كتب أصحاب الطريقةمقالات

مولد إنسان الكمال السيد محمد بن السيد المختار التجاني الشنقيطي

مولد إنسان الكمال

السيد محمد بن السيد المختار التجاني الشنقيطي

 

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 مقدمة تلميذ المؤلف:

الْحَمْدُ للهِ[1]  الظَّاهِرِ فِي تَنَزُّلاَتِهِ الْعَلِيَّةِ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الأَحَدِيَّةِ . الرَّامِزِ لِتَفْصِيلِهَا وَالْمُصَرِّحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى “رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ” فِي الإِجْمَالِ . وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى وَحْدَةِ وُجُودِهِ. وَوَاحِدِيَةِ شُهُودِهِ فِي التَنَزُّلاَتِ الإِيجَابِيَةِ وَالاِمْكَانِيَةِ سُلَّمِ التَّدَلِى وَمِعِرَاجِ التَّرَقِى فِي تَنَزُّلاَتِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ . مِفْتَاحِ مِغْلاَق الْوُجُودِ مِنْ كَنْزِ الْعَمَاءِ بِالْمَحَبَّةِ الذَّاتِيَةِ. إنْسَانِ الْكَمَالِ فِي الْمَرَاتِبِ الْحَقِّيَةِ وَالْخَلْقِيَةِ . آدَمِ الصُّورَةِ وَعَيْنِ الْمِثَالِ . وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ يَنَابِيعِ الإِمْدَادِ وَصَهَارِيجِ مَعَارِفِ الإِيجَادِ إِلَى الْفُيُوضَاتِ الرَّبَانِيَةِ . خُصُوصاً الْبِضْعَةَ الطَّاهِرَةَ وَالسَّلاَلَةَ الْفَاخِرَةَ الْمَغْمُوسَةَ فِي عَيْنِ ذَاكَ الْجَمَالِ .

 

وَبَعْدُ:  فَيَقُولُ نِبْرَاسُنَا الظَّاهِرُ وَقُسُّنَا وَنِسْطَاسُنَا الْمَاهِرُ مُنَوَّرُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وِجْهَةُ الْعُبُودِيَّةِ مِيزَابُ الْحَقَائِقِ كَشَّافُ الدَّقَائِقِ مُوَضِّحُ الْخَفِيِّ مُزِيلُ الإِشْكَالِ . ذُو النَّسَبِ الصَّرِيحِ وَالْعَقْلِ الرَّجِيحِ وَالنُّظْقِ الْفَصِيحِ وَالصَّدْرِ الْفَسِيحِ وَقَّاعُ الأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَةِ وَالْحَقِّيَةِ مَنْ مَوَدَّتُهُ إِيمَانٌ، وَبُغْضُهُ خُسْرَانٌ كَمَا وَرَدَ فِي الأَخْبَارِ بِلاَ إِشْكَالٍ . مُظْهِرُ مَعَارِفِ الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَةِ.

 

نَاشِرِ مَطْوِي الطَّرِيقَةِ التِّجَانِيَةِ بِاذِلِ جَهْدِهِ فِيهَا بِالْكُلِّيَةِ. وَارِدُ عَذْبِهَا . شَارِبُ صَافِي فِيْضِهَا . الْمُسْتَسْقِي مِنْ رَحِيقِهَا الْمَخْتُومِ وَسَلْسَبِيلِهَا الزُّلاَلِ * مُرَبِّي الْمُرِيدِينَ رَافِعُ هِمَّةِ السَّالِكِينَ مُنَوِّرُ بَصَائِرِ الْمُشَاهِدِينَ مُوَصِّلِ أَرْوَاحِ الْمُقَرَّبِينَ إِلَى الْحَضَارَاتِ الْعَلَّيَةِ وِجْهَةُ الْحَقِّ طَرِيقُ الْعُبُودَةِ صِرَاطُ النَّجَاةِ مِيزَانُ الْحَقِّ عَيْنُ الْوُصْلَةِ إِلَى اللهِ . حَبْلُ الإِتِّصَالِ سَيِّدِنُا السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُخْتَارِ الْمُخْتَارُ عَنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنَ الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ الْمُلاَمِتِىُّ الأَكْبَرُ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ عَنِ الأَدْنَاسِ وَالأَرْجَاسِ فِي الْقِدَمِ وَالآزَالِ سَابِكُ مِيلاَدِ الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فِي تَنْزِلاَتِهَا مَعَ مَوْلِدِ النُورِ الشَّرْيِعَةِ فِي أَطْوَارِهِ الْبَشَرِيَةِ فَمَا أَبْهَى سَبْكَهُ مَعَ صِحَّةِ مَعَانِيهِ وَجَزَالَةِ مَبَانِيهِ وَمَا أَلَذَّ سَمَاعَهُ فِللَّهِ دَرُّهُ حَيْثُ قَالَ:

 

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المولد النبوي

 

أَسْتَفْتِحُ بَابَ الْكَرَمِ وَالْجُودِ بِأَعْظَمِ أَسْمَاءِ الذَّاتِ الْعَلِيَةِ، وَأَسْتَعِينُ بِقُوَّةِ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ الْعَزِيزِ الْمُتَعَالِ، وَأَبْذُلُ وُسْعِى فِي حَمْدِ مَنْ وَفَّقَنِى عَلَى نَظْمِ هَذِهِ الدُّرَرِ السَّنِيَةِ، شَاكِراً لأَنْعُمِهِ مِنْ حَيْثُ لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْهِ، هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ بِنُعُوثِ الْكَمَالِ، مُهْدِياً أَكْمَلَ الصَّلَوَاتِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمَاتِ عَلَى قِبْلَةِ التَّجَلِّيَاتِ الذَّاتِيَةِ، مُتَرَضِّياً عَلَى أَرْبَابِ جَمْعِيَّتِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْبَنِينَ وَالزَّوْجَاتِ وَالآلِ، مُسْتَمْطِراً  أَيَادِيَ الْكَرَمِ وَالْجُودِ مِنْ فَيْضِ الرَّحَمَاتِ الإِلَهِيَةِ . مُهْتَدِياً بِسُرُجِ عِنَايَتِهَا إِلَى الْتِقَاطِ دُرَرِ تُنْظَمُ فِي مَوَلْدِ إِنْسَانِ الْكَمَالِ، رَاجِياً إِدْرَاجِى فِيمَنْ تَوَّجُوا أَلْفَاظَهُمْ بِنَسْجِ حُلَلِ هَاتِيكَ الْمَحَاسِنِ الصِّفَاتِيَةِ، مُسْتَمِداً مِنْ فَيْضِ قُطْبِ الْوِرَاثَةِ سَيِّدِي أَحْمَدَ التَّجِانِي تَاجِ أَهْلِ الْكَمَالِ، بَادِياً بِذِكْرِ تَجَلِّي الظُّهُورِ مِنْ كَنْزِ عَمَاءِ الْخَفَاءِ لِلأَعْيَانِ الْعِرْفَانِيَةِ.  قَائِلاً لَمَّا أَرَادَ اللهُ إِظْهَارَ نُورِ الْوُجُودِ تَجَلَى بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَلاَبِسِ الْجَلاَلِ وَالْجَمَالِ، فَظَهَرَتْ أَحَدِيَةُ الْحَقِّ بِوُحْدَةِ الْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَةِ، فَتَعَيَّنَ النُّورُ الأَوَّلُ مُتَطَوِّراً بِمَظَاهِرِ الأَعَيَانِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ .

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

 

فَمِنْ مَظَاهِرِ ذَلِكَ النُّورِ رُوحَانِيَةُ الْهَبَاءِ الْمُتَحَقِّقَةُ بِالْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَةِ، التِي ظَهَرَ مِنْهَا الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ وَاللَّوْحُ وَقَلَمُ التَّفْصِيلِ وَالإِجْمَالِ، فَانْهَارَ هَيُولِي الْعَالَمِ عَلَى حَسَبِ ظُهُورَاتِ الأَعْيَانِ  العِلْمِيَةِ، فَبَدَتِ الْجَوَاهِرُ مَمْدُودَةً بِأَعْرَاضِهَا الْحِسِّيَةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ فِي الْحَالِ، وَأَنْبَثَّتْ هَيُولِيَ الْبَسَائِطِ وَتَرَكَّبَتْ مِنْهَا الأَجْسَامُ الْفَلَكِيَّةُ، ثُمَّ دَارَتْ بِيَدِ الْقُدْرَةِ مُتَفَاوِتَةً فِي الْعِظَمِ عَلَى حَسَبِ حِكْمَةِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، فَلَمْ تَزَلْ تَدُورُ بِمَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَدُورَ بِهِ مِنَ الْعَوَالِمِ الرُّوحَانِيَةِ وَالْجِسْمَانِيَةِ، وَحَسْبُكَ قَوْلُهُ تَعَالَى “وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ” فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي هَذَا الْمَجَالِ، وَلَمَّا دَارَتْ أَفْلاَكُ السَّيَّارَةِ مُنَوَّرَةً بِأَنْوَارِهَا  الشَّمْسِيَةِ، مُقَسِّمَةً للزَّمَانِ بَيْنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مُتَوَالِجَيْنِ بِحِكْمَةِ ذِي الْجَلاَلِ، نُتِجَ مِنْ تَوَالُجِهِمَا بِسَيْرِ السَّيَّارَةِ عَنَاصِرُ الْمُوَلَّدَاتِ الْجِسْمِيةِ، فَحَلَقَ اللهُ بِيَدِهِ الْمُنَزَّهَةِ ذَاتَ صَفِيَّهِ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ مِنْ صَلْصَالٍ، ظَاهِرَةً عَلَى صُورَةِ الْهَيْبَةِ الإِلَهِيَةِ الرَّحْمُوتِيَةِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ كَرَامَةً لِحَبِيبِهِ الْمُتَوَّجِ بِالْقَبُولِ وَالإِجْلاَلِ، فَقَامَ بَشَراً سَوِّياً مَحْفُوفاً بِتِلْكَ الأَنْوَارِ الْجَمَالِيَّةِ، فَجَعَلَ صُلْبَهُ مَقَراً للذُّرِّةِ الْيَتِيمَةِ الْمُتَطَوِّرَةِ بِظُهُورِ صُوَرِ الأَشْكَالِ، فَاصْطَفَّتِ الْمَلاَئِكَةُ وَرَاءَهُ لِشُهُودِ هَاتِيكَ الأَنْوَارِ الْقُدْسِيَّةِ، فَطَلَبَ مِنَ اللهِ أَنْ يُنَوِّرَ بِهَا جَبْهَتَهُ لِتَكُونَ الْمَلاَئِكَةُ لَهُ فِي اسْتِقْبَالٍ، فَنَقَلَهَا فَتَحَوَّلَتِ الْمَلاَئِكَةُ لِتَحَوِّلِ تِلْكَ الطَّلْعَةِ النُّورِيَةِ، فَأَمَرَهُمُ الْحَقُّ بِالسُّجُودِ لَهُ لِسِرٍّ قَصُرَ الْعَقْلُ عَنْهُ وَصَارَ فِي عِقَالٍ، ثُمَّ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِهِ لِسِرِّ تَطَوُّرِ نُورِ الْوُجُودِ فِي أَرْحَامِ الْبَشَرِيَّةِ، فَزَوَّجَهُ اللهُ بِهَا لِيَكُونَ تَنْقُّلُ تِلْكَ الدُّرَّةِ فِي نِكَاحٍ مِنْ حَلاَلٍ، وَكَانَ مَهْرَهَا الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِيغَةً مَرْضِيَةً، فَدَنَا مِنْهَا فَانْتَشَرَتْ بِيْنَهُمَا الذُّرِّيَةُ مِنْ نِسَاءٍ وَرِجَالٍ، وَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الدُّرَّةُ مُنْتَقِلَةً فِي الأَصْلاَبِ الطَّاهِرَةِ وَالأَرْحَامِ الزَّكِيَةِ، إِلَى أَنْ انْتَهَتْ إِلَى صُلْبِ الذَّبِيحِ عَبْدِ اللهِ سَيِّدِ بَنِى هَاشِمٍ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ .

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

فَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مُحَمَّدٌ ) بْنُ عَبْدِ اللهِ الذَّبِيحِ الثَّانِي بَعْدَ الْحَضْرَةِ الإِسْمَاعِيلِيَةِ، ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الذِي فَدَا عَبْدَ اللهِ بِمِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ فَصَارَتْ دِيَّةً فِي الإِسْتِقْبَالِ،  ابْنِ هَاشِمٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِهَشْمِهِ الثَّرِيدَ للْوُفُودِ الأَبْطَحِيَّةِ، ابْنِ عَبْدِ مَنَافٍ بْنِ قُصَيٍّ الذِي رَدَّ اللهُ إِلَيْهِ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ مِنْ غَيْرِ نَكَالٍ، ابْنِ كِلاَبٍ ابْنِ مُرَّةَ صَاحِبِ الْخِصَالِ الأَرْيَحِيَّةِ، ابْنِ كَعْبٍ بْنِ لُؤَيٍّ بِنْ غَالِبٍ ذِي الْمَحَاسِنِ فِي سَائِرِ الْخِلاَلِ، ابْنِ فِهْرٍ وَهُوَ الذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ سَدَنَةُ الْعِصَابَةِ الْقُرَشِيَةِ، ابْنِ مَالِكٍ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ وَهُوَ صَاحِبُ الإِصْطِفَاءِ وَالْجَمَالِ، ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ الْمَدْرُوكِ قَدْرُهُ عِنْدَ الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ، ابْنِ إِلْيَاسَ وَهُوَ الذِي سَنَّ هَدْيَ النَّعَمِ للْبَيْتِ وَالْحَرَمِ وَأَعْلَنَ النَّبِيُّ فِي صُلْبِهِ بِتَسْبِيحِ ذِي الْجَلاَلِ، ابْنِ مُضَرَ بِنْ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍ بْنِ عَدْنَانَ، وَهُوَ الذِي انْتَهَتْ إِلَيْهِ صِحَّةُ النَّسَبِ الْمَرْوِيَةِ، وَمَا فَوْقَهُ مِنْ رَفْعِ النَّسَبِ امْسَكَتْ عَنْهُ يَدُ السُّنَّةِ أَلْسِنَةِ الْمَقَالَ .

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

ثُمَّ أَكْرَمَ اللهُ بِتِلْكَ الدُّرَّةِ الْمَصُونَةِ صَدَفَةَ السَّيِّدَةِ الْجَلِيلَةِ آمِنَةَ الزُّهْرِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ عَبْدُ اللهِ بِهَا لِسَرٍّ لَوْ شَرَحْنَاهُ لَطَالَ، فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبَ الأَصَبِّ فَصُبَّتْ عَلَيْهَا الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَةِ .

فَبَنَى  عَبْدُ اللهِ بِعَرُوسِهِ فَلَمَّا حَظِيَتْ بِقُرْبِهِ وَأُنْسِهِ انْتَقَلَتْ إِلَى رَحِمِهَا دُرَّةُ الْكَمَالِ، فَظَهَرَ لِحَمْلِهَا بِهِ فِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَالرِّحَابِ الْعَرْشِيَةِ مِنَ الْعَجَائِبِ مَا قَصُرَتْ عَنْهُ الْعُقُولُ، وَبَعُدَ عَلَيْهَا السَّبْحُ فِي ذَلِكَ الْمَجَالِ، وَدَارَتْ فِي أَرْجَاءِ الْكَوْنِ الأَفْرَاحُ، وَتَبَاشَرَتِ الأَشْبَاحُ وَالأَرْوَاحُ بِبُلُوغِ أَشْرَفِ أُمْنِيَّةٍ، وزُيِّنِتِ الْجِنَانُ وَتَمَايَلَتْ طَرَباً حُورُهَا الْحِسَانُ وَحَمِدْنَ اللهَ بِلِسَانِ الْحَالِ وَالْمَقَالِ، وَنَطَقَتْ بِحَمْلِهِ دَوَابُّ قُرَيْشٍ وَسَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَةِ وَالْبَحْرِيَةِ، وَصَاحَ إِبْلِيسُ لِجُنْدِهِ وَقَالَ لَهُمْ نُكِّسَتِ الأَصْنَامُ وَسُدَّتْ طُرُقُ الضَّلاَلِ، وَبَشَّرَتْ هَوَاتِفُ الْحَقِّ آمِنَةَ بِأَنَّهَا حَمَلَتْ بِسَيِّدِ الْبَرِيَّةِ، وَقَالُوا لَهَا سَمِّيهِ ( مُحَمَّداً ) فَإِنَّهُ الْمَحْمُودُ فِي الأَزَلِ وَفِيمَا لاَ يَزَالُ ، وَقَالَتْ مَا وَجَدَتُ لِحَمْلِهِ ثِقَلاً إِلاَّ أَنِّي أَنْكَرْتُ تَأَخُّرَ طُهْرِي عَنْ عَادَتِهِ الْوَقْتِيَةِ، وَلَمْ أَزَلْ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرَى رَسُولاً يُبَشِّرُنِي بِأَنَّهُ سَيِّدُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَصَفْوَةُ ذِي الْجَلاَلِ . وَأَعَلَنَتِ الْجِنُّ بِيُمْنِ زَمَنَهِ وَتَعَطَّلَتِ الْكَنَائِسُ بِرَهْبَةِ رُهْبَانِهَا مِنَ الْهَيْبَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَأَخْصَبَتِ الأَرْضُ بَعْدَ جَدْبِهَا وَانْتَعَشَتِ الْحَيَوَانَاتُ بَعْدَ الْهُزَالِ . وَبَعْدَ شَهْرَيْنِ مِنْ حَمْلِهِ تُوَفِّيَ أَبُوهُ عَبْدُ اللهِ بِدَارِ الْهِجْرَةِ الْمَحْمِيَةِ عِنْدَ أَخْوَالِهِ بَنِي عَدِيٍّ بْنِ النَّجَّارِ، وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُهُ عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ .

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

وَبَعْدَ تَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حَمِلِهِ تَهَيَّأَتْ لِمَقْدَمِ مَوْلِدِهِ الْعَوَالِمُ الْعُلْوِيَةُ وَالسُّفْلِيَةُ، فَحَضَرَتْ مَرْيَمُ وَآسِيَةُ وَحُورُ حَظِيرَةِ الْقُدْسِ بِلاَ رَيْبٍ وَلاَ شَكٍّ، فَجَاءَهَا الْمَخَاضُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ السَّنِيَةِ فَوَضَعَتْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْبَدْرِ فِي لَيْلَةِ الْكَمَالِ .

محل الوقوف

 

بُشْرَى لِسَائِرِ الْوُجُودْ        بِوَضْعِ قِبْلَةِ الشُّهُودْ

 

حَقاً عَلَيْنَا يَا وُفُودْ           شُكْرُ الإِلَهِ بِالسُّجُودْ

 

وَالْكَوْنُ صَارَ فِي طَرَبْ       وَقَدْ بَدَا فِيهِ الْعَجَبْ

 

لأَنَّ ذَاكَ قَدْ وَجَبْ            لِمَنْ بِهِ الْعُلاَ يَسُودْ

 

وَمَكَّةُ قَدْ تُجْتَلَى           تُبَاهِيِ سَائِرَ الْمَلاَ

 

وَاهْتَزَّ بَيْتُ ذِي الْعُلاَ     بُشْرَى بِرَحْمَةِ الْوَدُودْ

 

بِوَضْعِهِ السَّامِى السُّعَادْ      قَدْ بَلَّغُوا كُلَّ الْمُرَادْ

 

وَزُيِّنَتْ كُلُّ الْبِلاَدْ       بَلْ أَشْرَقَتْ ذَاتُ الْوُجُودْ

 

وَالْكَوْنُ صَارَ فِي حُبُورْ       وَتَوَّجَ الدِّينَ السُّرُورْ

 

واَلْقَفْرُ قَدْ سَامَى الْبُدُورْ      تِيهاً عَلَى سَعْدِ السُّعُودْ

 

وَلِرَبِيعِ الأَفْخَرِ                    فَضْلٌ يُرَى بِالْبَصَرِ

 

انْظُرْ جَمَالَ الزَّهْرِ      وَمَا سَرَى لِكُلِّ عُــــــــودْ

 

تَلَقْاهُ عَيْنُ الرَّحْمَةِ      وَالآيَةِ الْكُبْرَى التِي

 

تَنَزَّلَتْ بِالْبِعْثَةِ     للْعَارِفِينَ فِي شُهُودْ

 

وَقَدْ بَدَا وَاسْتَظْهَرَا     فَرْداً مِنْ أَفْرَادِ الْوَرَى

 

وَحَلَّ فِي أُمِّ الْقُرَى      قِبْلَةِ وِجْهَةِ السُّجُودِ

 

وَمَعَ ذَاكَ لَمْ يَزَلْ      فِي غَيْبِهِ حِينَ نَزَلْ

 

وَرَبُّهُ عَزَّ وَجَلْ      جَعَلَهُ عَيْنَ الْوُجُودْ

 

وَكُلٌّ سَامِي الْمَشْهَدِ           رَآهُ عَيْنَ الْمَقْصِدِ

 

وَهُوَ حِجَابُ الصَّمَدِ           مُنَزَّهٌ عَيْنَ الْقُيُودْ

 

وَحَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ            عِنَايَةٌ مِنْهُ بَدَتْ

 

وَبَيْعَةٌ لَهُ غَدَتْ         بَيْعَةُ رَبِّنَا الْوَدُودْ

 

صَلَّى عَلَيْهِ مَنْ ظَهَرْ      بِكُلِّ شَيْءٍ وَأَمَرْ

 

بِهَا دَوَاماً الْبَشَرْ      كَذَا الْمَلاَئِكُ الْجُنُودْ

 

محل الجلوس

 

أًزْكَى الصَّلاَةِ مَعَ السَّلاَمِ الأَطْهَرِ 

                      يَغْشَى غَيَّاثَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْمَحْشَرِ

 

ضَاءَ الْوُجُودُ بِوَضْعِ طَهَ الأَنْوَرِ 

           الْهَاشِمِّيِ الأَرْيَحِيِّ الأَزْهَرِ 

طُوبَى لِمَنْ سَنُّوا الْقِيَامِ لِوَضْعِهِ 

                                   يَا فَوْزَهُمْ يَا فَوْزَهُمْ فِي الْمَحْشَرِ  

فَالرُّسْلُ وَالأَمْلاَكُ قَامُوا حُرْمَةً 

                    لِجَلاَلِ أَحْمَدَ ذِي اللِّوَا وَالْكَوْثَرِ 

وَالْكَوْنُ يَهْتِفُ بِالسُّرُورِ مُرَحِّباً 

                       يَا مَرْحَباً يَا مَرْحَباً بِالأَفْخَرِ 

وَاسْتَنْشَقَتْ رَيّاً شَذَا مِيلاَدِهِ 

                       أَهْلُ السَّمَا وَالأَرْضِ أَضْوَعَ مَعْطِرِ 

وَتَزَاحَمَتْ أَرْوَاحُ أَرْجَاءِ الْعُلاَ 

                     تَبَاشَرَتْ وَتَسَابَقَتْ للْمَحْضَرِ 

وَكَذَاكَ أَفْلاَكُ الْعَنَاصِرِ فَاخَرَتْ 

                       بِوُضُوعِ مَنْ أَعْلاَ مَقَامَ الْعُنْصُرِ 

وَالدِّينُ يَرْفُلُ فِي مَلاَبِسِ حُسْنِهِ 

                    وَالنَّصْرُ يَخْدِمُ عِزَّهُ فِي الأَعْصُرِ 

اللهُ عَظَّمَ قَدْرَ هَذَا الْمَوْلِدِ 

                      بَلْ قَدْرَ مَنْ يَشْدُو وَقَدْرُ الْحُضَّرِ 

لِمُحَمَّدٍ دَانَ الْوُجُودُ بِأَسْرِهِ 

                وَهُوَ التَّعَيُّنِ بِالظُّهُورِ الأَكْبَرِ 

بَلْ قِبْلَةُ التَّوْحِيدِ فِي مِحْرَابِهَا 

                                             فَرْدٌ تَعَيُّنَ فِي شُهُودِ الْمُبْصِرِ  

وَهُوَ الذِي وَهُوَ الذِي وَهُوَ الذِي 

            فَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ وَزِدْ وَاسْتَكْثِرِ 

هَذَا الذِي حَقاً لَهُ الْفَخْرُ انْتَمَى 

           لَوْلاَهُ مَا كَانَ الْوُجُودُ بِمُظْهَرِ 

ثُمَّ الصَّلاَةُ مَعَ السَّلاَمِ الأَطْهَرِ 

              يَغْشَى غِيَّاثَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْمَحْشَرِ 

 

فَأَتَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُوراً لَيْسَ كَمَثْلِهِ شَيْءٌ مِنَ الأَنْوَارِ الْخَلْقِيَّةِ، وَاضِعاً يَدَيْهِ رَافِعاً رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ بِسَكِينَةٍ وَابْتِهَالٍ . ثُمَّ عَطَسَ وَشَمَّتَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ النُّورَانِيَةُ، وَوُضِعَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْتُوناً مَقْطُوعَ السِّرِّي مَكْحُولاً مِنْ غَيْرِ اكْتِحَالٍ، وَظَهَرَ عِنْدَ وِلاَدَتِهِ مِنَ الإِرْهَاصَاتِ الْغَيْبِيَةِ مَا مُلِئَتْ مِنْهُ الدَّفَاتِرُ وَكَلَّتْ عَنْ حَصْرِهِ أَلْسُنُ الْمَقَالِ،وَابْتَهَجَتِ الْعَوَالِمُ وَنُشِرَتِ الْمَعَالِمُ وَدَارَتْ كُؤُوسُ الْهَنَاءِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً ، وَانْتَشَرَ النُّورُ وَدَامَ الأُنْسُ وَالسُّرُورُ عَلَى بِسَاطِ الدَّلاَلِ، وَخَطَبَ خَطِيبُ الْفَلاَحِ عَلَى مَنَابِرِ الصَّلاَحِ هَنِيئاً لِمَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ سَيِّدِ الأُمَّةِ الْخَيْرِيَةِ،  وَالْكُفْرُ قَدْ قُصِمَ ظَهْرَهُ وَدَامَ ذُلُّهُ وَقَهْرُهُ وَأَصْبَحَ فِي أَشَدِّ نَكَالٍ، وَزَارَتْهُ طُيُورُ الْمَلَكُوتِ حَتَّى غَطَّتْ بَابَ حُجْرَةِ أُمِّهِ بِأَجْنِحَتِهَا وَمَنَاقِيرِهَا الدُّرِّيَةِ . وَمُدَّ دِيبَاجٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَاصْطَفَّتْ حَوْلَهُ الْمَلاَئِكَةُ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَسُمِعَ قَائِلٌ يَقُولُ خُذُوهُ وَاحْجُبُوهُ عَنْ إِدْرَاكِ الأَعْيُنِ الْحِسِّيَةِ . وَبَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ أَيْنَ ذَهَبْتُمْ بِهِ فَقَالَ إِلَى مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا أَسْرَعَ مِنْ خَطْرَةِ بَالٍ . وَحُفِظَتِ السَّمَاءِ مِنْ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ وَنَزَلَتْ إِلَيْهِ سُرُجُهَا الْكَوْكَبِيَةِ .وَانْصَدَعَ إِيوَانُ كِسْرَى وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً فِي الْحَالِ . وَخَمَدَتْ نَارُ الْفُرْسِ وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ طَبَرِيَةَ . وَفَاضَ وَادِي سَمَاوَةَ بِالْمِيَاهِ الْعَذْبَةِ وَسَالَ .

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

وَخَرَجَ مَعَهُ نُورٌ أَضَاءَ مِنْهُ الأُفُقَ حَتَّى رَأَتْ أَهْلُ الْبَطْحَاءِ الْقُصُورَ الشَّامِيَةَ  وَالْقَيْصَرِيَةَ . وَاسْتَدْعَتْ أُمُّهُ جَدَّهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ مِنَ الطَّوَافِ فَحَضَرَ بِاسْتِعْجَالٍ وَوَجَدَ رَجُلاً بِالْبَابِ فَقَالَ لَهُ قَفْ حَتَّى تَتِمَّ زِيَارَةُ الْمَلاَئِكَةِ النُّورَانِيَةِ وَبَعْدَ حِينٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ سَرَّهُ وَبَلَغَ بِهِ مُنْتَهَى الآمَالِ، ثُمَّ أَخَذَهُ وَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ وَقَامَ دَاعِياً بِالدَّعَوَاتِ الْخَيْرِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا بِمُنَادٍ مِنْ حَضْرَةِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، قَائِلاً مَعَاشِرَ الْخَلاَئِقِ هَذَا صَفِيِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ صَفْوَةُ الْبَرِيَةِ ، طُوبَى لِثَدْيٍ أَرْضَعَهُ وَلِعَبْدٍ كَفَلَهُ بِاحْتِرَامٍ وَإِجْلاَلٍ ، فَتَزَاحَمَتْ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ السُّحُبُ وَالطُّيُورُ وَالْمَلاَئِكَةُ الرُّوحَانِيَةُ ، وَطَلَبَ كُلٌّ كَفَالَتَهُ وَرَضَاعَهُ حَتَّى يُجَاوِزَ سِنَّ الأَطْفَالِ . ثُمَّ فَازَ بِرَضَاعِهِ وَكَفَالَتِهِ الأَشْخَاصُ الإِنْسِيَّةُ ، فَظَهَرَتْ مَزِيَّةُ بَنِي آدَمَ كَمَا ظَهَرَتْ بِظُهُورِهِمْ عَلَى شَكْلِهِ فِي الْمِثَالِ .

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

ثُمَّ بَعْدَ أَنْ أَرْضَعَتْهُ أُمُّهُ أَرْضَعَتْهُ ثُوَّيْبَةُ الأَسَلِمِيَّةُ التِي أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ حِينَ بَشَّرَتْهُ بِهِ قَبْلَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، ثُمَّ سَاقَتْ يَدُ الْيُمْنِ وَالسَّعْدِ إِلَيْهِ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَةَ ،فَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهِ فَتَبَسَّمَ وَصَعِدَ مِنْهُ نُورٌ شَقَّ أَرْجَاءَ السَّمَاءِ فِي الْحَالِ ، فَرَفَعَتْهُ وَنَاوَلَتْهُ ثَدْيَهَا الأَيْمَنَ وَقَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يُغَذِّي إِبْنَهَا بِالْكُلِّيِّةِ  فَدَرَّ فِي الْحَالِ، فَأَرْوَاهُ ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إِلَى ثَدْيِهَا الشِّمَالِ فَأَعَرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ لأَخِيهِ عَدْلاً وَإِنْصَافاً مِنْ نَشْأَتِهِ الرَّحْمُوتِيَةِ . وَكَانَ مَعَهَا زَوْجُهَا وَمَعَهُمَا شَاةٌ لاَ تَبِضُّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ مِنْ شِدَّةِ الْجَهْدِ وَالْهُزَالِ، فَحَلَبُوهَا فَارَوَتْهُمْ وَذَلِكَ مِنْ إِرْهَاصَاتِهِ الْجَلِيَّةِ، فَرَجَعَتْ بِهِ إِلَى أَهْلِهَا بِغِبْطَةٍ وَسُرُورٍ وَاحْتِفَالٍ. وَأَذِنَ اللهُ لِلأَرْضِ أَنْ تَنْشُرَ بَرَكَتَهَا فَصَارُوا فِي عِيشَةٍ مَرْضِيَةٍ ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْعَامُ عَامُ الْفَتْحِ وَصَحَّتْ فِيهِ الأَبْدَانِ وَنَمَتِ الأَمْوَالُ . ثُمَّ خَرَجَ مَعَ أَخِيهِ سَعْياً إِلَى الْفَيَافِى بِقَصْدِ الرَّعِيَّةِ ، فَأَتَتْهُ الِمَلاَئِكَةُ فَشَقَّ جِبْرِيلُ صَدْرَهُ بِحِكْمَةِ ذِي الْجَلاَلِ، وَشَقَّ قَلْبَهُ فَأَخْرَجَ مِنْهُ حَظَّ الشَّيْطَانِ عَلَقَةً دَمَوَيِّةً ، ثُمَّ غَسَلَهُ بِالثَّلْجِ وَمَلأَهُ حِكْمَةً وَبِخَاتَمِ النُّبُوَةِ خَتَمَهُ عَلَى الْكَمَالِ . فَأَتَى حَلَيمَةَ ابْنُهَا فَأَخْبَرَهَا فَأَخَذَتْهَا شَفَقَةً قَوِيَةً ، فَطَلَبَتْهُ هِيَ وَزَوْجُهَا فَوَجَدَاهُ فَقَصَّ عَلَيْهِمَا قِصَّتَهُ بِفَصِيحِ الْمَقَالِ ، فَرَجَعَتْ بِهِ إِلَى أُمِّهِ مَخَافَةَ أَنْ يُصَابَ لَدَيْهَا بِحَادِثَةٍ سَمَاوٍيَةٍ . وَبَعْدَ يَسِيرٍ مِنَ الزَّمَنَ انْتَقَلَتْ أُمُّهُ إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ وَالإِفْضَالِ. ثُمَّ كَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلَبِ وَحَدَبَ عَلَيْهِ حَدْبَةً قَوِيَّةً ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ كَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ وَقَدَّمَهُ  فِي الْمَحَبَّةِ عَلَى سَائِرِ الأَهْلِ وَالْعِيَالِ .

 

 

 اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

ثُمَّ لَمَّا مَضَى خَمْسٌ وَعَشْرُونَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ سَافَرَ إِلَى الدِّيَارِ الشَّامِيَّةِ ، فِي تِجَارَةٍ لِخَدِيجَةَ وَمَعَهُ غُلاَمُهَا مَيْسَرَةُ لِبُدُوِّ سَعْدِهَا قَبْلَ نُمُوِ الأَمْوَالِ ، فَرَأَى مَيْسَرَةُ مَلَكَيْنِ يُظِلاَّنِهِ مِنْ حَرِّ الظَّهِيرَةِ الشَّمْسِيَةِ، وَرَأَتْ خَدِيجَةُ ذَلِكَ مَعَ نِسْوَةٍ عِنْدَ قُدُومِهِ وَقَتَ الاِسْتِقْبَالِ، فَخَطَبَتْهُ لِنَفْسِهَا لِتَنَالَ بِهِ السَّعَادَةَ الأَبَدِيَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعَمِّهِ فَزَوَّجَهُ بِهَا بَعْدَ خُطْبَةٍ جَمَعَتْ أَسْنَى الْمَفَاخِرِ وَالْخِصَالِ . ثُمُّ بَنَتْ قُرَيْشُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ لِهَدْمِهِ بِالْمِيَاهِ الأَبْطَحِيَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ الْحَجَرِ وَوَضْعِهِ بِمَحَلِّهِ وَكَثُرَ الْقِيلُ وَالْقَالُ ، ثُمَّ تَرَاضَوْا بِحُكْمِ أَوَّلِ دَاخِلٍ مِنْ بَابِ بَنِى شَيْبَةَ فَجْأَةً بَغْتِيَّةً ، فَأَصْلَحَ اللهُ أَحْوَالَهُمْ بِأَنْ جَعَلَ حَبِيبَهُ أَوَّلَ دَاخِلٍ فِي الْحَالِ، فَقَالُوا هَذَا الأَمِينُ وَكُلُّنَا يَقْبَلُ وَيَرْضَى بِحُكْمِهِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَةِ ، فَوَضَعَ الْحَجَرَ فِي ثَوْبٍ وَأَمَرَهُمْ بِرَفْعِهِ بِدُونِ خُصُوصِيَّةٍ لأَحَدٍ وَلاَ اسْتِقْلاَلٍ،  فَلَمَّا أَوْصَلُوهُ إِلَى مَقَرِّهِ أَخَذَهُ بِيَدِهِ وَوَضَعَهُ بِرُكْنِ هَاتِيكَ الْبَنِيَّةِ. فَالْحَجَرُ يَمِينُ اللهِ وَوَضَعَتْهُ يَمِينُ رَسُولِ اللهِ، فَهَنِيئاً لِمَنْ اسْتَلَمَهُ بِحُرْمَةٍ وَإِجْلاَلٍ.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

وَلَمَّا بَلَغَ سَنَّ الأَرْبَعِينَ التِي بِهَا تَمَامُ الْقُوَى الْحِسِيِّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، بَعَثَهُ اللهُ رَسَولاً مُبَشِّراً لأَهْلِ الْخَيْرِ وَنَذِيراً لأَهْلِ الضَّلاَلِ . وَكَانَ بَدْؤُهُ بِالرُّوءْيَا الصَّالِحَةِ الظَّاهِرَةِ مِثْلَ فَلَقِ الأَنْوَارِ الصُّبْحِيَةِ ، وَذَلِكَ لِسِرِّ اسْتِعْدَادِهِ وَتَطَوِّرِهِ قَبْلَ عَالَمِ الْحِسِّ فِي عَالَمِ الْخَيَالِ ، فَحُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَتَعَبَّدَ فِي حِرَاءِ مَحْرَى نُزُولِ الأَنْوَارِ الْقُدْسِيَّةِ . وَفِي سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ جَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ لَهُ اقْرَأْ بِهَيْبَةٍ وَإِجْلاَلٍ، فَقَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّهُ[2] حَتَّى أَجْهَدَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِمَكَانَتِهِ الْعَلِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ اقْرَأْ  فَقَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، وَلَمْ يَزَلْ مُتَرَدِّداً مِنْ تَفْصِيلِهِ إِلَى الإِجْمَالِ ، ثُمَّ قَالُ لَهُ اقْرَأْ فَقَالَ مَا أَنَّا بِقَارِئٍ، فَغَطَّهُ غَطَّةً ثَالِثَةً وَهُوَ مَحْتِدُ الْعَقْلِ الأَوَّلِ مِنَ الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ . وَفَتَرَ الْوَحِيُ سِنِينَ عَدَدَ الْغَطَّاتِ ثُمَّ نَزَلَتْ “يَا أَيُّهَا الْمُدَثِّرْ” بَعْدَ إِمْهَالٍ . ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحِيُ فَآمَنَ مِنَ الرِّجَالِ الصِّدِيقُ لاِغْتِنَامِ السَّبْقِيَةِ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ بَابُ مُدِينَةِ الْعِلْمِ فِي الْحَالِ وَالْقَالِ، وَمِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ السَّابِقَةُ لِتَلَقِّى الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيِّةِ ، وَسِتَّةٌ مِنْ بَاقِي الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ وَزِيْدُ ابْنُ حَارِثَةَ، وُمؤُذِّنُ رَسُولِ اللهِ بِلاَلُ .

