر. فطلب منه الخليفة أن يقوم بحملة على نجد وينتزع أمر الحرمين من الوهابي ويعيد الأمور كما كانت من قبل. لكن محمد علي تباطأ معتذرا بعدم القدرة على تمويل الحملة ومواجهة عدو قوي في الصحراء. فوقع الاتفاق على أن يشارك في الحملة كل من والي الشام ووالي العراق بجيوشهما، فيحيطوا بالعدو من كل الجهات.

انطلقت الحملة  بقيادة طوسون ولد الخديوي سنة 1811 – 1226 من مدينة الينبوع. اتجه الجيش نحو المدينة المنورة، فأعيدت السيطرة عليها بعد سنة من الحرب. وفي سنة 1813 – 1228 حررت مكة. إلا أنه في السنة الموالية مرض طوسون، فاستبدل بأخيه إبراهيم الذي استأنف الحرب باتجاه نجد بعد أن تم تطهير الحجاز. وفي نفس السنة (1814) توفي سعود بسبب مرض القصور الكلوي، فخلفه ولده عبد الله. ورغم شجاعته لم يستطع مقاومة جيش الخليفة، فسقطت الدرعية سنة 1818 – 1233  ومات كثير من أبناء وحفدة محمد بن عبد الوهاب وأبناء عبد العزيز، وسيق 400 من الناجين إلى مصر يتقدمهم الملك الشاب عبد الله بن سعود وعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب.

وبإسطنبول قتل عبد الله بن سعود بعد أن طافوا به ثلاثة أيام في الشوارع والأسواق وألقيت جثته على قارعة الطريق لتأكلها الكلاب. ولم تشفع له الهدية الثمينة التي قدمها للخليفة. ذكر الجبرتي في تاريخه أن عبد الله بن سعود حمل معه نصيبه من إرث أبيه الذي غنمه من الحجرة النبوية، وهو عبارة عن مصاحف كتبت بالذهب ومجوهرات وغير ذلك من التحف النفيسة التي سرقت بدون حياء من أشرف مكان وأقدسه على وجه الدنيا. ولم يغادر الجيش المصري نجد حتى خربت الدرعية وهدمت قصورها واقتلعت الأشجار من مزارعها، فصارت كحصيد لم يغن بأمس.

وهكذا انتهى الفصل الأول من المغامرة التي تعاهد عليها داعية مغمور وأمير نكرة بالدرعية القرية التي  لا يعرفها أحد من بلاد نجد التي قال عنها شاعرنا:

لولاك ما همت وجدا      و لا تعشّقت نجدا

لأنه لا يقصد ذلك البلد إلا من فقد رشده وهام في أرض الله على وجهه من نكد الوجد الممتنع. وسينطلق الفصل الثاني سنة 1825 – 1240 على يد الأمير تركي بن عبد الله بن سعود. ولم  يعد الأمر دفاعا عن عقيدة أو الرغبة في نشر نِحلة وإنما استرجاع الملك الضائع،  لأن الأمير تركي عاش في قصور والده وجده وعرف ما توفره الإمارة من رغد العيش والرفعة والسيادة، فعمل على استجماع ما بقي من فلول الأتباع وصار يسترجع نفوذه على القرى والقبائل النجدية، لكن لا سبيل له إلى العودة إلى الحرمين. وللحديث بقية.  

يتبع

بداية الحركة الوهابية 2/ 2 ( 1154-1233 ) ذ:محمد المهدي الكنسوسي

رسالة المولى سليمان إلى عبد الله بن سعود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق