مقالاتمناسبات

الاحتفال بذكرى مولد الرسول الكريم..1

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح الخاتم وعلى آله وصحبه أجمعين

خصص الموقع هذه الصفحة لتنزيل مواضيع مختلفة نشرت في مواقع إليكترونية متعدد تناولت فيها ذكرى مولد النبي الكريم صلوات الله عليه وسلامه عليه، ويهدف من وراء ذلك تيسير وتسهيل الإطلاع على ما أنتجه الفكر الإسلامي عموما من أبحاث تزيل خشاوة التضليل والتزييف وتحريف الكلم عن مواضعه.
والله نسأل أن ينتفع الرواد بما نشر ويساهموا بمزيد من الإنتاج الفكر الرسين المظهر للأهداف النبيلة والسامية والراقية التي كرس السلف والخلف حياتهم من أجل إبرازها ونشرهابين العباد.

الاحتفال بذكرى مولد الرسول الكريم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين و رضي الله تعالى عن سادتنا أصحابه أجمعين

بمناسبة حلول رأس السنة الهجرية 1431 و اقتراب احتفال العالم الإسلامي بذكرى المولد النبوي الشريف يسعدني أن أتقدم إلى الأخوة رواد مجلة هيسبريس بفتوى أصدرها عالم زمانه و قدوة أقرانه سيدي محمد علوي المالكي حول شرعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. و قبل سرد نظرة مقتضبة عن الفتوى لا بد من التعريف بصاحبها.

هو سيدي محمد بن علوي بن عباس المالكي المكي الحسني من مواليد 1943، بمكة المكرمة و قد توفي بها سنة 2004 ، عالم دين مسلم يُلقب بمحدّث الحرمين، ينحدر من أسرة علمية عريقة، مما جعله يتوجه تلقائيا إلى تحصيل العلوم الإسلامية حتى أضحى من أهم علماء الحديث في عصره..تنقّل بين الكثير من الحواضر العلمية في العالم الإسلامي ليأخذ العلوم الإسلامية عن كبار العلماء، ولم يكن على وفاق دائم مع المؤسسة الدينية داخل السعودية، إلا أنه استطاع أن يواصل مسيرته العلمية ناشراً الموروث العلمي التي أخذه بالسند عن أسلافه علماء الحجاز ..له مؤلفات كثيرة في علوم الحديث والفقه المالكي وواقع العالم الإسلامي . و قي ما يلي بعض مناقب الشريف العالم سيدي محمد علوي المالكي :

* يعتبر الكثير من المتخصصين والمهتمين بالتعليم الديني أن سيدي محمد علوي المالكي من كبار المحدثين المعاصرين ويلقبونه بمحدث الحرمين.

* من أهم فقهاء الحجاز على المذهب المالكي وعلى عقيدة أهل السنة والجماعة وفق منهج الأشاعرة.

* كانت له حلقة شهيرة في المسجد الحرام بمكة المكرمة تعتبر امتدادا لأكثر من 600 سنة من تدريس أجداده، ويعتقد البعض أن سبب توقفها يرجع إلى إقصائه من قبل علماء آخرين من السعودية على علاقة بالمؤسسة الرسمية الحاكمة لكونه لا يتفق مع منهجهم ،وقد تعرض للتحقيق والمتابعة أكثر من مرة، وربما يؤكد هذا أن أغلب مؤلفاته طبعت خارج السعودية.

* تحصل على درجة الدكتوراه من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر بمصر.

* منحته جامعة الأزهر درجة الأستاذية الفخرية (بروفيسور) في 2 صفر 1421 هـ (6 مايو 2000)

و يظهر ما سلف المكانة العلمية لسيدي محمد علوي المالكي و في ما يلي اختصار للبحث الذي قام به بخصوص شرعية الاحتفال بالمولد النبيوي الشريف:

قبل أن يسرد الأدلة على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع عليه بين سيدي محمد المسائل الآتية (على لسانه):

الأولى : أننا نقول بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع لسماع سيرته والصلاة والسلام عليه وسماع المدائح التي تُقال في حقه ، وإطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب الأمة .

الثانية : أننا لا نقول بسنية الاحتفال بالمولد المذكور في ليلة مخصوصة بل من اعتقد ذلك فقد ابتدع في الدين ، لأن ذكره صلّى الله عليه وسلّم والتعلق به يجب أن يكون في كل حين ، ويجب أن تمتلئ به النفوس.

نعم : إن في شهر ولادته يكون الداعي أقوي لإقبال الناس واجتماعهم وشعورهم الفياض بارتباط الزمان بعضه ببعض ، فيتذكرون بالحاضر الماضي وينتقلون من الشاهد إلى الغائب .

الثالثة : أن هذه الاجتماعات هي وسيلة كبرى للدعوة إلى الله ، وهي فرصة ذهبية لا تفوت ، بل يجب على الدعاة والعلماء أن يذّكروا الأمة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم بأخلاقه وآدابه وأحواله وسيرته ومعاملته وعبادته ، وأن ينصحوهم ويرشدوهم إلى الخير والفلاح ويحذّروهم من البلاء والبدع والشر والفتن ، وإننا دائما ندعو إلى ذلك ونشارك في ذلك ونقول للناس : ليس المقصود من هذه الاجتماعات مجرد الاجتماعات والمظاهر ، بل هذه وسيلة شريفة إلى غاية شريفة وهي كذا وكذا ، ومن لم يستفد شيئا لدينه فهو محروم من خيرات المولد الشريف .

أما في شرعية الاحتفال فإن سيدي محمد يبرهن على ذلك بعدة دلائل أذكر منها :

الأول : أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلّى الله عليه وسلّم ، وقد انتفع به الكافر .

وسيأتي في الدليل التاسع مزيد بيان لهذه المسألة ، لأن أصل البرهان واحد وإن اختلفت كيفية الاستدلال وقد جرينا على هذا المنهج في هذا البحث وعليه فلا تكرار فقد جاء في البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل يوم الاثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشّرته بولادة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم .

وهذه القصة رواها البخاري في الصحيح في كتاب النكاح مرسلة ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح ورواها الإمام عبدالرزاق الصنعاني في المصنف والحافظ البيهقي في الدلائل وابن كثير في السيرة النبوية من البداية ومحمد ابن عمر بحرق في حدائق الأنوار والحافظ البغوي في شرح السنة وابن هشام والسهيلي في الروض الأُنُف والعامري في بهجة المحافل ، وهي وإنْ كانت مرسلة إلا أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام ، وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب .

الثاني : أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يعظّم يوم مولده ، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه ، وتفضّله عليه بالجود لهذا الوجود ، إذ سعد به كل موجود ، وكان يعبّر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة : أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سُئل عن صيام يوم الاثنين ؟ فقال (فيه وُلدتُ وفيه أُنزل عليَّ ) رواه الإمام مسلم في الصحيح في كتاب الصيام . )

وهذا في معنى الاحتفال به ، إلاّ أن الصورة مختلفة ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام أو إطعام طعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم أو سماع شمائله الشريفة .

الثالث : أن الفرح به صلّى الله عليه وسلّم مطلوب بأمر القرآن من قوله تعالى ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة ، والنبي صلّى الله عليه وسلّم أعظم الرحمة ، قال الله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ).

الرابع : أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت ، فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكّرها وتعظيم يومها لأجلها ولأنه ظرف لها .وقد أصّل صلّى الله عليه وسلّم هذه القاعدة بنفسه كما صرح في الحديث الصحيح أنه صلّى الله عليه وسلّم : لما وصل المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له : إنهم يصومون لأن الله نجّى نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومونه شكرا لله على هذه النعمة ، فقال صلّى الله عليه وسلّم : نحن أولى بموسى منكم ، فصامه وأمر بصيامه .

الخامس : أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى : ( إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما وما كان يبعث على المطلوب شرعاً فهو مطلوب شرعاً ، فكم للصلاة عليه من فوائد نبوية ، وإمدادات محمدية ، يسجد القلم في محراب البيان عاجزاً عن تعداد آثارها ومظاهر أنوارها .

السادس : أن المولد الشريف يشتمل على ذكر مولده الشريف ومعجزاته وسيرته والتعريف به ، أو لسنا مأمورين بمعرفته ومطالبين بالاقتداء به والتأسّي بأعماله والإيمان بمعجزاته والتصديق بآياته ؟ وكتب المولد تؤدي هذا المعنى تماما .

السابع : التعرّض لمكافأته بأداء بعض ما يجب له علينا ببيان أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة ، وقد كان الشعراء يفدون إليه صلّى الله عليه وسلّم بالقصائد ويرضى عملهم ، ويجزيهم على ذلك بالطيبات والصلات ، فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة ، ففي ذلك التقرب له عليه السلام باستجلاب محبته ورضاه .

الثامن : أن معرفة شمائله ومعجزاته وإرهاصاته تستدعي كمال الإيمان به عليه الصلاة والسلام ، وزيادة المحبة ، إذ الإنسان مطبوع على حب الجميل ، ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل من أخلاقه وشمائله صلّى الله عليه وسلّم ، وزيادة المحبة وكمال الإيمان مطلوبان شرعاً، فما كان يستدعيهما فهو مطلوب كذلك .

التاسع : أن تعظيمه صلّى الله عليه وسلّم مشروع ، والفرح بيوم ميلاده الشريف بإظهار السرور وصنع الولائم والاجتماع للذكر وإكرام الفقراء من أظهر مظاهر التعظيم والابتهاج والفرح والشكر لله بما هدانا لدينه القويم وما منّ به علينا من بعثه عليه أفضل الصلاة والتسليم .

العاشر : يؤخذ من قوله صلّى الله عليه وسلّم في فضل يوم الجمعة وعدِّ مزاياه : ( وفيه خُلق آدم ) تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبيٍّ كان من الأنبياء عليهم السلام ، فكيف باليوم الذي وُلد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين .

ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه بل يكون له خصوصاً ، ولنوعه عموماً مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة شُكراً للنعمة وإظهاراً لمزية النبوة وإحياءً للحوادث التاريخية الخطيرة ذات الإصلاح المهم في تاريخ الإنسانية وجبهة الدهر وصحيفة الخلود ، كما يؤخذ تعظيم المكان الذي وُلد فيه نبيٌّ من أمر جبريل عليه السلام النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بصلاة ركعتين ببيت لحم ، ثم قال له : ( أتدري أين صلّيت ؟ قال : لا ، قال : صلّيتَ ببيت لحم حيث وُلد عيسى ) كما جاء ذلك في حديث شداد بن أوس الذي رواه البزّار وأبو يعلى والطبراني . قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ورجاله رجال الصحيح ، وقد نقل هذه الرواية الحافظ ابن حجر في الفتح وسكت عنها .

الحادي عشر : أن المولد أمرٌ استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد ، وجرى به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعاً للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه الموقوف ( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح ) أخرجه أحمد.

الثاني عشر : أن المولد اشتمل على اجتماع وذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي فهو سنة ، وهذه أمور مطلوبة شرعاً وممدوحة وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحثّ عليها .

الثالث عشر : أن الله تعالى قال : ( وكلاًّ نقصُّ عليك من أنباء الرسل ما نثبّت به فؤادك ) فهذا يظهر منه أن الحكمة في قصّ أنباء الرسل عليهم السلام تثبيت فؤاده الشريف بذلك ولا شك أننا اليوم نحتاج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره أشد من احتياجه هو صلّى الله عليه وسلّم .

الرابع عشر : ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها ويجب الإنكار عليها بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب ، أو على محرّم فهو محرّم ، أو على مكروه فهو مكروه ، أو على مباح فهو مباح ، أو على مندوب فهو مندوب ، وللوسائل حكم المقاصد ، ثم قسّم العلماء البدعة إلى خمسة أقسام :

واجبة : كالرد على أهل الزيغ وتعلّم النحو .

ومندوبة : كإحداث الربط والمدارس ، والأذان على المنائر وصنع إحسان لم يعهد في الصدر الأول .

ومكروه : كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف .

ومباحة : كاستعمال المنخل ، والتوسع في المأكل والمشرب .

ومحرمة : وهي ما أحدث لمخالفة السنة ولم تشمله أدلة الشرع العامة ولم يحتو على مصلحة شرعية .

الخامس عشر : فليست كل بدعة محرّمة ، ولو كان كذلك لحرُم جمع أبي بكر وعمر وزيد رضي الله عنهم القرآن وكتبه في المصاحف خوفاً على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله عنهم ، ولحرم جمع عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله ( نعمت البدعة هذه) وحرم التصنيف في جميع العلوم النافعة ولوجب علينا حرب الكفار بالسهام والأقواس مع حربهم لنا بالرصاص والمدافع والدبابات والطيارات والغواصات والأساطيل ، وحرم الأذان على المنابر واتخاذ الربط والمدارس والمستشفيات والإسعاف ودار اليتامى والسجون ، فمن ثَم قيّد العلماء رضي الله عنهم حديث (كل بدعة ضلالة ) بالبدعة السيئة ، ويصرّح بهذا القيد ما وقع من أكابر الصحابة والتابعين من المحدثات التي لم تكن في زمنه صلّى الله عليه وسلّم ، ونحن اليوم قد أحدثنا مسائل كثيرة لم يفعلها السلف وذلك كجمع الناس على إمام واحد في آخر الليل لأداء صلاة التهجد بعد صلاة التراويح ، وكختم المصحف فيها وكقراءة دعاء ختم القرآن وكخطبة الإمام ليلة سبع وعشرين في صلاة التهجد وكنداء المنادي بقوله ( صلاة القيام أثابكم الله ) فكل هذا لم يفعله النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا أحد من السلف فهل يكون فعلنا له بدعة ؟

السادس عشر : فالاحتفال بالمولد وإن لم يكن في عهده صلّى الله عليه وسلّم فهو بدعة ، ولكنها حسنة لاندراجها تحت الأدلة الشرعية ، والقواعد الكلية ، فهي بدعة باعتبار هيئتها الاجتماعية لا باعتبار أفرادها لوجود أفرادها في العهد النبوي عُلم ذلك في الدليل الثاني عشر.

السابع عشر : وكل ما لم يكن في الصدر الأول بهيئته الاجتماعية لكن أفراده موجودة يكون مطلوباً شرعاً ، لأن ما تركّب من المشروع فهو مشروع كما لا يخفى .

الثامن عشر : قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : ما أحدث وخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهو البدعة الضالة ، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك فهو المحمود .ا.هـ .

وجرى الإمام العز بن عبد السلام والنووي كذلك وابن الأثير على تقسيم البدعة إلى ما أشرنا إليه سابقاً .

التاسع عشر : فكل خير تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة ولم يشتمل على منكر فهو من الدين .

وقول المتعصب إن هذا لم يفعله السلف ليس هو دليلاً له بل هو عدم دليل كما لا يخفى على مَن مارس علم الأصول ، فقد سمى الشارع بدعة الهدى سنة ووعد فاعلها أجراً فقال عليه الصلاة والسلام : ( مَنْ سنّ في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كُتب له مثل أجر مَن عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ) .

العشرون : أن الاحتفال بالمولد النبوي إحياء لذكرى المصطفى صلّىالله عليه وسلّم وذلك مشروع عندنا في الإسلام ، فأنت ترى أن أكثر أعمال الحج إنما هي إحياء لذكريات مشهودة ومواقف محمودة فالسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح بمنى كلها حوادث ماضية سابقة ، يحيي المسلمون ذكراها بتجديد صُوَرِها في الواقع والدليل على ذلك قوله تعالى : (وأذِّن في الناس بالحج) وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ( وأرنا مناسكنا ).

الحادي والعشرون : كل ما ذكرناه سابقا من الوجوه في مشروعية المولد إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها ، أما إذا اشتمل المولد على شئ مما يجب الإنكار عليه كاختلاط الرجال بالنساء وارتكاب المحرمات وكثرة الإسراف مما لا يرضى به صاحب المولد صلّى الله عليه وسلّم فهذا لاشك في تحريمه ومنعه لما اشتمل عليه من المحرمات لكن تحريمه حينئذ يكون عارضيا لا ذاتيا كما لا يخفى على مَن تأمّل ذلك .

 

 

رأي الشيخ ابن تيمية في المولد

يقول : قد يُثاب بعض الناس على فعل المولد ، وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما محبة للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتعظيما له ، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع .

ثم قال : واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع ، وفيه أيضاً شر من بدعة وغيرها فيكون ذلك العمل شراً بالنسبة إلى الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين .

وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة ، فعليك هنا بأدبين :

أحدهما : أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطناً وظاهراً في خاصتك وخاصة من يطيعك واعرف المعروف وأنكر المنكر .

الثاني : أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان ، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه فلا تَدْعُ إلى ترك المنكر بفعل ما هو أنكر منه أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه ، ولكن إذا كان في البدعة نوع من الخير فعوّض عنه من الخير المشروع بحسب المكان ، إذ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشئ ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا إلى مثله أو إلى خير منه .

ثم قال : فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد ، ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك فقال : دعه فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب ، أو كما قال ، مع أن مذهبه : أن زخرفة المصاحف مكروهة ، وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط ، وليس مقصود الإمام أحمد هذا وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه أيضاً مفسدة كُره لأجلها.

أما في ما يخص الاحتفال المغربي بهذه الذكرى العظيمة فأخص بالذكر ما يقام بضريح المولى إدريس الأكبر رضي الله عنه بمدينة المولى إدريس بزرهون حيث يقوم الشرفاء الشبيهيون بإعداد الطعام، كل حسب طاقته، و يتم إطعام المساكين داخل الضريح في اجتماع رباني مشرق يتم فيه إنشاد الأمداح النبوية و قد جرت العادة على عدم إنشاد ما يعرف بالميلودية داخل الضريح الإدرسي الأنور و ذلك لأن علماء الشرفاء الأدارسة القدامى أجمعوا على أن بها بعض الأحاديث غير المحققة فأفتوا بعدم جواز نشرها بين المسلمين.


BOURDATOU AL-MADÎH

De l’imam AL-BOUSSIRÎ

Traduite par l’humble disciple et compagnon du Cheikh Tidjany (AASL)

Mustapha Benmoussa

الرابط: Lien

BOURDATOU AL-MADÎH

 


الاحتفال بالمولد النبوي وإشكال الوفاة

عبد الله الجباري

مع الإطلالة البهية لشهر الربيع النبوي الأغر، يحاول محبو الجناب النبوي أن يجعلوا الشهر كله احتفالا واحتفاء بمولده الهني، تعبيرا منهم عن فرحهم وسرورهم ببزوغ نوره الأسنى، إلا أن بعض الناس ممن لا يحتفلون بالمولد النبوي الشريف، لا يتورعون عن إطلاق بعض الأحكام الرعناء حول هذا الاحتفال، مثل القول بتحريمه، وتبديع المنخرطين فيه والقائمين عليه، ويوردون على ذلك شبها وأقاويل، كلها لا تصلح للاستدلال، وقد فندها وبيّن بطلانها غير واحد من أهل الضلاعة والرسوخ في العلوم الشرعية على مر العصور، وكل ذلك مبين في محله، إلا أن شبهة واحدة لم أر من نبه إلى زيفها، ولا من عرج عليها، وهي ادعاء المحرّمين عدم جواز الاحتفال، لأنه يوافق يوم وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال د. مهران ماهر عثمان : “وعلى فرض أنه صلى الله عليه وسلم وُلد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، فهذا يوم وفاته كذلك . وليس الفرح في هذا اليوم بأولى من الحزن فيه”.

وهذه “الحجة” لا يمكن إيرادها إلا في خانة التشغيب على المحتفلين، وهي من باب الدفع بالصدر المعروف في علم الجدل، ولم ألتفت إليها إلا لرواجها في السنوات الأخيرة وكثرة تردادها على ألسنة خطباء الجمعة غير المحصنين من الفيروسات الفكرية الوافدة من الشرق العربي.

وأول ما يلاحظ على هذه “الحجة”، هو أن المحبين للجناب النبوي لا يقتصرون في الاحتفال على يوم المولد، بل يعممون الاحتفال على أيام الشهر كله، ولا يضيرهم إن كان ذلك الشهر هو شهر الوفاة أيضا، “ولكل وجهة هو موليها”.

ثانيا : نصَّ القرآن على الفرح والسرور وأمَر به، فقال : “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا”، وتحدث عن الفرحين بالنعم الإلهية فقال : “فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ”، ولم يدع الإسلام إلى الحزن ولم يرشد إليه، بل نهى عنه، فقال الله تعالى : “ولا تهنوا ولا تحزنوا”، واستعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن”، لذلك لم يلتفت محبو الجناب النبوي إلى ذكرى التحاق النبي صلى الله عليه وسلم بربه، ولم يخلدوا ذكراها، ولم يحيوا مواجعها كل عام، لما في ذلك من تجدد الحزن، وهو مخالف لشريعة الإسلام وهديه، لذلك قال العلامة ابن القيم : “ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه، أو منفيا”، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مركزا على ما يحزن القلب ويعكر صفو الحياة، بل “كان دائم البشر، ضحوك السن” كما قال ابن القيم.

ثالثا : التركيز على الفرح وإعلان مظاهره وإشاعتها بين الناس من المصالح المعتبرة التي نص عليها علماء المقاصد، كما أن الحزن والتركيز على مظاهره وأشكاله لا يتجاوز كونه مفسدة عندهم، قال العلامة العز بن عبد السلام : “وكل مَا غم وآلم فَهِيَ مفْسدَة، وكل مَا كَانَ وَسِيلَة إِلَى غم أَو إِلَى ألم دُنْيَوِيّ أَو أخروى فَهُوَ مفْسدَة، لكَونه سَببا للمفسدة، سَوَاء كَانَ فِي عينه مصلحَة أَو مفْسدَة، وكل الدَّوَاء فَرَحٌ، فَهُوَ مصلحَة، وكل مَا كَانَ وَسِيلَة إِلَى فَرح أَو لَذَّة عاجلة أَو آجلة فَهُوَ مصلحَة، وكل مَا كَانَ وَسِيلَة إِلَى فَرح أَو لَذَّة عاجلة أَو آجلة فَهُوَ مصلحَة، وَإِن اقترنت بِهِ مفْسدَة”.

تأسيسا على ما سبق، يتبين أن المسلمين لما شرعوا الاحتفال بالمولد النبوي المنيف، وأعرضوا عن إحياء ذكرى الوفاة، كانوا أعرف الناس بأحكام الدين، وأكثرهم إدراكا لمقاصد التشريع.

وعلى فرض وجاهة “حجة” المحرمين وقوتها في ميدان الاستدلال، وهي ليست كذلك، فإن الاحتفال بالتحاق النبي صلى الله عليه وسلم بربه ليس ممنوعا ولا محظورا، وبيان ذلك من وجهين :

الوجه الأول : استعمل القرآن والسنة أسلوبي القصر والحصر في وصف الرحمة الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهما النفي المقرون بالاستثناء في قوله تعالى : “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وأداة “إنما” في قوله صلى الله عليه وسلم : “إنما أنا رحمة مهداة”، والأسلوبان يدلان بوضوح وجلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمةٌ خالصة غير مشوبة بما يكدرها.

وإذا تقرر هذا، فهو صلى الله عليه وسلم رحمة في كل أحواله، رحمة في مولده، ورحمة في بعثته، ورحمة في حياته، ورحمة في قبره الشريف، ورحمة يوم القيامة، وكذلك كان رحمة في وفاته، ونحن مأمورون بالفرح بالرحمة، “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا”، لذلك يجوز الاحتفال بالمولد ولو اقترن بالوفاة.

الوجه الثاني : ورد في حديث صحيح أن وفاة النبي خير للأمة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : “حياتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم”، هذا الحديث وإن ضعفه بعض المتسرعين، فقد صححه غير واحد من الأعلام، وأفرده بالتأليف المحدث المحقق السيد عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله، وبيّن أنه صحيح على شرط مسلم، وتحدى من يقول بوضعه أن يأتي بما يقتضي ذلك من القواعد الحديثية أو الأصولية. وموضع الشاهد في الحديث، قوله : “ووفاتي خير لكم”، وبما أنها خير، فإنها لا يمكن أن تكون حائلا بين الإنسان المسلم والفرح والسرور، خصوصا إذا كان الفرح بمولده صلى الله عليه وآله وسلم.

ونحن لا نقول بالفرح بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ندعو إليه، ولم يخطر ببالنا، وأنى لنا أن نلتفت لذلك، لكننا جارينا القوم، ونزلنا إلى ساحتهم، فأُصِبْنا بلوثة من لوثاتهم، غفر الله لنا ولهم.

 

ليلةٌ فتَّقَتْ لنا غصن مَجْدٍ//عَبَقٍ مُعْبِقٍ لِغَوْرٍ ونَجْدِ

**حركتْ في الكونين ساكنَ وَجْدِ**

ليلة المولد الذي كان للديـــ//ــن سرور بيومه وازدهاء

ليلة أشرفت بها الحور تَشهد//طلعةً في مرآتها الحُسن يُشهَد

**وأفاضوا : نجم النبي توَقّد**

وتوالت بشرى الهواتف أن قد//ولد المصطفى وحق الهناء.


 

الاحتفال بالمولد بين دعوات التبديع والتحريم والجواز

طارق غافر

دراسة على ضوء المذهب المالكي وقواعده

دون الدخول في مقدمات الموضوع لأنه معلوم لدى العام والخاص ما يدور بين الناس من خلاف حول موضوع الاحتفال بالمولد النبوي وحقيقته, وكل فريق له وجهة نظره وما استند إليه من أدلة, لكنني في هذه الدراسة المتأنية سأتناوله من زاوية محايدة عساني أن أوفيه حقه الكامل حتى نزيل اللبس عن مجموعة من الاصطلاحات التي تستعمل خارج إطارها الزماني والمكاني والمعرفي حتى.

قبل خوض غمار الموضوع لابد من التقديم بمقدَّمات تكون كافية للإيفاء بالغرض المقصود على عادة المناطقة وعلماء الأصول كما يقال, لأن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره.

هل الاحتفال بالمولد عيد من الأعياد الدينية أو ذكرى مدنية تاريخية؟

ما هو مفهوم العيد وما أبعاده الدينية ؟ وهل العيد عادة أم عبادة أم يختلط الأمران فيها معا؟

ما هو مفهوم البدعة وما هي مناطق استعمالها؟ وهل كل ما لم يفعله السلف يعتبر بدعة؟ وهل يعتبر السلف أصلا في التشريع للأحكام؟

إلى غيرها من الأسئلة التي لو تأملها الخائضون في الموضوع كانت كافية في الإجابة عما يختلج في أذهانهم وصدورهم.

وعلى هذا الاعتبار فقد قرر علماء العقيدة والأصول أن البدعة طريقة في الدين مخترعة يراد بها مضاهاة الطريقة الشرعية للزيادة في التعبديات. وهذا التعريف يكاد يكون مجمعا عليه, وهو ما ذكره الشاطبي في الاعتصام والموافقات.

والمقصود بقولهم طريقة في الدين أي في العبادات المحضة التي الغالب فيها محض حق الله تعالى كما ذكر السرخسي في أصوله, أي كالصلاة والحج والصوم وغيرها. وعلى هذا فالمبتدع من ييعمل عملا في الأمور التعبدية الخالص حقها لله تعالى ويعتقد أن رسول الله قد قصر في ذلك, فيزيد على الطريقة المحمدية من عندية نفسه معتقدا الزيادة في التقرب لله تعالى.

وقد فرض الشاطبي لذلك مثالا رائعا في كتاب الأدلة والمقاصد من موافقاته حيث جاء برواية عن رجل سأل مالكا عن مكان الإحرام لأهل المدينة فقال تحرم حيث أحرم رسول الله, فقال الرجل إني أريد أن أحرم من مكان كذا أي يزيد عن مكان إحرام النبي عليه السلام. فقال مالك هذا هو الابتداع في الدين يا رجل, فقال الرجل إنما هي أميال أتزيدها أبتغي بها الأجر والثواب فأي بدعة في ذلك. فقال مالك البدعة أن تعمل عملا ترى أن رسول الله قد قصر فيه إني سمعت الله يقول فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم…..

وأصل ذلك ما وقع من الابتداع في زمن رسول الله إذ رأى رجلا يستمع إلى خطبته وهو واقف في حر الشمس فقال ما بال هذا فقالوا إنه نذر أن يصوم ويستمع لخطبتك وهو واقف في الشمس, فقال مروه فليتم صومه وليستظل وليستمع. فإن الله غني عن تعذيب هذا لنفسه.

هذه هي حقيقة البدعة وجوهرها إذن وهي متعلقة بالتعبديات المحضة الخالصة لله تعالى, أما ما عداها فلا يدخل في البدعة إطلاقا, وإن اعتبر منها شيء فلدخولها تحت عبادة من العبادات بالتبع لا بالأصالة.

وعلى هذا فما يقوله مروجو تبديع المولد من أنه لو كان سنة لفعله رسول الله وصحابته من بعده, فالجواب أنه من باب الترك وترك الشيء ولو مع قيام الدليل على الإقدام عليه ليس أصلا في التشريع, فقد ترك رسول الله توحيد المصحف وجمعه مع قيام الداعي له, وترك كتابة التأريخ للأيام مع قيام الداعي لها وترك إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مع قيام الداعي لها بل أن ذلك كان سيؤدي لمهلكة أكبر منها وهو قوله لعائشة لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية أو بإسلام لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم. وغيرها من المسائل التي تركها رسول الله مع قيام الداعي لها فدلالة الترك ملغاة عن عامة الأصوليين ومن يتزيد على ذلك فهو مقتحم باب الجهل في الأدلة.

بل على العكس من ذلك فقد دخل رسول الله المدينة ووجدهم يصومون عاشوراء فسألهم عن أصل ذلك فقالوا إنه يوم يصومه اليهود فقال نحن أولى بموسى منهم وصامه وأمر بصيامه, وبه يستدل من يقول بجواز التمسك بشرع من كان قبلنا وهو أصل عظيم عند المالكية, فإذا احتفل رسول الله بمولد ونجاة موسى عليهما الصلاة فالاحتفال بمولده هو أولى وأحرى.

وقد يقال إن مولده مجهول التاريخ من حيث تحديد اليوم هل الثاني عشر أم الثاني وهو الذي سار عليه العراقي في ألفيته, أم غيرها, فالجواب أن الأصل ما يعتبره الناس عندهم لا ما يتقرر في حقيقة الشيء لأن هذا من العادات التي اعتمدها واعتبروا يومها وطريقتها, فيعتبر فيها ما يتخذونه من أيامه.

وهنا أورد نصا طويلا للوانشريسيي المعيار11/278 قد يفي بالغرض المقصود ونصه:
]فتوى ابن عباد بإباحة عمل المولد النبوي[
وسئل الولي العارف بالطريقة والحقيقة أبو عبد الله بن عباد، رحمه الله، ونفع به عما يقع في مولد النبي صلى الله عليه وسلم من وقود الشمع وغير ذلك لأجل الفرح والسرور بمولده عليه السلام.

فأجاب الذي يظهر أنه عيد من أعياد المسلمين، وموسمٌ من مواسمهم، وكل ما يقتضيه الفرح والسرور بذلك المولد المبارك، من إيقاد الشمع وإمتاع البصر، وتنزه السمع والنظر، والتزيُّن بما حسن من الثياب وركوب فاره الدوراب أمر يباح لا ينكر قياساً على غيره من أوقات الفرح، والحكم بأن هذه الأشياء لا تسلم من بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سر الوجود، وارتفع فيه العهود، وتقشع بسببه ظلام الكفر والجحود، ينكر على قائله، لأنه مقت وجحود، وادعاء أن هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإيمان، ومقارنةُ ذلك بالنيروز والمهرجان، أمر مستقل تشمئز منه النفوس السليمة وترده الأراء المستقيمة انتهى.

قال بعض الفضلاء: فكلام هذا الولي يدل على كمال محبته وحسن طريقته، وما أنكر من أنكر ما يقع في هذا الزمان من الاجتماع في المكاتب للأطفال إلا خيفة المناكر، واختلاط النساء والرجال، فأما إذا أُمن ذلك فلا شك في حسن ما يفعل من الاجتماع وذكر محاسنه، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في سائر البقاع. ويحرم استعمال آلة اللهو عند الاجتماع في هذه الليلة، ولا يجوز تعظيم نبي الله تعالى إلا بما يرضيه ويرضي الله تعالى، بل تنبغي الصدقة في السر بما يعمل في تلك الأيام من الأطعمة، فإن ذلك أسلم من فساد النيات، ومن حضور الجماعات. واختار جماعة من العلماء رضي الله عنهم الفطر في يوم المولد، لأنه يوم سرور، والتوسع على العيال بما أمكن من الميسور. وذكر ابن عباد رحمه الله ونفع به أنه خرج في يوم ميلاده عليه السلام إلى خارج البلاد، فوجد الولي الصالح الحاج ابن عاشر رحمه الله مع جماعة من أصحابه، فاستدعوه لأكل الطعام، قال فاعتذرت بأني صائم فنظر إلى الشيخ نظرة منكرة، وقال لي: إن هذا اليوم يوم فرح وسرور، فلا يستقيم فيه الصيام لأنه يوم عيد.

قال رحمه الله: فتأملت كلامه فوجدته حقاً، وكأني كنت نائماً فأيقظني.

ثم أتى بنص مليح للحافظ الإمام العزفي صاحب السيرة وولده مفيد في الباب وقد تركته لطوله, حيث ذهب إلى تفضيل ليلة المولد على ليلة القدر لأمور كثيرة ذكر منها أزيد من عشرين وجها ليس هنا موضعها.

فإذا تقرر هذا الأمر علمنا أن المولد يعتبر عادة من العادات المحمودة عند الناس لايدخل تحت مسمى العبادة في شيء, وإن تقرب الناس بها لربهم فهو المجازي لهم حسب نياتهم, لأن أصله كما في الفتح والحاوي لفتاوى السيوطي ابتدأ من المماليك وأمراء الأندلس لمجاورتهم الروم والنصارى, فكانوا يتباهون بميلاده صلى الله عليه وسلم, فظهرت المولديات عندهم وأبدع الشعراء في قصائدهم وظهر المديح, والسير ومفازي وغير ذلك احتفاء واحتفالا به عليه السلام, ومن أهم ما ألف فيه قصيدة البردة للبوصيري حيث سارت بها الركبان ورددها الناس في ألحانهم وموائدهم دون منازع أو منكر إلا من ضاق فهمه لأسرار كلمات صاحبها.


الاحتفال بمولد النبي .. مظاهر الكرم السلطاني وجدل شرعية الديني

د.محمد شقير

في مجتمع كان يتميز دائما بالندرة الاقتصادية نظرا لعدم انتظام التساقطات المطرية، وتوالي سنوات الجفاف في غياب بنيات تحتية لتخزين المياه، انصب الاهتمام على تخزين الحبوب من خلال بناء ما كان يسمى المطامر، إذ أصبح التنافس على بناء أكبر المطامر لخزن الحبوب وباقي المواد الغذائية من قطاني وزبدة وعسل ولحم مسألة حيوية لمواجهة السنوات العجاف. وبالتالي فقد تحولت هذه المطامر إلى مظهر من مظاهر الثروة والسلطة.

 

وقد استطاعت السلطة المركزية أن تتحكم بالبلاد ليس فقط لأنها تتوفر على قوة عسكرية وسلطة دينية، بل لأنها تتوفر أيضا على أكبر مجالات لتخزين الأطعمة. فالمخزن هو قبل كل شيء مجال لجمع الزكوات والأعشار التي كانت تتكون بالأساس من الحبوب بكل أنواعها، والبهائم من إبل وغنم وبقر وثيران وخيول كان السلطان يحصلها من القبائل عبر قواده وعماله وباشواته المحليين الذين كانوا يدفعونها له خلال المناسبات الدينية كعيد الفطر وعيد الأضحى على شكل هدايا ووفق مراسيم قائمة على الخضوع والطاعة.

لكن في المقابل، كان من المفروض على السلطان، لتكريس شرعيته، استعراض كرمه المخزني عبر استضافته للنخب الدينية والسياسية خلال بعض الاحتفالات الدينية كالاحتفال بعيد المولد النبوي، أو الاحتفال بعيدي الفطر وعيد الأضحى. وفي هذا الصدد أشار محمد جادور في ما يخص إبراز السلطانين أحمد المنصور والمولى إسماعيل لمظاهر سلطة الكرم لديهما إلى ما يلي:

«لتوسيع قاعدة الأبعاد الرمزية للاحتفالات المخزنية، رام السلطانان إلى ربطها بظاهرة الكرم، التي شكلت طقسا ملازما لكل حفل رسمي نظم تحت إشرافهما، فلم يتقاعس أحمد المنصور عن تضخيم وسائل إكرام ضيوفه إبان المناسبات الدينية كليلة عيد المولد، من خلال تقديم مختلف ألوان الأطعمة…وعاشوراء لختان أطفال المحتاجين بالعاصمة ونواحيها، وتوزيع…حصص من لحم البقر…ومارس المولى إسماعيل السلوك نفسه، إذ كان يقدم إعانات وألبسة للفئات المحتاجة في الأعياد والمواسم، وحين تجتاح الناس القحوط، يفتح مخازن القمح، ويفرق الأموال والأطعمة. وكانت جلسات ختم التفسير تنتهي بإكرام الفقهاء والعلماء بدار السلطان…».

1- الاحتفال بعيد المولد النبوي واستعراض السخاء السلطاني

يعتبر المغرب إلى جانب مصر من الدول الإسلامية القليلة التي تولي اهتماما خاصا لعيد المولد النبوي وتحيطه بكل مظاهر الحفاوة والاحتفال.

وقد سبقت مصر المغرب في الاحتفال بهذا العيد، نظرا لأن الفاطميين بعدما استولوا على حكم البلاد عملوا على الاحتفال بعيد المولد النبوي لما يختزنه من رمزية دينية تكرس شرعيتهم السياسية من خلال انتمائهم للبيت النبوي. فقد «وجد الاحتفال بالمولد النبوي منذ عهد الفاطميين بمصر، حيث كانوا يحتفلون به ضمن ستة مواليد: مولد الرسول، مولد آل البيت علي بن أبي طالب، والحسن والحسين وفاطمة الزهراء والسادس مولد الخليفة الحاضر».

وكما ساهم الفاطميون في سن الاحتفال بهذا العيد بمصر، ساهمت الأسر الحاكمة التي تعاقبت على حكم المغرب منذ القرن 13 م على ترسيخ الاحتفال بعيد المولد النبوي بهذا البلد. وكان المرينيون أول من سن هذه الاحتفالات بالمغرب؛ إذ «كان السلطان يعقوب بن عبد الحق أول من احتفل بعيد المولد النبوي بفاس، ثم عممه ابنه يوسف على جهات المغرب».

ويمكن تحديد العوامل التي كانت وراء اتخاذ الحكم المريني لهذا القرار في الدوافع التالية:

– افتقاد الحكم المريني لأي شرعية دينية بخلاف الحكم المرابطي أو الموحدي.

– تنامي نفوذ الشرفاء الأدارسة بفاس خاصة بعد اكتشاف قبر المولى إدريس.

– ظهور قوى سياسية منافسة للحكم المريني مرتكزة إلى المشروعية الشرفاوية كالزوايا، والأسرة السعدية، والأسرة العلوية في ما بعد.

لذا، فقد اهتم السلاطين المرينيون بتنظيم مراسيم خاصة للاحتفال بعيد المولد النبوي من خلال إظهار الزينة أو إقامة الولائم.

«ففي ليلة العيد يأمر والي المدينة أصحاب الصناعات بالاستعداد فيتزينون ومع كل طائفة من الصناع علمهم ورمز صنعتهم ويبيت الناس خارج المدينة فإذا ركب السلطان لصلاة العيد في الصباح الباكر اصطف الناس صفوفا يستعرضها السلطان وهي تمشي أمامه ثم يركب السلطان ويركب العسكر معه ميمنة وميسرة ومن خلفه الخدم والأعلام منشورة والطبول خلف الموكب تدق حتى يصلي السلطان ويعود فينصرف أصحاب الأسواق والمهن إلى بيوتهم ويحضر طعام السلطان خواصه وأشياخ الدولة».

كما دأب السلاطين المرينيون على إقامة الحفلات داخل القصر تدعى لها صفوة النخبة السياسية لكل هؤلاء الأعضاء؛ وتقدم فيها صنوف الأطعمة والأشربة، ويستمع فيها إلى ضروب الإنشاد والأمداح النبوية.

وهكذا وصف ابن مرزوق في «المسند الصحيح الحسن» أحد هذه المجالس الذي أقيمت في عهد السلطان يوسف بن يعقوب المريني كما يلي:

« … إن هذا السلطان دأب أن يقيم ليلة حضرا وسفرا، ويستعد لها بألوان المطاعم والحلويات وأنواع الطيب والبخور مع إظهار الزينة والتأنق في إعداد المجالس، حتى إذا حلت الليلة وأدى السلطان صلاة المغرب ونافلتها، قصد إلى مجلسه في مكان الاحتفال، حيث يستدعي الناس للجلوس حسب مراتبهم ويأخذون المجالس على طبقاتهم، فينتظمون في أحسن زي وأجمل شارة، ثم يقدم الطعام على ترتيب مخصوص يتلوه من الفواكه الطرية ما يوجد في إبانه، وبعدها يؤتى بالفواكه اليابسة. ثم الكعك والحلويات وأخيرا أصناف السكر، وجميع ذلك على أعجب ما يتحدث به: كثرة وحسنا، وربما اختلفت العادة في التوالي مرة وفي الفترة أخرى وقد يقع الإطعام بعد العشاء الآخرة.

فإذا استوت المجالس وساد الصمت، قام قارئ العشر فرتل حصة من القرآن الكريم، ويتلوه عميد المنشدين فيؤدي بعض نوبته، ثم يأتي دور قصائد المديح والتهاني بليلة المولد الكريم: من نظم شعراء المملكة والزائرين، فتلقى على نظام محفوظ وترتيب محكم، على قدر المنازل والرتب والمناصب، وبعد هذا تسرد المعجزات النبوية، وتكثر الصلاة على الرسول سيدنا محمد (ص) … فإذا قضيت صلاة الصبح تقدم ألوان الطعام المختصة بهذا الوقت وجميع ما يفضل من بخور وشموع يقتسمه الفقراء المسافرون على قدر استحقاقهم، فيجتمع لهم من ذلك العدد الكثير… «…» في صباح يوم سابع المولد يجلس الكتاب لتوزيع العطاء على الأشراف وأعيان الفقهاء والأيمة والخطباء والقضاة الواردين، فيعطى كل على قدره: كسوة تخصه وإحسانا للبعض»

ومن خلال هذا النص، يستنتج أن السلاطين المرينيين، الذين انتزعوا الحكم دون الاستناد إلى أية شرعية دينية أو الانتماء لأي منحدر شريفي، عملوا على إضفاء نوع من الشرعية عليهم من خلال إعادة التبرك بضريح المولى إدريس الأكبر بعد اكتشاف قبره من جديد، والاهتمام بالاحتفال بعيد المولد النبوي من خلال خلق أجواء روحانية عبر إنشاد الأمداح النبوية مع الحرص على إقامة مآدب سلطانية تستدعى لها مكونات الطبقة السياسية لتناول أصناف الأطعمة والفواكه ومختلف صنوف الحلويات التي تميز المائدة السلطانية. ولعل الغرض السياسي من ذلك هو تقوية روابط الولاء السياسي للسلطان. فهي» تترجم البعد السياسي للكرم باعتباره سلطة لضمان الولاء، ولتهدئة النفوس القادرة على التمرد، ولمجاملة العناصر المؤثرة ولاستقطاب القوى المعارضة، أو على الأقل منافسة الدينية منها. وهي خصلة كما أشار إلى ذلك الفشتالي تعنو الوجوه، وتذل لها الرقاب، وتخضع الجبابرة، وتسترق بها الأحوال، ويستمال بها الأعداء، ويستكثر بها الأولياء، وتحقن بها الدماء، ويحسن بها الثناء، وتملك بها القرباء والبعداء…»

وبالتالي، فالسلطان المريني عندما كان يقيم ولائمه بمناسبة هذا الاحتفال، فإن ذلك كان يدخل ضمن استراتيجية استعراض سخاء السلطة وإظهار نوع من القوة المادية في امتلاك أكبر الكميات من الطعام، وإظهار غنى الموائد السلطانية وقدرتها على الإطعام في مناسبة دينية تكتسي طابعا مقدسا في مغرب أضرحة الشرفاء وزوايا الصلحاء. وهكذا نستنتج، كما أشار الباحث محمد جادور» أن المخزن مارس سلطة الكرم في مناسبات محددة ارتبطت إما بالمناسبات الدينية الرسمية التي مثلت أفراحا للاستحضار الرمزي للماضي، ولإعادة إنتاج سلوك السلف الصالح عبر توزيع الهبات، وإيلاء الحدث ما يستحقه من عناية وتقدير …» وهذا ما يضفي على كرم السلطان شرعية خاصة وتظهر خصاله المحمودة في الإطعام والكرم، مع ما يرتبط مع ذلك من (أجر عظيم) في ذهنية سياسية مغربية تقوم على الإحسان بالضيف والمبالغة في إكرامه.

لكن إلى جانب ذلك، فهذا السخاء السلطاني عادة ما يحيل على نصوص قرآنية مرتبطة بالإطعام والموائد السماوية، حيث ورد في سورة المائدة ما يلي:

»إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ …«

2- الاحتفال بعيد المولد النبوي وترسيخ الكرم السلطاني

ترسخت مراسيم الاحتفال بعيد المولد النبوي في عهد الحكم السعدي خاصة مع السلطان المنصور الذهبي الذي دأب على إقامة مجالس فخمة ومآدب كبرى بهذه المناسبة تستدعى إليها كل مكونات الطبقة السياسية والعسكرية والعلمية في البلاد.

وقد وصف لنا الفشتالي أحد هذه الاحتفالات بكل المظاهر البروتوكولية والمراسيمية التي تخللتها وذلك وفق ما يلي:

»هذا الموسم الكريم النبوي ومشرق أنوار الطلعة النبوية ومجلى عروس الكون ومظهر كنز الله في العالم وسره المنتقل في أصلاب النبيئين عليهم السلام، من آدم خير من طلعت عليه الشمس صلى الله عليه وسلم صلاة يتهادها فم إلى فم وقلم إلى قلم حتى تظلنا من أعسر من عنايته الرؤية والعلم هو مطرح الهمة الكريمة الامامية النبوية الشريفة المنيفة، ومرمر اعتنائها وعظيم اهتبالها واحتفالها وإكراما والإجلال. ولئن كان الخلفاء رضوان الله عليهم لم يجدوا أيامهم ومددهم من أحياء سنته التي ثابروا عليها خلفا عن سلف والاحتفال لوليمته العظمى التي تحضرها ملائكة الرحمان ويهتز لعظيم شأنها الملوان، فلقد أربى عليهم مولانا الإمام أمير المؤمنين أيده الله تعالى في صنيعها الجسيم والاحتفال لليلها العظيم ويومها الكريم بمقدار ازدياد بحره الطليق على نهرهم وامتداد باعه الرحيب على فترهم حياها الله من همم هاشمية – وشيم نبوية ونفوس كريمة علوية كم لها من فخار عظيم ومآثر تلوح غررا في جباه الأيام، وهي كمأثرة يرضون بها الرب في كل عام وتقر بصنيعها عين المصطفى خير الأنام عليه أطيب الصلاة وأزكى السلام، والرسم الذي جرى به العمل لاحتفال هذا الموسم النبوي الكريم أنه إذا طلعت طلائع ربيع الأول، طلائع هذا النبي الكريم صلوات الله عليه سلامه، توجهت العناية الشريفة إلى الاحتفال له بما يربى عن الوصف ويقف دونه همم الحاسب، فيصير الرقاع إلى الفقراء أرباب الذكر على رسم الصوفية من المؤذنين النعارين في السحر بالأذان وأصوات رهبان، فيهوون للدعوة من الأماكن النائية ويعكف على خدمة رياض الشموع التي تجلو الحاسن هذه الجهابذة الذين يبارون النحل في نسج إشكالها لطفا وإدماجا، حتى إذا كانت ليلة الميلاد الكريم وقد أخذت الأهبة وتم الاستعداد وتناهى الاحتفال وأقصى مبالغ الكمال وتلاحقت الوفود من مشايخ الذكر والإنشاد وحضر وقت زفاف العاري في رياض الشموع إلى الأبواب العلية الشريفة وحضرت الآلة الملوكية والأفلاك المؤلفة من الأخشاب لحمل جذوعها، يحملها أساري الدولة وأولو الطرق من الصحافيين المحترفين بحمل خدور العرائس عند الزفاف، يتقدمهم عريف الأشغال بالباب العلي مصلحا لشأن أفلاكها ومعدلا لسيرها. مشايخ الوزعة وخدام الشرطة ومشايخ البلد انتظم عالم من النظارة سماطين بحافي الطريق من أبواب الخلافة العلية إلى حيث مثوى الشموع من منزل أولى صنعها وخدمتها قد جللوا جنبتي الطريق وركبوا الأسوار والأسطاح وبرزت ربات الحجال من أعلى المنازه والصروح، فضخمت الجملة وعظم الزفاف وبرزت جذوع الشموع كالعذارى يرفلن في حلل الحسن والضخامة والجلال واحتملت على أفلاكها يقفوا بعضها بعضا في عدد كثير كالنخيل، فارتفعت أصوات الآلة وقرعت الطبول وضج الناس بالتهليل والتكبير والصلاة على النبي الكريم، وتتصاعد على الوصف من الزي العظيم والزفاف الجليل حتى تستوي على منصات الشهرة بالإيوان الشريف، ثم يقع البيات على التغليس لحضور المشهد الكريم، فإذا حضرت صلاة الفجر برز مولانا الإمام أمير المؤمنين أيده الله فيصلى بالناس ثم يقتعد أريكة قبته وسرير ملكه وعليه خلع البياض شعار الدولة الكريمة وقد ازدهى المحفل وضخم الحال وتناهى الجلال واصطفت أمام القبة جذوع الشموع المبارية للمآذن والنخيل ضخامة أجرام وطموح أعناق واصطفاف العذارى المختلفة الأوان، فمن بيض كالدمى وحمر جليت في ملابس أرجوان وخضر سندسية الغلائل وقد تقسمت طول جذوعها قباب مستديرة بها استدارة أركان المآذن، وتفننت فيها الصنانع نسجا وقادت بين الأرجل الضخمة والأفلاك المضاعفة تنوء بها العصبة أولو القوة متعددة المواقد والمشاكي كأنها هضاب نرجس نهر ذوائبه أيدي النواسم، واستحضر من أنواع الحسك أمام الحضرة كل توراء مصنوعة من النشب أخذت مدمج خضورها التفافيح النافذة النقش قد ركزت في أنابيها المجوقة وغير المجوفة عمد ملبس الجسوم من الشموع طوال القدود طاعنة في الجو بأسنتها المذهبة مولوية بألسنتها الدلقة تضرب بشهارها الجناة من أولى الدربة بقطف أنوارها فتقطفها بالاجلام المحززة والمقطعات المجوفة التي تمسك ما أبانه الحلاق من شعورها فلا يسقط منها شرر ولا يدوم لها فتار ومثلت أمام الحضرة الأمامية لوقود العنبر آلة ضخمة الشكل فضية الصوع بديعة النقش مظللة بالغطاء الدمج الشباك يناول مولاة وقودها العنبري إلى انفضاض المجلس قيم الأثاث في تسبيل من الظرف والخصوصية لا يغيب عن إمدادها بالوقود فتتصاعد فوق المشهد منها غمامة عنبر قد سدت أفق الشمس وضربت دون سماء القباب سرادقا جونا فتملأ المعاطس وتعلق عمائم الأطواق والجيوب واللبب وتسايل الناس من البلد على طبقاتهم مغلسين من شرفاء وقضاة وفقهاء وكتاب وشعراء وقراء وخطباء وأجناد ورؤساء وأشياخ نبهاء وعمال أثراء، إلى من تعلق بأذيالهم من اللفيف والغمار بما يعين التنخل ويعجز التأمل؛ فإذا استوى الورود اصطفت الصفوف الأجناس وتألفت الأشكال ورضيت مقاعدها السرات وخلص من زحام الأبواب الضيق وعصى الرياد عن كتب الله سلامة ثوبه وحفظ بشرة وجهه.

فكثيرا ما نرى الأنوف لخدوشه من التزاحم والتدافع بالأبواب التي يظللها عصى أشبه من عصى الوزعة ومن يسد طريق العرض الهاطل تقدم أهل الذكر والانشاد يقدمهم مشايخهم من بعد أن يفرغ الواعظ من قراءة ما يناسب المقام من الاستفتاح لفضائل النبي صلى الله عليه وسلم وسرد معجزاته والثناء على شريف مقامه وعلى جلاله. واندفع القوم لترجيع الأصوات بمنظومات على أساليب مخصوصة من مدائح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يخصها اصطلاح العرف باسم المولوديات نسبة إلى المولد النبي الكريم قد لحنوها بألحان تخلب النفوس والأرواح وترق لها الطباع وتبعث في الصدور والخشوع وتقشعر لها جلود الذين يخشون ربهم يتفننون في ألحانها على حسب تفننها في النظم. فإذا أخذت النفوس حظها من الاستمتاع بألحان المولوديات الكريمة تقدمت أهل الذكر المزحزحون بالرقيق من كلام الشيخ أبي الحسن الششترى رضي الله عنه وكلام القوم من المتصوفة أهل الرقائق. كل ذلك تتخلله نوبات المنشدين للبيتين من نفيس الشعر يتحينون به المناسبة بينه وبين ما يتلى من الكلام عند الإنشاد من نسيب أو غزل أو إلمام بنسج أو تشوين للمعاهد الشريفة أو مديح نبوي أو ما ولى على سبيل لطيف من الظرف ولحن عريق في نسب الإجادة.

ثم حضرت دولة إنشاد الشعراء وكان الخلفاء رضوان الله عليهم يتساهلون في اتباع الغث الذي يلهج به من ذلك العوام المتشاعرون بما يلفقون سفساف القول وسافل الكلام المصقول بشرك القافية الواهية والوزن الخارج عن نسب الإجادة ومصطلح الأوزان العروضية؛ فلما جاء الله بساعة الكمال ألقت الهمم المنيفة الكريمة الأمامية الأحمدية المنصورية على الله بحبها وأيد حزبها من ختم محاسن هذه المحاسن الشريفة النبوية بالدعوة الجليلة الامامية العلوية بمثلية هذه العصابة الخسيسة التي يتحاشى مجلسها النبوي عن خضف انعلتها الوظرة على أوطيته الشريفة الملوكية ويتنزه عن قولها الثقيل الذي تشمئز منه الطباع ولا يحصل لواحده على الاسماع إذن ولا قبول فانصبت مع الامتنان بحفظة الجراسة وغشية الإحسان وادالتها العناية الشريفة الامامية بالعصاية الأدبية من كتاب الدولة وشعراء هذا الميدان وجهابذة هذا الشأن، ودفعتهم لهذا المضمار العادية الأمامية فتباروا في أحراز الخصل تبارى الجياد يوم الرهان والشأن في الإنشاد أن يقف الشاعر بإزاء المسمع مستنيبا إياه في إنشاد ما خبره؛ فإذا فرغ خنع الشاعر وانصرف لمكانه من المجلس الكريم وجرى الترتيب بتقديم قاضي الجماعة الشيخ العلامة جملة الفضل الصليب العدد القوى الشكيمة صدر الفئة أثير الخلفاء سفير الأيمة خطيب الخطباء بليل منابع الجمع والأعياد القاضي أبي القاسم بن على الشاطبي تغمد الله بعفوه فانشدت له قصائد تأبى الاثبات في هذا الموضع وتلاه الشيخ الإمام علم الإعلام مفتى الإسلام بحضرة أنموذج الفضل ولبنة التمام ذي النسب الشريف والحسب العريق الأصالة المشتمل بملاءة السؤدد والسراوة ودماثة الأخلاق ولين العريكة رضيع لبنان العفة مليح البسط على ديانة مضمر ثغرة النادرة، فصيح القلم المغبر في وجوه أهل اللسان والبيان شيخان العلامة أبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن الحسن الشريف الحسنى فأنشد له:

عليه صلاة لايزال نسيمها ** يعاهده من قرب دارى أو المجد

وتم سلام لايزال مجددا ** إليك أيا ذا الفضل والعز والمجد

إليك مدرت الكف يا خير مرسل** دعاء غريق في مئاثمه بردى

فبين يدى في المعاد مواقف ** اجازى بها عن هزل أمرى وعن جد

إلى غير هؤلاء من الفضلاء والأعلام وفرسان النثر والنظام من كل فياض القريحة يهز من لسانه العضب الحسام وتمشي تحت رايته أمراء الكلام صان الله جماعتهم وأجزل من الدر المكنون بضاعتهم، وألزم الألفاظ والمعاني طاعتهم. ولم يزل في خلال دولة الإنشاد يختلف الظرفاء من الخدام على الناس لأخصال الملابس بماء النعيم المصعد من نثير الورد والأزهار الأردية يكسب عليها بطاقات الرياحين والآس سكبا غدقا في الحجور والأردان فتدمث ما تعلق باللباب والأطواق والجيوب من غمائم العنبر التي تصاعد نؤها وسدافق المشهد الكريم فيلبث طيبها لصق بالأثواب مدة مديدة ثم تنهل على الحفل عارض النعمة من أبواب القصور الكريمة ويخص بالجفان والأخونة والصحون والطيافير الرحيبة الأقطار، جامعة لألحم المسارح وأنواع الطير ودواجن البيادن الفضاء الطبيخ بالإيوان الشريف ويخص الإطعام بين يدي الإمام طبقة الأشراف والنمط الأعلام من العلماء والفقهاء والقضاء وأكابر الدولة، ثم تبث الموائد بين الناس بكل جهة وتمد بسط الاديم والمطارف صونا لاوطية المجلس الكرين، فيقال على الناس من النعمة العارض الهطل والسحاب المركوم، فلا تسأل عن التفنن في المطابخ والتنويع في المأكل والأرضا في النعمة قد استهلكته ضروب الحيوان وأبيد طياره ودواجنه. وانتهى الاحتفال إلى ما يوجب البهت وينغمس الناس في الأكل المتدارك والطعام والمتواتر، بحيث لا يبقى بين وقع الخوان ووضعه وتعاقب الجفان فضله من الزمن حتى يقع البهت وتختل الهضوم فتتم النعمة وتختم الكرامة ويشرح بحمل الارضاخ بانسكاب الحلاوى المتنوعة والمربيات المتقنة، ثم تصب الحلقات المستديرة للأكل الحصون العديدة المملوءة بفانيد السكر الرحيبة الأفطار المعتامة من البخار اللطيف المدعو بالفرفرى، صبا غدقا فيتطارح عليها صنف أهل الذكر والإنشاد ولفيف أهل البلد لجنوبهم متهالكين في اختطافه وتناوشه بحالة تستضحك أمير المؤمنين ويهش لها ارتياحا، ثم يختم بالشكر والدعاء فينفصل المجلس ويفيض الحجيج وقد مكث من فاضل الطعام بفضاء الإيوان الشريف هضاب سامية، فيؤذن للمساكين وذوي الحاجات المحومين عليها بالأبواب الشريف تحويم القشاعم فينقضوا عليها ويسيل على هضابه منهم السيل العرمرم، فلا يذادون عنها حتى تلقى كلمتهم ويرضوا جميعا فينقضوا عنها والجبال جبال. فإذا انصرفت أيام الوليمة الشريفة برزت صلاة العشراء وعليها التوقيع الشريف فينثر عليهم وتشفع لعلبة المشايخ بالخلع الشريفة تقبل الله من أمير المؤمنين وأجزل مثوبته وضاعف له الجزاء الأوفى في دار النعيم. وكانت لمولانا أمير المؤمنين أيده الله صدقات فاشية واسعة عظيمة العائدة يجريها على أيدي ثقات من رجاله فمنها الأموال التي يخرجها ختم كل رمضان ويعم بها ذوي الحاجات بحضرته العلية أهل الخير والدين كل على حومته، حتى صار ذلك رسما وعادة يتحينها أهل الحاجة، ومنها المهرجان الذي يقيمه يوم عاشوراء كل سنة لختان ذرية ضعفاء من مساكين الحضرة وأحوزها وذوي الحاجة من أهلها يدخل بذلك أيده الله السرور على أولاد المؤمنين فيبكر الأمناء ببابه العالي وقاضي الجماعة وصاحب المظالم المباشرة سنتها بالإيوان الشريف ويتصاعد أهل حرفة الختان من أولى الحجامة وأهل الآلة والغناء بأسرها التي ألفوها من عوائد الصلات والإحسان فيصطفون بالإيوان الكريم وقد شحذت المواسى وتجاوبت الألحان واصطحبت أصوات المزاخر وارتفعت هضاب الكتان وأكداس الدراهم واستكثر من ذبح البقر فطمر بحر اللحمان وعلت أصوات الصبيان يتضاعفون على أعناق آبائهم وقد مثلوا بالأبواب الشريفة عالما يغض به الفضاء، يعلو وجوهم مثار الحاجة ومذلة الانكسار فتنبعث الرحمة وترق النفوس ويعظم الخشوع وتقدم الصبية أفواجا فكل من تناوله الختان أعطيت له أذرع من الكتان وحصة من الدراهم وسهم من اللحم يعمر بإقامة هذه السنة بياض اليوم حتى ينهار الدم من كثرة ما استلحمته المواسى ويشمل الإحسان من ذلك أما لا تحصى ويعم الصنيع أولي الحاجة وأهل الألة الذين أقاموا مهرجانها وجلوا محاسنها وزينة يومها وفخامة دعوتها، فيحتقب مولانا أمير المؤمنين من مثوبة هذا اليوم المبارك مما يثقل الله به موازين أعمال بره يوم الجزاء الموعود. وأما ما يجري على يده أيده الله في سائر الأوقات من البر والصدقة ووجوه الاقتراب والزلفى من حلال في سبيل التوسعة على الفقراء بقسمه وطعام في أوقات المجاعة يخرج وديون غرماء مفاليس تقضى ورقاب أرقاب تملك وأساري تفتدي، فلا يدخل تحت ضبط ولا يتناوله حسبان تولى الله عن الأمة جزاءه وأجزل له يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا فضله الواسع وإعطاء«.

ومن خلال هذا النص الذي أسهب فيه مؤرخ السلطان أحمد المنصور الرسمي في وصف مختلف مظاهر هذا الاحتفال، يلاحظ التركيز الشديد على المآدب السلطانية التي تقام بهذه المناسبة ونوعية الأطعمة التي تقدم للمدعوين وفق تراتبية مخزنية مضبوطة:

– حيث تعطى الأولوية للخاصة من حاشية السلطان من أشراف وعلماء وفقهاء وأكابر الدولة، ما أشار إليه الفشتالي كما يلي:

“ثم تنهل على الحفل عارض النعمة من أبواب القصور الكريمة ويخص بالجفان والأخونة والصحون والطيافير الرحيبة الأقطار جامعة لألحم المسارح وأنواع الطير ودواجن البيادن الفضاء الطبيخ بالإيوان الشريف ويخص الإطعام بين يدي الإمام طبقة الأشراف والنمط الأعلام من العلماء والفقهاء والقضاء وأكابر الدولة”.

ليتم بعد ذلك وضع الطعام أمام بقية المدعوين من منشدين وغيرهم. وأشار الفشتالي إلى ذلك من خلال ما يلي:

“ثم تبث الموائد بين الناس بكل جهة وتمد بسط الأديم والمطارف صونا لاوطية المجلس الكرين، فيقال على الناس من النعمة العارض الهطل والسحاب المركوم، فلا تسأل عن التفنن في المطابخ والتنويع في المأكل والأرضا في النعمة قد استهلكته ضروب الحيوان وأبيد طياره ودواجنه”.

– أما ما تبقى من هذه الأطعمة فيتم توزيعه على المساكين والمحتاجين الذين يكونون خارج أبواب القصر منتظرين نصيبهم من بقايا المأدبة السلطانية، ما يستدل من الإشارة التالية:

“وقد مكث من فاضل الطعام بفضاء الإيوان الشريف هضاب سامية فيؤذن للمساكين وذوي الحاجات المحومين عليها بالأبواب الشريف تحويم القشاعم، فينقضوا عليها ويسيل على هضابه منهم السيل العرمرم، فلا يذادون عنها حتى تلقى كلمتهم ويرضوا جميعا فينقضوا عنها والجبال جبال”.

أما في ما يخص الأطعمة التي كانت تقدم خلال هذه الولائم المخزنية، فقد ركز الفشتالي على نوعية الأطباق الشهية التي كانت تعد في هذه المناسبة، والتي كانت تشمل على ما يبدو:

– طواجن اللحم والدجاج الذي كان يعتبر من وجبات علية القوم التي لا يحلم بأكلها مختلف الشرائح الشعبية، والتي أشار إليها الفشتالي بالفقرة التالية:

“ويخص بالجفان والأخونة والصحون والطيافير الرحيبة الأقطار جامعة لألحم المسارح وأنواع الطير ودواجن البيادن الفضاء”

– وأطباق الكسكس المخزني المتميز بما تحتويه من خضر ودجاج أو لحم التي أشار إليها الفشتالي بالفقرة التالية:

“وتمد بسط الأديم والمطارف صونا لاوطية المجلس الكرين فيقال على الناس من النعمة العارض الهطل والسحاب المركوم فلا تسأل عن التفنن في المطابخ والتنويع في المأكل والأرضا في النعمة قد استهلكته ضروب الحيوان وأبيد طياره ودواجنه”.

– بالإضافة إلى مختلف أنواع الحلويات المخزنية اللذيذة والشهية التي أشار إليها الفشتالي بالفقرة التالية:

“وينغمس الناس في الأكل المتدارك والطعام والمتواتر بحيث لا يبقى بين وقع الخوان ووضعه وتعاقب الجفان فضله من الزمن حتى يقع البهت وتختل الهضوم فتتم النعمة وتختم الكرامة ويشرح بحمل الارضاخ بانسكاب الحلاوى المتنوعة والمربيات المتقنة، ثم تصب الحلقات المستديرة للأكل الحصون العديدة المملوءة بفانيد السكر الرحيبة الأفطار المعتامة من البخار اللطيف المدعو بالفرفرى”.


الاحتفال مستحب، بمولد نبي الجمال

محمد ابن الأزرق الأنجري

 

إن عمل المولد المعظم سنة حميدة سنّها أميران مؤمنان عالمان، هما المظفر ملك إربل المجاهد العادل الصالح في المشرق، والإمام الفقيه المحدث أبو العباس العزفي ملك سبتة، واستحسنها أئمة فترتهما، ثم كبار العلماء في كل عصر ومصر، وصارت عادة مشتهرة بين المسلمين حتى هبت ريح المدرسة الوهابية، فحاولت اقتلاع ما تواطأ عليه المسلمون منذ قرون، لكن الفشل الذريع كان حليفها إلى يوم الدين.

الدليل الأول: استحباب إظهار محبة رسول الله وتعظيمه

أمرنا الله تعالى بحبّ رسوله الكريم والمبالغة في الإجلال له والتكريم، فقال سبحانه في سورة الفتح العظيم: ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ).

ومعنى الآية: أنا الله أرسلتك يا محمد (شاهدا ومبشرا ونذيرا)، أقول هذا يا أمته المسلمة ( لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) حق الإيمان (وَتُعَزِّرُوهُ ) تؤيدوا نبيكم وتنصروه ( وَتُوَقِّرُوهُ ) تعظموه وتكرموه، ( وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) ، تسبحوا ربكم بالتسبيح والتحميد، وتسبحوا/تقدسوا نبيكم بالصلاة عليه وتنزيهه عن النواقص والعيوب.

ولم يحدد لنا ربنا وسائل تعظيم نبيه الكريم، بل ترك ذلك لأذواقنا وإبداعنا على ضوء ما تسمح به أحكام الشريعة من أفعال.

وقد تولى النبي الكريم وضع الحدّ الذي لا يجوز وصول تعظيمنا إليه، فقال عليه الصلاة والسلام في الصحيح وغيره: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله).

أي عظموني كيفما بدا لكم، ويمكنكم أن تستفيدوا من أشكال تعظيم النصارى لنبي الله عيسى، لكن لا تقولوا عني كما قالوا عن نبيهم أنني ابن الله، وقولوا بلسانكم واعتقادكم: محمد نبينا عبد الله ورسوله.

فالحديث يأمر بإجلال رسول الله وتعظيمه، ومعناه كما يتذوق الفصحاء ويدرك الفطناء: “أطروني دون تأليهي”، وسكوته صلى الله عليه وسلم عن أشكال تعظيم النصارى الأخرى للمسيح عليه السلام، والتي كانت مشهورة معروفة عند رسول الله، إشارة واضحة منه للعقلاء إلى جواز التشبه بهم فيما هو دون التأليه، ومن ذلك تخليد مولده العظيم.

وإن التشبه بأهل الكتاب فيما هو محمود حسن ليس محظورا في شريعتنا.

والعجيب أن محرمي المولد النبوي يحتجون بالحديث المتقدم، وهو ضدّ عليهم، ثم إنهم يمارسون التدليس والتحريف والبتر فيحذفون الجملة الأخيرة: (فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله)، ليتسنى لهم القول – دون حياء ولا خوف من الله – بأن معنى الحديث: لا تحتفلوا بمولدي كما تحتفل النصارى بميلاد نبيها.

فاللهم اهدهم واغفر لهم وعلّمهم.

واعلم عزيزي القارئ أن مولانا النبي أكد المعنى المحرم في الإطراء، فكان يدعو الله آخر حياته قائلا: (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)، رواه الإمام في الموطأ.

ونلاحظ أنه لم يقل: اللهم لا تجعل مولدي يوما معظما يحتفل به المسلمون، وهو يعلم أن النصارى يفعلون ذلك بميلاد المسيح، وأن أمته ستحتفل بمولده ابتداء من نهاية القرن السادس، فقد أوحى الله إليه تفاصيل ما ستعرفه أمته من تغيرات بدليل أحاديث الفتن والملاحم وغيره.

فاستجاب الله دعوة نبيه، فما ألّهه المسلمون، وما قصدوا قبره الشريف لعبادته، ومن قال غير ذلك فهو جاهل أو كذاب.

ولأنه لم يدعُ الله عدم احتفال أمته بمولده، لأن ذلك من الإطراء المشروع، فإن الله تعالى ألهم الملِكين العظيمين مظفر الدين كوكبوري وأبا العباس العزفي السبتي سنّ الاحتفال بمولد نبيه في آخر القرن السادس الهجري.

وقد فهم الصحابة أن تعظيم جناب النبوة وإعلان شديد محبته مجال مفتوح لأذواقهم ما لم يقعوا في التأليه والعبادة، فتفننوا في ابتداع أشكال وألوان من التعبير عن شعورهم بعظمة رسول الله في نفوسهم دون أن يقترح عليهم بنفسه كيف يظهرون ذلك التعظيم، ودون أن يعترض عليهم لأنهم لا يرقون بالتعظيم إلى التأليه والعبادة.

كان بعضهم يستحي من النظر إلى وجهه الشريف، ويجلسون عنده لا يتحركون كأن الطيور على رؤوسهم، وما نهاهم عن ذلك.

وكان آخرون يتصيدون لحظة بصاقه وتنخمه فيحرصون أن يقع البصاق بأيديهم فيتبركون بدهنه على وجوههم، وما أمرهم بذلك.

وبعضهم كانوا يحيطون به عند الحلاق دون دعوة منه، فيتسابقون على شعره الطاهر المتساقط.

وبلغ الإبداع عند بعضهم درجة شرب بوله ودم حجامته حتى تختلط فضلاته عليه السلام بدمائهم فيضمنون النجاة من النار، وما أمر ولا نهر رغم اسقباح الطبيعة البشرية لهذين الفعلين، لكن العاشق المغرم معذور.

وهذه صحابية تحرص على جمع عرقه صلى الله عليه وسلم لتتطيب به بدل المسك والعطور، فيعذرها وما نصح بذلك.

وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يتتبع رسول الله من خلفه حتى يضع قدمه موضع موطئه عليه السلام، وكان بعد موته يقصد شجرة باستمرار لينام تحتها لأنه رأى حبيبه استراح هناك مرة، وكان مسافرا فبلغ موضعا معينا ففرض على دابته أن تطوف وتدور لأنه رأى جمل رسول الله يدور به هناك يوما ما، رغم أن طواف الجمل لم يكن بإرادته عليه السلام.

وطالع تراجم الصحابة تطلع على العجب العجاب من هذا الباب.

وبناء على ما تقدم، توصل السلف الصالح من التابعين وأتباعهم إلى النتيجة المنطقية وهي: كل وسيلة دالة على تعظيم رسول الله مشروعة ما لم تكن تأليها وعبادة.

وانطلاقا من هذا الأصل الشرعي طفقوا يبدعون ويبتدعون وسائل التعبير عن تعظيم نبيهم الذي لم يدركوه.

فابتدع الإمام مالك وسيلة خاصة به، فكان لا يخرج إلى مجلس رواية الحديث النبوي حتى يغتسل ويتطيب ويلبس أحسن لباس ويطيب المسجد بالبخور، وما أمر نبينا بذلك، ولا فعله كبار أصحابه.

وكان هو وآخرون لا يركبون الدواب في حرم المدينة خشية المرور على موضع وطئه قدم رسول الله، وكان بعضهم يمشون في المدينة ومكة حفاة للعلة نفسها.

وهذه سلوكات ما أمر بها رسول الله، ولم يلتزمها أحد من الصحابة الذين عبروا عن حبهم بطرقهم وفق أذواقهم ومشاعرهم، ولم ينكرها أحد من أئمة الدين، وأنى له، بل ذكروها في تراجم أصحابها على سبيل المدح والثناء والاستشهاد بها على صلاحهم.

وللمحدثين أعلم الناس بسنة رسول الله، باب أسموه “آداب طالب الحديث”، يقررون فيه بدعا حسنة ينبغي أن يلتزم بها الطالب والشيخ أدبا مع رسول الله وتعظيما لسنته، ويذكرون فيه تصرف الإمام مالك، وما كان يفعله الإمام البخاري قبل أن يدخل حديثا ما في صحيحه، حيث كان رحمه الله يتطهر ويصلي ركعتين استخارة لله، ثم إنه التزم كتابة الصحيح بجوار البيت الحرام، وكل ذلك بدعة لم يفعلها قبله صحابي ولا تابعي ولا غيرهما، وما استقبح ذلك أحد، بل عدوا ذلك حجة على عصمة “صحيح البخاري” من وجود الأحاديث الضعيفة، وهذا ما نعارضهم فيه أشد المعارضة.

وبعد القرن الرابع الهجري، ابتدع شيوخ السنة من المحدثين والحفاظ احتفالا بختم صحيح البخاري تعظيما لرسول الله وتعبيرا عن فنائهم في محبته، فكانوا بعد الانتهاء من قراءة ودراسة كتاب الصحيح آخر العام الدراسي، يقيمون احتفالا عظيما يحضره العلماء والطلبة والمثقفون والعامة، فتلقى كلمات علمية بالمناسبة، ويشارك الشعراء بقصائدهم، ويستمعون إلى شيء من الإنشاد، ويفترقون على طعام وشراب.

وهذا الاحتفال بدعة حسنة لفوائدها العلمية والاجتماعية، ووسيلة اختارها المتأخرون للتعبير عن تعظيم نبي الله، وهي محل قبول من العلماء شرقا وغربا طولا وعرضا، وقد تواطأ أهل التعليم العتيق عندنا على تعويض صحيح البخاري بألفية ابن مالك النحوية، فقبل فصل الصيف تتوقف الدراسة ويقيمون احتفالا بختم الألفية، ويحضره المتشددون في “بدعة المولد” ويشاركون فيه بالكلمة والشعر وسماع المديح والأكل والشرب، وربما يأخذ بعض شيوخهم هدايا عينية أو نقدية مقدمة من أغنياء منطقة الاحتفال.

فقبح الله التناقض والتلاعب بالدين، يستحسنون الاحتفال بختم صحيح البخاري، ويحضرون ختم الألفية وغيرها، ثم يستقبحون الاحتفال بمولد رسول الله، فأي الفريقين أهدى سبيلا؟

ودون تبصر أو تعقل يصيحون قائلين: تعظيم رسول الله وإظهار محبته محصور بنصوص الشريعة في طاعة أوامره، والاقتداء بسنته، والإكثار من الصلاة عليه.

وبعض المتابعين يصدمهم هذا المنطق الأعور، فيشعرون بنوع من “مصداقية” هذا الكلام الأبتر، لذلك وجب علينا تشطيبه فنقول متوكلين على الرّب الأكبر:

أولا: الاحتفال بالمولد طاعة لأمر الله بتعظيم رسوله، واقتداء بسنته التقريرية حيث دلّ إقراره لأصحابه على أن طرق تعظيمه مشروعة ما لم تكن تأليها، ثم اقتداء به في تعظيمه يوم ولادته من خلاله حرصه على صوم يوم الاثنين، والمولد مناسبة لإكثار الصلاة والسلام عليه حتى من قبل المسلمين المفتونين العصاة.

ثانيا: طاعة الرسول والاقتداء به والصلاة عليه، كل ذلك طاعة لله في حقيقته وإظهار لمحبته سبحانه، وهذا المعنى غائب عن مستحسني المولد ومحرميه على حد سواء، رغم أن كتاب الله واضح في ذلك.

قال الله تبارك وتعالى: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ، وقال سبحانه: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ).

فالله جلّ وعلا لم يأمر نبيه أن يقول: إن كنتم تحبون شخص محمد فاتبعوني، بل طالبه أن يشترط عليهم اتباعه الذي يعني الإيمان بنبوته والطاعة لأمره للتدليل على دعوى حبهم لله، وتعبير القرآن معجز هادف باتفاق.

ثم انظر إلى قوله سبحانه متدبرا: (إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).

تستنتج هذا المعنى العظيم الذي نحمد الله على أن فتح به علينا بعدما تحررنا من تقديس التفاسير، واحترمنا قواعد اللغة وأساليب العرب:

إن الله الذي تؤمنون بألوهيته وربوبيته يحب أن يصلي على شخص رسوله محمد، والملائكة التي تؤمنون بنورانيتها وطهرانيتها تعشق الصلاة عليه، فبرهنوا على إيمانكم بالله وعلى شهادتكم للملائكة من خلال الصلاة والسلام الكثيرين على النبي الأكرم.

ومن هنا كان عليه الصلاة والسلام يحضّ بشدّة على الصلاة والسلام عليه، أي لأنه يريد أن يرضي الله من خلال التحفيز والتشجيع على فعل ما يحبه ويرضاه، لا لأن النبي يشتهي الصلاة والسلام عليه أو بحاجة إليهما، ولو لم يسبق من أمر الله بالصلاة على رسوله إرضاء له سبحانه وتحقيقا لما يحب، ما ألح حبيبنا على الموضوع إلى الحد الذي جعل أهل الكتاب والمنافقين والمستشرقين والعلمانيين يتهمونه بحب الإطراء وجنون العظمة.

وقد أبطلت لك الشبهة أيها المسلم المحب، بإلهام من الله وفتحه جزاء فنائي في الحماية عن فضيلة الاحتفال بمولده الأعظم، فادع الله لي وأهلي بخيري الدنيا والآخرة، ولو أقسمت بالله على أنك لن تجد ما سطرته هنا ما حنثت، والأيام بيننا.

خلاصة القول:

طاعة أوامر النبي، والاقتداء بسنته، والصلاة عليه أمور تندرج في طاعة الله وعبادته وإعلان محبته سبحانه والإيمان به، لا في تعظيم الرسول والبرهنة على محبته وإن كان كل ذلك متضمنا لمعنى التعظيم والمحبة.

فالمسلم يطيع أوامر نبيه طاعة لله لا تعظيما للرسول، رغم أن الطاعة نوع من التوقير، ومثالُ ذلك التوضيحيُّ أن تلتزم توجيهات رئيسك في العمل طاعة للوزارة أو الشركة لا تعظيما للرئيس وإن كنت تستشعر عظمته النابعة من منصبه.

والمؤمن يتبع رسول الله ويقتدي بسنته ويكثر من الصلاة عليه إرضاء لله وإظهارا لحبه سبحانه بالدرجة الأولى، أما التعظيم لنبيه فمندرج في ذلك، لكنه غير مقصود لذاته.

وهنا يأتي السؤال المركزي: لقد أمرنا الله بتعظيم نبيه والإعلان عنه، فما هي الأعمال الدالة على ذلك إذا لم تكن الطاعة والاتباع والصلاة من وسائل التعظيم لرسول الله؟

الجواب:

أمرنا ربنا الحكيم الخبير بتعظيم نبيه الكريم، ولم يحصر أو يحدد وسائل تحقيق ذلك، بل ترك المجال مفتوحا لإبداعنا وابتداعنا حسب ظروفنا وأزماننا وأذواقنا، واشترط حدا لا يجوز الوصول إليه وهو تأليه الرسول وعبادته.

فكل وسيلة تعبر عن تعظيم رسول الله، من غير تأليه، مشروعة مثاب عليها إلى قيام الساعة.

والاحتفال بالمولد النبوي أشرف ما ابتدعه المسلمون المحبون المشتاقون تعظيما وتوقيرا لكبير العظام، صرح بذلك كل الأئمة كأبي شامة العلم الهمام، ثم يأتي بعده في الشرف ابتداع حفل ختم صحيح البخاري الإمام، ويليهما إقامة المسابقات حول السيرة والسنة ومنح الجوائز لمن يسبق للأمام، وننهي بسؤال أحبتنا المتشددين في توقير خير الأنام:

هل تعظيم رسول الله أصل من أصول الدين أم من فروعه؟ وهل حصر الشارع الحكيم تعظيمه في وسائل محددة نهانا عن الزيادة عليها أم ترك لنا الحق في الإبداع؟ وهل تفنن السلف الصالح في ابتداع أشكال مختلفة من التعظيم، أم اكتفوا بالطاعة والاتباع والصلاة عليه؟ وهل الاحتفال من خلال الاجتماع في مسجد أو بيت لسماع المواعظ والمديح وتناول المباحات، وتزيّن أبنائنا يوم المولد والتوسعة عليهم بالمناسبة أمور تدخل في العبادة لرسول الله وتأليهه؟ وإذا لم تكن كذلك، فبأي حجة تحرمون الاحتفال الذي هو عمل بروح حديث: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مرم)؟

وأخيرا: أيهما أفضل عندكم أيها المساكين المتعنّتون: مسلم مفتون منحرف لا يحضر أي مجلس من مجالس المسلمين؟ أم مسلم مفتون منحرف إلا أنه يحضر الاحتفال بالمولد ليشارك المسلمين فرحهم بنعمة الانتماء لأمة الإسلام، ويبرهن على محبته لرسول الله، فيسمع الموعظة، ويصلي على الحبيب، ويطعم الكسكس المخضّر بالزبيب؟

نتحداكم أن تقولوا: الأول أفضل، فإن تحرّجتم وهو المقطوع به، إلا أن تكونوا من المعتوهين، فأنتم تقرون من حيث لا تشعرون بفضل الاحتفال بعيد مولد الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.


الأصول التاريخية لنشوء ذكرى المولد النبوي في المغرب

الحسين أكروم

 

مدخل تاريخي:

ترجع الجذور الأُولى للذكرى الرسمية للاحتفال بالمولد النبوي في المغرب، إلى عهد الخليفة الموحدي أبي حفص عمر المرتضى، وبالتحديد في الربع الأول من القرن السابع الهجري، لأسباب ودوافعَ فرضتها أحوال اجتماعية وثقافية، وأوجبتها دواعي دينية وعقدية، بِحُكْم الاختلاط بين المغاربة وأهل الأندلس، حيث أنتج ذلكم الخليط بينهم مشاركة هؤلاء المغاربة في أعياد النصارى كالاحتفال بيوم النيروز والمهرجان وميلاد المسيح عليه السلام، فلاحظ أحد أعلام المغرب وهو أبو العباس العزفي [ت633هـ] هذا الاختلاط الشنيع وذاك التقليد الأعمى، ففطن إلى التفكير بما يَمْلأ الفراغ الروحي والشعور الإيماني لهم، فاستحسن إحداث الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف .

أول من دعا إلى الاحتفال بذكرى المولد النبوي بالمغرب:

يعتبر الإمام أبو العباس العزفي السبتي المعروف بابن عزفة ، أول من دعا إلى الاحتفال بذكرى المولد في المغرب، وألف كتاباً في هذا الشأن سماه: الدُّر الـمُنَظَّم في مولد النبي المعظم، لكنه وَافَـتْه الـمَنِيَّة قبل أن يكمله، فأتمه ابنه أبو القاسم أمير سبتة.

الأسباب والدوافع الباعثة على استحداث المولد النبوي بالمغرب:

إن الاحتكاك الذي أشرنا إليه آنـفاً بين المغاربة- وبالتحديد أهل سبتة- والنصارى في الأندلس في القرن السابع، نَشَأَ عنه نوع من الاختلاط في العادات والأعراف، وامتد ذلك التمازج ليصل بالمغاربة إلى مشاركة هؤلاء النصارى في احتفالاتهم وأعيادهم، ولما رأى أبو العباس العزفـي ما رأى أراد أن يَصْرِفَهُم عن ذلك، وفي هذا يقول أستاذنا الدكتور محمد يسف[1] مُوَضِّحاً أبعاد هذا الاستحداث شارحاً مغزى نشوء هذه السُّـنَّة الحَسَـنَة: « فدفعه هذا -أي العزفي- إلى التفكير فيما يَشْغَلُ عن هذه البدع، ويقْضِي على هذه المناكر ولو بأمر مباح، فوقع في نفسه أن يُنَـبِّهَ أهل زمانه على الاعتناء بمولد الرسول ثم رأى أن تَلْقِينَ ذلك لِلنَّشْئِ الصغير أجدى وأنفع، فأخذ يطوف على الكتاتيب القرآنية بسبتة، ويشرح للصغار فيها مغزى هذا الاحتفال حتى يسْرِي ذلك لآبائهم وأمهاتهم عن طريقهم، ثم دعا -يضيف أستاذنا- إلى تعطيل قراءة الصبيان في هذا المولد العظيم، وهكذا نشأ هذا الاحتـفال لمقاومة التقليد الديني المسيحي«..

وسرعان ما تبعه في هذه العادة الحميدة علماء آخرون، فقد نقل الحافظ السيوطي عن المؤرخ الكمال الأدفوي في كتابه الطالع السعيد قوله:» حكى لنا صاحبنا العدل ناصر الدين محمود بن العماد أن أبا الطيب محمد بن إبراهيم السبتي [ت695 هـ] نزيل قوص كان يـجوزُ بالمكتب في يوم مولده عليه السلام، فيقول: يا فقيه هذا يوم سرور اصرف الصبيان فيصرفنا .. «.

وهذه العادة الحسنة التي سَنَّهَا أبو العباس العزفي، أعني تعطيل قراءة الصبيان يوم المولد، ما زالت منتشرة في المغرب وترَسَّخَت فيه عَمَلِيّاً منذ ذلك الحين إلى الآن، وخاصة عند الناشئة وطلاب العلم حتى غدت من الأعراف الـمتبعة في الكتاتيب القرآنية، والتقاليد الـمَرْعِيَّة في الـمَدَارِس العلمية العتيقة، بل تحولت بِـحُكم تقادم الأزمان وانصرام الأعصار، لِتصبح من أهم المناسبات الدينـية الوطنـية.

أول من احتفل بالـمولد النبوي في الـمغرب :

إذا كان أبو العباس السبتي له ولع خاص بالاحتفال وشغف كبير بالمولد، حتى ألَّف فيه تأليفاً مُستقِلاً فإنه- حسب المصادر التاريخية- لم يحتفل به في عصره بالْهَيئة المعهودة اليوم، أو على الأقل بالطريقة والكيفية التي كان يَـوَدُّ أن تكون به، وإنما تَأَتَّى ذلك لابنه أبي القاسم [ت677هـ] حين شاءت الأقدار أن يتولَّى إمارةَ سبتة، فاجتمعت له بذلك السلطة السياسية والدينية واستطاع بهما أن ينفذ وصية أبيه، فاحتفل في هذه المدينة سبتة المحبوبة الـمَسْلُوبة -أعادها الله إلينا بفضله وكرمه- بأول ذكرى للمولد الشريف في المغرب بعد إمارته على تلك المدينة وذلك سنة [648هـ] واستمر على ذلك إلى أن وافته المنية.

أول احتفال رسمي بالمولد الشريف في المغرب:

وبعد مرور أربعة عقود أو تزيد من تاريخ هذا الاحتفال، أي [648هـ] احتفل السلطان يوسف المريني بأول احتفال رسمي بالمولد الشريف، وعن هذا يقول المؤرخ أحمد الناصري في كتابه الاستقصا: « وَفي سنة إحدى وتِسعين وسِتمائة، أَمر السلطان يوسف بن يعْقوب بن عبد الحق بعمل المولد النبوي وتعظيمه والاحتفال له وصيره عيداً من الأعياد فِي جميع بِلاده، وذلك في شهر ربيع الأول من السّنة المذكورة.. ».

وقد أجمع المؤرخون على أن الإمام أبا العباس العزفي أول من قام بالمولد الشريف في المغرب، وفي هذا يقول المقَّرِي في أزهار الرياض: « العزفي صاحب سبتة هو الذي سن ذلك في بلاد المغرب، وأتى بزلفى تدنيه إلى الله وتقربه، واقتفى الناس سننه وتقلدوا مننه تعظيماً للجانب الذي له السمو والعلو.. «..

وقد تَجاوز أمر الاحتفال بالمولد النطاق الجغرافي لسبتة، إلى حد انتشاره بالمغرب كلِّه، حين أهدى أبو القاسم العزفِي للخليفة الموحدي كتاب والده الدر المنظم، طالباً منه أن يَسُنَّ هذه السُّنة الحسنة، فصار الخليفة المرتضى يقوم بإحياء ليلة المولد النبوي بمراكش ويحتفل به احتفالاً كبيراً، فانتشرت هذه العادة الحميدة في كل الأقطار، واستحسنها مَنْ بعْدَهُ مِن ذوي الأبصَار، ولم يختلف أهلُ العلم الحُذَّاقُ والراسخون في ذلك الاحتفال على مدى الأعْصَار، لذلك جرى عمل الناس به منذ ذلك الحين في كل الأمصَار، واتصل استحسانهم ذاك في المغرب جيلاً عن جيل، إلى عصر المنصور بالله جلالة الملك محمد السادس كذلك وزيادة صَار.

المولد النبوي انطلق من المغرب إلى بلدان المغرب العربي والأندلس:

والجدير بالذكر أن المملكة المغربية الشريفة هي السباقة تاريـخياً إلى استحداث هذه السُّنة الحسنة في شمال إفريقيا، فنبتت في المغرب أصول تلكم الشجرة الطيبة الباسقة، لتُخرج أغصانها المليئة بالثمرات، وفروعها العامرة بالخيرات إلى ما وراء حدوده، وبعد بُدُوِّ الصلاح: بدأ من هم خارج الحديقة كغرناطة وإشبيلية وقرطبة ونواحيها، والـجزائر وطرابلس الغرب وتونس وما ولاها، والسنغال والنيجر وما وراها يَجنون الثمار، ورغم كثرة القاطفين لا تنتهي ثـمارها، وكأنها توتي أكلها كل حين بإذن ربـها.

ولو أردنا أن نُّطْلِق على أصل تلك الشجرة إسْماً مـحدداً، لوجب أن نسميه: أبو العباس العزفِي، نعم أبو العباس العزفِي أول من استحدث المولد الشريف بالمغرب، وأشهر شرفائه وكبار صلحائه، وخير من يصدق فيهم قوله : « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.. الحديث ».

وبهذا تكون ذكرى المولد النبوي بالمغرب في هذه السنة [1437] من هجرة المصطفى قد استكملت منذ استحداثها سبعَمائةٍ وتسعاً وثمانين سنة [789] ومن المتوقع -إن أطال الله بقاء عمر هذه الأمة- أن يستمر المغاربة على نفس هذه السُّـنَّة الحسنة، وسيحتفلون بحلول سنة [1648هـ] بالذكرى الألفية للمولد النبوي الشريف، تحقيقاً لقوله : « لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقـوم الساعة ».

هوامش:

1 – قال أستاذنا الدكـتور محمد يسف لم أقف له على ترجمة مستـقلة في غير: – برنامج الرعيني 42 ت 14 .

-وتوجد نُتَف من أخباره في: أزهـار الرياض للمقري )1/ 39 -243- 2/375(، واختصار الأخبار )ص /22( ورحلة البلـوي)2/ 95( والحلل السندسية في الأخبار التونسية )3/ 824( انظر المصـنفات المغربـية في السيرة النبوية ومُصَنِّـفُوهَا )1/ 176 هامـش- 1(.

2 – المصنفات المغربية في السيرة النبوية ومُصنفوها )1/ 178( وفي تكملة كتاب الدر المنظم لابنه أبي القاسم يعلِّل هذا الأخير الأسباب التي دفعت والده إلى تأليفه بشكل عام، وأسباب استحداث المولد في سبتة بشكل خاص قائـلاً: « لِيَتَّخِذوا مولده الكريم موسماً يتركون به ما كانوا يقيمونه من أعياد النصارى وعوائدهم التي يجب لمغانيها أن تعطل ولمبانيها أن تـهدم ..».

3 – نسبة إلى بلد أدفـو في صعيد مصر أنظر ترجمته في الدرر الكامنة لابن حجر )1/535( وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي )6/153( والأعلام للزركلي )2/122-123(.

4 -حُسن المقصد في عمل المولد لجلال الدين السيوطي )ص/ 66 -67( بتحقيق عبد القادر عطا طبعة دار الكتب العلمية/ 1985 .

5 – الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى لأبي العباس الناصري )3/ 90 (تحقيق جعفر ومحمد الناصريَيْن نشر دار الكتاب/ الدار البيضاء.

6 – أزهار الرياض)1/ 536( منشورات اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي في حكومة المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية.

7 – جزء من حديث رواه مسلم تحت رقـم [4830].

 


الحراق: سؤال “بدعية المولد النبوي” لم يكن حاضرا في المغرب

 

إدريس اكديرة*

قال محمد التهامي الحراق، الباحث في مجال الإسلاميات والتصوف والسماع، إن هناك العديد من المقاصد المرجوة من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، يتمثل أبرزها في الفرح بولادة “الفجر الأعظم” سيدنا محمد، المستمدة شرعيته من قوله تعالى: “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا”.

وأورد الحراق، في تصريح صحفي بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، ما جاء في “الدر المنثور” للحافظ السيوطي، وفي غيره، منقولا عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، قوله “فضل الله العلم ورحمته محمد، صلى الله عليه وسلم”، بل إن بعض العارفين يذهب إلى أنه الرحمة عينها، إذ لما كان سائر الرسل قد بعثوا رحمة إلى أقوامهم وكان، صلى الله عليه وسلم، قد فاقهم خلقا وخلقا وعلما وكرما، حتى استمدوا من روحانيته غرفا من البحر أو رشفا من الديم، كان، صلى الله عليه وسلم، هو “عين الرحمة” لقوله سبحانه “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.

وأضاف أنه “من هنا وجب علينا الفرح والابتهاج والحبور بهذه الرحمة التي أهداها لنا ومنّ بها علينا الحق سبحانه”، ومن ثم، يقول الأستاذ الحراق، كان الاحتفال بهذا العيد فرحا بهذه الرحمة الربانية المهداة، وشكرا على هذه النعمة المسداة التي أنعم الله على عباده المؤمنين بها لما بعث فيهم خليله وحبيبه المصطفى.

وأشار إلى أن المقصد الثاني الذي يتحقق، من الاحتفال بالمولد النبوي الكريم، هو إبراز مزايا وفضائل الصلاة على رسول الله، والإكثار منها، مبرزا أنه غني عن البيان فضل الصلاة على الرسول الأكرم، وما ورد فيها من حض وترغيب في القرآن والسنة الشريفة. وأضاف أن المقصد الثالث، المطلوب من الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، هو التعبير عن محبة الرسول الأكرم والعمل على تثبيتها في الأفئدة، وترسيخها في القلوب، مؤكدا أن إشاعة محبة الرسول هي ترسيخ لمختلف مناحي الدعوة المحمدية وقيمها ومثلها وأخلاقها وفضائلها.

وأكد محمد التهامي الحراق أن المقصد الرابع، الذي يتعلق بترسيخ الشخصية الإسلامية المغربية وتحصين هويتها الدينية، فهو نتيجة تترتب ضرورة عن المقصد الآنف، فالتعلق بالرسول الكريم، والتحقق بمحبة، يضيف الباحث، يقتضي التمسك بسنته كما سلف، وهو ما يعني مساهمة الاحتفال بعيد مولده في تقوية وتغذية الهوية الإسلامية المغربية، وترسيخ التخلق بأخلاق الرسول الكريم، عبر استحضار سيرته ومكارمه وكمالاته ومعجزاته، وأصول رسالته ومقاصد دعوته.

وذكر، في هذا الصدد، ببعض عادات المغاربة في مثل هذه المناسبة، مثل سرد كتاب “الشفا” للقاضي عياض، وإنشاد بردة الإمام شرف الدين البوصيري، وهمزيته ووتريات الإمام البغدادي، خلال الاثني عشر يوما من ربيع الأول، وكلها أخلاق نبوية وسيرة مصطفوية منظومة أو منثورة أو تستحضر في شكل محبوب ومحبّب في السنة النبوية الشريفة، وفي التعلق والتخلف بها.

ومما يدعم دور هذا الاحتفال في ترسيخ وتغذية الشخصية الإسلامية المغربية، يقول الأستاذ الحراق، هو كون انطلاق عادة هذا الاحتفال كانت بغاية المحافظة على الهوية الإسلامية لأهل سبتة والأندلس وصرفهم عن التقليد الديني للنصارى. وذاك ما يسوغ هذا المقصد في السياق الحضاري والتاريخي الإسلامي والذي تهدد فيه العولمة الثقافية كل الهويات الفقيرة بالمحو والتذويب.

وسجل الأستاذ محمد التهامي الحراق أنه كلما أقبلت هذه المناسبة الغراء إلا وأثير سؤال بدعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وهو أمر لم يكن حضوره ذا بال في المغرب إلى حدود النصف الثاني من القرن العشرين، معربا عن الأسف أنه “بدل أن ينصرف ذهننا إلى انتهاز هذه المناسبة للتعريف بالرحمة المهداة، و مدارسة سيرته والعناية بتنوير فهمنا للدين، في ظل حملة تشويه كبرى تطوله ، نجد أنفسنا في الدائرة ذاتها عن مفهوم البدعة ومقاصد الاحتفال وتأصيلات العيد أو الذكرى .. مع أن هذا الموضوع نال من عناية العلماء والصلحاء، من التأصيلات العلمية والعملية، ما هو كفيل بجعلنا ننصرف نحو الأولى والأرجح، بالنظر والعمل في لحظتنا الإسلامية الحرجة الراهنة”.

وذكر، في هذا السياق، بما للمسلمين من تراث هائل من مظاهر الاحتفال الباذخة وكتب السيرة والشمائل والمدائح والموالد، و ترسيخ الصلاة عليه، في التقاليد والعادات المعيشة، فضلا عن موروث رحب من التأصيلات، ومن ذلك المؤلف الذي أصدرته “رابطة مجمع الصلاح في المغرب” بعنوان “لماذا نفرح بالمصطفى صلى الله عليه وسلم”.

لذلك فإن احتفال المغاربة، وسائر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بمولد نبيهم، هو مظهر من مظاهر حب الرسول ،وإجلال لشخصيته العظيمة في نفوسهم، له مظاهره وتقاليده الأصيلة التي درجت عليها الشعوب الإسلامية، حتى أصبحت من تراثها الشعبي، كما أنه مناسبة من أجل التذكير بالمثل العليا للإسلام ومعانيه السامية، والحث على مراجعة الأمة الإسلامية لسيرتها الذاتية، وسلوكها في التربية الروحية والهداية الأخلاقية.

ويكتسي الاحتفال بهذه الذكرى في المغرب، المعروف بعاداته وتقاليده، يقول الأستاذ الحراق، طابعا رسميا وشعبيا، يتميز بصبغة دينية بحتة واحتفالية زاهرة، إذ تتنوع مظاهره بين المواكب الدينية ومجالس العلم وتدارس القرآن وترديد الأمداح النبوية وسرد السيرة النبوية العطرة، فتقام لذلك المولديات في المساجد وتنظم المواسم الدينية في الزوايا ومجالس الذكر بالبيوت والمنازل.

من جهة أخرى، قال الأستاذ الحراق أنه لما كانت هذه المقاصد والغايات هي المطلوبة شرعا من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ولما كانت هذه المقاصد هي عينها التي يخدمها ويطلبها فن السماع المغربي باعتباره ترتيلا للأشعار الدينية، مديحية كانت أو صوفية، وفق الطبوع الأندلسية المغربية دون معازف أو آلات، كانت بالنتيجة مناسبة هذا الاحتفال أبرز فرصة لانتعاش فن السماع المغربي خصوصا في شق المديح النبوي الشريف. وأضاف أن مناسبة المولد النبوي الشريف شكلت دوما إطارا حيويا لانتعاش النظم في المديح النبوي، ومجالا لتوهج تنغيم مختلف النصوص المتصلة بسيرة الرسول، ومولده ومعجزاته والصلاة عليه.

وبخصوص الاحتفالات المولدية وتشكل فن السماع بالمغرب، أشار إلى أنه منذ انطلاق الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في المغرب خلال القرن السابع للهجرة، ظهر بتواز معه نوع جديد من الغناء يعرف بالسماع، يقوم على إنشاد قصائد المديح النبوي وترنيم المولديات وفق طبوع الموسيقى الأندلسية المغربية دون استعمال للمعازف والآلات، مضيفا أن هذا الفن استفاد من موسيقى الوافدين الأندلسيين على المغرب ومن تفاعلاتها مع التراث الفني المغربي المحلي، كما استفاد من الانتعاش الذي شهده القرن السابع للهجرة في شعر المديح النبوي بظهور شعراء أعلام وأسماء بارزة في النظم الصوفي، أمثال أبي مدين الغوث وشرف الدين البوصيري وعمر بن الفارض وأبي الحسن الششتري وغيرهم.

وخلص الأستاذ محمد التهامي الحراق إلى أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سنة حسنة، مأجور من سنها ومن عمل بها إلى يوم القيامة، وذلك لشرف المقاصد المطلوبة منها كما بسطها الإمام السيوطي في كتابه “حسن المقصد في عمل المولد” وغيره من كبار الأئمة، فيما تخرج من دائرة المستحب لتصير واجبا لدى المتعلقين بحب الجناب النبوي الشريف، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.


الفرحُ بالمولد النبوي بين سؤال الشرعية وشرعيةٍ السؤال

محمد التهامي الحراق

-1-

يؤسفني غايةَ الأسفِ أننا مازلنا في المَغربِ نلوكُ قضايا وأسئلةً غيرَ ذات معنى لا في ديننا ولا في ثقافتنا ولا في مجتمعنا؛ قضايا وأسئلةً نراها مكرورةً وعقيمة لا تنتجُ معرفةً ولا تُجدِّدُ إيماناً بقدر ما ترتد بنا القهقرى، بل تستنفر في مجتمعنا المغربي أسبابَ الفرقة والتشرذم و التصدع و التصارع؛ قضايا نهدِرُ فيها الطاقَةَ والوقتَ فيما هي مستعارةٌ من واقعٍ مأزوم في بلدان أخرى نشترك معها في الدين ونختلف وإياها في التاريخ والمسار والرهان و المكونات والذاكرة والمتخيل و الوعي الجماعي…بعبارة أخرى فإننا نستعيرُ من دولٍ شقيقة لنا في الدين مشاكلَ تدينها المختلِف عن تديننا المغربي. لنُذكر هنا أن الدينَ هو غيرُ التدين، فالأول متعلقٌ بالمصادر الإسلامية المتعالية للدين من كتاب وسنة وما يؤسسان لهُ من عقائد وشعائر ومعاملات وأخلاق، فيما التدينُ هو تنزيل الدين الواحد في المجتمعات المختلفة، وما يقتضيهِ هذا التنزيلُ من مراعاةٍ لأعرافِ كلِّ مجتمع ولغته وذاكرته وعاداته ومتخيَّلهِ، بحيث تغدو كلُّ هذه العناصرِ مطابقةً لمقاصد الدين و موافقةً لمتعالياته، ضمنَ شروطها الثقافية والاجتماعية المخصوصة. ولقد كانت تلك المراعاةُ واحدةً من أسرارِ انتشارِ الإسلام في ثقافات ومجتمعات وأعراق مختلفةٍ؛ أي كانت مفتاحا من مفاتيح عالميته.

-2-

إن ارتفاعَ بعضِ الأصواتِ “المُتعالمَةِ” في مَغْرِبنَا لتستنكرَ الاحتفالَ بالمولد النبوي الشريف، و أخرى لتبدِّعَ هذا الاحتفال، وغيرها لتحاصِرَ حضورَهُ باعتبارهِ عادةً اجتماعيةً مقبولةً وإن كان لا أساس له من الدينِ حسب زعمِهَا؛ هذه الأصواتُ تَنِمُّ عن سوء فهم عويصٍ لسؤالِ شرعية الفرحِ بالمولد النبوي في التدين المغربي، بل تنمُّ عن سوء تقديرٍ كبيرٍ لأهميةِ التعلقِ بالنبي الكريمِ في التاريخِ المغربي وثقافة المغاربة. وهو التعلق الذي يُجَسِّدهُ أحسنَ تجسيدٍ احتفالهم بالمولد النبوي الشريفِ، تعلقٌّ بقدرِ ما يُتَرجِمُ محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وتعلقهم بآل بيته، بقدر ما ظل يلعبُ دوراً رئيساً في التلحيم الروحي لمكوناتِ المجتمع المغربي، وصياغة الوجدان الإسلامي الجماعي للمغاربةِ، و تعضيد تماسكهم الاجتماعي، وتقوية وتغذيةِ انتمائهم الإسلامي على ثغر من ثغور الإسلام، والذي ظل دوما، بحكم موقعه الجغرافي المفتوح، في احتكاك ومجابهة مع الحملات الصليبية ومحاولات الاختراق التنصيري لغرب العالم الإسلامي عسكريا أو ثقافيا. من هنا يبدو أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريفِ، والذي أصَّلَ لهُ المغاربةُ منذُ عهدِ العزفيين في القرن السابع الهجري، قد تبناهُ أهلُ المغربِ بوعي ديني وبعمقٍ في إدراكِ إسهامهِ في ترسيخِ الاجتماعِ حولَ القدوة النبويةِ، ومن ثمَّ إسهامهُ في خلق التلحيم والتماسكِ الروحيين والاجتماعيين لمجتمع متعددِ الأعراقِ ومتنوع الثقافةِ وفي واجهة الذود عن هويةِ الأمةِ الإسلاميةِ على جبهتها الغربية. ومن يَرجِعُ إلى حوافز الدعوة لهذا الاحتفال في سبتة، والتي بسطها القاضي أبو العباس العزفي في كتابه “الدر المنظم في مولد النبي المعظم”، سيكتشف أن سؤال حماية الهويةِ الإسلاميةِ كان مركزياً في تلك الحوافز.

مما يعني أن الوعي التاريخي بشروط حمايةِ الدين في هذه البقعةِِ كان يقِظاً ومتوقدا لدى الأجداد أكثر مما هو لدى بعض معاصرينا ممن لا يعون أن لتنزيل الدين في الحياة والمجتمع والتاريخِ شروطا بها يحيا الدينُ في الناس وبينهم، وبدونها قد يتحولُ إلى مظاهر طقوسية بلا معنى روحي، بل قد يتحوّلُ إلى مدخل خطير للطائفيةِ والفتنةِ والتناحر، وهو ما يتناقض مع مقاصد الدين وقيم الرحمة والمرحمة والتراحم التي جاء بها.

-3-

لم يألُ علماؤنا جهدا في التأصيل للاحتفال بالمولد النبوي الكريم في الكتاب والسنة وسير السلف الصالح، حتى صارَ هذا الاحتفالُ من المقطوع بشرعيتهِ وأهمية مقاصده ونفيس فوائده الدينية والدنيوية، بل صار لهذا الاحتفالِ مظاهرُ حضاريةٌ عظيمة في الدرس والتدريس والتأليف والمعمارِ والطبخِ والأدبِ واللباسِ وصك النقود والفنون الإنشاديةِ والعمل الخيري والإحساني وتنشئة الصغارِ…إلخ؛ مما لا يعي الكثيرون أهميته في صون الكيان الحضاري الإسلامي للمغرب. فالأنتروبولوجيون والسوسيولوجيون وعلماء السيميائيات…وغيرهم كفيلون اليوم ببيان عظمةِ ما قام به الأجدادُ، وما يسعى بعض “الأحفاد” إلى العصفِ بهِ، عن جهلٍ بالشروط التاريخية والحضاريةِ لوجود الأمم، وغياب إدراكٍ للفرق بين الدين والتدين، وقصورٍ في فهم الأخطار المترتبةِ عن التبديعِ والإنكارِ في أمرٍ أقصى ما يمكن القول فيه دينيا، لا تدينيا، أنه خلافيّ. وقد وقع إجماع جمهور الأمة أنه لا يجوز قطعا التبديع أو التفسيق في الأمور الخلافية.

-4-

إن الذي يرجعُ إلى مكتبةِ أهل المغرب وتآليفهم في السيرة النبوية وفي الشمائل و الخصائص ودلائل النبوة والموالد النثرية والنعاليات والصلوات والمدائح النبوية بمختلف لغاتهم العربية وعامياتها والأمازيغيات والحسانية، لَيَعجبُ مما يَسمَعُهُ اليومَ من إنكارٍ من لدن أناسٍ لا يعرفونَ شيئاً عن هذه المكتبةِ الزاخرةِ والفاخرةِ، بل ويتعذرُ على العديدِ منهم التعرفُ عليها أو قراءتُها قراءةً نحويةً سليمةً، بلهَ فهمها وفهم ثرائها اللغوي والبلاغي وعمقها الشرعي والديني وسموها المعرفي والروحي. وقد حصلَ أن طُلِبَ من بعض أهل الاعتراضِ ذكرُ نماذجَ من أسماء المغاربةِ الذينَ ألفوا في السيرةِ النبويةِ، فلمْ يتعرفْ على أحدٍ، مما يعني أن كثيرا من أهل الإنكارِ، يُنكِرون عن جهلٍ بل وعن جَهلٍ مركبٍ، موقعَ السيرةِ النبوية ومختلف مظاهر التعلق بالنبي الكريم في حياة المغاربةِ، ودور هذا التعلق في صياغة هوتيهم و وحدتهم وانتمائهم الإسلامي، و هو ما يشكل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مجلى من مجاليهِ و علامة دالة من علاماته.

-5-

و مع كل ما سبقَ، ومن تحصيل الحاصلِ القولُ إن هذه الآراء التي تشوش على فرحِ المغاربة بنبيهم، هي نَشازٌ ولا محالةَ عابرةٌ مع عبورِ أصحابها؛ لأن هذا الاحتفالَ منغرِسٌ في وجدان وتاريخ وذاكرة أهل المغربِ، والذينَ لم ولن يَسكتوا عن هذه التشويشات، ولن ينساقوا مع دعواتٍ شاذةٍ ذات نفَس وهابي قل أو كثرَ، ظهَرَ أو اختفى، نفسٍ يتوجس من كل تعظيمٍ للنبي الكريمِ أو لآل بيتهِ الكرام لاعتبارات سياسوية وتاريخيةٍ متقنعة بقناع الدين، دعوات ردّ عليها أجدادُنا بالدليل الدامغِ والحجة الناصعَةِ والبيِّنة الساطعةِ، وساروا في ترسيخِ محبةِ المصطفى صلى الله عليهِ وسلمَ بما يخدُمُ إيمانهم برسالتهِ، ويلقِّنُ أبناءهم التأسي والاقتداء بهِ، ليظلَّ إسلامُهم إسلاما سنيا وسطيا معتدلا متسامحا، يُناهضُ الخرافةَ مثلما يُناهِضُ التعصبَ، ويُحافظ على وهج الاحتفال بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم مثلما يعملُ على ترشيدِ هذا الاحتفالِ كلما زاغت أو انحرفتْ وسائلهُ عن موافقةِ الشرعِ ومقاصِدهِ؛ إذ بهذا أفلحَ سَلَفُنا في حماية تدين المغاربةِ من كل غلوٍّ أو تشدد أو انحرافٍ، و من أجل هذا تعاونت المساجد والزوايا ومشيخة العلماء وإمارةُ المومنينَ منذُ قرونٍ صوناً لأمنٍ ووحدةٍ هما أغلى ما يملكهُ أهلُ المغربِ اليومَ. فكفى لهواً وعبثاً بمصيرِ أمةٍ، لمجردِ أن أحدهُم أغرتهُ هذهِ الجهةُ أو تلكَ فتأثرَ بهذا المذهبِ أو ذاكَ، دون نظر واعٍ بخصوصية الزمان والمكان والتاريخ والرهانات التي تخص تدينَنَا هنا والآن، ولتكن هذه “الخصوصية” بوابتَنَا لترشيدِ حضور الدين اليوم في العالم؛ ولن يتحقَّقَ ذلكَ إلا بطرحِ استيرادِ مشاكلَ وأسئلةٍ، نحن بلا مراءٍ في غنى عن التنازع في الإجابةِ عنها؛ لأنها ببساطةٍ ليستْ أسئلتَنَا، أو بل الأحرى قد حسم تديُّنُنا فيها منذُ وقتٍ بعيدٍ بالعلمِ والعملِ.

 

الفرح برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الاتباع والإبداع

عبد الله الجباري

 

يعد الفرح من الغرائز المركوزة في الفطر الإنسانية، إلا أنه يختلف سببه وباعثه باختلاف الناس وميولاتهم ومكونات شخصياتهم، حيث نجد من يفرح للقضية التي تكون سببا لحزن الآخرين، وهذا الاختلاف قد يكون مقبولا سائغا في قضايا حياتية فرعية، لكن القضايا الكبرى والمصيرية، لا يكاد يختلف حولها اثنان.

وقد تناول القرآن ومصنفات السنة قضايا الفرح في أكثر من موضع، وفي سياقات مختلفة، من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن أناس فاقدي البوصلة، ممن لم يهتدوا لضبط نوازعهم، فأعلنوا فرحهم حيث لا يجوز الفرح، مثل المنافقين الذين تقاعسوا عن نصرة النبي في تبوك، ففرحوا حين أذن لهم في البقاء بعد أن استأذنوه، ظنا منهم أن ذكاءهم جنّبهم القتال بخلاف المؤمنين، فسجل القرآن فرحهم في سياق الذم والتقريع، “فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ”، ومن أمارات فقدان البوصلة الهادية، أن يظهر الإنسان الفرح في موضع الحزن، وأن يظهر الحزن في موضع الفرح، مثل من يُسَرّ بما قد يحل بالنبي صلى الله عليه وسلم من الشدائد والمصائب، “إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [حزنا وغما لوقوعها] وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ [كهزيمة في معركة] يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [بما نزل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من النائبات”]

وسطرت لنا كتب السنة والسيرة لأبي سفيان موقفا سلبيا لا يقل عن مواقف المنافقين المسطورة أخبارهم في آي الكتاب، وذلك حين انهزم المسلمون بادئ الأمر في موقعة حنين، حيث فرح لتلك الهزيمة وأظهر الشماتة في المسلمين، فقال عبارته الشهيرة : “لا تنتهي هزيمتهم دون البحر” وكانت الأزلام في كنانته، فقال له صفوان وهو مشرك : “فو الله لأن يربّني رجل من قريش أحب إلي من أن يربّني رجل من هوازن”،

وغان عن البيان أن هذا الفرح الصادر من أبي سفيان لم يكن في محله، بل هو مما يشينه وينقص من قدره، لذلك عمل مصنفو الحديث جاهدين على ستره وعدم ذكره، بيد أنهم أطبقوا على ذكر الأثر بسنده، فاكتفوا بذكر الحديث بين صفوان وأخيه، وهذا ناتج عن تغول الثقافة الأموية إبان عهد الرواية والتدوين الذي أسس لعهد التصنيف، ولم يُذكر أبو سفيان إلا في المصادر القليلة مثل “شرح مشكل الآثار” و”عيون الأثر”، وقد أورد ابن تيمية كلام أبي سفيان بتمامه في “منهاج السنة”، إلا أن حبه لبني أمية حال بينه وبين تسمية أبي سفيان، فورّى عنه، ونسب قوله إلى أحد الطلقاء.

لم يكن أبو سفيان آخر الأمويين الذين يفرحون في موضع الحزن، بل ورث منه ذلك غيره من الأمويين وأنصارهم والمنتسبين إليهم، مثل مسلم بن عقبة، الذي كان قائد يزيد حفيد أبي سفيان في حملته العسكرية لإخضاع أهل المدينة الذين خلعوا بيعته، فجاس خلال الديار، واستباح المدينة، وقتل المهاجرين والأنصار والقراء والصلحاء والفضلاء، وذلك في موقعة الحرة الشهيرة، ولفظاعة جرائمه سمي “مسرف بن عقبة”، لإسرافه وجيشه في القتل واغتصاب الحرائر وغير ذلك من الأفاعيل القبيحة، ومات بعد هذه الموقعة بأيام، وكان قد نصحه الطبيب في شأن استعمال الدواء، فأجابه بقوله : “إنما كنت أحب البقاء حتى أشفي نفسي من قتلة أمير المؤمنين عثمان، فقد أدركت ما أردت، فليس شيء أحب إلي من الموت على طهارتي، فإني لا أشك أن الله قد طهرني من ذنوبي بقتل هؤلاء الأرجاس” [تاريخ الإسلام للذهبي : 2/711]، ومن خلال هذا الكلام يتبين أن هذا القائد الأموي فرح وطرب لقتله جماعة من المهاجرين والأنصار والسلف الصالحين، وأورد جرائمه مورد الفخر، وأنها وسيلة يتطهر بها من أوزاره، ويتقرب بها إلى الله تعالى.

والفرح إن كان منهيا عنه في مثل هذه المواقف، فإنه منهي عنه أيضا إن كان مبالغا فيه حتى يصل إلى درجة البطر والأشر والطغيان بالنعمة، ومنه قوله تعالى : “وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ”، قال العلامة ابن عاشور : “ويحمل الفرح على مطلقه المقول عليه بالتشكيك، حتى يبلغ مبلغ البطر”. وفي هذا السياق قال الله تعالى : “إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ”، وقد علق على هذه الآية العلامة ابن عاشور بقوله : “إن الفرح إذا لم يعلق به شيء دل على أنه صار سجية الموصوف فصار مرادا به العجب والبطر. وقد أشير إلى بيان المقصود تعضيدا لدلالة المقام بقوله : إن الله لا يحب الفرحين، أي المفرطين في الفرح … والمبالغة في الفرح تقتضي شدة الإقبال على ما يفرح به وهي تستلزم الإعراض عن غيره، فصار النهي عن شدة الفرح رمزا إلى الإعراض عن الجد والواجب في ذلك”. ونظير ذلك ما قرره الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في إحيائه، “إن النفس تفرح بالتنعم في الدنيا وتركن إليها وتطمئن إليها أشراً وبطراً حتى تصير ثملة كالسكران الذي لا يفيق من سكره، وذلك الفرح بالدنيا سم قاتل يسري في العروق”.

هذه بعض تجليات الفرح السلبي المنهي عنه شرعا، وبالمقابل، يرشدنا القرآن إلى الفرح المرغب فيه، وهو الفرح في الموطن المناقض لموطن فرح أبي سفيان، الفرح بالنصر الإلهي الذي يعز الأمة ويرفع من شأنها، “يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله”، ففي حالة النصر يظهر المسلم الهَزَج والطرب والسرور، ومن استشهد في المعركة ليس أقل فرحا ممن بقي حيا يرزق، لأنهم في الجنات “فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ”، يتنعمون بما حباهم الله تعالى من الزلفى والكرامة والنعيم الخالد الذي لا يفنى، آمنون من الخوف والحزن والهم والغم وغير ذلك مما يكدر صفو حياة الإنسان في الدنيا.

وكما أخبرنا القرآن الكريم بفرح المؤمن بالنصر على الأعداء، فإن السنة تنبؤنا عن فرح المؤمن بالنصر على النفس وشهواتها وملذاتها، “للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه”.

ومن جمالية الدين الإسلامي، أنه ليس دين الأحزان والأتراح، بل دين الفرح والسرور، والهناء والحبور، لذلك أمر الله تعالى بالفرح، ونبه إلى ما ينبغي أن يُصرف له النشاط والمرح، فقال عز من قائل : “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا”، ولعل الصحابة رضي الله عنهم (باستثناء أبي سفيان ومن كان على شاكلته) كانوا أفضل من فهِم جوهر هذا الأمر الرباني ومعانيه، وأسمى من أدرك كنهه ومراميه، فوجهوا كامل عنايتهم للفرح برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومتعلقاته، لأنه هو الرحمة، بل عين الرحمة الواجب الفرح بها، والاهتبال بأحوالها، ومظاهر فرحهم به وتجلياته كثيرة لا يحصيها العد، ولا يبلغها الحصر والحد، ويمكن أن نورد نتفا منها، ولمعا للدلالة على غيرها، إذ يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

أولا : كان الصحابة يميزون بين درجات الفرح ومراتبه، وكانت –باعترافهم – أقصى تلك الدرجات وأعلاها ما كان له برسول الله صلى الله عليه وسلم تعلق واتصال، نلمس ذلك ونلفيه من خلال شعورهم بعد سماع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : “أنت مع من أحببت”. وقد ظهر ذلك جليا على مستوى وجدانهم وانفعالهم وأسارير وجوههم، وهو ما حكاه أنس بن مالك بوصفه : “فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام أشد ما فرحوا يومئذ”، وفي رواية البخاري : “ففرحنا يومئذ فرحا شديدا”.

ثانيا : لما مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرض وفاته، انقطع عن الصحابة الكرام والتزم بيته، فحزن الصحابة لحاله، وكان أبو بكر يؤمهم في الصلاة، وما أن برقت بارقة أمل فهموا منها سلامته وتحسن حاله حتى ابتهجوا لها، وسرّوا بها، وهي حين كانوا في صلاة، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة، ونظر إليهم، وهو قائم، ثم تبسم ضاحكا، قال أنس : “فبُهثنا [أو بهشنا] ونحن في الصلاة من فرحِ بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وفي رواية البخاري : “فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم”.

ثالثا : كثيرا ما تألم الصحابة لخبر غير سار حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن بشاشة الفرح سرعان ما تظهر على محياهم لمجرد سماع خبر مفرح، حتى ولو كان خاصا غير عام، مثال ذلك ما وقع للسيدة فاطمة صلى الله عليها وسلم حين رحب بها النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أقبلت عليه، وأسرّ إليها بأنه حضر أجله، فحزنت وبكت، فأسرّ إليها في الحين بأنها أول أهل بيته لحوقا به، فضحكت، مما يعني أن الحزن العميق لم يحل دون الفرح بخبر سرعة اللحوق، لذلك قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : “ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن”.

رابعا : إذا غاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الصحابة، لم يكن يهدأ لهم بال حتى يروه بينهم سالما، ومرة خرج في غزوة، مع ما يكتنف ذلك من مخاطر، فبقيت امرأة معلقة القلب والوجدان به صلى الله عليه وسلم، فنذرت إن رده الله سالما أن تضرب بالدف على رأسه، فلما عادت حكت له نذرها، فقال لها : أوف بنذرك، وقد استنبط منه البيهقي أن إذن النبي صلى الله عليه وسلم لها ليس لذات النذر، وإنما لما فيه من إظهار الفرح بسلامته. وقبل هذه المرأة، أظهر الحبشة الفرح بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم من خلال لعبهم بالحراب. ونظائر ذلك عديدة كثيرة.

خامسا : لم يقتصر فرح الصحابة بذات النبي صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بها من سلامة وشفاء وغيرهما، بل تعدى ذلك إلى مستوى الرأي والفتوى، سئل ابن مسعود عن امرأة مات زوجها قبل الدخول، ولم يسم لها الصداق، فقضى لها بصداق المثل والميراث والعدة، ولم يكن مطمئنا كامل الاطمئنان لرأيه، إذ هو ظن لا يرقى إلى القطع، لذا قال عقبه : “فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من ذلك”، بعد ذلك شهد له رهط من أشجع بأن قضاءه وافق قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في نازلة مماثلة، “ففرح ابن مسعود فرحا شديدا” لهذه الموافقة.

هذه نماذج وأمثلة من فرح الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لم يكن شكلا واحدا، ونوعا منفردا، بل عبروا عنه بأشكال متعددة، وأبدعوا في ذلك كما فعل الحبشة والمرأة صاحبة الدف، ومن كمال الاقتداء بهم، ألا نفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، بل أن نعدد أشكال ذلك كما عدّدوا، وأن نبدع في ذلك كما أبدعوا رضي الله عنهم.

وبما أن المناسبة شرط، فإن إظهار أمارات الفرح بمناسبة المولد النبوي أليق وأدعى للقبول، وقد انتبه إلى ذلك أسلافنا رحمهم الله، فأظهروا السرور بشهر المولد، وبليلة المولد، وبيوم المولد، وبمكان المولد … فقرروا له العطلة عن العمل، والاجتماع للذكر، وإطعام الطعام، …. وما علينا إلا أن نحافظ على وهج ذلك مع إبداع طرائق جديدة، يمكن أن نجدد بها فرحنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يتعدى فرحنا إلى الآخرين، وألا يبقى فرحا ذاتيا، ولتحقيق ذلك نقترح جملة من التصرفات يمكن القياس عليها والنسج على منوالها :

1 – أن يخصص الميسورون صدقة ذات قيمة لأسر معوزة، وأن يذكروهم أثناء التسليم أن هذه الصدقة تعبير عن الفرح بقدوم ذكرى المولد النبوي الشريف.

2 – توعية التجار بأهمية الذكرى، ليخصصوا أياما للتخفيضات في السلع، مع تثبيت لافتات على أبواب المحلات بأن هذه التخفيضات في سياق الفرح بالمولد النبوي، لترسيخها في الأذهان وتثبيتها في الوجدان.

3 – إحياء الجمعيات والمؤسسات العمومية والخاصة للمهرجانات الثقافية والرياضية تحت يافطة الفرح بالذكرى.

4 – إيلاء المدرسين للذكرى أهميتها، وتخصيص جزء من حصص الدروس للناشئة لتنبيههم إلى الفرح بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك مما يقبح تغافله والتغاضي عنه.

5 – تخصيص الخطباء والوعاظ لخطبهم ودروسهم للمناسبة، وما يؤسف له، أن كثيرا من الوعاظ ممن تأثروا بالدعوة الوهابية النجدية خصوصا، يعرضون عن هذه المناسبة ولا يشيرون إليها، وليتهم اكتفوا بهذا، ففي أحايين كثيرة يتطرقون إليها بشكل سلبي مع التركيز على بدعيتها وضلال أصحابها …. وهم مخطئون في ذلك، خصوصا أن المسألة قتلت بحثا من قبل علماء الأمة قديما وحديثا، وأن ما يكررون على مسامع الناس من أفكار سطحية لا تعدو أن تكون مجرد شبهات يروجون لها.

6 – إقامة حفلات في المنازل والبيوت، والمؤسسات والجمعيات، والساحات العامة والمسارح، وعدم حصرها في المساجد والزوايا.

7 – التركيز على المجال الإبداعي، خصوصا الشعر، وذلك من خلال تنشيط مسابقات في حفظ قصائد المديح أو في نظمها.

8 – إقامة فعاليات شبابية لتوزيع الورود أو بطاقات تحمل عبارات رقيقة تحت شعار الفرح بمولد سيد المخلوقات، ويمكن أن يتم توزيعها في المحطات والأماكن المكتظة، وقد تم تطبيق ذلك في محطة القطار بهولندا منذ سنوات، مما يعطي للآخر فرصة التعرف على الإسلام من زاوية أخرى غير الزاوية التي يركز عليها الإعلام الغربي.

كما يمكن إقامة فعاليات أخرى مع التركيز على الشعار، ونكون بذلك مقتدين بالصحابة الكرام في فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن اختلفت الأشكال والطرائق.

هذا، ويجمل بي في الختام أن أنبه إلى أن الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم هو لغة الكون كله، ولا يوجد دليل يمنعه في وقت معين، أو زمان خاص، ومن لم يفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم أو عارض ذلك أو عرقله فإنما يشذ عن النسق الكوني، فالأنبياء يفرحون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عبروا عن ذلك ليلة المعراج، والملائكة يفرحون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم منهم من استأذن الله تعالى أن ينزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم عليه ويتشرف به، والكائنات تفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث استنارت بمجرد بروزه إلى الدنيا، “ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام”. ورقت لمولده قلوب قساة المشركين ففرحوا وابتهجوا، وما أبو لهب عنا ببعيد، ويوم القيامة تفرح وتسعد كل المخلوقات برسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول : “أنا لها، أنا لها”.

أنت بيت التمام أنت تمامُ البيت//أنت أساسه والبناء

أنت مسك الختام أنت ختام المسك//فيه تنافسَ الكبراء

من لدن آدم إلى ابنة وهب//تُنتَقى أين توضع الحُسَباءُ

حملته حملا خفيفا فمرّت//به لم تحمل مثله نفساء

وبشهر الربيع في فصله ألقَت//ربيعا تحيى به البُصَراءُ

هذه ليلةٌ مُبَدّلة الأتراح//أفراحا حقَّ فيها الهناء.


المولديات ظاهرة مغربية

عبد الله بنصر العلوي

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على مولانا خاتم الأنبياء والمرسلين وبه نستعين،

جدير بالذكر بادئ ذي بدء أن أشير إلى أن مدارسة المدحة النبوية يجدد البحث العلمي، إذ أن موضوع المديح النبوي ليس موضوعا تاريخيا، وإنما هو موضوع كما عايشه الأجداد والآباء نعايشه نحن اليوم ليس على صعيد الواقع الاحتفالي فحسب، ولكن على صعيد الفكر وعلى صعيد الإبداع. ذلك أن موضوع المديح النبوي موضوع خصب في التراث المغربي وفي تاريخ الحركات الأدبية في العالم العربي والإسلامي، كتب حوله الكثير، لكن مع ذلك ما زلنا نحن في حاجة إلى دراسات جديدة تعمق الفكر والإبداع، وتعمق النظرة إلى هذا التراث الأدبي وتحيينه في وقتنا هذا.

إن موضوع المديح النبوي يتعلق بالشعر أساسا، وعندما نتأمل قصيدة المديح النبوي نجدها تتجلى في أنماط كثيرة متعددة… منها قصيدة التوسل والقصيدة الغرامية والحجازية والنجدية والعشقية والشكرية، وكذلك القصيدة البديعية وغيرها، لأن هذه الأنماط قد تناول الباحثون موضوعها وشكلها وكذا باعتبارها ظاهرة إبداعية نقدية.

من بين هذه الأنماط الأكثر إبداعا في تراث المغاربة هي المولديات، فماهي المولديات؟ وماذا تمثل في إبداع الشعر المغربي؟

الموالد والمولديات كلاهما ينتمي إلى إبداع يتعلق بالاحتفال بميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام. فإن كان نثرا سمي بالموالد، وهي ظاهرة دأبت عليها الكثير من الزوايا والفرق الصوفية فألفت نصوصا نثرية جميلة تحتفي بمظاهر ميلاد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. بالإضافة إلى الرسائل التي كانت تبعث إلى الروضة الشريفة. إن أغلب هذه الموالد لا تزال متفرقة في الخزائن الخاصة والزوايا، والكثير منها مخطوط مما يحتاج إلى جمع تراثه لأنه تراث نفيس..1 إن هذه النصوص غنية في تراثنا الأدبي، علينا أن نقوم أفرادا وهيئات بجمعها وتحقيقها.

أما المولديات فهي الشعر الذي قيل بهذه المناسبة الشريفة، وهي تشكل في نظرنا ظاهرة. والظاهرة تعني في دلالتها كثرة الورود والتداول والانتشار، من ثم فالمولديات بتحديد دلالتها الاصطلاحية تعني قصائد الشعر الديني في المغرب في نمط عرف ذيوعا وانتشارا، وبما أنها القصائد الدينية التي تختص بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، قلنا إنها قصائد مدحية تلقى بين يدي السلطان. ومن هذه الدلالة الاصطلاحية، ما يجعلنا نكبر من شأن هذه الظاهرة التي عرفها الشعر المغربي عبر العصور منذ العصر المريني الذي انطلقت منه هذه الظاهرة ونمت وترعرعت في العصر السعدي ثم في العصر العلوي. وإذا كنا نعتبر أن القصيدة المولدية ظاهرة فلكون هذه الظاهرة ــــــ بما لها من الشمول والذيوع ــــــ تبرر كونها ظاهرة دينية، وظاهرة اجتماعية، وظاهرة فنية، وظاهرة إبداعية، وظاهرة نقدية.

هذه المجالات الخمسة تتطلب التعمق في أبعادها.

المولديات ظاهرة دينية باعتبار أنها تدخل في سياق تقدير النبي عليه الصلاة والسلام، وهي نوع من التقرب إلى حضرته بالصلاة عليه وبالتوسل به، باعتبار أن الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام هي من ركائز العقيدة الإسلامية إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما(( 2.

المولديات ظاهرة اجتماعية لما فيها من التكافل وتقديم العون والمساعدة بين المسلمين باعتبار أن مناسبة الاحتفال بعيد المولد النبوي مناسبة تقوم بدور هام في التضامن بين طبقات المجتمع المغربي لإسعاد سائر أفراده. ولعل ما عرفه مرستان سيدي فرج بفاس حيث كان يحتفي بهذه الظاهرة ليس في إطار استشفاء المرضى النفسيين فحسب، ولكن في إطار تقديم المساعدة إلى الكثير من أفراد الشعب. وهذا أمر هام يجب أن نلتفت إلى أبعاده لنكتسب منه في واقعنا نموذجا يحقق هذا التكافل الاجتماعي.

المولديات ظاهرة فنية باعتبار أن المديح النبوي بأنماطه ليس مجرد قصائد يكتبها الذي يحس بلوعة الحب النبوي فحسب، ولكن في سياقها العام لدى المبدع والمتلقي حيث تتقد مشاعر المناسبة عبر مجموعة من الوسائل الفنية باعتبارها أداة لتحقيق هذه الظاهرة، ومن ثم كان ارتباط قصيدة المديح النبوي بالسماع يحقق وحده هذا السمو الفني لهذه القصيدة.

أما كون المولديات ظاهرة إبداعية فهنا نقف وقفة تتعلق بالإنتاج الكبير لقصيدة المديح النبوي وغزارتها في المغرب، بل نجد غزارتها لدى مختلف الطبقات الاجتماعية سواء من العلماء أي الخاصة أو من الأميين أي العامة الذين أبدعوا في فن الملحون خاصة، وكانوا يتناشدون قصيدة المديح النبوي كما عبر عن ذلك عبد الله كنون في كتابه أدب الفقهاء. ومن هنا كان يحلو لبعض المشارقة وسم الشعر المغربي بالضعف، ولكن عندما نتأمل هذه الظاهرة، نجدها ظاهرة لا تقر بما اعتقده المشارقة بل على العكس تقر بهذا النماء بكل عناصر الجودة التي تحتويها هذه القصيدة. علما أن التراث المغربي في عمومه ما يزال جله دفينا وغميسا لو كشفت نصوصه لأتاح قيمة مضافة لجدة الأدبية المغربية وتعميقها ، مما سيغير نظرة إخواننا المشارقة إلى أدبيتنا المغربية التي وسِموا شعرنا بها. وفي هذا السياق سأتناول ذلك من خلال منظورين:

يتعلق المنظور الأول بإمكانيات هذه القصيدة المولدية التي هي ظاهرة بحق في أدبيتنا المغربية، فالشعر المغربي هو شعر أبدعه المغاربة وما يزال دون أن نستثني ما قاله الفقهاء، لأن ذلك يتصل في عمقه بمشاعرنا الدينية.

وعندما يتعلق الأمر بشبه مقارنة بين القصيدة المادحة وبين القصيدة المولدية أخلص إلى أن القصيدة المولدية هي قصيدة متجددة في تاريخ الشعر العربي. وقصيدة المديح النبوي بصفة عامة عند كثير من الباحثين لم تظهر إلا في القرن الخامس أو السادس الهجري، لماذا؟ لأن الشعراء لم يبدعوها،باعتبار أن شخصية الرسول كانت لها من المهابة، بحيث يعجز الشاعر أن يتناول هذا الجانب. من ثم كان فطاحل الشعراء يتحرزون في أن يكتبوا مديحا نبويا.هذا إذا أخذنا بالرأي القائل بأن ماكتب في عصر الرسول عليه السلام لا يعد من المديح النبوي باعتبار أن ما قاله كعب مثلا إن هو إلا اعتذار. ولكن عندما نأخذ قصيدة المديح النبوي باعتبارها قصيدة تتعلق بشخصية الرسول عليه الصلاة والسلام لا نجد في فترة صدر الإسلام ما يحقق هذا التناول بحيث نجد أحد الباحثين في كتابه عن حسان بن ثابت قام بِعَد الأبيات التي مدح فيها حسان الرسول e فوجدها لا تتجاوز أحد عشر بيتا. وفي رأي كثير من الباحثين أن تأسيس قصيدة المديح النبوي كقصيدة لها وزنها وقيمتها الفنية لم يتم في عصر صدر الإسلام. هذه مسألة قد يكثر فيها النقاش، ولكن ما يجدر قوله هو أن قصيدة المديح النبوي لدى المغاربة إذا كانت قصيدة متجددة فما هي معالم هذا التجدد ؟

إن الدكتور عبد الله الطيب في مقالته عن القصيدة المادحة، وهو يتحدث عن المشرق جعل لهذه القصيدة المادحة أطوارا:

هناك الطور الأول يعرف بطور التكسب.

الطور الثاني طور الرجاز.

الطور الثالث طور أبي نواس وينتهي بالمتنبي.

ثم يأتي الطور الرابع وهو طور قصيدة المديح النبوي التي مثلها البوصيري رحمه الله.

ثم يأتي في الدرجة الخامسة طور البعث والإحياء.

هذه الأطوار حددها عبد الله الطيب في مقالته عن القصيدة المادحة التي نشرها مع مقالات أخر في كتاب بنفس العنوان 3. تجعلنا نتساءل عن موقع ما نعتبره من أن قصيدة المولديات هي قصيدة متجددة في تاريخ الشعر العربي. وهذا ما يجعل في نظرنا أن القصيدة المادحة في الطور الأول والثاني والثالث التي حدد ها عبد الله الطيب، بعد ذلك وقع فراغ. هذا الفراغ منشؤه من أن القصيدة المادحة لم تعد تجد ممدوحا قدوة.

لقد كان أبو الطيب المتنبي يجد في شخصية سيف الدولة مقومات رجل الدولة الممدوح بما فيه من قرشية وعروبة ومِن .. ومن…ولكن في الشرق العربي بعد المتنبي أصبح الشعراء يبحثون عن مكامن القوة في الممدوح ليكون أهلا للمدح وخاصة عندما تغلب المماليك ثم الأتراك فقد أصبح الشاعر يبحث عن الممدوح القدوة الذي تتمثل فيه الخصال التي أقرتها القصيدة المادحة العربية. إذن في المشرق كان البديل عن القدوة يتجسد في فعل الصوفية ومذاهبها فوقع التحول من الممدوح الذي أصبحت قدوته غائبة، وعبر فعل التصوف وانتشاره كانت قصيدة المديح النبوي باعتبارها قصيدة جديدة ظهرت في المشرق العربي، فكان البوصيري والوتري والصرصري والبرعي وغيرهم ممن سجلوا حضورهم الإبداعي في قصيدة المديح النبوي.

بالنسبة للمغرب بدءا من العصر المريني إلى العصرين السعدي والعلوي كان لدينا ممدوح يتمثل بمقومات الشخص الممدوح في انتمائه إلى القرشية والعروبة وإلى الشرف النبوي وإلى كثير من المقومات مما جعله يحتل مركز القدوة. لذلك كانت قصيدة المديح النبوي في نمط المولديات خاصة قد جمعت الأمرين، جمعت بين المديح النبوي وبين حضور الممدوح في مناسبة تحتفي بمولد الرسول عليه السلام. لذلك كانت القصيدة المادحة والقصيدة المولدية – في رأينا – تعد نمطا متجددا، يمكن أن يكون هو الطور الذي لم يذكره عبد الله الطيب عندما كان يتحدث عن أطوار القصيدة المادحة المشرقية. وبالرغم من أن المشارقة عموما كانوا يتجاهلون أو يغفلون الكثير مما يتوفر في تراثنا المغربي من مقومات وأسس أدبية. ومن ذلك طور البعث والإحياء الذي تم على يد البارودي في القرن التاسع عشر كما قرره مؤرخو الأدب الحديث، في حين أن عصر البعث والإحياء يمكن أن نقول أنه تم في المغرب قبل هذا التاريخ بنحو أكثر من قرنين، ففي بداية القرن السابع عشر كان شعر الصحراء المغربية قد أسهم في طور البعث والإحياء، لأننا نجد شعراء مغاربة كتبوا الشعر وهم يتطلعون إلى نمط امرئ القيس وإلى نمط فحول الشعراء العرب،

لذلك فهذا الطور طور المولديات يمكن أن نجعله طورا متجددا يحمل كل سمات الإبداع في الشعرية المغربية، من ثم إذا كانت القصيدة المادحة تحتوي على المقدمات النسيبية ثم على الرحلة، وغير ذلك فإننا نجد القصيدة المولدية ببنائها ومعمارها تتطلب هذه العناصر التي هي عناصر الجودة فيها؛ فهناك المقدمة بعناصرها الطللية والنسيبية وهناك مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، والإشادة بمولده وشمائله ودلائله، ثم بعد ذلك يأتي مدح السلطان باعتباره امتدادا لخلافة الرسول عليه السلام وداعيا لمبائه وقيمه، وهذا أمر مهم يجعل من أن المديح في القصيدة المولدية مديح فيه الكثير من معالم القدوة التي يستمدها من الرسول عليه الصلاة والسلام.

ثم يأتي العنصرالرابع من هذا البناء هو التوسل والتصلية.

ومن ثم تبدو هذه الجدة في القصيدة المولدية التي تجعل منها قصيدة فاعلة في الكثير من تراثنا لما لها من مقومات إبداعية خاصة.هذه المقومات الإبداعية لم تكن فاعلة فقط في كونها إبداعها وإنشادها، ولكن باعتبارها كانت مجال حركة نقدية جديدة باعتبار أن القصيدة المولدية تمثل مجالا للتواصل بين القيم النقدية والمفاهيم التي نجدها مثلا عند ابن الخطيب في مفهوم السحر والشعر أو في قضية الصدق والمبالغة كما أشار إليها أبو علي الحسن اليوسي، وكذلك أبو سالم العياشي، فمن خلال كتاباتهم نستشف المفاهيم النقدية لقصيدة المديح النبوي التي تفعل إبداع القصيدة المولدية سواء تعلق الأمر ببناء القصيدة أو بشروحها باعتبارها لونا من ألوان النقد عند المغاربة.

والخلاصة أن القصيدة المولدية هي قصيدة دينية واجتماعية وفنية وإبداعية ونقدية. والتفاعل بينها يحقق الكثير من المجالات والمقومات للشعرية المغربية. فكانت من حيث الواقع تشكل تمثلا لبطولة دينية تسعى إلى التشبث بالشمائل النبوية المحمدية، ودرء الشوائب والنحل الضالة.

ومن حيث الفكر تحمل السمات البارزة في سلوك يستمد مقوماته من آراء السلف الصالح، فحرصه على العقيدة الإسلامية والسنة النبوية، وكذلك من حيث وحدة المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وصوفية الجنيد التي تشكل تلاحما مذهبيا في مذهبيتنا المغربية في ضوء نسق منهجي تحدده إمارة المؤمنين.

أما من حيث الإبداع فتكون القصيدة المولدية باعتبارها تعبيرا وجدانيا يجسد الإحساس بالذات إزاء محبة الرسول عليه الصلاة والسلام في سبيل رؤية تتطلع إلى السمو والتقدير والإجلال.

*المصادر والمراجع

الأدب المغرب من خلال قضاياه وظواهره ، عباس الجراري، الرباط 1979

أبو سالم العياشي الأديب المتصوف ، عبد الله بنصر العلوي ، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية،1998

أدب الفقهاء، عبد الله كنون ، دار الكتاب ، بيروت

التأليف المولدية لعبد الحي الكتاني مقالات نشرت بمجلة الزيتونة بتونس الجزء 8 سنة 1937

روضة الجنات في مولد خاتم الرسالات ، محمد الباقر الكتاني، الرباط،1975

الشعر السعدي : تفاعل الواقع والفكر والإبداع ، عبد الله بنصر العلوي ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله ، فاس، 2006

في الشعرية العربية، من فضاء الذاكرة إلى أيقون العجيب ، عبد الله بنصر العلوي،فاس ، 2014

في المدحة النبوية وتواصلاتها ، عبد الله بنصر العلوي ، فاس ، يناير 2016

المدائح النبوية في الأدب العربي ، زكي مبارك ، القاهرة ، 1967 .

المدائح النبوية ، محمود علي مكي ، مكتبة لبنان ، ط1، 1991

النبوغ المغربي في الأدب العربي ، عبد الله كنون ، ط2 ، بيروت،

الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى ،محمد بن تاويت ،الدار البيضاء ، 1981-1984

1 – وقد جمع العلامة عبد الحي الكتاني أن يجمع هذه الموالد التي قيلت في المشرق والمغرب في كراسات نشرها بمجلة الزيتونة بتونس خلال سنة 1937. كما قام محمد الباقر الكتاني في روضة الجنات في مولد خاتم الرسالات ببليوغرافية شملت خمسين مولدا.

2 – سورة الأحزاب الآية 56

3 – القصيدة المادحة الخرطوم 1973 وقد أورد عبد الله الطيب حديثا مفصلا عن هذه الأطوار بشكل آخر في القسم الثاني من الجزء الرابع من كتابه المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها.


 

القول اللطيف في ذكرى المولد النبوي الشريف

باحث بالفكر الإسلاميّ:

مصطفى بن عبد الرحمن الشنضيض*

في كل سنة ونحن نستعد للاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف تبدأ اعتراضات بعض السادة الذين لا يرون جواز هذا الاحتفال، وخلاصة أدلتهم أنه لم يكن في عهد النبي ﷺ، ولا في عهد سلفنا الصالح، الذين يعتبرون أفضل من اتبع سنته وساروا على هديه، وما إلى ذلك مما ينقل بعضهم عن بعض، ويرونه حججا قاطعة، وبراهين ساطعة.

لهذا أردت أن أدلي ببعض ما حضرني في هذا الباب، راجيا المولى عز وجل أن يهديني سواء السبيل، وأن يجري الحكمة على قلبي وقلمي ولساني، فأقول وبالله التوفيق:

للمسلمين عيدان دينيان فيهما صلاة مخصوصة وشعائر مخصوصة شرعها رسول الله ﷺ، أما غيرهما وإن أطلقنا عليه لفظ “عيد” فمن أجل العَوْدِ والتكرار في مستقبل الأيام، لا لأنه فيه عبادة مخصوصة، وشعيرة مخصوصة، شرعها الناس لأنفسهم من دون الله، وإنما هي اجتماع الناس للأكل والشرب والإنشاد، مما هو من عادات الناس في الأفراح، وليس من المبتدعات في الدين.

قال النبي ﷺ لأبي بكر عن الجاريتين اللتين تغنيان: (دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وإن عيدنا هذا اليوم) وهو في الصحيحين، وهذا اللفظ ظاهره الحصر في عيد واحد، وليس كذلك كما هو معلوم. وفي رواية أخرى (دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد). وجاء في صحيح البخاري أن أبا عبيد مولى أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: (يا أيها الناس، إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له)، وهنا يراد بهما الجمعة والعيد.

وجاء في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: أي آية؟ قال: [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا]، قال عمر: (قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة)، والكل يعلم أنهما عيدان عند المسلمين، كما يعرف الجميع، فقد جاء في رواية المعجم الأوسط للطبراني (إِنِّي لَأَعْرِفُ فِي أَيِّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ]، يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُمَا لَنَا عِيدَانِ).

من هنا تستخلص أن الشارع لم يطلق لفظ “العيد” على يومي الفطر والأضحى فقط، بل زاد فأطلقها على الجمعة، ويوم عرفة؛ لهذا لا ينبغي التشدد إذا استعمل أحدنا لفظ العيد على غير العيدين، كذكرى المولد النبوي، فذلك ليس فيه محظور شرعي من حيث اللفظُ، لعدم تخصيص ذلك اليوم بعبادة خاصة كما في العيدين، وإنما هو الاستعمال اللغوي ليوم ذي بال، كما قال الله تعالى: [قَالَ عِيسـَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ] [الْمَائِدَة:114].

عرّف ابن حجر البدعة تعريفا سديدا فقال: “كل ما أحدث وليس له أصل في الدين”، وخرّج استحباب الاحتفال بذكرى المولد النبوي تخريجا على صيام يوم عاشوراء فرحا بتنجية الله تعالى لنبيه موسى؛ وهذا متسق مع حديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فهو يدل بمفهومه على أنه من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه –أي مستمد منه بالنص أو بالاستنباط -فليس بِرَدٍّ.

لفظ “كل” في حديث (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، وإن كان لفظا من ألفاظ العموم إلا أن هذا العموم مخصوص بالبدعة التي ليس لها أصل في الدين، وإلا فلا يسمى بدعة، وهذا ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم ابتدعوا أمورا حسنة في حياة النبي ﷺ وبعد مماته.

أما في حياته فالصلاة بتكرار سورة الإخلاص، والزيادة في ألفاظ الرفع من الركوع، وتعليم معاذ كيفية إتمام الصلاة كما في المسند، وصلاة ركعتين قبل الإعدام كما فعل خبيب بن عدي، ودعاء الرجل الذي قال: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم). فقال رسول الله ﷺ: (أتدرون بما دعا؟)، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (والذي نفسي بيده، لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى)، وغيرها كثير.

يقول القائل: هذا وقع في عهده ﷺ، ويدخل في السنة التقريرية، فالنبي ﷺ أقرهم على ذلك، قلنا: الجواب على ما قلتم من شقين:

الأول: أنه أقرهم على ما اتسق مع الأصول ودخل في العموميات، وأنكر ما خالف وعارض الأصول: أنكر على بعض الصحابة عزمهم على فعل ما لا يرضاه كالصوم الدائم، والقيام الدائم، والتبتل الدائم، وأنكر على أبي إسرائيل وقوفه تحت الشمس، وأنكر على عثمان بن مظعون تبتله، ونهى عن صيام الوصال؛ وذلك لأن كل ما ذكرنا يتنافى مع سنته الشريفة والفطرة السليمة والعادات القويمة.

الثاني: أن الصحابة قد ابتدعوا أمورا بعد موته لا لشيء سوى لأنهم لم يفهموا أن البدعة هي كل محدثة كيف ما كانت، ولو كانت محمودة، فقد أحدث أبو بكر رضي الله عنه جمع القرآن الكريم في مصحف، ورفع عدد من الصحابة أصواتهم بالتكبير في أيام عيد الأضحى، وقنت عمر في الصبح بقوله: “اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي، ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق”، كما عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق.

وقنت بذلك ابن مسعود وأبي بن كعب، وزاد عمر في التلبية فقال: “لبيك مرغوبا أو مرهوبا، لبيك ذا النعماء، والفضل الحسن”، عند ابن أبي شيبة. وابنه عبد الله كان يقول: “لبيك والرغباء إليك والعمل، لبيك وسعديك”، والحديث في مسلم وأحمد. وأنس كان يقول: “لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا”.

وزيادة عثمان للأذان الأول في الجمعة، وكان يقول رضي الله عنه عند قد قامت الصلاة: “مرحبا بالقائلين عدلا، وبالصلاة مرحبا وأهلا”، كما في ابن أبي شيبة. وزاد ابن عمر في التشهد: “وبركاته” و”وحده لا شريك له”. وابتدع الصحابة تلاوة سورة العصر عند الافتراق، كما عند الطبراني. وخص ابن مسعود يوم الخميس للموعظة، كما في البخاري. وأبو الدرداء سن تلاوة القرآن في جماعة… فهل نطلق على هؤلاء الصحابة أنهم مبتدعة، أم نتعلم منهم.

روى مسلم عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)، وهذا الحديث دلالته واضحة على ما نحن بصدده، ولا يمكن أن نحصر عبارة “السنة الحسنة”‏ في أمور المنفعة العامة كما يدعي البعض، من أجل سبب الورود الذي لا يفيد التخصيص لا من قريب ولا من بعيد.

وحديث معاذ الذي في المسند وأبي داود وغيرهما يفيد بأن السنة الحسنة في هذا الحديث هنا يراد بها كل محدثة حسنة من غير تخصيص في مجال، جاء فيه: قال ابن أبي ليلى: “قال: وكانوا يأتون الصلاة، وقد سبقهم ببعضها النبي ﷺ قال: فكان الرجل يشير إلى الرجل إذا جاء كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليها، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قام فقضى فقال رسول الله ﷺ: (إنه قد سنَّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوا)، وإن كان ابن أبي ليلى لم يدرك معاذا فيكون منقطعا، إلا أنه روي عند ابن أبي شيبة وابن خزيمة من طريق عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد عن معاذ.

فلنلاحظ قول النبي ﷺ: “إنه قد سنَّ لكم” هو أمر متعلق بالصلاة؛ أي بالعبادة لا بالمنفعة العامة، وجاء فيما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺفذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك). وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الأجر مرتين).

فانظر إلى قوله ﷺ: (قد أصبت السنة)، فالرجل لم يحفظ السنة من النبي ﷺ وإنما اجتهد فأصابها؛ ولهذا يكون قول النبي ﷺ (من سن في الإسلام سنة حسنة) يفيد العموم من جهة السانّ ومن جهة المسنون في كلما فيه خير ومصلحة عامة لم تعارض الأصول والكليات، ولا يستثنى منها إلا ما ألغاه الشارع، وما لم يوافق الأصول أو لم يكن مستمدا منها.

قال النووي رحمه الله في شرحه على مسلم: “وفي هذا الحديث تخصيص قوله ﷺ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة وقد سبق بيان هذا في كتاب صلاة الجمعة وذكرنا هناك أن البدع خمسة أقسام واجبة”.

ما نهانا عنه النبي هو المحرم، أما ما سكت عنه النبي فيعرض على الأدلة حتى يثبت له حكم شرعي إن بالوجوب كجمع القرآن، أو بالاستحباب كالأذان الأول للجمعة، أو الإباحة كالصلاة بالإخلاص أو غيرها، أو الكراهة كصيام الوصال، أو التحريم كالاختصاء، وهذا قول أبي العباس النفراوي في الفواكه النفراوي في الفواكه الدواني، والعز بن عبد السلام في قواعده، والقرافي في فروقه، والنووي في شرح مسلم وغيرهم.

من عمّق نظره في أمر البدعة سيجدها أنها لا تكون إلا في العقائد والعبادات المحضة، فالمبتدعة في وقت سلفنا الصالح كانوا إما يقولون بخلق القرآن أو بالقدر أو بالجبر أو الاكتفاء بالإيمان القلبي كالجهمية، أو الاكتفاء بالقول باللسان كالكرامية وهكذا. فكل من سألته عن الفِرَق المبتدعة، ذكر لك هذه الفرق وغيرها؛ وما عدا ذلك، يعتبر ذكرهم للفظ البدعة حول بعض المسائل من باب الوصف بحدوث ذلك الشيء الذي لم يكن من قبل، لا من باب الحكم الشرعي.

تكرار البعض أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي من ابتداع الفاطميين، هو حكاية ‏عن جهة واحدة من الدول الإسلامية. أما في المغرب، فقد وضع أبو العباس ‏العزفي أحمد بن القاضي اللخمي كتاب “الدر المنظم في مولد النبي المعظم” ‏عندما وجد المسلمين يعظمون أعياد النصارى النيروز والمهرجان في سبتة ويحتفلون معهم، فخاف من ‏انجرار المسلمين إلى المسيحية، فبدأ يطوف على الكتاتيب ويوضح أمر ‏هذا الاحتفال للأطفال، حتى جاء ابنه أبو قاسم العزَفي وأصبح واليا على سبتة ‏واستمر في الاحتفال بالمولد.

يحكي ابن عذاري في “البيان المغرب” عنه: “ومن ‏مآثره العظام، قيامه بمولد النبي عليه السلام من هذا العام، فيطعم فيه أهل بلده ‏ألوان الطعام، ويؤثر أولادهم ليلة يوم المولد السعيد بالصرف الجديد من جملة ‏الإحسان إليهم والإنعام، وذلك لأجل ما يطلقون المحاضر والصنائع والحوانيت ‏يمشون في الأزقة يصلون على النبي عليه السلام، وفي طول اليوم المذكور يسمِّع ‏المسمعون لجميع أهل البلد مدح النبي عليه السلام، بالفرح والسرور والإطعام ‏للخاص والعام، جار ذلك على الدوام في كل عام من الأعوام”. وعندما جاء السلطان يعقوب بن عبد ‏الحق المريني، جعل ذكرى المولد النبوي عيدا رسمي.

القول بأن الاحتفال ينبغي أن يكون كل يوم بالصلاة عليه واتباع سنته، هذا كلام لا يقنع حتى القائلين به؛ لأن القائلين بالجواز منهم من لا يفتر عن القيام والصيام، ومنهم من يلتزم ما استطاع باتباع السنة في حياته الخاصة، فلا ينبغي أن يظن المسلم بنفسه خيرا، ويظن بالناس غير ذلك.

يمكنكم ملاحظة تعريف الإمام الشاطبي بقوله في الاعتصام عن البدعة بأنها: “طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَة، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ”. لاحظوا كلمة “يقصد” أنها ترجع إلى النية القلبية، وهذا لا يعلمه الا الله، فلا يجوز التنقيب عن النوايا، ثم إن الاحتفال ليس طريقة مخترعة في الدين إنما هو الفرح والإعلان به ولم يدّع أحد أنها عبادة. ولحظ قوله “تظاهي” كلمات تحتاج إلى تأمل، وليس في إجازتنا للاحتفال بذكراه ﷺ قصدٌ لما ذكر الشاطبي على الإطلاق.

قول المخالف بأن قول عمر “نعمة البدعة هذه” هو من باب البدعة اللغوية لا غير، أريدَ به التهرب من إلزاماتها بجواز الابتداع الحسن، ونحن نقول: إننا بقولنا عيد المولد النبوي، نقصد بـ “العيد” معناه اللغوي كذلك، لأننا يقينا لا نحدث صلاة مخصوصة أو شعيرة مخصوصة كما في العيدين الشرعيين، وإنما الفرح والسرور وتذكير الناس بالسيرة النبوية.

ركزت على فعل الصحابة رضوان الله عليهم وما أحدثوه في عهد النبي ﷺ وبعده، لأنه هو التطبيق العملي لمعنى الأحاديث التي تتحدث عن المحدثات، فما داموا لم يفهموا أن حديث “كل محدثة بدعة” يفيد الاستغراق لجميع الأفراد، وذلك بإحداثهم لعدد من الأشياء التي استحسنوها، يكونون بذلك قد علّمونا الفهم الصحيح لحديث (كل محدثة بدعة) بأن المحدثة المردودة هنا هي ما كانت مذمومة؛ أي ما ليس لها أصل في الدين، وإلا فلا.

قال القرطبي في تفسيره: “كل بدعة صدرت من مخلوق فلا يخلو أن يكون لها أصل في الشرع أو لا، فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وخص رسوله عليه، فهي في حيز المدح”، انتهى. وقال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحِكم في تعريفه للبدعة: “ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعا”. قال ابن حجر في الفتح:” المراد بقوله كل بدعة ضلالة ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام”.

أرجو إعادة النظر في تعريف البدعة، وإعادة النظر فيما يقِفُ به المانعون في وجه عادات الناس وأعرافهم التي لا تتعارض مع الشرع الحنيف، ثم إنه مهما يكن قولكم صحيحا فإنه في بعض المجتمعات التي اعتادت ذلك، يؤدي قولهم إلى الفتنة والفرقة والخلاف، وهذا يقتضي أن الإبقاء على وحدتهم وهي فرض، خير من الخروج إليهم برأي وإن كان صوابا يخلق بلبلة بين صفوفهم، وإنما ننهى عن المنكرات التي قد تقع في احتفالاتهم واجتماعاتهم.

يقول بعض الناس إن اليوم الذي ولد فيه رسول الله، هو اليوم الذي توفي فيه فلماذا تحتفلون فيه دون صومه أو إظهار الحزن فيه، قلنا لأن الله أمرنا بالفرح عموما بهذا الدين وبسيدنا محمد على وجه الخصوص، فقال تعالى [قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا]، ونهانا عن إقامة المآتم والمنائح؛ ففرحنا بميلاد سيد البشر الذي بعثه الله إلينا لهدايتنا وإخراجنا من الظلمات إلى النور، كشكرٍ على أعظم نعمة أنعم الله بها علينا، والشكر يكون بالقول والفعل، وتركنا ما نهانا عنه تعالى من البكاء والنياحة.

كل بلد له علماؤه، ومحققو مناطاته، فلا ينبغى تناقل الفتاوى في هذا الباب بين الأمصار.

نحن في الغرب أبناؤنا يخرجون في أعياد النصارى ويحتفلون معهم، ألا نعوضهم بذكرى المولد النبوي ونستغل هذه الفرصة للتعريف بسيرة سيد البشر وسنته ورسالته وأخلاقه.

قول الخطباء على المنبر “وارْضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي” كان تثبيتا من الخلفاء عقب خروج الدولة العبيدية لتثبيت عقيدة العوام في الشيخين أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم وأرضاهم جميعا، فاستمر الناس عليها وذلك منذ القرن الرابع الهجري.

قول الخطباء على المنابر: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون”، جاء ذلك في عهد عمر بن عبد العزيز التابعي الجليل عندما كانوا يسبون عليا على المنابر، فسن هذه السنة وأمر بالعدل في الأقوال، وعد سب علِيٍ بن أبي طالب من الفحشاء والمنكر والبغي.

لا ننسَ أن النبي ﷺ كان يفرح بيوم مولده كل يوم اثنين، فكان يصومه، وعندما سئل عنه ﷺ، قال: (ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت -أو أنزل عليّ فيه). فميلاده ليس كميلاد يوم أحدنا، إنه ميلاد الهدى ودين الحق.

روى البخاري عن عروة قال: “وثُوَيْبَةُ مولاة أبي لهب: كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي ﷺ، فلما مات أبو لهب أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ (أي بشر حال)، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ).

قال ابن حجر رحمه الله تعالى: “ذكر السهيلي أنّ العباس قال: لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول، في شرّ حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلاّ أنّ العذاب يخفّف عني كل يوم اثنين، قال: وذلك أنّ النبيّ ولد يوم الاثنين، وكانت ثويبة بشرت (أبا لهب) بمولده فأعتقها، وأشار إلى النّقرة التي تحت إبهامه وفي ذلك إشارة إلى حقارة ما سقي من الماء”.

وإن كان عروة لم يلق ثويبة، وهذا منام لا حجة شرعية فيه، إلا أن التخفيف عنه استفدناه بما هو متفق عليه من التخفيف على أبي طالب لنصرته النبي ﷺ، وأبي لهب لعتقه لثويبة.

نعلم أن هذا الأثر ليس فيه حجة، ولكننا نستفيد منه -مع حديث صومه عليه الصلاة والسلام ليوم الاثنين -شيئا مهِمَّا، وهو أن يوم ميلاد النبي ﷺ ليس كيوم ولادة أحد من الناس، فيكون إظهار محبته طول السنة باتباعه والصلاة وعليه وتوقيره وحفظ مقامه بطاعته، ثم تتويج ذلك بإظهار الفرحة والسرور في اليوم الذي يوافق يوم ميلاده ﷺ= غاية في الشكر والحمد والمدح والاقرار والاعتراف.

إذن هذه المحدثات التي أحدثها أهل العلم ولم تكن في عهد سلفنا الصالح، لم تكن لغير غاية أو مقصد، أو اتباعا للهوى والشهوات، فإن العلماء والخلفاء اجتهدوا باعتبار وقائع ونوازل كانت تحتاج إلى اجتهاد ملائم، حفظا لدينهم وأمنهم واستقرارهم، فإن علمنا أن أبناءنا يُختطفون منا يوما بعد يوم، ألا نستغل هذه الفرصة وكل فرصة لتعريفهم بالنبي ﷺ الذي اشتغلوا عنه وعن سنته وهجروا طاعته؟


حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

محمد مجيد*

لمحة تاريخية

يحتفل المغاربة سنويا، رسميا وشعبيا، بمولد “النبي محمد صلى الله عليه وسلم”. بيد أن هذا الاحتفال دائما ما يرافقه حوار وجدال بين أطراف المجتمع حول شرعيته من عدمها؟ في هذا المنحى تصب هذه الأسطر، للمساهمة في النقاش والحوار الذي يخص هذه المناسبة من الجانب التاريخي للحدث، للبحث عن بدايات الاحتفال به بالقطر المغربي.

تتحدث المصادر التاريخية عن أن أول من احتفل بذكرى مولد “الرسول صلى الله عليه وسلم” هو الدولة الفاطمية بمصر، حيث يتم الاحتفال بستة مواليد في السنة؛ أولها مولد “النبي الكريم”، ثم مواليد آل البيت: “علي” كرم الله وجهه، و”الحسن والحسين”، و”فاطمة الزهراء”، ثم مولد الخليفة الحاكم من زمرة الأسرة الحاكمة.

كما تشير المصادر نفسها إلى أن مقام “الرسول صلى الله عليه وسلم” بمكة يفتح في شهر ربيع الأول، ويوم الاثنين بالخصوص، ليدخله الناس جميعا، كما كان يتخذ هذا اليوم عطلة عامة في المدينة المنورة، وتفتح الكعبة المشرفة ليزورها الناس.

أما بالقطر المغربي، فإن أول من دعا إلى الاحتفال به قاضي مدينة سبتة “أبو العباس أحمد القاضي” (ت 633هـ)، بحجة أن المسلمين بالأندلس كانوا يتبعون المسيحيين النصارى في الاحتفال بأعيادهم، مثل: عيد النيروز (أول يناير) وميلاد المسيح عيسى عليه السلام (25 دجنبر)، وأكد أن هذه البدع والمنكرات لا يمكن دفعها إلا بأمر مباح، فوقع في نفسه الاعتناء بيوم مولد “النبي عليه السلام”. وبالتالي نشأ هذا الاحتفال بهدف مواجهة التقاليد الدينية المسيحية.

بيد أن الاحتفال الرسمي بهذا اليوم لم يتم إلا في عهد “أبو القاسم محمد العزفي”، أمير سبتة، الذي احتفل به من أول ربيع بعد توليته الإمارة (648هـ/1250م)، واقتصر الأمر على حدود إمارته. لكن الاحتفال في ربوع المغرب لم يتم إلا في عهد الدولة المرينية، وخاصة أيام السلطان “يعقوب بن عبد الحق”، الذي أقام ليلة المولد النبوي بفاس، واستمع لقصائد الشعراء، قبل أن يقوم ابنه “يوسف” بتعميم هذا الاحتفال سنة 691هـ/1292م، وبالتالي صار يوم 12 ربيع الأول عيدا رسميا وشعبيا للدولة بالمغرب، كما أضيف حفل ليلة المولد، الاحتفال باليوم السابع. وتبنت الدولة الانفاق على الاحتفالات في سائر جهات البلاد.

ويمكن الإشارة ولو بإيجاز إلى بعض من تلك الاحتفالات، كما وصفتها المصادر التاريخية. على المستوى الرسمي، كان السلطان يستعد لهذا اليوم وليلته بأنواع المطاعم والحلويات، وأنواع الطيب والبخور، وإظهار الزينة وإعداد المجلس، واستدعاء الناس للجلوس في مجلسه حسب مراتبهم، قبل أن يأتي قارئ العشر لترتيل حصة من القرآن الكريم، تليه قصائد المديح من طرف المنشدين. أما في اليوم السابع، فيجلس الكتاب لتوزيع العطاء على الأشراف والأعيان والفقهاء والأئمة والخطباء والقضاة وغيرهم.

في مقابل ذلك، على المستوى الشعبي، تقام الأفراح ويتم التجمل بما حسن من الثياب، وصار أيضا موعدا سنويا لدخول الصغار للكتاتيب القرآنية ومناسبة لختان الأطفال.

وبالعودة إلى الجدال والنقاش الذي يطرح في كل مناسبة عن مشروعية الاحتفال بالمناسبة من عدمها، فالمصادر التاريخية أشارت إلى أن علماء المغرب لم يتفقوا على مشروعيته، فمنهم من ينكره، غير أن الذين لم يعارضوه أوصوا بالاحتراس من تسرب البدع لاحتفالاته.

ومما جاء في بعض الفتاوى: “إن هذا اليوم عيد من أعياد المسلمين لظهور نور الخلق فيه وسيد المرسلين، فالتزين فيه بأحسن الثياب من اللباس، واستعمال الطعام، وإظهار المحبة بالركوب على أحسن الدواب، وكثرة الصلاة عليه وإنشاء القصائد في صفته، وتزيين الأولاد والمكاتب بما يجوز شرعا: لا شك في جواز ذلك كله إذا سلم من البدع المحرمة التي لا يجوز تعظيم شعائر الله تعالى بها”.


عيد الحب … عيد المولد النبوي

عبد الله الجباري

للحب في الثقافة الإسلامية مكانة سامية، ترتقي به إلى مصاف القيم النبيلة، بل أكاد أجزم أنه “قيمة القيم” وأنبلها على الإطلاق، لذا، لا عجب أن يقترن “الحب” بـ”الإيمان” في غير ما موضع، فلا كمال للإيمان إلا بوجود الحب، من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : “حب الأنصار من الإيمان”، ومن مناقب علي عليه السلام أن خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا : “لا يحبك إلا مؤمن”، إلى غير ذلك من النصوص المتوافرة المتعاضدة، كما أن إيمان المرء ينقص بعدم الحب : “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، وإذا تحوّل الحب إلى نقيضه لزم من ذلك تحول الإيمان إلى نقيضه أيضا، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا عليا بن أبي طالب : “لا يبغضك إلا منافق”.

إننا إذن بين ثنائيتين خطيرتين، ثنائية الحب والإيمان، وثنائية البغض والنفاق، وما تقرير هذين الأمرين إلا لتوضيح قيمة الحب وقدسيته في الثقافة الإسلامية.

والحديث عن الحب يجرنا لزوما إلى الحديث عن الحبيب والمحبوب، مَن هما ؟ كيف يتحابان ؟ نُبل حبهما وقداسته ؟ آثار ذلك الحب ونتائجه ؟ إلى غير ذلك مما يساعدنا على تسديد هذه القيمة النبيلة وعدم الرمي بها في أتون المهاوي والحضيض.

لعل أسمى حب وأقدسه هو حب الله تعالى، في ظله عاش العارفون، وبه لهثوا، وفي بحاره هاموا، وعلى ذلك ماتوا، “أحِبوا الله لما يغدوكم به من نعمه”.

وقرين ذلك الحب حب حبيب الله وخليله، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يكتمل إيمان المرء – بل لا يبدأ أصلا – إلا بحبه، “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين”.

وسنقارب الحب النبوي من خلال عدة عتبات، أهمها :

المعرفة : لا يحب النبيَّ إلا من تعرف عليه من كثب، واطلع على سيرته وأخباره، واكتشف خصائصه ومزاياه، ولمس فضائله ومناقبه، فيحاول من خلال ذلك التعرف على حقيقة أحمديته، وكُنه نبوته، لأن الحب لا يُبنى على الجهل بالمحبوب، لذا وجب الانتباه إلى أهمية درس السيرة النبوية، وقيمته في ترسيخ حب النبي في وجدان الناشئة.

الاقتداء : إذا تعلق قلب المرء بالمحبوب سلَم أمره إليه وانقاد، وسهل عليه أمر الائتساء والاقتداء، وبما أن الاقتداء بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واجب بالنص : “لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة”، فحب النبي صلى الله عليه وسلم واجب من باب “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.

التزكية : إذا سكن الحب في قلب المحب واستقر، تأثر بالمحبوب طوعا، فتراه يقلده ويحاكيه، ولا يبذل في ذلك كبير جهد أو معاناة، وبما أن تزكية المسلم تترتب على تخلقه بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ومحاكاتها، وبما أن أخلاق النبي من السمو بمكان، فإنه يصعب على المرء أن يتحلى بأخلاقه السنية، وبصفاته المصطفوية، لذا كان لكيمياء المحبة دور أساس في تذليل الصعاب، فيقلد المحب أخلاق وشيم الحبيب، فيتخلق بأخلاقه، فتكون بذلك سُلّما للارتقاء إلى درجة التخلق بأخلاق الخالق، “تخلقوا بأخلاق الله”.

التبرك : لا تقتصر علاقة المحبة على طرفيه فحسب، أي المحب والمحبوب، بل تتعداها إلى حب كل ما يتعلق بالمحبوب، فترى المحب متعلقا بحي محبوبه، وبديار سكناه وآثاره، وبملابسه وأسماله، وإذا لم يحدث هذا وأكثر منه، فلا حب هناك ولا تعلق، وإنما هو نفاق ومداراة. لذلك كان التعلق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم والتبرك بها سمة من سمات حبه، وأمارة من أماراته، تنافس في ذلك الصحابة الكرام، والسلف الصالحون العظام، فتبركوا بعَرقه، وجعلوه أطيب الطيب، وتهافتوا على شَعره، والتمسوا البركة بمس جلده وبشرته، وتوارثوا ذلك جيلا بعد جيل.

فقَدَ خالد بن الوليد قلنسوة له يوم اليرموك، فجَدّ في طلبها، ولما وُجدت فوجئ من معه بحالها، إذ كانت خلقة بالية، فلم يفهموا السر في إلحاحه على طلبها، فأخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر فحلق رأسه، فابتدر الناس جوانب شعره، وسبقهم إلى شعر ناصيته، وجعله في تلك القلنسوة، ثم قال : “فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر”. ومن هذا القبيل حفاظ الخلفاء على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى حربته، والأخبار في ذلك يعسر استقصاؤها.

إرسال السلام : يهز الشوقُّ المحبَّ هزّأ، فيشد الرحال إلى حيث المحبوب ولا يبالي بما في الطريق من أخطار وآفات، ولا يلتفت إلى بعد المسافات، وكذلك كان محبو النبي صلى الله عليه وسلم وعاشقو جنابه المنيف، وما أن ترمق أعينهم القبة الخضراء، حتى يهتبلون بالصلاة والسلام عليه، وأحيانا ينزلون من رواحلهم، ويخلعون نعالهم، وتغرورق مُقلهم، ولا يهدأ لهم بال، إلا وقد لامسوا القبر المعظم، وصلوا في الروضة الفيحاء، ومنهم من هاجر الأوطان، واستقر به المقام هناك، فجاور وكان نعم الجوار، وفي ذلك يقول القاضي عياض رحمه الله :

بادِر وسلِّم على أنوار روضته ** قبل الممات، فلا تشغلك أعذار.

وحين تحُول بين المحب والزيارة حوائل، فإنه يلجأ إلى تبليغ السلام بالبريد، عبر عموم الزائرين، أو بواسطة المخصوصين منهم :

بالله يا زوار قبر محمد ** من كان منكم رائحا أو غادِ
فليبلغ المختار ألف تحيةٍ ** من عاشق متقطّع الأكبادِ.

خدمة النبي : تنافس الصحابة في خدمة النبي المختار، وكان ذلك منهم عربون محبة، ودليل تعلق، مثل أنس بن مالك وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر …، واستمرت الخدمات ولم تنقطع بمجرد التحاقه بربه، لكنها تعددت وتنوعت، فكان خَدَمة حجرته الشريفة، وخَدَمة دينه وشريعته، من العلماء الذابين عن الدين، وخَدَمة سنته الذين سهروا على جمعها مما تفرق في الأمصار، مثل ابن شهاب الزهري، وخَدَمة سنته ممن عمل على تنقيتها وتصنيفها وتبويبها، مثل الإمام مالك والإمام أحمد والإمام البخاري، ومنهم خَدَمة أحواله، مثل الجنيد والقشيري وأضرابهما … وكل هذا كان نابعا من الحب، منطلقا منه.

وقد قرر العلماء أنه يُنال بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يُنال بكثرة الأعمال، ويحظى الخديم من الفضائل والمكرمات ما لم يحظ به غيره، ومن خدَم السيّدَ خدَمَتْه العبيد :

وإذا ما الجنابُ كان عظيما ** مُدَّ منه لخادميه لواءُ.

وبما أن الخادم للجناب النبوي مستمسكٌ بأوثق العرى، فإنه لا محالة مطمئن البال، غير خائف ولا وجل، لما يعلمه من جود النبي، وذلك وأيم الله من أعظم النوال، وإليه يشير محمود سامي البارودي بقوله :
خدمتُه بمديحي فاعتلوتُ على ** هام السِّماك، وصار السَّعدُ من خَدَمي
وكيف أرهب ضيما بعد خدمته ** وخادم السادة الأجواد لم يُضَمِ.

مدح النبي : لعل مدح النبي من أعظم الوسائل المقرِّبة إلى حضرته العلية، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب المدح ولا ينفر منه، بل ويثيب عليه، وقد وهب كعبا بردته الشهيرة.

ولم يكن كعب بن زهير وحيدَ المادحين، بل أفرَغَ جمعٌ من الصحابة أقوالَهم في مدح خير البرية، جمعهم غير واحد من المؤلفين، وقد ناهزوا المائتين، منهم الحافظ ابن سيد الناس، الذي نظم قصيدة ميمية، جمع من خلالها أسماء الصحابة الذين نظموا في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شرحها في مجلد، وقد تأسى بسنتهم جمع من شعراء المسلمين على مر العصور، منهم الإمام البوصيري وحمدون بن الحاج الفاسي ومحمود سامي البارودي وأحمد شوقي وغيرهم، لكنهم جميعا ما وصفوا النبي حقَّ وصفه، ولم يمدحوه بما هو أهله، لأنه أرقى من كل وصف، وأسمى من كل مدح، وليس هذا تقولا عليهم، بل كلهم مجمعون على ذلك، معترفون بقصور قريضهم، ومن ذلك قول قائلهم :

مدحتك لا أني بمدحك قائم ** ومَن ذا بإحصاء الرمال يقوم ؟
ونظيره قول الشاعر البليغ محمود سامي البارودي :
هيهات أبلغ بالأشعار مِدحتَه ** وإن سلكتُ سبيل القالَة القُدُمِ.

والاعتراف ذاته على لسان الشيخ حمدون بن الحاج :

قصوري في مدحي لأحمدَ مطلَقُ ** وما عابني أن لستُ بالشمس أعلقُ.

ولعل هذا القصور والعجز الذي اعترف به هؤلاء وأمثالهم، هو السبب في إعراض جماعة من الشعراء عن مدح النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، من أمثال البحتري وأبي تمام وغيرهما، رغم أنهم من حذاق الشعراء وكبارهم، وهو ما أشار إليه العلامة حمدون بن الحاج بقوله :

قريبٌ بعيدٌ سَهلُهُ مُتمنِّعٌ ** لذاكَ جريرٌ لم يهم والفرزدقُ

وقد صرح بذلك أبو نواس حين لِيمَ على تركه مدح الإمام علي الرضا، فقال :

قلتُ : لا أستطيع مدح إمام ** كان جبريل خادما1 لأبيه.

فإذا كان العجز مسوغا لعدم مدح من يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ترك مدح النبي كان من باب أولى وأحرى.

ومما يدل على عجز مصاقيع البلغاء في هذا الباب، أن الشاعر المحب مهما أبدع في المدح والوصف إلا ويحس بعدم بلوغ البغية، فيحاول جاهدا التعبير عن كنه حقيقة النبي، لكن اللسان لا يسعفه، وبلاغة القريض تعجز عن مسابقة المعاني، وكأني بجميعهم يرددون ما قاله العلامة حمدون بن الحاج :

أطَلْتُ ولكني بذاك مقَصِّرٌ ** وما ازددتُ وِرداً منه إلا وأظمأُ.

وأمام هذا القصور، لم يكن عند هؤلاء المادحين من عزاء، سوى أنهم يقولون صادق الكلام وأعذبه، على نقيض ما ذاع بين النقاد، أن أعذب الشعر أكذَبه، ورحم الله أحمد شوقي حين قال : “وصادق الحب يملي صادق الكلم”.

معاناة الحب : للحب معاناة ومكابدات، يعرفها العشاق المتيمون، فينعكس ذلك على حياتهم، ويفارق الكرى جفونهم، فيستوي لديهم الليل والنهار، وتزداد أجسامهم ضعفا ونحافة، وأنفسهم في عذاب وحسرة، لا تفكير لهم إلا في المحبوب، ولا دواء لهم إلا الوصال :

نظرُ المحب إلى جمال حبيبه ** يغني عن المطعوم والمشروب
ويُسَكّن الآلام من جوع ومن ** ظمإٍ، لِقا المشتاق للمحبوب.

لكن العشاق إذا حاولوا التعبير والبوح بمكنون حبهم، فلن يستطيعوا إلى ذلك سبيلا، فتخونهم العبارة أحيانا، وينطقون بما لا تدركه عقول غيرهم، لكن بعض المتسرعين، ممن لم يذوقوا للحب طعما، ولم يعرفوا له مُرّاً ولا علقما، قد يستصغرون هذا البوح ويسترذلونه، وقد يلومون أصحاب تلك المقولات، وهم معذورون في ذلك :

يا عاذلي كُفَّ عن ملامي ** فما على عاشق ملامُ
لو ذُقتَ طعم الغرام يوما ** لغَالَكَ الوجدُ والغرامُ.

أما من انطرح على الأعتاب الشريفة، وتعرف على بعض الأسرار المحمدية، وتاه حُبّاً في الدرة اليتيمة، فإنه غالبا ما يحجم عن البوح ببعض المواجيد، فيكتمها صيانة لعقول العامة، وذلك من باب “حدث الناس على قدر عقولهم”، إلا أن كتمان هذه الأحوال، غالبا ما ينقلب نارا تصطلي بها الأحشاء، فيضعف العاشقون ويستسلمون إلى البوح :

وهل يستطيع كتم السر صَبٌّ ** إذا ذُكر الحبيب لديه طارا
به لعب الهوى شيئا فشيئا ** فلم يشعر وقد خلع العِذارا.

وأثناء البوح، لم يجد العشاق بدا من التوسل بالرمز والكناية والإشارة، نظرا لعجز وضعف وقصور العبارة، فيُكَنّون عن “الحب” بعبارات قد ينبذها المستمع، ويرفضها الفقيه، مثل عبارة “الخمرة” التي اشتهر بها الصوفية في أشعارهم ومنظوماتهم.

وإذا ما وقع اللبس عند العاجز عن الغوص في المعاني، ممن يكتفي بالوقوف على ظواهر الكلمات، فإنهم يلجأون آنئذ إلى التمييز بين الخمرتين :

شربنا على ذكر الحبيب مدامة ** سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم.

وذلك للتمييز بين خمرة المحبة الأقدم والأسبق من خمرة الكرم، فلا يبقى بعد هذا التمييز لبس عند الفقيه، لذلك توجه إليه أبو الحسن الششتري بالسؤال :

أفتني أيها الفقيه وقل لي ** هل يجوز شربها على عرفات ؟

ولم يتوجه إليه بهذا السؤال إلا بعد أن بيّن له أوصافها :

ليس فيها إثم ولا شبهات ** عُتِّقَت في الدِّنان من قبل آدم ** أصلها طيب من الطيبات.

وكلها أوصاف للتمايز بين الخمرتين، ولإزالة اللبس والغموض.

بل إنهم ينهون عن التقليل من الشراب، ويدعون إلى كثرة الاغتراف، مثل قول أبي الحسن الششتري رحمه الله :
قُمْ خَلِّ الكاسات ** واشرب بالطاسات.

فهو يأمر بالشرب من الطاسات، وينهى عن الشرب بالكؤوس، لأنها صغيرة لا تكفي، وكذلك الأمر في المحبة، حيث ضرورة الاغتراف منها بوفرة وكثرة، وعدم الركون إلى القلة.كل هذا في حب مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرورة التزود منه بالوفرة اللازمة، ولم يكن احتفال المسلمين بالمولد المعظم، سوى نفحة من نفحات هذه المحبة، وارتشاف من بعض رحيقها، عسى أن ينالوا قربا من صاحب الذكرى، قال الشيخ حمدون بن الحاج رحمه الله : “رأى بعض المشايخ النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فذكر له ما يقوله الفقهاء في عمل المولد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من فرح بنا فرحنا به”.

اللهم رَقِّنا في معارج المحبة.


 

الأدلة من الكتاب والسنة

على مشروعية الإحتفال بالمولد النبوي

 

1- الأدلة من الكتاب:

الدليل الأول: قال تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث}1 فالآية توجب التحدث بكل نعمة من نعم الله علينا. ومن أعظم تلك النعم، نعمة مولد سيد الوجود صلى الله عليه وسلم.

وقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}2 فهو صلى الله عليه وسلم النعمة العظمى وحبل الله المتين الذي ألف بين القلوب. فما المانع من الاحتفال فرحا بيوم مولده واعتباره الفرصة المناسبة للتحدث عنه وعن جهاده وأعماله للتأسي به صلى الله عليه وسلم.

الدليل الثاني: قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}3 أليست هذه الآية تشير إلى وجوب الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مولده باعتباره أعظم منن الله علينا ورحمته بنا وإفضاله. قال عليه الصلاة والسلام: “أنا الرحمة المهداة” وأما عن كونه رحمة الله فيؤكد قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}4 فهو الرحمة وهو الذي جاء بها، قال تعالى: {ففي رحمة الله هم فيها خالدون}5. فالاحتفال بذكرى مولده نوع من الفرح برحمته وفضله. فهو بالتالي يكون مما أمر به الشرع:

فإذا ما فرحت بيوم مولده واحتفلت به مع المحتفلين بأمر شرعي كذكر أو علم أو تحدث عنه أو عن سنته أو بالصلاة والسلام عليه أو تقديم طعام أو ولائم للفقراء أو صدقات للمساكين هل تكون قد ارتكبت بدعة من البدع أو ضلالة تفضي بك إلى النار. فأي عاقل أو صاحب منطق مستنير يقول بهذا ! فالإحتفال بذكرى مولده من هذه الزاوية يكون مما أمر به الشرع الحكيم في حدوده وقيوده. والذي يقول لماذا تحتفلون كأنه ينكر على المسلمين الفرح بمقدمه صلى الله عليه وسلم.

الدليل الثالث: قال الله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}6 فيكون الاحتفال بيوم مولده صلى الله عليه وسلم يوما أكثر من غيره تطبيقا لهذه الآية تطبيقا عمليا. فالمجتمعون يكثرون من مدحه وذكر اسمه في كل لحظة، فيتبع ذلك الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أكثر من سائر الأيام وهذا هو المطلوب شرعا.

الدليل الرابع: قال تعالى: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك}7. فإذا كان الله عز وجل قد قص على رسوله قصص الأنبياء والرسل ليثبت فؤاده ويشد من عزيمته ويقوي صبره فنحن من باب أولى في أشد الحاجة إلى معرفة قصصهم، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأي فرصة أعظم من يوم مولده لإبراز هذه الفضيلة.

الدليل الخامس: قال تعالى لسيدنا موسى: {وذكرهم بأيام الله}8 وأي يوم أعظم وأشرف وأفخم من يوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمكن أن نذكر الناس فيه بأعظم نعمة من نعم الله عليهم فهذا لا ترقى إليه المعارضة في مشروعية إحياء ذكريات المولد وأيام الله تعالى على النحو الذي يرضى الله سبحانه.

الدليل السادس: ثم أليس في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف}9 دعوة إلى الاحتفال بيوم مولده لأنها دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف، يقوم به المحتفلون نيابة عن الأمة فيؤجر الجميع، لكن إذا أسقطته الأمة بما ينشر فيها من تفكير تبديعي أثم الجميع.

الدليل السابع: وقال أيضا: {وتعاونوا على البر والتقوى}10. فهل هناك تعاون أعظم وبِر أفضل وتقوى تفوق التعاون على الاحتفال بيوم مولده صلى الله عليه وسلم.

الدليل الثامن: وقال تعالى في شأن سيدنا يحيى: {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا}11. وفي شأن سيدنا عيسى عليه السلام: {وسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا}12. فلو لم يكن ليوم المولد مكان ومنزلة عند الله ما ذكره في كتابه فإذا كان هذا بالنسبة لعيسى ويحيى عليهما السلام، فكيف بشأن يوم مولد إمام الأنبياء.

 

2- الأدلة من السنة:

الدليل الأول: ثبت من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة أنه لما سئل عن صيام يوم الإثنين قال: “ذلك يوم ولدت فيه“. فهذا نص صحيح وصريح في مشروعية الاحتفال بطاعة من الطاعات بمناسبة المولد النبوي، ويدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان أول المحتفلين بمولده، والذي يقول بغير هذا إما جاهل أو متكبر.

الدليل الثاني:ورد في صحيح البخاري، أنه يخفف عن أبي لهب يوم الإثنين في كل أسبوع، بسبب عتقه لثويبة، لما بشرته بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله تعالى تقبل من كافر عتق جاريته فرحا بمولد رسول الله فيخفف عنه العذاب يوم الإثنين لهذا العتق، بسبب إخباره بمولد سيد الخلق. وكيف لا يقبل من مؤمن الاحتفال بالطاعات بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا دليل آخر على مشروعية الاحتفال بمولده شكرا لله على ما مَنّ به علينا، ويكون ذلك بأي طاعة أو عبادة، كصوم أو صدقة أو تلاوة قرآن أو غيره.

وقد أحسن وأجاد شمس الدين الدمشقي في قوله: إذا كان هذا كافر جاء ذمه بتبت يداه في الجحيم مخلدا إلا أنه في يوم الإثنين دائما يخفف عنه بالسرور بأحمد. فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد صلى الله عليه وسلم مسرورا ومات موحدا.

الدليل الثالث: نص البخاري في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى المدينة المنورة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، سأل عن ذلك فقيل له: إنهم يصومون لأن الله في مثل هذا اليوم نجى نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومونه شكرا لله على هذه النعمة فقال صلى الله عليه وسلم: “نحن أولى بموسى منهم“، فصامه وأمر بصيامه. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وخلت فإذا جاء مثل يومها الذي وقعت فيه، كان ذلك اليوم فرصة لتذكرها وتعظيم يومها. ولقد نجى الله الوجود كله بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما أرسلنا إلا رحمة للعالمين} فهل أخطأنا إن شكرنا الله في يوم مولده، وقدمنا طاعة لله فيه، فلا نظن عاقلا يقول هذا.

الدليل الرابع: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيء” وهو خلاف ما ذهبت إليه السلفية النصية التي استدلت بقولها من أحيى سنة، وهو خلاف ما ذهبت إليه السلفية الفقهية.

فهل إذا عملنا طاعة، مما هو مجمع على أنه من الطاعات كتلاوة القرآن والإطعام والاجتماع على الخير يوم مولده احتفاء وفرحا في هذا اليوم، يعد ذلك من البدع المفضية بصاحبها إلى النار. أولسنا مأمورين بمعرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان بمعجزاته والتصديق بآياته، فما يعمل به في المولد يؤدي إلى كل هذا.

إننا نعتقد جازمين أن ما يفعل في ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل في إطار البدعة الضالة، يقول الإمام الشافعي عن البدعة الضالة: بأنها كل ما أحدث وخالف كتابا أو سنة أو إجماعا، وما أحدث من الخير لم يخالف شيئا من ذلك فهو السنة المحمودة. وهذا مما يؤكد أن المولد سنة محمودة ويدعم ذلك حديث: “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها“.

الدليل الخامس: كان صلى الله عليه وسلم إذا استجدت مسألة أو حزبه أمر ينادي في الناس الصلاة جامعة ليجتمعوا إليه فيخطب فيهم ويعظهم فيما استجد من الأمر، مما يلفت النظر إلى استحباب دعوة الناس إلى الاجتماع، كلما كان هناك ما يرجى من وراء ذلك من خير، ولا شك في خيرية هذا الاحتفال بشروطه وتوفر أسباب كل خير دنيوي أو ديني.

الدليل السادس: ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إحياء أسبوع المولود، سن في ذلك ذبح ما رزق من بهيمة في ذلك اليوم وفي هذا توجيه واهتمام من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية يوم الولادة فلولا يوم مولده ما كان يوم سبوعه.

الدليل السابع:يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح”.

ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد وجرى به العمل في كل بلاد الإسلام، فأكثر من مليار ونصف تحتفل بهذا المولد بطريقة رسمية أو شعبية إلا الدول التي يكتم أنفاسها علماء الشرطة كما عبر عن ذلك “يوسف القرضاوي”. فالاحتفال عمل مشروع لأنه يشتمل على الاجتماع والذكر والصدقة، ومدح وتعظيم للجناب النبوي الشريف، وكل ذلك له أصل في الشرع الحكيم.

الدليل الثامن: روى البزار وأبو يعلى والطبراني أنه في رحلة الإسراء والمعراج طلب جبريل عليه السلام من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين ببيت لحم، ثم قال له أتدري أين صليت؟ قال: لا، قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام. فيؤخذ من الحديث ويستنتج تعظيم مكان ولادة نبي، فكيف يعظم المكان ولا يعظم من ولد في ذلك المكان؟ وأعظم من عيسى وأرفع مكانا سيد الوجود عليه السلام؟ فإذا عظم مكان ميلاد عيسى عليه السلام بميلاده فيه، فكيف لا يعظم يوم مولد النبي عليه السلام؟

الدليل التاسع: يستدل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في فضل يوم الجمعة بعدما عدد مزاياه فقال: وفيه خلق آدم. مما يؤكد تشريف يوم مولد أي نبي من الأنبياء، فهذا بالنسبة لسائر الأنبياء، فكيف بمولد أشرفهم على الإطلاق أفلا يحق تشريف يوم مولده والاحتفال به غاية الاحتفال المظهر لمكانته وقدره في قلوب الناس.

الدليل العاشر:إن أعمال الحج التي يقوم بها الحجاج كلها إحياء لذكريات مشهودة ومواقفَ محمودة: كالسعي ورمي الجمار والذبح بمنن، فكلها حوادث مضت يحيي بها المسلمون ذكراها. وتتعلق بأفعال سيدنا إبراهيم وسيدنا اسماعيل عليهما السلام، أفلا يكون إحياء ذكرى مولد أعظم نبي وأشرف مرسل هي الإحياء الفعلي لسنته العملية صلى الله عليه وسلم.

إن هذه الأدلة لهي الإقناع الحق لمن ألقى السمع وتأمل بالعقل واطمأن بالقلب لداعي العقل والحق. وما بعد الهداية إلا الضلال. وما بعد الرشد إلا الهذيان والخبل نسأل الله كمال العقل ورجحانه.

 

الهوامش:

1 – الضحى 11

2- آل عمران 103

3- يونس 58

4 – الأنبياء 107

5 – آل عمران 107

6 – الأحزاب 56

7- هود 120

8 – ابراهيم 5

9 – آل عمران 104

10 – المائدة 2

11 – مريم 15

12 – مريم 33


فصول مهمة في ذكر أخلاقه وشمائله

صلى الله عليه وسلم

 

فصل في ذكر ما شرّف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من الآيات

شرَّف الله عز وجل نبيه المصطفى بآيات كثيرة فمنها ما يدل على مكارم أخلاقه وشرف حاله وهو قوله تعالى: }وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم{ [سورة القلم].

ومنها ما أبان سبحانه وتعالى به علوَّ شرف نسبه وعظيم قدره بقوله عز وجل: }لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيم{ [سورة التوبة].

ومنها ما كشف عن ثنائه تعالى عليه في كتبه المنزلة على أنبيائه وهو قوله عز وجل: }محمدٌ رسولُ الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجَّدًا يبتغون فضلا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السُّجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فأزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزُّرَّاع ليغيظ بهم الكفار{ [سورة الفتح].

ومنها ما أوضح سبحانه أنه مقدَّم على النبيين وذلك في قوله عز وجل: }وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين{ [سورة ءال عمران].

ومنها ما يدل على وجوب احترامه وتوقيره وإجلاله كقوله تعالى: }إنَّ الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم والله غفور رحيم{ [سورة الحجرات]، وقولِه تعالى: }يا أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم{ [سورة الأنفال]. وقوله تعالى }لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا{ [سورة النور].

ومنها ما يدل على دوام تعظيمه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وهو أنه تعالى جعل أزواجه الكريمات أمهاتِ المؤمنين قال تعالى: }النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم{ (سورة الأحزاب)، وقال تعالى: }ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا{ [سورة الأحزاب].

ومنها أنه تعالى أقسم بحياته فقال عز وجل: }لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون{ [سورة الحجر].

فصل في ذكر نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَنَاف بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرّة بن كعب بن لُؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النّضر بن كِنانة بن خُزيمة بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، أبو القاسم سيد ولد ءادم صلى الله عليه وسلم كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.

وجده الأعلى عدنان من سلالة إسماعيل نبي الله وهو الذبيح على الصحيح، ابن نبي الله إبراهيم خليل الرحمن صلى الله على سيدنا محمد وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين.

فهو صلى الله عليه وسلم صاحب هذا النسب الشريف نخبة بني هاشم وعظيمُها، روى الإمام مسلم([38]) وغيره عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله اصطفى كنانة من ولد إسمبعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم”.

وروى الترمذي([39]) بإسناده عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسمبعيل، واصطفى من ولد إسمبعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم” قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

فهو صلى الله عليه وسلم خيار من خيار كما دلت عليه النقول والآثار.

فصل في حمل ءامنة برسول الله صلى الله عليه وسلم

تزوج أبوه عبد الله من سيدة نساء بني زُهرة وهي ءامنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فحملت بسيد الخلائق والأمم، وتفضل الله بإبرازه صلى الله عليه وسلم إلى الوجود نعمة على سائر العرب والعجم، وكان حملُه الشريف أولَ تباشير الأنوار لأهل البادية والحضر.

روى ابن سعد([40]) عن عمة يزيد بن عبد الله بن وهب بن زَمْعَة أنها قالت: “كنا نسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حملت به ءامنة بنت وهب كانت تقول: ما شعرت أني حملت به، ولا وجدت له ثقلة كما تجد النساء، إلا أني قد أنكرت رفع حيضتي وربما كانت ترفعني وتعود، وأتاني ءات وأنا بين النائم واليقظان فقال: هل شعرتِ أنك حملت؟ فكأني أقول: ما أدري، فقال: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها، وذلك يوم الإثنين، قالت: فكان ذلك مما يقَّن عندي الحمل، ثم أمهلني حتى إذا دنا ولادتي أتاني ذلك الآتي فقال: قولي أعيذه بالواحد الصمد من شر كل حاسد، قالت: فكنت أقول ذلك”.

فصل في ذكر مولده الشريف

روى أحمد والبيهقي وغيرهما([41]) عن العرباض بن سارية صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إني عبد الله وخاتم النبيين، وإن ءادم لمنجدلٌ في طينته، وسأخبركم عن ذلك: دعوةُ أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْنَ”، وأن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام.

قال الحافظ البيهقي عقبه: قوله صلى الله عليه وسلم “إني عبد الله وخاتم النبيين، وإن ءادم لمنجدل في طينته” يريد به أنه كان كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون أبو البشر وأول الأنبياء صلوات الله عليهم.ا.هـ.

وروى أحمد والبيهقي([42]) والطيالسي بإسنادهم عن أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: “دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام”.

وروى ابن سعد([43]) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رأت أمي حين وضعتني سَطَعَ منها نورٌ أضاءت له قصور بُصرى”([44]).

ويروى أنه صلى الله عليه وسلم حين وضعته ءامنة وقع جاثيًا على ركبتيه، رافعًا رأسه إلى السماء، وخرج معه نورٌ أضاءت له قصور الشام، حتى رأت أمه أعناق الإبل ببُصرى.

أما قوله عليه الصلاة والسلام: “دعوة أبي ابراهيم” فهو أن إبراهيم عليه السلام لما بنى البيت دعا ربه فقال: }رب اجعل هذا بلدًا ءامنًا وارزق أهله من الثمرات من ءامن منهم بالله واليوم الآخر{ [سورة البقرة]،ثم قال: }ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ءاياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم{ [سورة البقرة] فاستجاب الله تعالى دعاءه في نبينا صلى الله عليه وسلم وجعله الذي سأله إبراهيم عليه السلام.

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: “وبشرى عيسى ابن مريم” فهو أن سيدنا عيسى عليه السلام بشّر قومه بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما أخبر القرءان الكريم حكاية عن عيسى عليه السلام }وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يديَّ من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد{ [سورة الصف].

والمقصود أن ليلة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة شريفة عظيمة مباركة، ظاهرة الأنوار، جليلة المقدار، أبرز الله تعالى فيها سيدنا محمدًا إلى الوجود، فولدته ءامنة في هذه الليلة الشريفة من نكاح لا من سفاح، فظهر له من الفضل والخير والبركة ما بهر العقول والأبصار، كما شهدت بذلك الأحاديث والأخبار.

فصل فيما ظهر من الآيات لمولده صلى الله عليه وسلم

ظهرت لمولد النبي صلى الله عليه وسلم ءايات كثيرة، منها ما رواه البيهقي وابن عساكر وغيرهما([45]) بإسنادهم إلى هانىء المخزومي قال: “لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى، وسقط منه أربع عشرة شرفة،وخمدت نار الفرس، ولم تَخمُد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة سَاوة([46])…”.

وفي سقوط أربع عشرة شرفة إشارة إلى أنه لم يبق من ملوك الفرس إلا أربعة عشرة ملكًا وكان ءاخرهم في خلافة عثمان رضي الله عنه.

وأما نار فارس التي كانوا يعبدونها من دون الله والتي كانت توقد وتضرم ليلاً ونهارًا فانطفأت.

وأما بحيرة ساوة التي كانت تسير فيها السفن فقد جف ماؤها.

ومن الآيات التي ظهرت لمولده صلى الله عليه وسلم أن الشياطين رميت وقذفت بالشهب من السماء، وحُجب عنها خبر السماء كما ذكر بعض العلماء، لكن المشهور والمحفوظ أن قَذف الشياطين بالشهب عند مبعثه صلى الله عليه وسلم.

ومنها أن إبليس حُجب عن خبر السماء فصاح ورنَّ رَنَّةً عظيمةً كما رنَّ حين لُعن، وحين أخرج من الجنة، وحين وُلد النبي صلى الله عليه وسلم، وحين نزلت الفاتحة.

ذكر ذلك الحافظ العراقي في المورد الهني عن بقي بن مَخْلَد.

ومنها ما سُمع من أجواف الأصنام ومن أصوات الهواتف بالبشارة بظهور الحق في وقت الزوال.

فصل في بيان زمان مولده صلى الله عليه وسلم ومكانه

اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم والأكثر أنه عام الفيل، قال ابن عبد البر: “ولد بعد قدوم الفيل بشهر، وقيل بأربعين يومًا، وقيل بخمسين يومًا”.

وروى البيهقي([47]) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل.

أما يوم مولده فهو شهر ربيع الأول، وأما يوم مولده من الشهر فالمعتمد أنه كان لثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور.

أما يوم مولده فهو يوم الإثنين بلا خلاف، فقد روى مسلم([48]) عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الإثنين فقال: “ذاك يوم ولدت فيه، وأُنزل عليّ فيه”.

وأما مكان مولده فالصحيح المحفوظ أنه كان بمكة المشرفة، والأكثر أنه كان في المحل المشهور بسوق الليل وقد جعلته أم هارون الرشيد مسجدًا ذكر ذلك الحافظ العراقي وغيره، وقال الأزرقي: “إنه ذلك البيت لا اختلاف فيه عند أهل مكة” ا.هـ. ويُعْرف المكان اليوم بمحلة المولد.

فصل في أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم وكنيته

قال الله تعالى: }محمد رسول الله{ [سورة الفتح]، وقال حكاية عن قول عيسى: }ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد{ [سورة الصف].

وروى البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم([49]) عن جبير ابن مُطْعِم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “إن لي أسماء: أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشرُ الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقبُ الذي ليس بعده أحد”.

وروى مسلم([50]) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسمي لنا نفسه أسماء فقال: “أنا محمدٌ، وأحمدُ، والمُقَفّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة”.

وروى الإمام أحمد([51]) عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “أنا محمد، وأنا أحمد، والحاشر، والماحي، والخاتِم، والعاقب”.

وروى البيهقي([52]) عن أبي هريرة رضيّ الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا رحمةٌ مُهداةٌ”، وفي رواية: “يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة”.

وروى البيهقي والطيالسي([53]) عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أنا محمد، وأحمد، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الملحمة”.

أما كنيته عليه الصلاة والسلام فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما([54]) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تسمَّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي”.

وروى البيهقي([55]) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم، الله يرزق وأنا أَقْسِمُ”.

وروى الحاكم([56]) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما وُلد إبراهيمُ ابن مارية أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:”السلام عليك يا أبا إبراهيم”.وحديث الحاكم في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.

فصل في قصة رضاعه وما يتصل به من شق صدره صلى الله عليه وسلم

توفي والده صلى الله عليه وسلم عبد الله وهو ابن شهرين وقيل وهو حَمْلٌ وقيل غير ذلك، ثم أرضعته حليمة فكان من قصة رضاعه من حليمة ما يلي قالت حليمة:

“خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرُّضَعَاء بمكة على أتان([57]) لي قَمْرَاء([58]) في سنةٍ شَهْبَاء([59]) لم تبق شيئًا، ومعي زوجي ومعنا شارف([60]) لنا، والله إن تَبِضّ([61]) لنا بقطرة من لبن، ومعي صبي لي لا ننام ليلتنا من بكائه ما في ثديي ما يغنيه، فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عُرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة الرضاعة من والد المولود، وكان يتيمًا، وكنا نقول يتيمًا ما عسى أن تصنع أمه به، حتى لم يبق من صواحبي امرأة إلا أخذت صبيًّا غيري، فكرهت أن أرجع ولم ءاخذ شيئًا وقد أخذ صواحبي، فقلت لزوجي: والله لأَرجِعَنَّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قالت: فأتيته فأخذته ورجعت إلى رحلي، فقال زوجي: قد أخذتيه؟ فقلت: نعم والله، وذلك أني لم أجد غيره، فقال: أصبت فعسى الله أن يجعل فيه خيرًا، فقلت: فوالله ما هو إلا أن جعلته في حِجري فأقبل عليه ثديي بما شاء الله من اللبن فشرب حتى رَوِي وشرب أخوه – تعني ابنها – حتى رَوِيَ، وقام زوجي يلي شارفنا من الليل فإذا بها حافل([62]) فحلبنا من اللبن ما شئنا وشرب حتى روي، وشربت حتى رويت، وبتنا ليلتنا تلك شباعًا رواءً وقد نام صبياننا. قالت: قال أبوه “تعني زوجها”: والله يا حليمة ما أراك إلا قد أصبحت نَسَمَةً مباركة قد نام صبياننا.

قالت: ثم خرجنا قالت: والله لَخرجت أتاني أمام الركب إنهم ليقولون: ويحكِ كُفّي عنا، أليست هذه بأتانك التي خرجت عليها؟ فأقول: بلى والله، وهي قِدَّامُنَا حتى قدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر فقدمنا على أجدب أرض، والذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليُسْرِحونَ أغنامهم إذا أصبحوا، ويُسرّح راعيّ غنمي فتروح بِطانًا لُبَّنًا حُفَّلاً([63])، وتروح أغنامهم جياعًا ما بها من لبن.

قالت: فنشرب ما شئنا من اللَّبن وما في الحاضر أحد يحلب قطرة ولا يجدها فيقولون لرعائهم: ويلكم ألا تُسَرّحُون حيث يُسرح راعي حليمة؟ فيُسَرّحون في الشّعب الذي نُسرح فتروح أغنامهم جياعًا ما بها من لبن، وتروح غنمي لُبَّنا حُفَّلاً. وكان صلى الله عليه وسلم يشب في اليوم شباب الصبي في الشهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة، فبلغ سنة وهو غلام جَفر([64])، قالت: فقدمنا على أمه فقلت لها أو قال لها أبوه: رُدي علينا ابني فلنرجع به فإنا نخشى عليه وباء مكة، قالت: ونحن أضنُّ شىء به مما رأينا من بركته. قالت: فلم نَزَلْ حتى قالت: ارجعا به ، فرجعنا به فمكث عندنا شهرين. قالت: فبينا هو وأخوه يومًا خلف البيوت يرعيان بَهْمًا لنا إذ جاء أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: أدركا أخي القرشي فقد جاءه رجلان فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجنا نشتد فانتهينا إليه وهو قائم منتقع اللون، فاعتنقه أبوه واعتنقته ثم قلنا: أيْ بنيّ، قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني، فوالله ما أدري ما صنعا. قالت: فاحتملناه ورجعنا به، يقول أبوه: يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب، فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه قالت: فرجعنا به، قالت أمه: فما يردُّكما به وقد كنتما حريصين عليه، قالت: فقلت: لا والله إلا أنَّا قد كفلناه وأدينا الحق الذي يجب علينا فيه ثم تخوفنا الأحداث عليه، فقلنا يكون في أهله، قالت أمه: والله ما ذاك بكما فأخبراني خبركما وخبره، قالت: فوالله ما زالت بنا حتى أخبرناها خبره، قالت: فتخوفتما عليه؟ كلا والله إن لابني هذا شأنًا ألا أخبركما عنه؟ إني حملت به فلم أحمِل حملاً قط كان أخف عليّ ولا أعظم بركة منه ثم رأيت نورًا كأنه شِهاب خرج مني حين وضعته أضاءت له أعناق الإبل ببُصرى ثم وضعته فما وقع كما تقع الصبيان، وقع واضعًا يديه بالأرض رافعًا رأسه الى السماء، دعاه والحَقا شأنكما”.ا.هـ.
قال ابن حبان([65]) بعد إيراده هذه القصة بحروفها: “قال وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، حدثنا جهم بن أبي جهم نحوه، حدثناه عبد الله بن محمد، حدثنا اسحاق بن إبراهيم، أخبرنا وهب بن جرير”.

قال الحافظ العراقي([66]) بعد عزوه القصة لابن حبان وإيراده كلامه: “…وهكذا رواه زياد بن عبد الله البَكَّائي، عن ابن إسحاق، فصرح بالتحديث إلا أنه شك في اتصاله كما أنا به عاليًا محمد بن علي بن عبد العزيز القطرواني، أنبا محمد بن ربيعة، أنا عبد القوي بن عبد العزيز بن الحباب، أنبا عبد الله ابن رِفاعة، أنا علي بن الحسن الخلعي، أنا عبد الرحمن بن عمر النحاس، ثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، ثنا عبد الرحيم اليرقي، ثنا عبد الملك بن هشام، ثنا زياد بن عبد الله البكائي، ثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني جهم بن أبي جهم مولى الحارث بن حاطب الجُمَحي، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أو عمن حدثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابنٍ لها صغير ترضعه… فذكر نحوه مع اختلاف ألفاظ، وزاد: “فلم يزل يتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه، وكان يشِب شبابًا لا يَشبُّه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا…

كذا قال “سنتيه”([67]) وهو الصواب، وقول ابن حبان في روايته”سنة” غلط من بعض الرواة”، انتهى كلام الحافظ العراقي بحروفه.

وروى مسلم وغيره([68]) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظُّ الشيطان منك، ثم غسله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثم لَأَمَهُ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعني ظئَره – فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون”.

قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.

قال الحافظ البيهقي بعد عزوة لمسلم: “وهو يوافق ما هو المعروف عند أهل المغازي”.

وروى مسلم([69]) أيضًا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أُتيت وأنا في أهلي، فانطُلق بي إلى زمزم، فشُرح صدري ثم غُسل بماء زمزم، ثم أُتيت بطَست من ذهب ممتلئة إيمانًا وحكمة فحُشي بها صدري – قال أنس:ورسول الله يرينا أثره – فعَرج بي الملك إلى السماء الدنيا، فاستفتح الملك…” وذكر حديث المعراج.

قال الحافظ البيهقي([70]) عقبه: “ويحتمل أن ذلك كان مرتين، مرةً حين كان عند مرضعته حليمة، ومرة حين كان بمكة بعدما بعث ليلة المعراج”.ا.هـ.

ويؤيد هذا الكلام ما ذكره ابن حبان([71]) قال: “شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وهو صبي يلعب مع الصبيان وأُخرج منه العلقة، ولما أراد الله جل وعلا الإسراء به أمر جبريل بشق صدره ثانيًا وأخرج قلبه فغسله ثم أعاده مكانه، مرتين في موضعين وهما غير متضادين”.ا.هـ

فصل في بيان نبذة من صفاته الكريمة وشمائله الشريفة،

وأخلاقه الطاهرة صلى الله عليه وسلم

روى البخارى ومسلم وغيرهما([72]) عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس وجهًا، وأحسنَه خلقًا، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير”.

وروى البيهقي والطبراني([73]) عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: قلت للرُّبيّع بنت مُعَوِّذ: صفي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: “لو رأيته لقلت: الشمس طالعة”.

وروى الترمذي وأحمد([74]) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “ما رأيت شيئًا أحسنَ من النبي صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدًا أسرَع في مشيه منه كأن الأرض تُطوى له، إنا لنجهد وإنه غير مكترث”.

وروى البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم([75]) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب منكبيه”، وفي لفظ ءاخر عنه عند البخاري ومسلم([76]): “كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه”.

وروى مسلم([77]) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “ما شممت شيئًا قط مسكًا ولا عنبرًا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مسست شيئًا قط حريرًا ولا ديباجًا ألين مسًّا من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وقال البراء بن عازب رضي الله عنه:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعًا، بعيد مابين المنكبين، أعظمَ الناس، وأحسن الناس، جُمَّتُهُ إلى أذنيه، عليه حُلةٌ حمراء، ما رأيت شيئًا قط أحسن منه” أخرجه الشيخان([78]).

وروى مسلم([79]) في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن([80])، ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمْهَقِ([81]) ولا بالآدَم([82])ِ، ولا بالجَعْد القَطِطِ([83]) ولا بالسَّبِطِ([84])، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشرَ سنين، وتوفاه الله على رأس الستين سنةً، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاء”.

وروى البيهقي([85]) أن ابن عمر رضي الله عنهما كثيرًا ما ينشد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نعتَ عمه أبي طالب إياه في لونه حيث يقول:

وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه

ثِمَالُ([86]) اليَتَامَى عِصْمَةٌ للأرامِل

ويقول كل من سمعه: هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم

وأخرج البزار([87]) بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت: تمثلت في أبي:

وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه

رَبيعُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ للأرامِل

فقال أبي: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما أخلاقه صلى الله عليه وسلم فقد دلت عليها الآية الكريمة }وإنك لعلى خلق عظيم{ [سورة القلم]، وعن عائشة رضي الله عنها قالت عندما سُئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم:”فإن خُلُقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرءان” رواه مسلم في الصحيح([88]).
وعن عبد الله بن الزبير في قوله عز وجل }خُذ العفو{ [سورة الأعراف] قال: أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. أخرجه البخاري في الصحيح([89]) وغيرُه.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما خُيّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تُنْتَهَكَ حُرمة الله تعالى”، وزاد القطان في روايته: “فينتقم لله بها” أخرجه الشيخان والبيهقي وغيرهم([90]).
وعن عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: “لم يكن فاحشًا ولا مفتحشًا، ولا سخَّابًا في الأسواق، ولا يَجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح أو قالت: يعفو ويغفر”، شك أبو داود([91]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خِدْرِهَا، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه” أخرجه الشيخان([92]).
وعن المغيرة بن شعبة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: “أفلا أكون عبدًا شكورًا” أخرجاه في الصحيح([93]).

وإلى جانب هذه الصفات الحميدة كان شديدًا في أمر الله، شجاعًا، فقد روى أحمد([94]) بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: “لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أشد الناس بأسًا”.
أما أخبار كرمه وسخائه فعديدة منها ما رواه مسلم([95]) عن أنس رضي الله عنه أنه قال: “ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا قط إلا أعطاه، فأتاه رجل فسأله، فأمر له بغنم بين جبلين، فأتى قومه فقال: أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة”.

أما أخبار زهده وتواضعه واختياره الدار الآخرة فكثيرة منها ما رواه البيهقي والترمذي وابن ماجه([96]) عن عبد الله أنه قال: اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم على حصير فأثَّر الحصير بجلده، فجعلتُ أمسحه عنه وأقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ألا أَذِنْتَنَا فنبسط لك شيئًا يقيك منه تنام عليه، فقال: “ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا، إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها”.
فقد كان صلى الله عليه وسلم متصفًا بصفات حسنة من الصدق، والأمانة، والصلة، والعفاف، والكرم، والشجاعة، وطاعة الله في كل حال وأوانٍ ولحظة ونفس، مع الفصاحة الباهرة والنصح التام، والرأفة والرحمة، والشفقة والإحسان، ومواساة الفقراء والأيتام والأرامل والضعفاء، وكان أشد الناس تواضعًا، يحب المساكين ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، هذا كله مع حسن السَّمت والصورة، والنسب العظيم، قال الله تعالى: }الله أعلمُ حيث يجعل رسالته{ [سورة الأنعام].


الروائح الزكية في مولد خير البرية.

الروائح الزكية

في

مولد خير البريّة صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤلف

الحمد لله رب العالمين الذي أنعم علينا ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وجعله سراجًا وإمامًا للمتقين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وإمام الأنبياء الحاشر العاقب الأمين، وعلى ءاله وصحابته الطيبين.

أما بعد فإنَّ الله عزّ وجَلَّ قد كَرَّم َ النبي محمدًا وكرَّم أمته ورفع قدرها فوق الأمم السابقة، قال تعالى: }كنتم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس{ [سورة ءال عمران]. وما ارتفعت هذه الأمة إلا بنبيّها وما شَرُفت إلا به، لذلك كان الاعتناء ببيان مولد هذا النبي الكريم وما ظهر من الآيات عند ذلك وما أعطاه الله من المواهب والشمائل من مهمات الأمور، إذ يزداد المؤمن بذلك تعظيمًا ومعرفة بفضله صلى الله عليه وسلم.

ولما كان أغلب ما خُصّص من المصنفات للمولد مشتملاً على الكثير من الضعيف بل ويحوي أحيانًا الموضوع، صنفنا هذا الكتاب مستخرجًا من كتب السنة، فجاء فيه زبدة المرويّات في مشهور مصنفات الأئمة الحفاظ، طلبًا للأجر ورغبة فيما عند الله من جزيل الثواب.

والحمد لله رب العالمين.

فصل في تحقيق معنى البدعة وحكمها

اعلم أن البدعة لغة ما أحدث على غير مثال سابق يقال: جئت بأمر بديع أي محدث عجيب لم يعرف قبل ذلك. وفي الشرع المحدَثُ الذي لم ينص عليه القرءان ولا جاء في السنة، قال ابن العربي: “ليست البدعة والمحدَث مذمومين للفظ بدعة ومحدث ولا معنييهما، وإنما يذم من البدعة ما يخالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى الضلالة” ا.هـ.

أقسام البدعة:

والبدعة تنقسم إلى قسمين:

بدعة ضلالة: وهي المحدَثة المخالفة للقرءان والسنة.

وبدعة هدى: وهي المحدَثة الموافقة للقرءان والسنة.

وهذا التقسيم مفهوم من حديث البخاري([5]) ومسلم([6]) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”. ورواه مسلم([7]) بلفظ ءاخر وهو: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد”. فأفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:”ما ليس منه” أن المحدَث إنما يكون ردًّا أي مردوداً إذا كان على خلاف الشريعة، وأن المحدَث الموافق للشريعة ليس مردودًا.

وهو مفهوم أيضًا مما رواه مسلم([8]) في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شىء”.

وفي صحيح البخاري([9]) في كتاب صلاة التراويح ما نصه: “قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ذلك”، قال الحافظ ابن حجر([10]): “أي على ترك الجماعة في التراويح”. ثم قال ابن شهاب في تتمة كلامه: “ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر رضي الله عنه”.

وفيه أيضًا([11]) تتميمًا لهذه الحادثة عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال:خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: “نعم البدعة هذه”.ا.هـ. وفي الموطأ([12]) بلفظ: “نِعمت البدعة هذه”.

قال الحافظ ابن حجر([13]): “قوله قال عمر: “نعم البدعة” في بعض الروايات “نعمت البدعة” بزيادة التاء، والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة”ا.هـ. ومراده بالأحكام الخمسة: الفرض والمندوب والمباح والمكروه والحرام.

وأخرج البخاري([14]) في صحيحه عن رِفاعة بن رافع الزَّرقي قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: “سمع الله لمن حمده”، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: “من المتكلم” قال: أنا، قال: “رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول”.

قال الحافظ ابن حجر([15]) في الفتح في شرح هذا الحديث: “واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور” ا.هـ.

وروى أبو داود([16]) عن عبد الله بن عمر أنه كان يزيد في التشهد: “وحده لا شريك له”، ويقول: “أنا زدتها” ا.هـ.

وقال النووي في كتاب تهذيب الأسماء واللغات([17]) ما نصه: “البدعة بكسر الباء في الشرع هي: إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلّى الله عليه وءاله وسلم، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة. قال الإمام الشيخ المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته أبو محمد عبد العزيز ابن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه في ءاخر كتاب القواعد: البدعة منقسمة إلى: واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فمحرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة” ا.هـ. كلام النووي.

وقال ابن عابدين في رد المحتار([18]) ما نصه: “فقد تكون البدعة واجبة، كنصب الأدلة للرد على أهل الفرق الضالة، وتعلم النحو المفهم للكتاب والسنة، ومندوبة كإحداث نحو رباط ومدرسة، وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة كزخرفة المساجد، ومباحة كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب” ا.هـ.

وقال النووي في روضة الطالبين([19]) في دعاء القنوت ما نصه: “هذا هو المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد العلماء فيه: “ولا يَعِزُّ من عاديت” قبل: “تباركت وتعاليت” وبعده: “فلك الحمد على ما قضيت أستغفرك وأتوب إليك”. قلت: قال أصحابنا: “لا بأس بهذه الزيادة”. وقال أبو حامد والبَنْدَنِيجيُّ وءاخرون: مستحبة” ا.هـ. كلام النووي.

وروى الحافظ البيهقي([20]) بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي رضي الله عنه قال: “المحدَثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنةً أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة” اهـ.

من البدع المستحبة

* الرهبانية التي ابتدعها أتباع المسيح عليه السلام:

قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: }وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله{ [سورة الحديد] فهذه الآية يستدل بها على البدعة الحسنة، لأن معناها مدح الذين كانوا من أمة عيسى المسلمين المؤمنين المتبعين له عليه السلام بالإيمان والتوحيد، فالله تعالى مدحهم لأنهم كانوا أهل رأفة ورحمة ولأنهم ابتدعوا رهبانية، والرهبانية هي الانقطاع عن الشهوات حتى إنهم انقطعوا عن الزواج رغبة في تجردهم للعبادة. فمعنى قوله تعالى: }ما كتبناها عليهم{ أي نحن ما فرضناها عليهم إنما هم أرادوا التقرب إلى الله، فالله تعالى مدحهم على ما ابتدعوا مما لم ينصَّ لهم عليه في الإنجيل ولا قال لهم المسيح بنص منه، إنما هم أرادوا المبالغة في طاعة الله تعالى والتجرد بترك الانشغال بالزواج ونفقة الزوجة والأهل، فكانوا يبنون الصوامع أي بيوتًا خفيفة من طين أو من غير ذلك على المواضع المنعزلة عن البلد ليتجردوا للعبادة.

* سن خبيب ركعتين عند القتل:

ومنها: إحداث خبيب بن عدي ركعتين عندما قُدِّم للقتل، كما روى ذلك البخاري في صحيحه([21]) قال ما نصه: “حدثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عينًا وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عُسفان ومكة ذُكروا لحيّ من هُذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتصوا ءاثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزوّدوه من المدينة فقالوا هذا تمر يثرب، فتبعوا ءاثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجئوا إلى فَدْفَد([22])، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللّهم أخبر عنّا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل وبقي خبيب وزيد ورجل ءاخر فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلّوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحرث بن عامر ابن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحرث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحرث ليستحد بها فأعارته،قالت: فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني وفي يده الموسى فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقًا رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو، ثم قال:اللَّهم احصهم عددًا ثم قال:

فلستُ أُبَالِي حينَ أُقْتَلُ مسلمًا

على أي شقّ كَانَ لله مصرعي

وذلك في ذاتِ الإله وإن يشأْ

يُبارك على أوصالِ شِلوٍ ممزّعِ

ثم قام إليه عقبة بن الحرث فقتله وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشىء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلَّة من الدَّبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شىء” ا.هـ.

* نقط يحيى بن يعمر المصاحف:

ومنها: نقط المصاحف وقد كان الصحابة الذين كتبوا الوحي الذي أملاه عليهم الرسول يكتبون الباء والتاء ونحوهما بلا نقط، وكذا عثمان بن عفان لما كتب ستة مصاحف وأرسل ببعضها إلى الآفاق إلى البصرة ومكة وغيرهما واستبقى عنده نسخة كان غير منقوط. وإنما أول من نقط المصاحف رجل من التابعين من أهل العلم والفضل والتقوى يقال له يحيى بن يعمر. روى ابن أبي داود السجستاني([23]) في كتابه المصاحف قال: “حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن عبد الله المخزوميُّ، حدثنا أحمد بن نصر بن مالك، حدثنا الحسين بن الوليد، عن هارون بن موسى قال: “أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر” ا.هـ. وكان قبل ذلك يكتب بلا نقط. فلما فعل هذا لم ينكر العلماء عليه ذلك، مع أن الرسول ما أمر بنقط المصحف.

* زيادة عثمان رضي الله عنه أذانًا ثانيًا يوم الجمعة:

وهذه بدعة أحدثها عثمان رضي الله عنه ففي صحيح البخاري([24]) ما نصه: “حدثنا ءادم قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن السائب بن يزيد قال:”كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداءَ الثالث على الزَّوراء”([25]).

قال الحافظ في الفتح ما نصه([26]): “وله في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة، قال ابن خزيمة: قوله: “أذانين” يريد الأذان والإقامة، يعني تغليبًا، أو لاشتراكهما في الإعلام كما تقدم في أبواب الأذان” ا.هـ.

ثم يقول: “قوله “زاد النداء الثالث” في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب فأمر عثمانُ بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من هذا الوجه، ولا منافاة بينهما لأنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا وباعتبار كونه جُعل مقدمًا على الأذان والإقامة يسمى أولاً، ولفظ رواية عقيل الآتية بعد بابين: “أن التأذين بالثاني أمر به عثمان”. وتسميته ثانيًا أيضًا متوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة.ا.هـ.

* الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم

وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في فصل خاص.

* الجهر بالصلاة على النبي بعد الأذان:

ومنها: الجهر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، وحدث هذا بعد سنة سبعمائة، وكانوا قبل ذلك لا يجهرون بها.

* كتابة (صلى الله عليه وسلم) عند كتابة اسم النبي:

ومنها: كتابة صلى الله عليه وسلم عند كتابة اسمه، ولم يكتب النبي ذلك في رسائله التي أرسل بها إلى الملوك والرؤساء وإنما كان يكتب من محمد رسول الله إلى فلان.

* الطرق التي أحدثها بعض الصالحين:

ومنها: الطرق التي أحدثها بعض أهل الله كالرفاعية والقادرية وغيرهما وهي نحو أربعين طريقة، فهذه الطرق أصلها بدع حسنة، ولكن شذ بعض المنتسبين إليها وهذا لا يقدح في أصلها.

بدعة الضلالة

وهي على نوعين: بدعة تتعلق بأصول الدين، وبدعة تتعلق بفروعه.

فأما البدعة التي تتعلق بأصول الدين: فهي التي حدثت في العقائد وهي مخالفة لما كان عليه الصحابة في المعتقد، وأمثلتها كثيرة منها:

* بدعة إنكار القدر: وأول من أظهرها معبد الجهني([27]) بالبصرة، كما في صحيح مسلم([28]) عن يحيى بن يعمر ويسمى هؤلاء القدرية([29])، فيزعمون أن الله لم يقدّر أفعال العباد الاختيارية ولم يخلقها وإنما هي بخلق العباد بزعمهم، ومنهم من يزعم أن الله قدَّر الخير ولم يقدّر الشرَّ، ويزعمون أن المرتكب للكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، وينكرون الشفاعة في العصاة، ورؤية الله تعالى في الجنَّة.

* بدعة الجهمية: ويسمون الجبرية أتباع جهم بن صفوان([30]) يقولون: إن العبد مجبور في أفعاله لا اختيار له وإنما هو كالريشة المعلقة في الهواء يأخذها الهواء يمنة ويسرة.

* بدعة الخوارج([31]): الذين خرجوا على سيدنا علي رضي الله عنه، ويكفّرون مرتكب الكبيرة.

* بدعة القول بحوادث لا أول لها، وهي مخالفة لصريح العقل والنقل.

وأما البدعة التي تتعلق بالفروع فهي المنقسمة التقسيم المذكور ءانفًا.

ومن البدع السيئة العملية:

* كتابة (ص) عند كتابة اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وأسوأ منه وأقبح (صلعم).

* ومنها تيمم بعض الناس على السجاد والوسائد التي ليس عليها غبار التراب.

* ومنها تحريف اسم الله كما يحصل من كثير من المنتسبين إلى الطرق، فإن بعضهم يبدءون بـ “الله” ثم إما أن يحذفوا الألف التي بين اللام والهاء فينطقون بها بلا مدّ، وإما أن يحذفوا الهاء نفسها فيقولون “اللاَّ”، ومنهم من يقول “ءاه” وهو لفظ موضوع للتوجع والشكاية بإجماع أهل اللغة، قال الخليل بن أحمد: لا يجوز حذف ألف المد من كلمة الله.

فإن قيل: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن العرباض بن سارية([32]): “وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة”.

فالجواب: أن هذا الحديث لفظه عام ومعناه مخصوص بدليل الأحاديث السابق ذكرها فيقال: إن مراد النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث على خلاف الكتاب أو السنة أو الإجماع أو الأثر.

قال النووي في شرح صحيح مسلم([33]) ما نصه: “قوله صلى الله عليه وسلم: “وكل بدعة ضلالة” هذا عام مخصوص والمراد به غالب البدع”.ا.هـ. ثم قسم البدعة إلى خمسة أقسام: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة. وقال: “فإذا عُرِف ما ذكرته عُلم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح: “نعمت البدعة”، ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصًا قوله: “كل بدعة” مؤكدًا بكل، بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى: }تدمر كل شىء{ [سورة الأحقاف]” ا.هـ.

وهذا التقسيم ذكره الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام في ءاخر كتاب القواعد مع شىء من التفصيل، ونقله عنه الحافظ في الفتح وسلّمه.

فصل في الاحتفال بالمولد الشريف، وذكر أدلة جوازه

من البدع الحسنة الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا العمل لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا فيما يليه، إنما أحدث في أوائل القرن السابع للهجرة، وأول من أحدثه ملك إربل وكان عالمًا تقيًّا شجاعًا يقال له المظفر. جمع لهذا كثيرًا من العلماء فيهم من أهل الحديث و الصوفية الصادقين. فاستحسن ذلك العمل العلماء في مشارق الأرض ومغاربها، منهم الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، وتلميذه الحافظ السخاوي، وكذلك الحافظ السيوطي وغيرهم.

وذكر الحافظ السخاوي في فتاويه أن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة، ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار في المدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم.

وللحافظ السيوطي([34]) رسالة سماها “حسن المقصد في عمل المولد”، قال: “فقد وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل يثاب فاعله أو لا؟ والجواب عندي: أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرءان، ورواية الأخبار الواردة في مبدإ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف. وأول من أحدث فعل ذلك صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدّين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد، وكان له ءاثار حسنة، وهو الذي عمَّر الجامع المظفري بسفح قاسيون”.ا.هـ.

قال ابن كثير([35]) في تاريخه: “كان يعمل المولد الشريف – يعني الملك المظفر – في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان شهمًا شجاعًا بطلاً عاقلاً عالمًا عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه. قال: وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب ابن دحية مجلدًا في المولد النبوي سماه “التنوير في مولد البشير النذير” فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في المُلك إلى أن مات وهو محاصر للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة”.ا.هـ.

ويذكر سبط ابن الجوزي في مرءاة الزمان أنه كان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية([36]).

وقال ابن خلكان([37]) في ترجمة الحافظ ابن دحية: “كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، قدم من المغرب فدخل الشام والعراق، واجتاز بإربل سنة أربع وستمائة فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي، فعمل له كتاب “التنوير في مولد البشير النذير”، وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار”.ا.هـ.

قال الحافظ السيوطي: “وقد استخرج له – أي المولد – إمام الحفاظ أبو الفضل أحمد بن حجر أصلاً من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانيًا…”ا.هـ.

فتبين من هذا أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة فلا وجه لإنكاره، بل هو جدير بأن يسمى سنة حسنة لأنه من جملة ما شمله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء” وإن كان الحديث واردًا في سبب معين وهو أن جماعة أدقع بهم الفقر جاءوا إلى رسول الله وهم يلبسون النِّمار مجتبيها أي خارقي وسطها، فأمر الرسول بالصدقة فاجتمع لهم شىء كثير فسرّ رسول الله لذلك فقال: “من سنَّ في الإسلام …” الحديث.

وذلك لأن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، ومن أنكر ذلك فهو مكابر.

الخاتمة في التحذير من بعض ما أُلف في المولد

اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضله ثابت في القرءان والأحاديث الثابتة، ولا يحتاج في إثبات فضله إلى ذكر ما فيه كذب وغلو، فقد روى أحمد وابن حبان([97]) عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تُطْروني كما أطرت النصارى عيسى، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله”.

ثم إن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالأمر الهين بل هو من كبائر الذنوب كما روى مسلم وغيره([98]) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من حدَّث عني بحديث يَرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين”، وروى البخاري ومسلم وغيرهما([99]) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار”.

فتبين أن وصف الرسول بما لم يصح عنه وبما فيه كذب هو من قبيل الغلو المذموم، ولا يُحتج لذلك أنه من قبيل أحاديث الفضائل، فإن أحاديث الفضائل يُتساهل فيها برواية الضعيف عند الجمهور، أما المكذوب فلا يُقبل في الفضائل بالإجماع.

* ومن المفاسد التي انتشرت، وأقبل على قراءتها كثير من العامة بعض الكتب التي أُلفت في المولد النبوي، وحُشيت بالأحاديث المكذوبة، والأخبار المعلولة، والغلو المذموم، والكذب على الدين، والتجسيم والتشبيه، فيحرم رواية تلك الأكاذيب من غير تبيين أمرها، ويجب التحذير منها.

ومن أشهر هذه الكتب المدسوسة الكتاب المسمى “مولد العروس” وفيه أن الله تعالى قبض قبضة من نور وجهه فقال لها كوني محمدًا فكانت محمدًا، وفي هذه العبارة نسبة الجزئية لله تعالى، وهو منزه عن الجزئية والانحلال، فهو لا يقبل التعدد والكثرة، ولا التجزء والانقسام، والله منزه عن ذلك لا يشبه شيئًا من خلقه ولا يشبهه شىء من خلقه }ليس كمثله شىء وهو السميع البصير{ [سورة الشورى]. وحكم من يعتقد أن محمدًا أو غيره جزء من الله تعالى التكفير قطعاً قال تعالى: }وجعلوا له من عباده جزءًا{ [سورة الزخرف]. وهذا الكتاب ليس من تأليف ابن الجوزي رحمه الله، بل هو منسوب إليه زورًا وبهتانًا، وما في كتب ابن الجوزي من تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين ونفي التجسيم عن الله تعالى مخالف لما في هذا الكتاب المفترى، بل إن ركاكة ألفاظه، وضعف تركيب عباراته ما يدل على أنه ليس من تأليف ابن الجوزي المحدث الفقيه المفسّر الذي أُعطيَ باعًا قويًّا في الوعظ والإرشاد، فكان إذا تكلم حرك القلوب حتى إنه أسلم على يده مائة ألف أو يزيد وذلك بسبب قوة وعظه،وحسن تعبيره، وفصاحة منطِقه، فإنه كان رحمه الله على جانب كبير من الفصاحة وإتقان اللغة العربية. ولم ينسب إليه هذا الكتاب إلا المستشرق بروكلمان.

* ومن المفاسد التي انتشرت بين العوام ما درج عليه بعض قرّاء المولد النبوي وبعض المؤذنين من قولهم “إن محمدًا أول المخلوقات” وما ذاك إلا لنشر حديث جابر المكذوب “أول ما خلق الله نورُ نبيك يا جابر خلقه من نوره قبل الأشياء”، فهذا الحديث لا أصل له مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مخالف للكتاب والسنة.

أما مخالفته للكتاب فقد قال الله تعالى: }وجعلنا من الماء كل شىء حي{ [سورة الانبياء]، وقال تعالى: }قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إلي{ [سورة الكهف].

وأما مخالفته للأحاديث الثابتة، فقد روى البخاري والبيهقي([100]) عن عمران بن الحصين قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كان الله ولم يكن شىء غيره وكان عرشه على الماء”.

وروى ابن حبان([101]) من حديث أبي هريرة قال: قلت : يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقَرَّت عيني فأنبئني عن كل شىء، قال: “كل شىء خلق من الماء”، وروى السُّدي في تفسيره([102]) بأسانيد متعددة: “إن الله لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء”.

ففي الحديث الأول نص على أن الماء والعرش هما أول خلق الله، وأما ان الماء قبل العرش فهو مأخوذ من الحديثين التاليين.

وأما عزو حديث جابر للبيهقي فغير صحيح، وأما نسبته لمصنف عبد الرزاق فلا وجود له في مصنفه ولا في جامعه ولا تفسيره بل الموجود في تفسيره عكس هذا، فقد ذكر أن أول المخلوقات وجودًا الماء، وقال الحافظ السيوطي في الحاوي([103]) عن حديث جابر: “ليس له إسناد يُعتمد عليه” ا.هـ. وهو حديث موضوع جزمًا، وقد صرح الحافظ السيوطي في شرح الترمذي أن حديث أولية النور المحمدي لا يثبت.

ويشهد لصحة حكمه عليه بالواضع ركاكة ألفاظه فإن الرسول أفصح خلق الله وأقواهم بلاغة فلا يتكلم بالركيك، وقد حكم الحافظ المحدث الشيخ أحمد بن الصديق الغماري([104]) عليه بالوضع محتجًّا بأن هذا الحديث ركيك ومعانيه منكرة، أقول: الأمر كما قال، ولو لم يكن فيه إلا هذه العبارة “خلقه الله من نوره قبل الأشياء” لكفى ذلك ركاكة، لأنه مشكل غاية الإشكال، لأنه إن حُمِل ضمير من نوره على معنى مخلوق لله كان ذلك نقيض المدعى، لأنه على هذا الوجه يكون ذلك النور هو الأول ليس نور محمد، بل نور محمد ثاني المخلوقات، وإن حُمل على إضافة الجزء للكل كان الأمر أفظع وأقبح لأنه يكون إثبات نور هو جزء لله تعالى، فيؤدي ذلك إلى أن الله مركب، والقول بالتركيب في ذات الله من أبشع الكفر، لأن فيه نسبة الحدوث إلى الله تعالى. وبعد هذه الجملة من هذا الحديث المكذوب ركاكات بشعة يردّها الذوق السليم ولا يقبلها.

ثم هناك علة أخرى وهي الاضطراب في ألفاظه لأن بعض الذين أوردوه في مؤلفاتهم رووه بشكل، وءاخرون رووه بشكل ءاخر مختلف في المعنى، فإذا نُظر إلى لفظ الزرقاني ثم لفظ الصاوي لظهر اختلاف كبير.

أما حديث: “كنت أول النبيين في الخلق وءاخرهم في البعث” فهو ضعيف([105]) كما نقل ذلك المحدثون وفيه بقية ابن الوليد وهو مدلس، وسعيد بن بشير وهو ضعيف.

أما حديث: “كنت نبيًّا وءادم بين الماء والطين”، و: “كنت نبيًّا ولا ءادم ولا ماء ولا طين” فلا أصل لهما([106]). ولا حاجة لتأويلهم فإنه لا حاجة لتأويل الآية أو الحديث الصحيح لخبر موضوع لا أصل له.

* ومن الكذب الذي انتشر في بعض كتب المولد قولهم: لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك([107])، فقد حكم عليه المحدثون بالوضع.

* وكذلك ما روي أن جبريل عليه السلام كان يتلقى الوحي من وراء حجاب، وكُشف له الحجاب مرة فوجد النبي صلى الله عليه وسلم يوحي إليه فقال جبريل: “منك وإليك”، فهذا من الكذب الشنيع المخالف لقوله تعالى }وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان{ [سورة الشورى].

* وكذلك من الكذب ما روي في بعض كتب المولد عن أبي هريرة قال: سأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا جبريل كم عمرتَ من السنين؟، فقال: يا رسول الله لا أعلم، غير أن في الحجاب الرابع نجمًا يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة،رأيته اثنين وسبعين ألف مرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعزة ربي أنا ذلك الكوكب.

والحمد لله أولاً وءاخرًا الذي وفقنا إلى جمع هذا الكتاب في مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسأله أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين محمد النبي الكريم.

——————————————————————————–

الفهرس

الروائح الزكية في مولد خير البريّة صلى الله عليه وسلم 1

مقدمة الناشر 1

نبذة موجزة في ترجمة المؤلف. 3

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف. 8

فصل في تحقيق معنى البدعة وحكمها 9

فصل في الاحتفال بالمولد الشريف، وذكر أدلة جوازه 17

فصل في ذكر ما شرّف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من الآيات. 19

فصل في ذكر نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم 20

فصل في حمل ءامنة برسول الله صلى الله عليه وسلم 21

فصل في ذكر مولده الشريف. 22

فصل فيما ظهر من الآيات لمولده صلى الله عليه وسلم 24

فصل في بيان زمان مولده صلى الله عليه وسلم ومكانه 25

فصل في أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم وكنيته 26

فصل في قصة رضاعه وما يتصل به من شق صدره صلى الله عليه وسلم 28

فصل في بيان نبذة من صفاته الكريمة وشمائله الشريفة، وأخلاقه الطاهرة صلى الله عليه وسلم 32

الخاتمة في التحذير من بعض ما أُلف في المولد 37

——————————————————————————–

[1] – الهرري نسبة إلى هَرَر، وهي مدينة تقع في الناحية الداخلية الأفريقية، يحدّها من الشرق جمهورية الصومال، ومن الغرب الحبشة، ومن الجنوب كينيا، ومن الشمال الشرقي جمهورية جيبوتي، وقد احتُلّت الصومال وقُسّمت إلى خمسة أجزاء، فكان إقليم الصومال الغربي (هرر) من نصيب الحبشة، وذلك سنة 1304هـ – 1887ر.

[2] – نسبة إلى بني شيبة بطن من عبد الدار من قريش وهم حجبة الكعبة المعروفون ببني شيبة إلى الآن، انتهت إليهم من قِبل جدّهم عبد الدار حيث ابتاع أبوه قُصي مفاتيح الكعبة من أبي غبشان الخزاعي، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم في عقبهم. سبائك الذهب ص/68 .

[3] – نسبة إلى بني عبد الدار بطن من قُصي بن كلاب جدّ النبي صلى الله عليه وسلم الرابع. سبائك الذهب ص/ 68 .

[4] – استلم إمامة ومشيخة المسجد الحرام أيام السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله.

[5] – صحيح البخاري : كتاب الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود.

[6] – صحيح مسلم: كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.

[7] – صحيح مسلم، التخريج السابق.

[8] – صحيح مسلم: كتاب الزكاة: باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار.وكتاب العلم: باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.

[9] – صحيح البخاري: كتاب صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان.

[10] – فتح الباري (4/ 252).

[11] – صحيح البخاري: كتاب صلاة التراويح:باب فضل من قام رمضان.

[12] – الموطأ: كتاب الصلاة: باب بدء قيام ليالي رمضان.

[13] – فتح الباري (4/253).

[14] – صحيح البخاري: كتاب الأذان: باب فضل اللَّهم ربَّنا لك الحمد.

[15] – فتح الباري (2/287).

[16] – سنن أبي داود: كتاب الصلاة: باب التشهد.

[17] – تهذيب الأسماء واللغات، مادة (ب د ع)، (3/22).

[18] – رد المحتار على الدر المختار (1/376).

[19] – روضة الطالبين (1/253 – 254).

[20] – مناقب الشافعي (1/469).

[21] – صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة وحديث عضل والقارة وعاصم بن ثابت وخبيب وأصحابه.

[22] – وهي الرابية المشرفة.

[23] – كتاب المصاحف، (ص/141).

[24] – صحيح البخاري: كتاب الجمعة: باب الأذان يوم الجمعة.

[25] – الزَّوْراء: مكان بالمدينة، معجم البلدان (3/156).

[26] – فتح الباري (2/393).

[27] – راجع ما تُكلم فيه: التبصير في الدين (ص/21)، تهذيب التهذيب (01/225).

[28] – صحيح مسلم، أول كتاب الإيمان.

[29] – راجع في مقالاتهم وفِرقهم: التبصير في الدين (ص/63و95).

[30] – راجع في شأنه وفرقته: التبصير في الدين (ص/107)، الفرق بين الفرق (ص/211)، المِلل والنّحل (1/86).

[31] – راجع في مقالاتهم وفِرقهم: التبصير في الدين (ص/45 و62).

[32] – رواه أبو داود في سننه: كتاب السنَّة: باب لزوم السنَّة.

[33] – شرح صحيح مسلم (6/154).

[34] – الحاوي للفتاوي (1/189 – 197).

[35] – البداية والنهاية (3/136).

[36] – الحاوي للفتاوي (1/190).

[37] – وفيات الأعيان (3/449).

[38] – أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وابن حبان في صحيحه، أنظر الإحسان (8/81).

[39] – أخرجه الترمذي في سننه: كتاب المناقب: باب فضل النبي صلى الله عليه وسلم.

[40] – طبقات ابن سعد (1/98).

[41] – أخرجه أحمد في مسنده (4/127 – 128)، والبيهقي في الدلائل (1/80)، والحاكم في المستدرك (2/600) وقال: حديث صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (8/223) لأحمد، والطبراني، والبزار، وقال: وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح، غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان.

[42] – أخرجه أحمد في مسنده (5/262)، والبيهقي في الدلائل (1/84)،= =وأبو داود الطيالسي في مسنده حديث /1140، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8/222).

[43] – طبقات ابن سعد (1/102).

[44] – هي بالشام من أعمال دمشق، وهي قصبة كورة حوران، معجم البلدان (1/441).

[45] – رواه البيهقي في الدلائل بطوله (1/126 – 129)، والطبري في تاريخه (2/131 – 132)، والحافظ العراقي في المورد الهني (ق/11).

[46] – مدينة في فارس، معجم البلدان (3/24).

[47] – دلائل النبوة (1/75).

[48] – أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصيام: باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس، وأخرجه أحمد في مسنده (5/297 – 299)، والبيهقي في سننه (4/293).

[49] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتاب التفسير: تفسير سورة الصف، ومسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم، والترمذي في سننه: كتاب الأدب: باب ما جاء في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، ومالك في الموطأ: في أسماء النبي، وأحمد في مسنده (4/80 – 84)، والبيهقي في الدلائل (1/152 – 153)، والدرامي في سننه:كتاب الرقاق: باب في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم.

[50] – أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم.

[51] – أخرجه أحمد في مسنده (4/81).

[52] – دلائل النبوة (1/157 – 158).

[53] – دلائل النبوة (1/156 – 157)، وأبو داود الطاليسي في مسنده (ص/127).

[54] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب كنية النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب الأدب: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم “سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي” وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الأدب: أوله، وابن ماجه في سننه: كتاب الأدب: باب الجمع بين اسم النبي صلى الله عليه وسلم وكنيته، والبيهقي في الدلائل (1/162).

[55] – دلائل النبوة (1/163).

[56] – الحاكم في المستدرك (2/604).

[57] – هي الأنثى من الحمير.

[58] – القمْرَةُ: لون إلى الخضرة، أو بياض فيه كُدرة.

[59] – يعني: سنة القحط والجدب.

[60] – الشارف: الناقة المسنَّة.

[61] – أي سال قليلاً قليلاً.

[62] – أي ممتلئة الضرع من اللبن.

[63] – أي غزيرات اللبن ممتلئة الضروع.

[64] – الجفر: الشديد.

[65] – أنظر الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان (8/82 – 84).

[66] – المورد الهني (ق/13 – 15).

[67] – وكذا في رواية البيهقي “السنتين” أنظر الدلائل (1/135).

[68] – أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الإسراء، وأحمد في مسنده (3/،121،149، 288) بنحوه، والبيهقي في الدلائل (1/147)، وابن حبان في صحيحه أنظر الإحسان (8/82).

[69] – أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الإسراء.

[70] – دلائل النبوة (1/148 – 149).

[71] – أنظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (8/82).

[72] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان أحسن الناس وجهًا، والبيهقي في الدلائل (1/194).

[73] – أخرجه البيهقي في الدلائل (1/200)، وعزاه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8/283) للطبراني في الكبير والأوسط وقال: “ورجاله وثقوا”، أنظر المعجم الكبير (24/247).

[74] – أخرجه الترمذي في سننه كتاب المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحمد في مسنده

(2/350،380).

[75] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب اللباس: باب الجعد، ومسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم، والنسائي في صحيحه: كتاب الزينة، وأحمد في مسنده (5/125)، والبيهقي في الدلائل

(1/221).

[76] – أنظر التخريج السابق في البخاري ومسلم.

[77] – أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب طيب رائحة النبي صلى الله عليه وسلم ولين مسه، والتبرك بمسه، والبيهقي في الدلائل (1/255).

[78] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان أحسن الناس وجهًا، والبيهقي في الدلائل (1/240).

[79] – أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومبعثه، وسنه، والبيهقي في الدلائل (1/203).

[80] – أي المفرط الطول.

[81] – الأمهق: هو الكريه البياض.

[82] – الأدمة في الناس: السمرة الشديدة.

[83] – القطط: الشديد الجعودة.

[84] – السبط: المنبسط المسترسل.

[85] – دلائل النبوة (1/299).

[86] – ثمال اليتامى: أي ملجأ وغِياث، والمُطعِم في الشدة.

[87] – أنظر كشف الأستار عن زوائد البزار (4/124)، وعزاه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8/275) له وقال: “ورجاله ثقات”.

[88] – أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين: باب جامع صلاة الليل.

[89] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير: ءاخر تفسير سورة الأعراف، وأبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب في التجاوز في الأمر، والبيهقي في الدلائل (1/310).

[90] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الأدب: باب قول النبي: “يسروا ولا تعسروا”، وفي الحدود : باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله، ومسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام، والبيهقي في الدلائل (1/311)، ومالك في الموطأ: كتاب حسن الخلق: باب ما جاء في حسن الخلق.

[91] – أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص/214)، والبيهقي بإسناده عنه في الدلائل (1/315).

[92] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وكتاب الأدب: باب الحياء، ومسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم، والبيهقي في الدلائل (1/316).

[93] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التهجد: باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل، وفي كتاب التفسير: باب ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ومسلم في صحيحه: كتاب المنافقين: باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، والترمذي في سننه: كتاب الصلاة: باب ما جاء في الاجتهاد في الصلاة، وابن ماجه في سننه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في طول القيام.

[94] – أخرجه أحمد في مسنده (1/86).

[95] – أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب ما سئل رسول الله شيئاً قط فقال: لا، وأخرجه أحمد في مسنده (3/108،175).

[96] – أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الزهد: باب منه (2377)، وابن ماجه في سننه: كتاب الزهد: باب مثل الدنيا، والبيهقي في الدلائل (1/337 – 338).

[97] – أخرجه أحمد في مسنده في مواضع (1/23، 24، 47، 55 – 56)، وابن حبان في صحيحه أنظر الإحسان

(8/46).

[98] – أخرجه مسلم في صحيحه: المقدمة: باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين، والتحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والترمذي في سننه: كتاب العلم: باب ماجاء فيمن روى حديثًا وهو يرى أنه كذب، وابن ماجه في سننه: المقدمة: باب من حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا وهو يرى أنه كذب.

[99] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم: باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وكتاب الأدب: باب من سمى بأسماء الأنبياء، ومسلم في صحيحه: المقدمة: باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو داود في سننه: كتاب العلم: باب في التشديد في الكذب على رسول الله، والترمذي في سننه: كتاب العلم: باب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن ماجه في سننه: المقدمة: باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[100] – أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق: باب ما جاء في قوله تعالى }وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه{، والبيهقي في الأسماء والصفات (1/364).

[101] – صحيح ابن حبان: كتاب الصلاة: فصل في قيام الليل، راجع الإحسان (4/115).

[102] – فتح الباري (6/286).

[103] – الحاوي للفتاوى (1/325).

[104] – المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير (ص/4).

[105] – المقاصد الحسنة (ص/520)، كشف الخفا (2/169)، أسنى المطالب (ص/244).

[106] – التذكرة في الأحاديث المشتهرة (ص/172)، المقاصد الحسنة (ص/522)، كشف الخفا (2/173)، تنزيه الشريعة (1/341)، الأسرار المرفوعة (ص/178)، أسنى المطالب (ص/202).

[107] – حكم على وضعه العجلوني في كشف الخفا (2/232)، والصغاني في موضوعاته (ص/52).

http://www.sunna.info/Lessons/islam_267.html


حقيقة مايقال من وجود الخلاف في تعيين شهر مولد النبي صلى الله

عليه وسلم وتاريخه من أيام ذلك الشهر

الحمد لله رب العالمين ،

والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ،

وعلى آله الطاهرين وأصحابه الميامين .

وبعد ،

فيقول العبد الضعيف عبد الله بن مصطفى العلوي المدني ،

كتب لي بعض الإخوة يسألني عن حقيقة مايقال من وجود الخلاف في تعيين شهر مولد النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخه من أيام ذلك الشهر ،

فاليوم مقطوع بأنه يوم الإثنين لورود النص الصحيح الصريح فيه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن صوم يوم الإثنين : ( ذلك يوم ولدت فيه ) ،

ولكن الشهر ، وتاريخ اليوم من الشهر ، قد شاع عند الناس أنه مختلف فيه .

فأقول مستعينا بالله تعالى :

بل الشهر والتاريخ مقطوعٌ بهما أيضاً ؛

فالشهر ربيع الأول والتاريخ هو الثاني عشر منه ، دون خلاف .

فلم يُنقَلْ عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلامٌ في تعيين تاريخ الحادثة سوى سيدنا جابر بن عبد الله وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعن والديهما ،

والصحابيان قالا على وجه القطع أنه صلى الله عليه وسلم وُلِدَ في هذا اليوم ،

وأخرج ذلك عنهما ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) بإسناد صحيح ،

قالا : ( وُلِد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل ، يوم الاثنين ، الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، وفيه بُعِثَ ، وفيه عَرَجَ إلى السماء ، وفيه هاجر ، وفيه مات ) .

والواضح أنهما رضي الله عنهما قصدا بقولهما : ( وفيه بعث ، وفيه عرج إلى السماء ، وفيه هاجر ، وفيه مات ) قصدا بذلك يوم الإثنين دون التاريخ .

 

فإذا كان المقصود الرئيس من الإجماع عند الأصوليين هو إجماع الصحابة ، فلا يبطُل الإجماع إلا بمخالفة أحد منهم لا بمخالفة من دونهم ؛

وكان هذا القول المروي عن هذين الصحابيين الجليلين لامخالف له من قول صحابي آخر غيرهما ، فأين الخلاف في تعيين تاريخ المولد الشريف الذي يزعمه البعض هداهم الله ؟

ومجرّد ذكر هذين الصحابيين الجليلين ذلك فيه الدليل الواضح على اهتمام الصحابة بحوداث النبي صلى الله عليه وسلم وأيام حوادثه وأوقاتها .

وأما من أئمة السير فابن اسحاق يقول بهذا التاريخ على سبيل القطع ،

وكذلك الإمام ابن حبان في مقدمة كتابه ( الثقات ) ، والتي جعلها في ذكر المولد النبوي الشريف ، وقد ذكر ضمن كلامه عن المولد الشريف عبارة يجب نشرها ، وفيها الدليل على اهتمام السلف بمولده صلى الله عليه وسلم ،

ولن أنقلها هنا لغرض الاختصار ؛

وقد تبع جمهور أهل السِيَر ابن إسحاق في هذا القول على سبيل القطع ،

ولم يشذ منهم سوى واحد هو الزبير بن بكار ،

وكلامنا عن المتقدمين من أهل السِيَر لا المتأخرين الذين لاعبرة بخلافهم ،

فقول المتأخرين من علماء السير : قيل في يوم كذا وقيل في شهر كذا لا عبرة به خصوصا وهم لا ينسبون هذه الأقوال لأحد معيّن ، فلا يَعُدُّ هذا خلافاً من عنده أدنى مسكة من علم .

وأما تعليق المحدثين المحققين الأكابر على ما يقوله أهل السِيَر فيكفينا فيه قول الحافظ العراقي في كتابه النفيس الذي وددت أنه في بيت كل مسلم ( المورد الهني ) : قال :

( وقد أجمع أهل السير أن مولده صلى الله عليه وسلم كان في شهر ربيع الأول إلا ما كان من الزبير بن بكار في قوله إنه كان في الثاني عشر من رمضان )

فخلص إلينا من قوله هذا أنه لم يخالف في تاريخ المولد الشريف أي يوم هو في ذلك الشهر الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم أحدٌ ممن يُعتدُّ بقوله ، فجمهور أهل السير أنه يوم الثاني عشر من الشهر ،

وأما الشهر وكونه ربيعاً الأول فلم يخالف فيه سوى واحدٌ من علماء السير وهو الزبير بن بكار .

وتعظيم يوم الإثنين بتخصيصه بالصوم ؛ وبما يقاس على الصوم من أعمال البر ؛ كونه يوم مولده صلى الله عليه وسلم هو الذي يدل عليه الحديث الصحيح الصريح المذكور .

وتعظيم اليوم السنوي بتخصيصه بالصوم وبما يقاس عليه من أعمال البر دليله القياس ،

والذي قالوا بصحة هذا القياس هم الأئمة الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة ،

والقياس مصدر من مصادر التشريع اتفاقاً ،

فمن قال من أهل عصرنا بفساد هذا القياس طولب ببيان وجه فساده ،

وأما من ردّ الاحتجاج بالقياس فلا كلام معه لخروجه عن مذهب أهل السنة والجماعة .

والسنة في تعظيم اليوم تعظيما لهذه الحادثة الشريفة التي حصلت فيه هو صومه ، مثلما صام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء شكرا لله تعالى أن نجى فيه موسى من الغرق ،

ومن قال بأنه يوم فرح وعيد لا يجوز صومه كما قاله عندنا معشر المالكية بعض شراح مختصر خليل ؛ فهو قول باطل ؛ لمعارضته للنص .

بل اتخاذه يوم فرح وعيد هو الذي لا نص عليه ؛ وانما دليله القياس أيضاً ، وهو محل الخلاف لمن أنصف ،

وهنا تفاريع كثيرة للكلام ، ونصوص متعلقة بكل فرع ، لعل الله تعالى يوفقنا لتحريرها قريبا إن شاء الله .

وكتبت هذا بالمدينة المنورة يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول من عام 1440

للهجرة الشريفه .