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

وَلَمَّا أَرَادَ اللهُ إِظْهَارَ شَرَفِهِ بِآيَاتِ الإِسْرَاءِ التِي هِيَ وَرَاءَ أَطْوَارِ الْعُقُولِ الْخَلْقِيَّةِ ، تَجَلَّى بِأَحَدِيَّةِ جَمْعِ الْجَمْعِ وَهِيَ طَمْسُ النُّعُوتِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا فِي سُبْحَاتِ الْجَلاَلِ ، فَتَعَيَّنَتِ الْحَقِيقَةُ الأَحْمَدِيَّةُ فِي مَقَامِ قُرْبِ أَوْ أَدْنَى بِمَحْوِ الْغَيْرِيَّةِ، وَتَطَوَّرَتِ الْبَشَرِيَةُ فِي مَقَامِ قَابَ قَوْسَيْ الْحَقِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ. وَمِنْ ظَاهِرِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ أُهْبَطَ جِبْرِيلُ وَبَاقِي الْمُقَرَّبِينَ بِبُرَاقٍ مِنَ الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَةِ ، فَأَسْرُوا بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَي فِي زَمَانٍ لاَ يَقْبَلُ التَّقْسِيمَ بِحَالٍ ، وَأَمَّ هُنَاكَ الأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ وَالْمَلاَئِكَةَ الرُّوحَانِيَةَ . ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَلَقِيَ ( آدَمَ ) فِي الأُولَى مُتَوَّجاً بِالْوَقَارِ وَالْكَمَالِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ ابْنَيْ الْخَالَةِ ( يَحْيَى وَعِيسَى ) اللَّذَيْنِ بَيْنَهُمَا مُشَاكَلَةٌ رَبَّانِيَةٌ ، وَفِي الثَّالِثَةِ ( يُوسُفَ ) ابْنَ يَعْقُوبَ صَاحِبَ الصِّدِّيقِيَّةِ وَالْحُسَنِ وَالْجَمَالِ ، وَفِي الرَّابِعَةِ ( إِدْرِيسَ ) الذِي قَالَ اللهُ فِيهِ “وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلَيّاً” آيَةً قُرْآنِيَّةً ، وَفِي الْخَامِسَةِ ( هَارُونَ ) الْمَعْرُوفُ فِي الأُمَّةِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ بِمَحَاسِنِ الأَخْلاَقِ بَيْنَهُمْ وَشَرَفِ الْخِصَالِ،  وَفِي السَّادِسَةِ ( مُوسَى ) الذِي اصْطَفَاهُ اللهِ بِرِسَالاَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ فَكَانَ صَاحِبَ الْفُهُوَانِيَّةِ، وَفِي السَّابَعَةِ ( إِبْرَاهِيمَ ) مُتَّكِئاً عَلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قَائِماً بِكَفَالَةِ الأَطْفَالِ. ثُمَّ رَقَى عَلَى جَنَاحِ جِبْرِيلَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى بَرْزَخِيَّةِ انْتِهَاءِ الْعُلُومِ الْخَلْقِيَةِ ، ثُمَّ تَدَلَّى لَهُ رَفْرَفُ الْجَبَرُوتِ وَزُجَّ بِهِ فِي حُجْبِ الْجَلاَلِ، فَقَطَعَ سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ وَسَبَحَ فِي الأَنْوَارِ اللاَّهُوتِيَّةِ ، فَدَنَا مِنْ رَبِّهِ فَكَانَ قَابَ قََوْسَيْنِ أَوْ أَذْنَى، وَرَآهُ بِعَيْنِ بَصَرِهِ مِنْ غَيْرِ كَيْفٍ وَلاَ مْثَالٍ، وَسَمِعَ كَلاَمَهُ الْقَدِيمَ الْمُنَزَّهَ عَنِ الْحُرُوفِ وَالأَصْوَاتِ وَالْجِهَةِ وَالأَيْنِيَّةِ “مَازَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى” “وَمَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى”، كَانَ اللهُ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ فِي الآزَالِ ، فَتَلَى تَرْجُمَانُ الْمَحَبَّةِ بِلِسَانِ الْعِنَايَةِ . ” وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبَّكَ فَتَرْضَى ” هِبَةً إِلاَهِيَّةً. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الأَكْوَانِ وَدَخَلَ كَرَّةَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَهَبَطَ إِلَى مَكَّةَ كَأَنْ لَمْ يُفَارِقْهَا بِحَالٍ. وَكَانَ تَطَوُّرُهُ فِي قُرْبِهِ وَبَعْدِهُ قَدْرَ لَحْظَةٍ وَقْتِيَةٍ ، وَأَخْبَرَ قُرَيْشاً بِقِصَّةِ إِسْرَائِهِ وَعُرُوجِهِ فَكَذَّبَهُ أَهْلُ الْغِوَايَةِ وَالضَّلاَلِ، وَصَدَّقَهُ الصِّدِّيقُ الأَكْبَرُ فَفَازَ بِمَرْتَبَتَيْ الصُّحْبَةِ وَالصِّدِّيقِيَّةِ وَلِذَا كَانَ سَمِيرُهُ فِي الْحْضَرَةِ وَخَلِيفَتُهُ عَلَى الأُمَّةِ وَضَجِيعَهُ بَعْدَ الإِنْتِقَالِ.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

وَكَانَتْ إِقَامَتُهُ بِمَكَّةَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُبَلِّغُ الرِّسَالَةَ وَيَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْوُفُودِ الْحَرَمِيَّةِ، وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ قَاسَى مَا قَاسَى مِنْ أَذِيَّةِ مُشْرِكِي مَكَّةَ وَالطَّائِفِ حَتَّى خُضِبَتْ رِجْلاَهُ وَنَزَلَ الدَّمُ فِي نَعْلِهِ وَسَالَ . ثُمَّ أَذِنَ اللهُ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِهِ السَّنِيَّةِ، فَتَلَقَّاهُ أَنْصَارُ اللهِ بِالْمَحَبَّةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ بِالْقِتَالِ، فَأَقَامَ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ يُعَضِّدُ الدِّينَ بِالرِّفْقِ وَالْعُنْفِ وَالْغَزْوِ وَالسَّرِيَةِ ، حَتَّى اتَّسَعَ الإِسْلاَمُ وَأَذْعَنَتْ مُلُوكُ فَارِسَ وَالرُّومِ لِهَيْبَتِهِ بِلاَ رَيْبٍ وَلاَ إِشْكَالٍ . ثُمَّ حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَتَلَى فِي الْخُطْبَةِ ” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكَمْ ” يَا مَعْشَرَ الأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَانْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى الرِّفِيقِ الأَعْلاَ الذِي لَمْ يَغِبْ عَنْهُ بَلْ يَتَطَّوَرُ فِيهِ بِحَسَبِ مَظَاهِرِ الْكَمَالِ.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلَ النَّاسِ تَحَقُّقاً وَتَخَلُّقاً بِالأَخْلاَقِ الإِلَهِيَةِ ، فَكَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ ” مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ” . “وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ” مِنْ تَجَلِّيَاتِ الْكَمَالِ . وَمِنْ سِعَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَاوُتُ الأَبْصَارِ وَالْبَصَائِرِ فِي شُهُودِ بَشَرِيَّتِهِ كَمَا انْتَهَتِ الْمَعَارِفُ إِلَى الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ . وَلِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَرَاهُ أَجْمَلَ الْخَلْقِ وَبَعْضُهُمْ يَرَى جَمَالَ الْوُجُودِ مُقْتَبَساً مِنْ ذَاكَ الْجَمَالِ، وَبَعْضٌ يَرَاهُ كَأَنْ لَمْ يَرَهُ وَتَحْجُبَهُ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَتِهِ الأَنْوَارُ الْجَلاَلِيَّةُ. قَالَ للصِّدِّيقِ الأَكْبَرِ ـ مَا عَرَفَنِى غَيْرُ رَبِّي ـ قَطْعاً لأَطْمَاعِ الْعُقُولِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى ذَاكَ الْمَجَالِ . وَكَانَ يُقَابِلُ الْقَوَابِلَ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادَاتِهَا بِحُكْمِ سِرِّ الْقَبْضَتَيْنِ فِي البَرِيِّةِ . ” قَدْ عَلِمِ كُلُّ أُنَاسٍ  مَشْرَبَهُمْ ” سَعَةً إِلاَهِيَّةً بَعُدَتْ عَنِ الْعِبَارَةِ وَالإِشَارَةِ وَالْمَقَالِ ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ـ  أُمِرْتُ أَنْ أُخَاطِبَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ ـ  تَنَزُّلاً وَرَحْمَةً عُمُومِيَّةً . وَمِنْ كَمَالِ سِعَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطَوُّرُ بَشَرِيَّتِهِ بَيْنَ الْخَلْقِ حَتَّى يُوصَفَ وَتُضْرَبَ لَهُ الأَمْثَالَ .

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي شَمَائِلِ خَلْقِهِ وَخُلُقِهِ مِنَ الآثَارِ الْعَلِيَّةِ السَّنِيَّةِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلاً وَأَجْمَلُهُمْ خَلْقاً وَأَحْسَنُهُمْ خُلُقاً وَأَطْوَلَهُمْ يَداً فِي النَّوَالِ ، عَظِيمُ الْهَامَةِ مُعْتَدِلُ الْقَامَةِ مُشْرَبُ[3] اللَّوْنِ بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ ذُو جَبْهَةٍ نُورَانِيَّةٍ ، لَيْسَ بِالْمُطَهَّمِ[4] وَلاَ بِالْمُكَلْثَمِ[5]  كَأَنَّمَا الشَّمْسُ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالَ، أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ أَزَجُّ الْحَاجِبَيْنِ رَجِلُ الشَّعَرِ ذُو وَفْرَةٍ جَمَالِيَّةٍ، طَوِيلُ الْعُنُقِ كَأَنَّهُ جِيدُ دُمْيَةٍ أَوْ كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ فِي الصَّفَاءِ وَالإِعْتِدَالِ. أَشْعَرُ الْمَنْكِبَيْنِ وَاسِعُ الصَّدْرِ لَهُ مَسْرُبَةٌ شَعَرِيَّةٌ ، ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ[6] ، وَبَيْنَ كَثِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ قَدْرَ زِرِّ الْحِجَالِ . سَبْطُ الْعَصَبِ مَنْهُوسُ[7] الْعَقِبِ سَائِلُ الأَطْرَافِ مُفَلَّجُ الأَسْنَانِ الدُّرِّيَّةِ. أَشْنَبُهَا إِذَا ضَحِكَ رُؤِيَ النُّورُ يَخْرُجُ مِنْ ثَنَايَاهُ، وَاسِعُ الْفَمِ فَصِيحُ الْمَقَالِ، وَأُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَمَجْمُوعَ الْحِكَمِ وَعَرَقُهُ كَاللُّؤْلُؤِ وَعَرْفُهُ أَزْكَى مِنَ الرَّوَائِحِ الْمِسْكِيَةِ ، مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ إِذَا مَشَى فِي الصَّخْرِ أَثَّرَ فِيهِ وَلاَ أَثَرَ لَهُمَا فِي الرِّمَالِ، مُجَرَّدٌ عَنْ كَثَافَةِ الْحِسِّ، فَلَيْسَ لَهُ ظِلٌّ فِي الشّمْسِ كَذَلِكَ الذُّبَابُ لاَ يَقَعُ عَلَى ذَاتِهِ النُّورِيَّةِ ، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ وَقَدَّمَهُ عَلَى النَّفْسِ وَالأَهْلِ وَالْمَالِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيدَ الْحَيَاءِ لاَ يُثْبِتُ بَصَرُهُ فِي وَجْهِ أَحَدٍ يُلاَقِى النَّاسَ بِالْبَشَاشَةِ وَحُسْنِ الطَّوِيَةِ ، وَيُكْرِمُ الدَّاخِلَ عَلَيْهِ وَيُؤْثِرُهُ بِالْوِسَادَةِ وَيَقْضِى حَاجَةَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ مِنَ الأَطْفَالِ . وَكَانَ يَقُولُ نَاعِتُهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ فِي جَمِيعِ الْخِصَالِ الْمَرْضِيَّةِ، وَكَيْفَ لاَ وَهُوَ الْمُكَمَّلُ وَبِهِ الْكَمَالُ وَبُعِثَ خَاتِماً وَمُتَمِّماً لِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ فِي جَمِيعِ الْخِصَالِ. وَإِلَى هُنَا انْتَهَتْ بِنَا سَفِينَةُ السَّبْحِ فِي لُجَجِ هَذَا الْبَحْرِ الذِي لاَ سَاحِلَ لَهُ وَلاَ أَيْنِيَةَ، وَقَصُرَتْ بِنَا خُطَا الْمَقَالِ فِي مَيْدَانِ هَذَا الْمَجَالِ الذِي وَقَفَتْ دُونَهُ عُقُولُ فُحُولِ الرِّجَالِ .

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَحْمَدُكَ حَمْداً يَلِيقُ بِجَلاِلِ مَجْدِكَ وَبِعَظِيمِ عِزَّتِكَ الْقَيُّومِيَّةِ ، بَاذِلِينَ مِنَ الشُّكْرِ مَا يُوَافِى أَيَادِيَ مِنَنِكَ التِي مِنْ أَعْظَمِهَا نَسْجُ مَوْلِدِ إِنْسَانِ الْكَمَالِ ، وَنُصَلِّى وَنُسَلِّمُ عَلَى ( سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ) الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ الْمَظَاهِرِ الْوُجُودِيَّةِ ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا وَهُوَ الرَّحْمَةُ الْعُمُومِيَّةُ لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مِنْ غَيْرِ انْفِصَالٍ ، نَاصِرِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ وَفِي قَوْلِكَ ” وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ” إِشَارَةٌ جَلِيَّةٌ ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ وَهُوَ صِرَاطُكَ الْمُسْتَقِيمُ وَعَلَى صَحَابَتِهِ وَالآلِ ، حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ الذِي لأَجْلِهِ قَرَنْتَ اسْمَهُ مَعَ اسْمِ ذَاتِكَ الْعَلِيَّةِ .

اللَّهُمَّ إِنَّا نَتَوَجَّهُ إِلَيْكْ بِنُورِ وَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَبِاسْمِكَ الْكَبِيرِ الأَعْظَمِ الذِي فَتَحْتَ بِهِ عَلَى كُمَّلِ الرِّجَالِ . وَبِكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ كُلِّهَا وَصِفَاتِ ذَاتِكَ الْعَظِيمَةِ وَآيَاتِكَ الْقُرْآنِيَّةِ ، وَنَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِحُرْمَةِ ( سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ) وَبِسِرِّهِ وَبِبَرَكَتِهِ وَبِجَاهِهِ عِنْدَكَ يَا كَبِيرُ يَا مُتَعَالٍ . وَبِشَرِيعَتِهِ وَبِحَقِيقَتِهِ وَبِعِرْفَانِهِ وِبِقُرْآنِهِ الآيَاتِ الْجَلِيَّةِ ، وَبِعُبُودِيَّتِهِ وَوِلاَيَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ التِي انْزَاحَتْ بِهَا ظُلُمَاتُ دُجَى الضَّلاَلِ ، وَبِكَمَالِ إِنْسَانِ بَشَرِيَّتِهِ وَبِبُطُونِ غَيْبِ أَحْمَدِيَّتِهِ وَبِجَمَالِ ظُهُورِ حَقِيقَتِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ،وَبِآلِهِ وَصَحَابَتِهِ وَبِقُطْبِ وِرَاثَتِهِ وَخَتْمِ وِلاَيَتِهِ مِيزَابِ رَحَمَاتِكَ مِنْ يَدِ الإِفْضَالِ ، أَنْ تُغَطِّيَ أَوْصَافَ نَقْصِنَا بِسِتْرِ كَمَالاَتِكَ الرَّحْمُوتِيَّةِ . وَأَنْ تَدُلَّنَا بِكَ عَلَيْكَ دَلاَلَةً تَحْفَظُنَا بِهَا مِنَ الزَّيْغِ وَالضَّلاَلِ ، وَأَنْ تَجْذِبَنَا بِكَ إِلَيْكَ عَنَّا حَتَّى لاَ نَشْهَدَ إِلاَّ إِيَّاكَ جَذْبَةً قَوِيَّةً ، وَأَنْ تُفْنِيَ عَيْنَ وُجُودِنَا فِي حَقِيقَةِ وُجُودِكَ الْمَنَزَّهِ عَنْ الْحُلُولِ وَالإِتِّحَادِ وَالإِتِّصَالِ ، وَأَنْ تُعَشِّقَنَا وَتُحَقِّقَنَا بِبِقَاءِ دَيْمُومِيَّةِ جَمَالِ ذَاتِكَ الْعَلِيَّةِ وَأَنْ تَرْضَى عَنَّا رِضَاءً لاَ سَخَطَ بَعْدَهُ وَأَنْ تُدِيمَ لَنَا النَّظَرَ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ فِي دَارِ الْكَرَامَةِ وَالإِفْضَالِ ، وَأَنْ تُكَمِّلَنَا بِكَمَالِ صَفِيِّكَ وَنَجِيِّكَ الذِي لَوْلاَهُ لَمَا ظَهَرَتْ هَذِهِ الأَعْيَانُ الْوُجُودِيَّةُ ، وَأَنْ تُغْرِقَنَا  فِي بَحْرِ مَحَبَّتِهِ التِي هِيَ عَيْنُ مَحَبَّةِ ذَاتِكَ وَصِفَاتِكَ وَالأَفْعَالِ ، وَأَنْ تَجْمَعَ شَمْلَنَا بِحَسَبِهِ وَنَسَبِهِ وَأَنْ تُدِيمَ لَنَا فِي الدَّنْيَا وَالآخِرَةِ شُهُودَ ذَاتِهِ النُّورِيَّةِ ، وَأَنْ تَفْتَحَ عَلَيْنَا فَتْحَ الْعَارِفِينَ وَأَنْ تَجْلَعَنَا مِنْ خَوَاصِّ عِبَادِكَ الْمُقَرَّبِينَ الْهَائِمِينَ فِي ذَاكَ الْجَمَالِ ، وَأنْ تُغْنِينَا عَمَّنْ سِوَاكَ وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَخَافُكَ لِجَهْلِهِ بِسَطْوَتِكَ الْقَوِّيَةِ ، وَأَنْ تَكْفِيَنَا شَمَاتَةَ الأَعْدَاءِ وَعُضَالِ الدَّاءِ وَخَيْبَةِ الرَّجَاءِ فِي الْحَالِ وَالاِسْقِبْالِ، وَأَنْ تُغْطِّيَ سُوءَ أَدِبِنَا بِأَسْتَارِ حِلْمِكَ وَتَمْحُوَ عَظِيمَ جُرْمِنَا بِمَحْضِ عَفْوِكَ حَتَّى نَكُونَ أَهْلاً لِلإِجَابَةِ فِي كُلِّ قَضَيَّةٍ .

اللَّهُمَّ إِنَّ عَطَايَاكَ وَجُودِيَّةٌ وَخَطَايَانَا عَدَمِيَّةٌ فَلاَ تَقْطَعْ عَنَّا الْوُجُودِيَّةَ بِسَبَبِ الْعَدَمِيَّةِ يَا عَظِيمَ الإِفْضَالِ ، وَقَدْ قُلْتَ ” أُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ” وَأَنْتَ تَعْلَمُ سِرَّنَا وَجَهْرَنَا وَلاَ تَخْفَى عَلَيْكَ خَفِيَّةٌ.

اللَّهُمَّ اعْطِ كُلاًّ مِنَّا سُؤْلَهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَمِّنْهُ فِي تَقَلُّبَاتِ الأَحْوَالِ . اللَّهُمَّ حَقِّقْ رَجَاءَنَا وَأَجِبْ دُعَاءَنَا يَا دَائِمَ الْمَعْرُوفِ يَا قَرِيبَ الإِحْسَانِ يَا وَاسِعَ الْعَطِيَّةِ ، يَا مُتَفَضِّلاً بِالإِيجَادِ وَالإِمْدَادِ وَالإِيمَانِ قَبْلَ السُّؤَالِ .

اللَّهُمَّ وَأَصْلِحْ مَنْ كَانَ فِي صَلاَحِهِ صَلاَحُ الْمُسْلِمِينَ وَسَدِّدِ الْوُلاَّةَ وَعَطِّفْهُمْ عَلَى الرَّعِيَّةِ وَأَدِمْ عِزَّكَ وَخَيْرَكَ عَلَى مَنْ تَسَبَّبَ فِي نَشْرِ بُرُودِ هَذَا الْمَوْلِدِ وَأَصْلِحْ لَهُ وَللْحَاضِرِينَ جَمِيعَ الأَحْوَالِ وَاجْعَلْنَا وَإِيَّاهُمْ مِنْ خَوَاصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ التِي جَعَلَ اللهُ فَضْلَهَا فَوْقَ أَطْوَارِ الْعُقُولِ الْبَشَرِيَّةِ ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ فَضْلَهَا عَلَى بَاقِي الأُمَمِ كَفَضْلِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ وَلَيْسَ فَوْقَ هَذَا الْكَمَالِ ، وَاخْتِمْ لَنَا بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَأَتْحِفْنَا بِخَصَائِصِ الْقَبُولِ وَالْمَعِيَّةِ ، ” سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ” عَلَى كُلِّ حَالٍ .

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ مِنَ التَّعَيُّنَاتِ الْعَيْنِيَةِ

وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي عِلْمِ ذِي الْجَلاَلِ.

 الهوامش:

[1]  ـ ألف مقدمة هذا المولد العالم الفاضل الشيخ محمد أحمد الهاشم تلميذ المؤلف رضي الله عنه

[2]  ـ فغطه بفتح الغين المعجمة أي ضم وعصر وحضن وفي رواية غتني بمثناه فوقية أي حبس نفسي وفي رواية أخذ بحلقي.

[3]  ـ قوله مشرب بالتخفيف من الأشراب وهو خلط لون بلون كأنه سقي به أو بالتشديد من التشريب وهو مبالغة في الإشراب إلى آخره. انتهى باجوري عن الشمائل.

[4]  ـ قوله ليس بالمطهم الرواية باسم المفعول، أي كثير البدن متفاحش السمن، وقيل هو المنتفخ الوجه، وقيل نحيف الجسم، من أسماء الأضداد، وقيل طم اللون أي تميل سمرته إلى السواد ولا مانع من إرادة كل من هذه المعاني. ا هـ

[5]  ـ الرواية فيه بلفظ المفعول فقط، ومعناه مدور الوجه، والمراد أنه أسيل الوجه مسنون الخدين ولم يكن مستديرا غاية التدوير بل كان بين الإستدارة والأسالة وهو أحلى عند كل ذي ذوق سليم وطبع قويم. اهـ باجوري.

[6]  ـ الكراديس جمع كردوس، كل عظمين التقيا في مفصل نحو الركبة والمنكب والورك والمرفق، وقيل رؤوس العظام، وكيفما كان فهو يدل على وفور المادة والضخم والعظم. اهـ

[7]  ـ مَنْهُوسٌ : قليلُ لحم العقب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق