كتب أصحاب الطريقةمقالات

تـَنـَسُّمُ النـَّفَس الرحماني للأستاذ: سعيد بنيس منقار

تـَنـَسُّمُ النـَّفَس الرحماني                              

 من فيوض الختم أبي العباس

                         مولانا أحمد التجاني                           

في مولد عين الكمال الإنساني

[صلى  الله عليه وسلم ].

الأستاذ:

سعيد منقار بنيس

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

و صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً

تمهيد وتقديم :

الحمد لله كما ينبغي لجلاله، والشكر لله بالله على نواله وإفضاله، حمداً وشكراً لوصفيْ كرمه وكماله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله، فنشهد أن لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وأن سيدنا محمداً عبد الله ورسول الله القائم بأمر الله صلى الله عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وعلى كل مجتبى من الملائـكة والأولياء وسائر المومنين والحمد لله رب العالمين أما بعد،

فيقول العبد الضعيف المعترف بالعجز والتقصير المكتفي بالله معيناً ونصيراً “فنعم المولى ونعم النصير”، سعيد بن عبد الواحد منقار بنيس بعد استخارة الله بعلمه واستقداره بقدرته و سؤاله من فضله : قد أبرزت القدرة الإلهية على يدي هذا المجموع المبارك إن شاء الله الذي انتخبته من كلام مولانا وسيدنا ووسيلتنا إلى ربنا القطب المكتوم مولانا أحمد بن محمد التجاني رضي الله عنه وعنَّابِه وجعل نسبتنا إليه حقا وصدقاً وختم علينا بالموت على أعتابه رقاً.

وذلك أن الدرر العلمية الفائضة منه رأيتها مشتملة على حقائق ودقائق في موضوع المولد النبوي الشريف على صاحبه أفضل صلاة وأزكى تسليم، وهي مبثوثة في مواضع متفرقة من “جواهر المعاني” و”الإرشادات الربانية في شرح همزية البوصيري”، فأوحى إليَّ الوارد جمعها وتقديمها إلى الإخوان المحبين الصادقين في حلة “مولد نبوي” لم ينسج على منواله، مقتصراً فيه على الألفاظ والعبارات الصادرة عن سيدنا رضي الله عنه مكتفياً بأمانة الراوي الثقة سيدنا ومولانا علي حرازم برادة رضي الله عنه فهو يختم غالب ما يورده في الكتابين المذكورين بقوله :”انتهى من إملائه وحفظه علينا”. فلم يكن لي في هذا العمل مزية سوى مباشرة النقل والجمع والانتخاب حتى تكون النقول متوافقة في السياق لإبراز المعاني الشريفة التي جادت بها الحضرة الختمية الكتمية. وهكذا استجزت لنفسي على وجل من هذا الأمر الجلل، أن أتصرف في النقول بالاختصار والتقديم والتأخير إذا اقتضى الحال ذلك والمحل، مستنجداً بهمة المنقول كلامه في تسديدي إلى الصواب، ومصادفة الاختيار الفصل في الخطاب، فلم تبطئ لله الحمد تلك الهمة العالية الغالية في إسعافي بالمطلوب، وتمكيني منه على الوجه المرغوب، ثم اهتديت في اختيار صيغ الصلاة والسلام أثناء القيام عند ذكر مولده صلى الله عليه وسلم، إلى الاغتراف من الصلوات الشريفة التي تلقاها مولانا الشيخ رضي الله عنه من جده صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناماً وهي الصلوات الثلاث: جوهرة الكمال. وياقوتة الحقائق، والصلاة الغيبية، ثم من الياقوتة الفريدة المعلومة بصلاة الفاتح. وعند إشرافي على الاختتام، وقع في نفسي الاهتمام، ألا يكون الختم إلا عند ضريح مولانا القطب المكتوم رضي الله عنه، فهبت رياح الأقدار بالإسعاف، في صحبة رفاق صالحين زاحمت كتفي منهم الأكتاف، جاءوا من قطر السينغال بقصد الزيارة، فاصطحبوني بترحاب، فكانت للقبول بشارة وأمارة بلا ارتياب، وهكذا لله الحمد تم لي الفراغ من تسويد أصل هذا المجموع المبارك بالزاوية الميمونة المنورة بفاس، وفي مقابلة الضريح الأبرك المعطر الأنفاس رضي الله عن صاحبه وعنابه -ليلة الخميس (عشية الأربعاء) 11 جمادى الأولى 1417هـ (موافق 25 شتنبر 1996م). ثم سهل الله تعالى في اليوم الموالي اجتماع جملة من الأحباب للاحتفال بسرد نبذ متفرقة من هذا المجموع في الزاوية المباركة جوار الضريح الأنور فكانت ساعة نفحاتٍ قدسية انشرحت لها الصدور وابتهجت فيها القلوب، وقد أطلعت جملة من البدور الشرفاء حفدة سيدنا على هذا الجهد المتواضع فاستبشروا به وباركوه واستحثوني على طبعه، فحمدت الله تعالى على صنعه،”صنع الله الذي أتقن كل شيء[1] ، وسألته أن يجازي بكل الخير سادتنا الشرفاء ويزيد في معناهم بهاءً، حيث نظروا بالعطفة إلى عبدٍ يُعَدُّ من سَقَطِ المتاع فأصبح بنظرتهم في تحصن وامتناع، و ارتقاء وارتفاع، ولا عجب فذلك شأنهم أن يحولوا بالنظرة النُّحَاس الناس ذهباً. وأن ينقلب بالغنيمة خديمهم وأحسنْ به منقلباً، وتحققت لله الحمد بمصداق ماورد في الآثار: “ماخاب من استخار و لاندم من استشار”[2].    

 

                         تـَنـَسُّمُ النـَّفَس الرحماني                                
                    من فيوض الختم أبي العباس مولانا أحمد التجاني                           

في  مولد عين الكمال الإنساني

[صلى  الله عليه وسلم ].

واهتديت إلى التوطئة له بهذه التنبيهات نفع الله بها ذوي البصائر المنورة بنور الله إن شاء الله {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}[3].

[ التنبيه الأول]

اعلم أيها الأخ الصادق أن سيدنا حجة الله البالغة احمد التجاني رضي الله عنه سئل عن قوله تعالى:{ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الآية }[4]

فأجاب رضي الله عنه [ بأن المراد بالعلم الذي نفاه الله عن خلقه في الخمسة  [ الخمسة هي المذكورة في قوله تعالى “إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت. إن الله عليم خبير][5] وغيرها من المغيبات هو العلم المكتسب الذي يتوصل إليه الخلق بأحد أمور ثلاثة، إما من أخبار سمعية أو بأدلة فكرية أو بمعاينة حسية، فهذه الطرق هي التي حجر الله عن صاحبها أن يعلم الغيب، وأما من وهبه الله العلم اللدني فإنه يعلم بعض المغيبات كهذه المذكورات أو غيرها كما في قصة الخضر وموسى عليهما الصلاة والسلام لأنه فعل ما حكاه الله عنه عن علم ولم يعلمه كليم الله قـــال تعالى {وعلمناه من لدناعلماً}[6]. هذا دليل على أن من علمه الله العلم اللدني أنه يعلم بعض الغيوب التي أخفاها الله على كثير من خلقه. فما يقذفه الله في قلب العبد بغير حاسة ولا واسطة ولا فكر يسمى بالعلم اللدني وهذا غير منفي عن الرسول ولا عن غيره من النبيين والمرسلين يشهد بهذا قوله سبحانه وتعالى {عالم الغيـب فلا يظهـرعلى غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول الآية}[7]  قال المرسي:”أو صديق أو ولي”، يشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم : {إن من العلم كهيئة المخزون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به لا ينكره عليهم إلا أهل الغرةِ بالله}[8]. 

فإذا أفهمك الله تعالى أيها الأخ الموفق هذا الجواب انزاح عنك ما يحوم على عقول القاصرين ويحول دون قبول ما يخبر به الأولياء من العلوم الخفية والأخبار الغيبية في تفاصيل نشأة الوجود وخصائص الحقائق المودعة في كل موجود. فذلك وأيم الله حق صدر عن حق ولا سبيل إلى الشياطين إليه. كيف وقد بيَّن القرآنُ حالَ من َتنَزَّلُ عليه الشياطين فوصَفه بالأوصاف التي نَزَّهَ الله تعالى عنها عامة المؤمنين فضلا عن خواص الأولياء المقربين.

قال سبحانه : { هل أنبئكم على من تنزَّلُ الشياطين، تنزل على كل أفاكٍ أثيم، يلقون السمعَ وأكثرهم كذبون}[9].

فأنى تحوم الشياطين بأولياء الله تعالى المعتصمين به والمواظبين على ذكره وطاعته، بل إن الواجبَ اعتقادُه في شأن ما يبديه الله على ألسنتهم من العلوم والمعارف أنه ثمرة لتقواهم {واتقوا ويعلمكم الله}[10] واستمرارٌ لإشراق الأنوار المحمدية على قلوب المتعلقين بالصدق والمحبة في جنابه صلى الله عليه وسلم، وامتدادُ  لمعجزاته المستمرة إلى يوم القيامة يظهرُها الله تعالى في الكُمَّلِ من أتباعه صلى الله عليه وسلم،.

 [ التنبيه الثاني ]

اعلم أيها الأخ الموفق إن شاء الله تعالى أن حقيقتك بوصفك إنساناً هي مجموع الروح والجسد لا استبداد لحقيقة أحدهما دون الآخر. غير [أن الله سبحانه وتعالى ما ذكر من حقيقة الإنسان إلا الجسد مثل قوله تعالى : {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}[11]  ومثل قوله :{اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق}[12] وقوله:{ إنا خلقنا الإنسان من نطفة}[13] وقوله : {إنا خلقناكم من تراب}[14] إلى غير ذلك من آيات القرآن. فإنه كلَّما ذكر خلق الإنسان ما ذكر إلا صورة جسده.

وأما روحه فقد كتم الله أمرها، واستبد بعلمها عن خلقه حيث قال حين وقع السؤال عنها {قل الروح من أمر ربي}[15] ولم يزدْ في بيانها لاستبداده سبحانه وتعالى بعلمها. فهذه حقيقة الإنسان الظاهرة. وأما حقيقته الباطنة فهي مرموزة (في قوله صلى الله عليه وسلم: { إن الله خلق آدم على صورته ..}[16]. والرمز غير مباحٍ إدراكُ مراميه للعموم. لكن ليس بممنوع عن الخصوص لكونه تعالى: {يوتي الحكمة من يشاء}[17]  من باب فضله {ذلك فضل الله يوتيه من يشاء}[18].

فإذا عقلت هذا وعلمت أن لك من حيث النشأة صورتين. صورة ظاهرة هي جسدك وصورة باطنة هي روحك، فاعلم أيضا أن الروح اكتسبت قوتين دائمتين: قوة أولى من النفخ الإلهي { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي}[19] فالروح الحيواني في الإنسان نفخَ الله فيه روحاً قدسيا به تميز الإنسان عن مطلق الحيوان. وقوة ثانية من التعليم الإلهي { وعلم آدم الأسماء كلها}[20] بها صحت له الخلافة في الأكوان.

وأما الجسد فاكتسب هو أيضا قوتين لكن غير دائمين، فقد خلقه الله من طين وهو مجموع التراب والماء، فاكتسب كل منهما قوة مـــــن سمــاع الخطاب الإلهي حيث

قال تعالى للسموات والأرض {ايتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين}[21].

فإذا تقرر لديك -بوصفك ابناً لآدم- أنك وارثه لأنك نسختُهُ فلك القوة من محلين (الروح والجسد) ومن موضعين في كل منهما. فلا تنس أن تُميزَ بين الدائم وغير الدائم من القوى لتبحث عن تكميل نفسك وكشف حجاب لبسك، فالضعف الذي وُصف به الإنسان في القرآن :{ وخلق الإنسان ضعيفاً}[22] {الله الذي خلقكم من ضعف}[23] {وعلم أن فيكم ضعفاً}[24] إنما هو ضعف طرأ على الجسد -صورة الظاهر- إذ مآله التلاشي والانهدام لذلك هو دائم الانتقال في الأطوار والتغيرات من صبا إلى طفولية إلى شباب إلى كهولة إلى شيخوخة إلى أرذل العمــر نعوذ بالله من ذلك. وأما الروح فلأنـــــها مـــــن صفــــوة النور الإلهــــي الــــذي هو خالــــــص الحضـــرة الإلهية فلها من القوة مالا غاية له. فلذا بقيت للأبد لا يدركها الفناء.[25]

فاعلم نور الله بصيرتك للخير أنه ما بينك وبين التسليم لكلام أولياء الله تعالى العارفين إلا تسليمك بقبول حقيقة غابت عنك وهي أنك تشاركهم في الروح التي منها يستمدون ما يبرزون مـــن العـــلوم التي قصـــرتَ عن إدراكها وأنك لو اشتغلت بصقل مرآة باطنك عن طريق المجاهدة لاهتديت إلى ما اهتدوا إليه {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلنا}[26] فلا تكنْ ممَّن قال فيهم تعالى : {وإذ لم يهتدوا به فسيقُولُون هذا إفكُُ قديم}[27].

[التنبيه الثالث ]

اعلم أيها الأخ الباحث عن طريق التزكية أن الروح التي أودع الله في جسدك [مخلوق خلقه من صفاء صفوة النور الإلهي قد أودع فيها سبحانه وتعالى من الأسرار والعلوم والمعارف ما لا تدرك له غاية وإنها كانت قبل التركيب في الجسم تامة المعرفة بالله تعالى كاملة الصفاء والتمكين من مطالعة الحضرة الإلهية. فلما تركبت في قارورة الجسم وتلطخت بأدرانه انعكست نسبتُها التي غاية الصفاء والضوء إلى نسبة الجسم الذي في غاية الظلام والكثافة، واحتجبت عنها تلك العلوم والمعارف التي كانت فيها واستمد لها هذا الحجاب من نشأة الجسم دائما. فإذا أراد الله بالعبد الوصول إلى الصفاء والمعرفة رفع الحجابَ بينه وبين ما كان مودعاً في حقيقة روحه، فعرف الأمور على حقائقها ولم تكن تنزَّلت فيه بعدُ المعرفة، وإنمــا كانت مخزونة في حقيقته ثم رفع له الحجابُ عنها فعرفها وعرف ما يفاض عليه من الحضرة الإلهية بعد المعرفة ممَّا لم يكن في روحه قبلُ.وأدرك الفرقَ بين الأمرين][28].

فإذا أكرمك الله أيها الأخ بنور الفهم علمت أنه ليس بينك وبين إدراك ما تكلم به الأولياء من العلوم والأسرار والتحقق بذلك في نفسك إلا عزمك على نهج سواء سبيلهم في مجاهدة خبث الطبيعة الملازم للنفس الأمَّارة، ومواصلة السير في طريق التزكية التي أنجح الله مسعاهم فيها، وعلمتَ أيضاً أن أعظم حجاب وأكثفهُ هو الذي يحول بينك وبين معرفة ما أودع الله فيك من العلوم والمعارف، وليس سوى جمودك على الاكتفاء بما يصلك من علم عن طريق الحواس الظاهرة ظاناً أنه ليس من غاية بعدها ولا من مصدر للعلم غيرها. وأيضا لظنك أن الأعمال الظاهرة من عبادات وغيرها مقصودةُ لذاتها غافلاً عن كون المشرع سبحانه وتعالى ما شرعها إلا وسيلة لتصفيتنا وتبييض وجوهنا عنده، لذلك فمن صح إتقانه لها توجُّهاً وأداءً يفيض عليه من الحضرة الإلهية ما يكشف عنه الحجب والأستار ويجعـــله متحقـــقاً بمثل ما تحقق به العارفون بالله الكبار. فقم ياأخي على قدم الصدق في البحث عن دليل من أهل الله تعالى يرشدك إلى مافيه سعادتك دنيا وأخرىا خير لك من البقاء في حيرة من أمرك متردداً بين قبول أورد ما تسمعه من العارفين من علوم وأخبار.

[ التنبيه الرابع] 

اعلم أيها الأخ الباحث عن المعرفة [أنها علم ناتج عن عمل وتقوى وسلوك فلا تدخلها الشبهة. بخلاف العلم الحاصل عند النظر الفكري فإنه لا يسلم من دخول الشبه والحيرة ، فلا تقلد قوة عقلك إذا أردت معرفة الله تعالى وقلد الله سبحانه فيما أخبرك به عن نفسه في كتبه وعلى ألسنة رسله، ولا تحاول أن تعرف الأشياء بما تعطيه قواك الحسية والعقلية بل اسْعَ بكثرة الطاعات إلى الله تعالى حتى يكون هو سمعك وبصرُكَ وجميعُ قواك[29] فتعرف عندئذ الأمور كلها بالله دون دخول جهل ولا شبهة، فقد سدَّ سبحانه باب العلم إلا منه، وإياك أن تصغي لمن يقول :”إن هذه العلوم التي يحومُ حولها هذا “المجموع” من الأسرار التي يثقل سماعُها على الآذان ويتعدى فهمها طورَ الأذهان وإنها مما لا يجوز إفشاؤه، وأنَّهُ قد خالفَ البائحُ بها قوله صلى الله عليه وسلم {حدثوا الناس بما يفهمونه أتريدون أن يكذب الله ورسوله}[30]، إذ لو كان كلُّ ما كبر على المرء سماعُه وفهمه أوَّلا لا يدعى إليه ولا يخاطبُ به لما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم المدعوين أن يعبدوا الله ويذروا ما كان يعبد آباؤهم من قبل، كيف وقد دعاهم ودعاهم وقال {هذه سبيلي ادعوا إلى الله}[31] فتيسر ذلك على من تيسر عليه فأجاب، وكبُر على من كبر عليه فأشرك، يشهد لذلك قوله تعالى {كبــر على المشـــركين ما تدعــوهمُ إليه}[32]. ثم إن كـــان لا يدوَّنُ من المعـــــــارف إلا ما يقبــــله العقـــــــل فلا مزية فـــي أمر يشترك في ذوقه العام والخاص، لهذا من أجمع على ألاَّ يدوِّنَ إلا ما لا تمجُّه أوَّلاً الأسماعُ فقد بطل منه الانتفاع، ولكن شأن هذه العلوم والمعارف أن من نظرها أو سمعها من غير سبق سيرٍ قبلها فلا جرم أنه وإن مجَّها سمعُه أوَّلاً فسييَسَّرُ إليه منها نفعه آخراً.

{ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين}[33]. فظهر إذن أن تدوين علوم المعارف وإن كبرت على قلب من لم تطرق سمعَه لا يدخلها ذلك تحت حيطة الخطاب بما لا يُعلم ومعاطاة ما لا يفهم، أو بما يشوش حتى يؤدي إلى تكذيب الله ورسوله، وقد علمت أن الداعيَ إلى المعرفة إمامُ العارفين صلى الله عليه وسلم قد حدث بها وقد صُدِّق وكُذِّب، ومعلوم أنه لم يرد أن يكذب الله ورسوله ولكن {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً}[34]. إلا أنه لا يفوت هنا أن نقول: إن التربية بصغار العلوم قبل كبارها هو من شيم الربانيين][35]. فاعلم هذا كله أيها الأخ الموفق إن شاء الله وافهمه واستعن بالله واستمد من حوله وقوته المدد المعين على الانتفاع بما سيتلى عليك بعد هذا من فيوضات مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه في موضوع حقيقة الحقـــــائق ومنشــــأ أول الخــــلائق {علمك الله ما لـــــم تكـــن تعـــلم وكـــــان فضـــل الله عليك عظيماً}[36] وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد الفاتح الخاتم الناصر الهادي وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم وآخر  دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

[ التنبية الخامس ]

اعلم أيها الأخ اللبيب أن العلماء الأجلاء درجوا على وضع عنوان ما يؤلفون محتوياً على نكتة فيها سرُّ موضوع تأليفهم، يتنبه لذلك ذو اللب السديد، فإن شئت- أسعفك الله بالذوق والتأييد أن تعرف سر تسمية هذا المجموع ب “تنسم” النفس الرحماني من فيوض الختم أبي العباس مولانا أحمد التجاني” فها أنا سأكشف لك النقاب بحول الله عن محيا المعنى الجليل الذي انضوى تحت تلك التسمية.

اعلم أن في التنسم إشعار بهبوب ريح طيبة تؤرج بعطرها ما يصادفُها من قلوب أكرمها الله بحسن الاعتقاد وسلمها من سوء الظن وسرعة الانتقاد، فتحيى وتجلى عن مرآتها الأصداء، وليس هذا النسيمُ سوى وصفٍ لخلقه صلى الله عليه وسلم، وله هبوب بالظاهر وهبوب بالباطن، فأما الأول فيشير إليه قول ابن عباس رضي الله عنهما {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير من الريح المرسلة[37]وأما الآخر فهو المعبر عنه بالنفس الرحماني الوارد من الحضرة الإلهية المصونة بأسوار الصفات والأسماء، وحيث أنه لا قدرة للوجود على إطاقة فيض جميع ما في الحضرة الإلهية من الرحمة، فإن النفس الرحماني الذي هو وصفٌ باطنٌ لخلقه صلى الله عليه وسلم يتنسم من خل

أبواب تلك الأسوار ليمد جميع الوجود بالنفع، فيسري منه المدد لكل فرد من أفراد الوجود حسب القسمة الإلهية”إنما أنا قاسم والله يعطي[38]. فإذا علمت هذا تبين لك أن كل ما عند الرسل والأنبياء والملائكة والعارفين والأولياء من العلوم والمعارف ليس إلا ثمارُ تنفس ذلك النسيم في بواطنهم. وحيث تقرر ذلك لديك، فاعلم أن لشيخنا مولانا احمد التجاني رضي الله عنه النصيب الأوفى من ذلك الفيض بحيث اختصـــه الله بمزية كبرى أقدره الله بها -إذ جعله بسببها محطاً لمعارف وعلوم وأسرار- على التعبير والتبيين لما خفى وغمض عن كثير من العارفين فضلا عن العلماء الرسميين. قال رضي الله عنه في معرض التحدث بنعمة الله عليه-لا المـــدح أو الفخر- :”إن الفيوض التي تفيض من سيد الوجود صلى الله عليه وسلم تتلقاها ذوات الأنبياء وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي…”[39] وقال رضي الله عنه: “خصصت بعلوم بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلمها إلا الله عز وجل وذلك  مشافهة[40].

فإذا علمت أيها الأخ أن هذه العبارات لا تستلزم قصد الافتخار ولا التفضيل على الصحابة، فإن الصحابة مشائخ الأمة وآباؤهم والشيخ حسنة من حسناتهم وإنما قال ماقال تحدثاً بالنعمة وجمعاً لهمة الواردين وفتحاً لباب الانتفاع بما أفاض الله عليه من حضرة رسوله صلى الله عليه وسلم، فخذ ما تسمعه وتراه من كلامه الذي سنسوقه إن شاء الله في هذا المجموع مأخذ التصديق ولا تهمل ملاحظة العين التي منها ينهل والمنبع الذي منه يصدر، فقد صرَّح لك كما سمعت أن ذاته صهريج واسع وسد محكمٌ يصبُّ فيه جميع ما يفيض من حضرات الأنبياء والمرسلين بالإضافة إلى مايخصه به صلى الله عليه وسلم من فيض خاص به منه إليه لا يشاركه فيه غيره. فاسأل الله تعالى أن يجذبك إليه ويرزقك القبول منه ويذيقك ما أذاقه للموفقين الذين رزقوا التصديق التام بالقطب المكتوم. فالجحدُ مانع من قبول المجحود لنفور القلب عنه والتصديق مفتاح الفتح لما صدِّق به. وأما الحقائق في علم الله فقد تفصلت فلا يزيدها اعتقاد ولا ينقصها انتقاد وإنما الخير أو الشر يعود لك أو عليك.[41]

قال صلى الله عليه وسلم : {من صنع إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه}[42] و قال صلى الله عليه وسلم {من صنع إليه معروف فقال جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء}[43]

جزى الله بكل الخير باب الربح الذي فاض علي منه العلم والأدب والتوجيه وبه كان وصلُ الحبل بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبالقطب المكتوم رضي الله عنه العلامة العارف بالله تعالى سندي وأستاذي وباب مددي سيدي محمد الحبيب بن العارف بالله تعالى شيخ الإسلام الأحسن ابن محمد البعقيلي ورحمه الله ورضي عنه وأثمر غروسه كلها آمين.

جزى الله عنا جميع السادات الكرام مجيزينا ومفيدينا عن شيخنا رضي الله عنه وعنهم خير جزاء. وأخص بالذكر منهم في هذا المحل من استفدنا من كلامهم ما يساعف على إظهار هذا المجموع مع مقدمته في هذا الحلة وأخص من هؤلاء بالخصوص بالذكر خليفة الشيخ حياً وميتاً بالإطلاق مع الإطباق سيدنا علي حرازم برادة مؤلف جواهر المعاني والإرشادات الربانية. آمين.

وجزى الله عنا شيخنا وأستاذنا ووسيلتنا إلى ربنا القطب المكتوم والخاتم المحمدي المعلوم مولانا أحمد بن محمد التجاني الحسني رضي الله عنه وعنابه. آمين.

وجزى الله عنا نبينا ورسولنا وحبيبنا وشفيعنا عند ربنا سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم بما هو أهله آمين. فاللهم اجعل هذا الدعاء سبباً لتأدية حق من أسدى إلينا معروفاً ومكافأته حتى يرض آمين. وصلى الله على سيدنا محمد .

 

تنسم النفس الرحماني
في مولد عين الكمال  الإنساني

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى الكريم

وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

 

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ اَنفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [44]  

الحمد لله الذي جعل سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم مظهر الكمال. وحلاه من أوصافه بما تعرّف به إلينا من الجلال والجمال. وخصه بالوسيلة والدرجة الرفيعة في مقامِ قاب قوسين أو أدنى. ثم دلاه بعدما أدناه ليظهر في العالم بكمال أسمائه الحسنى. فأنزل عليه آياته الكريمة ظاهراً  وباطناً، وعرَّفه بحقائق الأشياء صورة ومعنى.

فله الحمد سبحانه أن جعله النسخة الكاملة العظمى لمطلق العدم والوجود. وفتح على يديه خزائن الكرم والجود.

أحمده حمداً لائقا بمرتبة ألوهيته، واجباً لكمال ربوبيته، جامعاً لفنون الكمال المطلق، كما تستحقه في ذاته ذاتُ الحق، وأشكره شكراً متصلاً متواتر الآلاء، موازياً لأنواع البهاء، وأثني عليه بما أثنى على نفسه، في ملائكة قدسه، وأشهد أن لا إله إلا الله، الأحد بذاته، الواحدُ في أسمائه وصفاته وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسولُه المكرَّم، وحبيبه المعظم وعبدُه المبجَّلُ المفخَّم صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه وشرَّف وكرَّم ومجَّد وعظَّم.

أما بعد،

قال سيدنا وشيخنا واسطةُ عقد حضرة الولاية، وعلمُ أهل الحفظ والرعاية والعناية، عمادُ الملَّة والدين، ومحلُّ رحاب الطالبين لسان الشريعة والحقيقة، وترجمانُ ما اعتاصَ من مقفل كلام أهل الطريقة، إمام الواصلين ونخبةُ المقربين، ورافعُ لواء العارفين، وسلطانُ المحبوبين، قطبُ الحال والمقال وإمامُ جامع أهل القبضة والوصال[45] أبو العباس مولانا أحمد بن محمد التجاني الحسني رضي الله عنه وعنا به آمين :

“اعلم أنه لما تعلقت إرادة الحق بإيجاد خلقه برزت الحقيقة المحمدية، وذلك عندما تجلى بنفسه لنفسه من سماء الأوصاف، وسأل ذاته بذاته مواردَ الألطاف، فتلقى ذلك السؤال منه بالقبول والإسعاف، فأوجد الحقيقة المحمدية من حضرة علمه فكانت عيوناً وأنهاراً، ثم سلخ العالم منها واقتطعه كله تفصيلا على تلك الصورة الآدمية الإنسانية فإنها كانت ثوباً على تلك الحقيقة المحمدية النورانية شبه الماء والهواء، في حكم الرقة والصفاء، فتَشكَّلَ الثوبُ شكلَ الصورة النورانية، فكان محمد صلوات الله عليه مجْمَعَ الكُل وبرهانَ الصفات، ومبدأَ الإعلان، وكان آدم عليه السلام نسخةً منه على التمام، وكانت لك نسخةُ الذرية من آدم عليه السلام، وكان العالم برُمَّته علويُّهُ وسفليُّهُ نسخة من آدم، فتحقَّق هذا النَّسخ تعش سعيداً، غير أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من كتابي محمد وآدم على الكمال العارفون الوارثون نسخةً من آدم وظاهر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأما أهل الشمال فنسخة من طينة آدم لا غير”[46] “لأنه صلى الله عليه وسلم أول موجود أوجده الله في العالم من حجاب البطون وصورة العلم الرباني، ثم ما زال يبسط صور العلم بعدها في ظهور أجناسها بالترتيب القائم على المشيئة الربانية، جنساً بعد جنس إلى أن كان آخر ما تجلى به في عالم الظهور. والصورة الآدميةُ على صورته صلى الله عليه وسلم، وهو المراد في الصورة الآدمية”[47].

اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،

 

وقال سيدنا ومولانا القطب المكتوم لسان الشريعة والحقيقة رضي الله عنه وعنا به:

“أما حقيقته المحمدية صلى الله عليه وسلم فهي أول موجود أوجده الله تعالى من حضرة الغيب، وليس عند الله من خلقه موجود قبلها، لكن هذه الحقيقة لا تعرف بشيء، وقد تعسف بعض العلماء بالبحث في هذه الحقيقة فقال: إن هذه الحقيقة مفردة ليس معها شيء، فلا تخلو إما أن تكون جوهراً أو عرضاً، فإن كانت جوهراً افتقرت إلى المكان الذي تحل فيه. فلا تستقل بالوجود دونه، فإن وجدت مع مكانها دفعة واحدة فلا أوَّلية لها لأنهما اثنان، وإن كانت عرضاً ليست بجوهر فالعرض لا كلام عليه إذ لا وجود للعرض إلا قدر لمحة العين ثم يزول فأين الأولية التي قلتم؟

والجواب عن هذا المحط: أنها جوهر حقيقةً له نسبتان نورانية وظلمانية، وكونه مفتقراً إلى المحل لا يصح هذا التحديد، لأن هذا التحديد يعتدُّ به من تثبَّط عقله في مقام الأجسام، والتحقيق أن الله تعالى قادر على أن يخلق هذه المخلوقات في غير محل تحل فيه، وكونُ العقل يُقدِّرُ استحالة هذا الأمر بعدم الإمكان بوجود الأجسام بلا محل، فإن تلك عادة أجراها الله، تثبط العقلُ بها ولا يُطلق سراحه في فضاء الحقائق، ولو أطلق سراحه في فضاء الحقائق لعلم أن الله تعالى قادر على خلق العالم في غير محل، وحيث كان الأمر كذلك فإن الله تعالى خلق الحقيقة المحمدية جوهراً غير مفتقر إلى المحل ولا شك أن من كشف له عن هذه الحقيقة الإلهية علم يقيناً قطعياً أن إيجاد العالم في غير محل ممكنُ إمكاناً صحيحاً.

أما الحقيقة المحمدية فهي في هذه المرتبة لا تعرف ولا تدرك ولا مطمع لأحدٍ في نيلها في هذا الميدان، ثم استأثرت بألباس من الأنوار الإلهية واحتجبت بها عن الوجود فهي في هذا الميدان تسمى روحاً بعد احتجابها بالألباس-وهذا غاية إدراك النبيين والمرسلين- والأقطابُ يصلون إلى هذا المحل ويقفون، ثم استأثرت بألباس من الأنوار الإلهية أخرى وبها سميت عقلاً، ثم استأثرت بألباس من الأنوار الإلهية أخرى فسميت بسببها قلباً، ثم استأثرت بألباس من الأنوار الإلهية أخرى فسميت بسببها نفساً، ومن بعد هذا ظهر جسده الشريف صلى الله عليه وسلم، فالأولياء مختلفون في الإدراك لهذه المراتب فطائفة غاية إدراكهم نفسَه صلى الله عليه وسلم ولهم في ذلك علوم وأسرار ومعارف، وطائفة فوقهم غايةُ إدراكهم قلبَه صلى الله عليه وسلم ولهم في ذلك علوم وأسرار ومعارف أخرى وطائفة-وهم الأعلون-بلغوا الغاية القصوى في الإدراك فأدركوا مقام روحه صلى الله عليه وسلم وهو غاية ما يدرك ولا مطمع لأحدٍ في درك الحقيقة في ماهيتها التي خلقت فيها”.

اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،

 

وقال سيدنا رافع لواء العارفين وممد الأقطاب والصديقين رضي الله عنه وعنا به:

“وأما الحقيقة الأحمدية فهي الأمر الذي سبق به صلى الله عليه وسلم في الحمد لله كلَّ حامد من الوجود، فما حَمِدَ الله أحدٌ في الوجود مثل ما حمده النبي صلى الله عليه وسلم في الوجود، ثم إنها في نفسها أي الحقيقة الأحمدية غيب من أعظم غيوب الله، فلم يطَّلع أحد على ما فيها من المعارف والعلوم والأسرار والفيوضات والتجليات والمنح والمواهب والأحوال العلية والأخلاق الزكية ما ذاق منها أحد شيئاً ولا جميعُ الرسل والنبيين، اختُصَّ بها صلى الله عليه وسلم وحده بمقامها، وكل مدارك النبيين والمرسلين وجميع الملائكة والمقربين وجميع الأقطاب والصديقين وجميع الأولياء والعارفين كل ما أدركوا على جمله وتفصيله إنما هو من فيض حقيقته المحمدية، وأما حقيقته الأحمدية فلا مطمع لأحد بنيلِ ما فيها. فالحاصل أنه له صلى الله عليه وسلم مقامين مقامَ حقيقته الأحمدية وهو الأعلى ومقامَ حقيقته المحمدية وهو أدنى ولا أدنى فيه صلى الله عليه وسلم”[48].

وقال رضي الله عنه: “أول موجود أوجده الله تعالى من حضرة الغيب هو روح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم نسلَ الله أرواح العالم من روحه صلى الله عليه وسلم-والروح هنا هي الكيفية التي بها مادة الحياة في الأجسام– وخلق من روحه صلى الله عليه وسلم الأجسام النورانية كالملائكة ومن ضاهاهُم وأما الأجسام الكثيفة الظلمانية فإنما خلقت من النسبة الثانية من روحه صلى الله عليه وسلم. فإن لروحه صلى الله عليه وسلم نسبتين أفاضهما على الوجود كله. فالنسبة الأولى نسبة النور المحض ومنه خلقت الأرواح كلها، والأجسام النورانية التي لا ظلمة فيها، والنسبة الثانية من نسبة روحه صلى الله عليه وسلم نسبة الظلام ومن هذه النسبة خلقت الأجسام الظلمانية كالشياطين وسائر الأجسام الكثيفة والجحيمُ ودركاتُها كما أن الجنة وجميع درجاتها خلقت من نسبة النورانية، فهذه نسبة العالم كله إلى روحه صلى الله عليه وسلم”[49].

و”ما تعتقده الخاصة العليا من العارفين وهو أنه صلى الله عليه وسلم أبو الوجود كله فإنما الوجود كله تناسل عنه وأمدَّ بعضَه من بعض فيض حقيقته صلى الله عليه وسلم. وأنه صلى الله عليه وسلم في مرتبته العليا لا يمكن أن يُبْرزَ الله شيئاً من العدم إلى الوجود إلا بامتداد خيط من نوره إليه صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك الخيط ما برز من العدم إلى الوجود ولا تصور وجوده وإنه لا يكمل نضج ثمرة بعد ظهورها إلا بامتداد خيط من نوره إليها صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك الخيط ما وقع فيها طيبٌ ولا حلاوة ولا شمَّتْ لها رائحة طيبة. وأتبعْ هذا الأمرَ فيما بعد ذلك من التلذذ بظلال الأشجار والتقاط وجوه المنافع منها وهي كثيرة، فما ذلك إلا بامتداد خيوط نوره صلى الله عليه وسلم إليها، بل الايمان في قلب كل مومن، والعملُ الصالحُ في ذات كل عامل، ورسوخُ التوحيد في قلب كل موحِّد وما برز من التصرف بالقبضة الإلهية التي قبضها الحق تعالى وقال فيها مولانا سبحانه {هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي}[50] فما كان تصرف هذه القبضة من الايمان والتوحيد والسعادة وضروبِ النعيم في القبر والبرزخ، وضروب النعيم في مواطن يوم القيامة لأصحابه، وضروب النعيم في دار القرار واختلافِ أشكاله وألوانه وأحواله كل ذلك فرداً فرداً ممدوداً بخيط نور من نوره صلى الله عليه وسلم. وهذا الأمر لم يَرِدْ به ظاهرُ الشرع، فلا علم للعامة به، إنما أعطاهُ كشفُ العارفين ووقوفهم منه على عين التحقيق… ولمَّا لم يكن مشهوداً للعامة ولا معروفاً عندهم لم يسلموه -أي نازعوا- لأن هذا أمر لا يعرف إلا من أخبار الغيب ليس له سبيل عند العامة إلا ما ورد به التنزيل أو أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وما سوى ذلك لا يسلمونه لمدَّعيه، فإنَّ عند العامة أن هذه الإحاطة التي ذكرناها له صلى الله عليه وسلم أنه لا يصل إلى العلم بها إلا نبي أو ملك، لا من عداهُم، ولم يعلموا أن للعارفين في الغيوب مدارك كمدارك النبيين والمرسلين سواء بسواء من غيرما اختصت به النبوءة من الإدراك الذي هو عين النبوءة فهذا لا مطمع فيه للعارفين ولو أدركوا لكانوا أنبياء، فلا مطمع لأحدٍ في نيل النبوءة إذ طُوي وغُلق بابُها به صلى الله عليه وسلم فمدَّعيها بعده كاذب كافر”[51].

 

اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،
وقال سيدنا ومولانا حجة الله البالغة رضي الله عنه وعنا به:

“إذا ما تبدى نوره الأصلي [صلى الله عليه وسلم] الذي هو أول موجود أوجده الله تعالى وهي الحقيقة المحمدية فإنها إذا ظهرت من حيثُ ما هي هي، ظهرت بصورة الفردانية لله تعالى، فإنه فرد في وجوده لا ثاني معه وعند تجليها بهذا الوصف وهي الحقيقة المحمدية انمحقت ظلال الوجود وظهرت الفردانية لله تعالى وحده فإنه لا موجود سواه… فهذا التعبيرُ على مشرب العارفين أما مشرب أهل الشريعة فهو: إذا ما بدا نوره للوجود الذي فاض ببعثته صلى الله عليه وسلم على القُرب محا نوره ظلال الكفر من القلوب وأثبت فيها نورَ الايمان…قال سبحانه وتعالى: ]أو من كان ميّتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس، كمن مثلُه في الظُّلمات ليس بخارج منها[[52]

فالظلام ههنا هو ظلام الكفر في القلوب الذي كان قبل وجوده صلى الله عليه وسلم، فمحاه نورُ وجوده وبعثته صلى الله عليه وسلم وصيَّرها منوَّرةً بنور الايمان وفي الخبر [إن الله تعالى خلق الأرواح كلها في ظلمة حين خلقها أول مرة، ثم رشَّ عليهم من نوره][53] فمن أصابه الرَّشِّ ولو أقل قليلا منه صار مؤمناً في الدنيا وانتقل بنور الايمان إلى الآخرة ومن لم يصبه شيء من ذلك النور فهو المختوم عليه بظلام الكفر، فإنه سبحانه وتعالى ما أصاب الأرواح من نوره حين رشَّ إلا أصحاب القبضة التي قبضها قال هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي. والأرواح التي لم يصبها شيء من النور حين رش هي التي وقعت في القبضة الأولى بقوله هؤلاء إلى النار ولا أبالي. وذلك النور المرشوش هو قسط من نوره صلى الله عليه وسلم وأولئك الذين رش عليهم في الأزل وأصابهم النور هم الذين وقعوا في الدنيا وطُوّقوُا في أعناقهم شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فهم أصحاب القبضة المرشوشة بالنور، وذلك النور المرشوش الذي هو قسط من نوره صلى الله عليه وسلم الذي رشه الحق على الأرواح في الأزل هو الذي محا ظلال الكفر من القلوب في دار الدنيا. وكلُّ من أصابه من ذلك النور فإنما مرجعه إليه صلى الله عليه وسلم: لأن الرسُلَ كُلَّهم نوابه في تبليغ الرسالة إلى الخلق وهو المراد بالرسالة صلى الله عليه وسلم وحده].[54] [فالرسول المحقق لجميع الوجود هو صلى الله عليه وسلم إلا أنه حيث كان في حجاب الغيب بحقيقته المحمدية أقامهم نواباً عنه في الرسالة في ظاهر الوجود صلى الله عليه وسلم وظهروا برسالته نواباً عنه وأمدهم بأسراره وصفاته القدسية التي اكتسبها من حضرة الألوهية وحضرة الذات، فانطبعت صفاته صلى الله عليه وسلم فيهم بسر المقابلة كما تنطبع النجوم في الماء إذا قابلته وبذلك الانطباع أدَّوا الرسالة وبلغوا الأمانة. فما ظهروا إلا بصفاته صلى الله عليه وسلم.][55] [فإنه صلى الله عليه وسلم نور جميع الأنوار وكل نور في الكون إنما هو فلقة من نوره صلى الله عليه وسلم، مثلُ نور العرش فقد روي أنه يكسى كل يوم ألف حلة من النور منذ خلق. ولو ظهر نوره للعيون لصارت الشمس كالقنديل معه، ثم ضرب الله الحجاب على نور العرش فبسطه في الجنة فقط، ونور الحجب من ورائه يُعدُّ معه نور العرش كلا شيء. فقد روي أنه سأل الله تعالى فقال : لماذا خلقتني يا رب فقال الله تعالى خلقتك لتقي عبادي من نور الحجاب. وكان أمرُ ذلك أن السموات والأرضين لولا احتجابها بالعرش من نور الحجب لاحترقت بنور الحجب وأن الجنة أنوارها لو أخرجت حوراء سبابتها من السماء لأطفأت نور “الشمس” فهذه الأنوار كلها فلقات من نوره صلى الله عليه وسلم. يقول في الحديث {حجابهُ النور لو كُشف لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما أدركه بصرُه من خلقه}[56] فلم يكن للحق حجاب عن خلقه إلا ذلك النور المحمدي صلى الله عليه وسلم هو الذي أطاق مؤونة أثقال الحضرة الإلهية وصعوبة أعبائها فلم يثبت لذلك إلا نوره صلى الله عليه وسلم”][57].

اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،

 

وقال سيدنا ومولانا أحمد بن محمد التجاني رضي الله عنه وعنا به:

[اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم علوم الأولين والآخرين إطلاقاً وشمولاً ومن جملة ذلك العلم بالكتب الإلهية فضلا عن القرآن وحده، ويعلم مطالب الايمان بدايته ونهايته وماهية الايمان وما يفسده وما يقويه كل ذلك هو ثابت في حقيقته المحمدية صلى الله عليه وسلم، وأما قوله سبحانه وتعالى ]وما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان[[58] فإن هذا الحال كان له قبل النبوة، لم يعلمهُ الله بحقيقة الايمان ولا بكيفية تنزيل الكتب ولا بماهية الرسالة وتفصيل مطالبها. كل ذلك حجبه الله عنه قبل النبوة، وهو مكنوز في حقيقته المحمدية ولا يعلمه ولا يشعر به، حتى إذا كان زمن النبوة رفع الله عنه الحجب وأراه ما في حقيقته المحمدية يشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: {رأيت ربي في صورة شاب… إلى أن قال: وضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمني علوم الأولين والآخرين}[59] وهذا كان في زمن النبوة، رفع الله عنه الحجاب وأراه ما أدرجه الله له في حقيقته المحمدية من كنوز المعارف والعلوم والأسرار التي لا يحاط بساحلها ولا ينتهى إلى غايتها، وإياك أن تفهم من هذا أن حقيقته المحمدية كانت عريَّةً عن هذا قبل النبوة فلا يصح هذا الظن بل حقيقته المحمدية لم تزل مشحونةً من جميع هذه المعارف والعلوم والأسرار من أول الكون من حيث إنه أول موجود أوجده الله تعالى قبل وجود كل شيء، وفطرهُ على هذه العلوم والمعارف والأسرار ولم يزل مشحوناً بها إلى أن كان زمن وجود جسده الكريم صلى الله عليه وسلم فضُرب الحجابُ بينها وبين علمه بها صلى الله عليه وسلم إلى أن كان زمن النبوة فرفع الحجابَ وأطلعه على ما أودعه في حقيقته المحمدية مما ذكر أولا.

وقد كان صلى الله عليه وسلم قبل النبوة من حين خروجه من بطن أمه لم يزل من أكابر العارفين ولم يطرأ عليه حجاب البشرية الحائل بينه  وبين مطالعة الحضرة الإلهية القدسية وكان من أفراد العالم[60].. وكان في تلك المرتبة صلى الله عليه وسلم متحققاً بمرتبة أن يأخذ العلم من الله بلا واسطة ولا يجهل شيئاً من أحوال الحضرة الإلهية ولم يطرأ على شمسه في هذا المحل أُفُول صلى الله عليه وسلم..ويدل على هذا الذي ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم “كنت نبياً وآدم بين الماء والطين[61] وحيث كان في ذلك الوقت نبياً يستحيل أن يجهل الرسالة والنبوة والكتاب ومطالبات الجميع وما يؤول إليه كل منها وما يراد منها جميعاً، فالحديث شاهدُ ما ذكرناه ويدل على ذلك أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قبل وجود جسده الكريم ما بعث الله نبياً ولا رسولا في الأرض إلا كان هو صلى الله عليه وسلم ممِدُّ ذلك الرسول أو النبي من الغيب من حيث أنه لا يتأتى نبي ولا رسول أن ينال من الله تعالى قليلا ولا كثيراً من العلوم والمعارف والأسرار والفيوض والتجليات والمواهب والمنح والأنوار والأحوال إلا بواسطة الاستمداد منه صلى الله عليه وسلم وهو الممد لجميعها في عالم الغيب فكيف يمدُّهم بما هم علماء به وهو جاهل به صلى الله عليه وسلم… وإنما حجب الله عنه هذه الأمور أعني عن علمه صلى الله عليه وسلم بعد وجود جسده الشريف وقبل نبوته وهي مكنوزة في حقيقته المحمدية لسر علمه الله… إذ لو كشف الله له قبل النبوة ما أدرجه في حقيقته المحمدية وتكلم به قبل زمن الرسالة والبعث لوقع الرّيب في نفس المدعوين فيما تحدى لهم به من الرسالة يقولون له: إنما كنت تتكلم بهذا الأمر من أول أمرك نقلته عن غيرك لست نبياً، فستره الله عنه كي لا ينطلق، فلما كان زمن النبوة رفع الله الحجاب عنه وما أرى اللهُ الناس فيه صلى الله عليه وسلم قبل نبوته من كونه أمياً لا يعلم شيئاً ولا يدري شيئاً ولا وقعت له مخالطة أحد من أهل الكتاب أو القرب منه ليكون إذا كلمهم بما كلَّمهم به من أحوال الرسالة والنبوة يعلمون أن ذلك حق لكونه صدر من أمي لا يعلم شيئا.. فهذا سر الاحتجاب وشاهد هذا قوله سبحانه وتعالى: ]وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون[[62].

اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،

 

وقال سيدنا لسان الشريعة والحقيقة رضي الله عنه وعنابه آمين:

“وأما قوله تعالى ]وما أدري ما يفعل بي ولا بكم[[63] الآية. الجواب أنه صلى الله عليه وسلم عنده العلم القطعي بأنه عروس المملكة الإلهية وأنه ليس في جميع الخليقة أكرم منه على الله تعالى ولا أحب عليه منه ولا أعز ولا أكبر حظوة عند الله منه، وأنه مأمون العاقبة في الآخرة لا يلحقه لا ألم ولا عذاب، وأنه في الدرجة العالية من النعيم الدائم المقيم ورضا الله الأبدي السرمدي. كل هذا لا يداخله فيه ريب ولا شك وما ذكر صلى الله عليه وسلم من قوله ]وما أدري ما يفعل بي ولا بكم[ يُحتمل أنه أراد تفصيل ما يقع به من نعيم وتفصيل العطايا والمنح الواردة عليه من الله تعالى، فإنه إن علم بجملتها يمكن أن لا يحيط بتفصيلها على دوام الأبد في الجنة، فإن في علم الله ما لا تسعه العقول وإن قلنا إنه صلى الله عليه وسلم محيط علماً بجميع هذا، يحمل أنَّه رَدّ الأمر إلى إحاطة العلم الأزلي فإنَّ علم الله في هذا الميدان لا يحيط به محيط لا نبينا صلى الله عليه وسلم ولا غيره، يشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم {ولا علم إلا ما علمني الله} وقوله حاكياً عن نفسه بما ذكر الله عنه الآية ]قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب[[64] فيحتمل أنه رد الأمر إلى حقيقة العلم الأزلي لأنه لا يُحاط به وإن كان عالماً بما ذكر أولا. وأمَّا أن يتوهَّمَ من هذا الخبر أنه لا يعلم هل يرحمه الله تعالى أو يعذبه أو يقربه أو يطرده في الدار الآخرة. فهذا لا تقبله الحقيقة يدل عليه قوله سبحانه وتعالى ]ولسوف يعطيك ربك فترضى[[65] ]وكان فضل الله عليك عظيما[[66] ومحال أن يكون هذا الأمر منه سبحانه وتعالى وهو يتخوف عليه العذاب فإن وعدَه لا يُخلف. أما الخبر الوارد عن عائشة إن صح وهو قولها: {من ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ما في غد فقد كفر} أو ما هذا معناه، فلا يتأتى هذا أنه سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون كتم الأمر عنها لسر ظهر له في ذلك الوقت لا يمكن كشفه لها كما كتم عنها رؤيته للذات العلية بعيني رأسه[67] وهو واقع له صلى الله عليه وسلم بالإجماع والأخبار والآثار وكتب الحديث كلها مشحونة بإخباراته بالغيوب التي تأتي من بعده المتقاربة والمتباعدة، حتى قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه ما ترك صلى الله عليه وسلم أميراً يكون في أمته من بعده إلا ذكره إلى قيام الساعة. وقوله صلى الله عليه وسلم {ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا الجنة والنار…} الحديث[68].

ويبقى اعتراض على ما ذكرنا وهو أن يقال إذا صح ما ذكرتم وكان هذا السر هو المانع من ظهور ما في حقيقته المحمدية قبل النبوة فلم لا يكون رسولاً ولا نبياً من أول نشأته حتى لا يحتجب عنه ما في حقيقته المحمدية كما كان حالَ الغيب قبل وجود جسده الكريم.

فالجواب عن هذا الاعتراض: أن منع الله له من الرسالة والنبوة قبل بلوغه أربعين سنة، أن النبوة والرسالة لا تكون إلا عن تجلٍّ إلهي لو وضع أقل قليل منه على جميع ما في كورة العالم كله لذابت كلها لثقْلِ أعبائه وسطوة سلطانه، فلا تقدر الأنبياء على تحمل أعباءه والثبوت لسطوة سلطانه إلا بعد بلوغهم أربعين سنة، وأما قبل بلوغ الأربعين فلا قدرة لأحد على تحمل أعباء ذلك التجلي لما فطرت عليه البشرية من شدة الضعف، حتى إذا بلغ الإنسان أربعين سنة وكان في علم الله تعالى نبياً أو رسولاً أفاض على روحه من قوته الإلهية ما يقدر به على تحمل أعباء ذلك التجلي. فلهذا السر لم يتنبأ أحد إلا بعد أربعين سنة وهذا هو المانع له من النبوة قبل ذلك صلى الله عليه وسلم ولغيره من النبيين.

وأما سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام كونُه نبياً قبل الأربعين فالجواب أنه لم يكن بشر محضاً إنما كان نصفين نصفٌ  بشري ونصف روحاني إذ نشأ من نفحة الروح الأمين في فرج أمه فقوَّى فيه ضعف البشرية وزاد بذلك قوة على النبيين فلذلك بعث قبل الأربعين. فإن قلت يلزم من هذا أن يكون أقوى منه صلى الله عليه وسلم فالجواب أنه لم يكن أقوى منه صلى الله عليه وسلم ولكن لما كان صلى الله عليه وسلم كامل البشرية من جهة أبيه وأمه كان فيه ضعف البشر وأعطي فيه القوة الإلهية المودعة فيه التي تزيد على قوة عيسى وغيره…ومن أعظم الشواهد على ما ذكر فيه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة من كون علوم النبوة والرسالة والكتب والايمان موجودة مغطاة عليه بحجاب كحالة النائم في نومه فإن علومه التي كان يعلمها في اليقظة مغطاة عليه في وقت النوم حتى إذا استيقظ وزال عنه حجاب النوم تعقلها ووجدها لم تزل في ذاته فهذا حاله صلى الله عليه وسلم من خلقه إلى زمن النبوة[69].

اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،

 

وقال سيدنا ومولانا القطب المكتوم رضي الله عنه:

“وأما طينته التي هي جسده الشريف فكوَّن الله منها أجساد الملائكة والأنبياء والأقطاب وخمر طينته الشريفة عليها من الله الصلاة والسلام بماء البقاء مدة قدرها وهو أن تضرب الأسمين الشريفين وهما “محمد” صلى الله عليه وسلم وسيدنا “أحمد” صلى الله عليه وسلم. تضرب عددهما في سبعة والخارج في نفسه ثم تضرب العدد كله في ألف عام. كل فرد من هذه الأعداد في ألف عام ثم كل يوم من أيام تلك السنين فيه ألف عام من سنين هذه -(الدنيا)- وهي أيام الرب، وفي كل سنة من هذه ثلاثمائة ألف عام وستون ألف عام”[70]. [والخارج من هذه الضروب كلها هو : [مليار وثلاثون مليون ومائتان وخمسة وعشرون ألفاً من السنين: 1.030.225.000 عام][71]. “فكان بذلك أصل الأصول صلى الله عليه وسلم وجميع بني آدم  من طينة آدم لا غير]. [فإذا أراد الله تكوين الصبي في الرحم بعث الله الملائكة -إلى الموضع- الذي قضى أن يقبر فيه ذلك الصبي فأمرهم أن يأخذوا من تراب ذلك القبر الذي يقبر فيه ويعجن بنطفة ذلك الصبي ويتخلق منها، فالبشر من نطفة آدم لأن النطفة ما وقعت فيه إلا بعد نفخ الروح فيه، فصارت النطفة وخرجت الذرية، وأما الطينة لا نطفة فيها. وأما الأنبياء والمرسلين والأقطاب والملائكة خاصة إنما هم من طينته صلى الله عليه وسلم كوَّنها ربُّنا قبل خلق العالم ونظر إليها بعين العناية والمحبة ثم خمرها دهوراً متطاولة لا يأتي عليها الحساب*[72] وجعلها مخزونة في خزائن علمه فما زالت كذلك إلى أن كوَّن منها جسده الكريم وأضاف إليها موضع قبره صلى الله عليه وسلم وكون من طينته جميع الملائكة والنبيين والمرسلين والأقطاب، فإذا أراد الله تكوين واحد من أصحاب هذه المراتب الأربعة أخذ له من الطينة المخمرة عنده في الغيب وأضاف إليها تراباً من موضع قبره وعجنها بتلك النطفة فكوَّن منها ذلك الصبي وأما الملائكة إذا أراد الله بتكوينهم يأخذ من تلك الطينة جزءاً فيكوِّنُ منها الملك ويُزيل كثافته ويصيرُ كله نوراً لا كثافة فيه.

وقد ورد أن جبريل عليه السلام يدخل في كل يوم نهر الحياة ينغمس فيه انغماساً ثم يخرج منه فينتفض ويقطر منه سبعون ألف قطرة فيخلق الله من كل قطرة ملكاً فيدخلون البيت المعمور ومن دخل منهم لا تعود النوبة إليه إلى أبد الأبد، والقطراتُ التي يتكون منها الملك هي بمنزلة النطفة التي يتكون منها الصبي. قلنا ولذا يقول أهل الحقائق ليس عند الآدمي عصمة من الذنوب بعد النبيين والمرسلين إلا للقطب وحده فإنه معصوم كعصمة النبيين والمرسلين فإن تكوينه من أصل تكوينهم والطينة التي تكونت منها الملائكة والنبيون المرسلون تكوَّن منها قطب الأقطاب والأمر الذي يعصم به القطب هو سر القرآن فإن من حل في ذاته سر القرآن لا يقدر صاحبه أن يلِم بالمعصية طرفة عين. وأجمعوا على أنه معصوم من الموت على الكفر دون الصديقين”[73].

اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،

 

وقال مولانا الشيخ الكامل وحجة الله البالغة رضي الله عنه وعنا به آمين:

[اعلم أن أجداده صلى الله عليه وسلم كلهم مؤمنون من أبيه عليه السلام إلى آدم عليه السلام]…[وفي عين التحقيق إن الله قدس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما أخرج نبياً من نطفة منجسة بالكفر وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: {لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية الخ الحديث}[74]. وفي الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم: {بعثت من خير قرون بني آدم قرنأً فقرناً لم تفترق شعبتان إلا كنت في خيرهما}[75] الخ الحديث. ولعل من يقول أن الخيرية فيهم مع كفرهم بما تنال الناس من الخير والسخاء والصفح والتجاوز ومكارم الأخلاق وهذه توجد في الشخص الكافر بالله تعالى. قلنا إن الخيرية فيهم خيرية الايمان إذ لم يكن عصر من عهد آدم إلى عصره صلى الله عليه وسلم ما خلت فيه الدنيا يوماً واحداً من ظهور الأولياء في الأرض يدفع الله بهم البلاء عن أهل الأرض[76]. وخيرية الكافر على المؤمن مستحيلة شرعا. فدل خبرُهُ صلى الله عليه وسلم على أن كل أب من آبائه أفضل من أولياء عصره ما عدا النبوة. فدل أنهم مؤمنون بقوله بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً لم تفترق شعبتان الخ- قلنا وهكذا جميع النبيين ما أخرج الله نبياً من نطفة منجسة بالكفر قط، لأن الكافر نجس لقوله تعالى ]إنما المشركون نجس[[77] وقال تعالى ] إن شر الدواب عند الله الذين كفروا [[78] الآية وقال تعالى: ]إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين إلى قوله أولئك هم شر البريئة[[79] دل هذا أن الخيرية في الايمان فقط ولا خيرية في الكفر فحصل لنا من هذه الأدلة القطع بأن آباءه عليه الصلاة والسلام كلهم مؤمنون. وقال رضي الله عنه لسائل سأله عن معنى قوله تعالى : ]وإذ قال ابراهيم لأبيه آزر[[80] إن آزر هو عمه ولو كان أباه أصلياً ماذكر آزر بعد أبيه يكفيه الأب ويدل على هذا استغفاره لوالديه في آخر عمره بعدما أخبر الله أنه تبرأ من أبيه بقوله]فلما تبين لهُ أنه عدو لله تبرأ منه[[81] وفي آخر عمره قال: ]ربنا اغفر لي ولوالدي وللمومنين[[82] ولو كان أباه ما تبرأ منه[83]. وحصل لنا من هذا البحث صحة القطع أنه لم يقع في صلب كافر صلى الله عليه وسلم ودل أيضا على أن كل أب من آبائه صلى الله عليه وسلم أفضل من أولياء عصره كما قدمنا وهذا خاص به للحديث {لم يلتقيا على سفاح قط } من آدم إلى وجود ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم دون غيره الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلم يكن هذا إلا في آبائهم المباشرين لهم][84]

اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،

 

وقال رضي الله عنه: ” إن الله سبحانه وتعالى وهب [حليمة رضي الله عنها][85] الايمان بأمر اختصاصي اقتضته العناية الإلهية كما أنه سبحانه وتعالى طهر آباءه وأمهاته من لدن آدم عليه الصلاة والسلام إلى أبويه لم يقع قط في صلب كافر أو رحم مشركة إلى أن خرج من بين أبويه صلى الله عليه وسلم، يشهد له قوله صلى الله عليه وسلم { لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية} وأراد بالطاهرة من الكفر في آبائه صلى الله عليه وسلم وأراد بالزكاء في الأرحام هو الزكاء بالايمان، فإن الزكاء في الكفر محال. فإذا كان هذه عناية الحق به سبحانه وتعالى أن طهر معادنه صلى الله عليه وسلم من أول الأمر إلى أن أخرجه إلى الوجود صلى الله عليه وسلم طهر جميع معادنه أباً وأماً اعتناء به وترفيعاً لشأنه وتعظيماً وإجلالا له فأحرى أن لا يُغَذَّى جسده الكريم بلبن متنجس فإن هذا آكد من سريان النجاسة في النطفة فإن اللبن يتكون عنه اللحم والدم. والدم واللحم هو عين الجسد الكريم صلى الله عليه وسلم. فلا شك أن الله يصطفي محلا يرضعه طاهراً مطهراً حتى لا يتكون جسده الكريم إلا عن الطهارة كما كان أصل نطفته. وقد نقل فيما ثبت من الأخبار أن أمه سمعت نداءً من الغيب يقول لها: “طوبى لثدي يرضعه” وطوبى هذه لمن كانت عاقبته الجنة. وكونها (أي حليمة) في أرض الشرك وفي وقته ولا معرف بحقيقة الايمان فلوقوع الايمان في قلبها طرق ممكنة : إما بإلهام إلهي أو فيض رباني يعرفها أن ما عُبد من دون الله ليس بشيء وأن الله لا إله إلا هو وهذا الفيض هو الذي وقع لآبائه وأمهاته وعصموا بذلك من أمر الجاهلية].. [وإما أن يكون بعث إليها بعض عباده من الأحياء اعتناءً بها إما من علماء أهل الكتاب وإما من أولياء عصرها]…[ فيعرفها أن ما يعبد من دون الله ليس بشيء وإن العبادة المحققة هي لله تعالى وحده وأنه لا إله إلا هو..[فيأخذ الله بقلبها فتنقادُ له]..[ويجعل نور الايمان في قلبها]…[وإما أن يبعث لها سبحانه وتعالى قائلا في النوم على صورة جميلة تجتذب عوالم الشخص إذا رآها فتحمله على قبول ما يقول لها فيعرفها بحقيقة الايمان]…[فتقبلها وتصبح مؤمنة. والكل ممكن من هذه الوجوه ولا بعدَ فيه. وهذا الذي قلناه يصح أن يقال أنه وقع فيها أول الأمر قبل إلقائه إليها صلى الله عليه وسلم أو يكون وقع بها عندما حملته من عند أهله فبسبب مباشرتها له وقع من بركة مباشرته صلى الله عليه وسلم أن حل الايمان قلبها بفيض إلهي فإنه صلى الله عليه وسلم هو البركة العظيمة في كل شيء][86] [فهنيئاً بذلك المولود لآمنة رضي الله عنها الذي سعدت به بحيث أن لا نظير لها في العالم كله، حتى الحور ليس لهم هذا الشرف الذي حازته آمنة ولا غيرها من النساء في سائر الوجود من حيث أنها كانت صدفة لجوهرته صلى الله عليه وسلم حيث انعقدت جوهرته في جوفها][87].

اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،

 

وقال سيدنا ومولانا القطب المكتوم رضي الله عنه وعنا به:

تفكرت في اختصاص سيد الوجود صلى الله عليه وسلم بيوم الاثنين فتبين لي أنه لما كان هو الوجود الثاني ولم يتقدمه إلا الوجود القديم وكذلك هذا اليوم هو الثاني من الأيام ولم يتقدمه إلا يوم الأحد، فلهذا كان تقلب أطواره صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين فيه ولادته وفيه هجرته وفيه دخوله لطيبة وفيه أرسل. وكذلك سيدنا آدم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام في اختصاصِهِ بيوم الجمعة وتَقَلُّبُ أطواره فيه لمناسبة وجودية لأن سيدنا آدم هو الموجود الأخير من الموجودات وهو المعبر عنه عند العارفين بالتجلي الأخير واللباس الأخير، وهذا اليوم هو الأخير من الأيام التي خلق الله فيها خلقه قال تعالى ]خلق السموات والأرض في ستة أيام[ وفي اليوم السابع قال تعالى: ]ثم استوى على العرش[[88] على ما أراد وعلم، ولم يخلق فيه مخلوقاً فهذه المناسبات كانت أطوار سيدنا آدم عليه السلام من خلقه ودخوله الجنة وخروجه منها وتوبته]. ثم قيل لسيدنا رضي الله عنه على هذا القياس يكون يوم الاثنين أفضل من يوم الجمعة لاختصاص أطوار سيد الوجود به صلى الله عليه وسلم قال : “لا، التفضيل أمر إلهي لا علة ولا قياس، يفضل الله سبحانه ما شاء بما شاء على ما شاء، فما سُمع من التفضيل لمخلوق من خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو المفضل وما لا فلا[89].

اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،

 

وقال سيدنا ومولانا الأستاذ الأعظم والختم المفخم رضي الله عنه:

[اعلم أني رأيت في بعض التقاييد نقل صاحبه من كتاب الشفا لابن سبع قال إنه صلى الله عليه وسلم خرج من تحت السرة ولم يخرج من محل الولادة وكذا غيره من جميع إخوانه من النبيين والمرسلين]…[وهذا خرق أذن الله في ستره وعَدَمِ إفشائه للخلق هـ. و ذلك يستدعي نظرين:

النظر الأول أن الإخفاء لما خفى والظهور لما ظهر هو أمر موكول إلى الله سبحانه وتعالى يظهر ما يشاء بسبب أو بلا سبب ولو توفرت دواعي الإخفاء وهذا من ذلك القبيل.

والنظر الثاني إن خروج الصفوة العليا من تحت السرة تنزيها عن محل القذر، فيكون أمره أن الله تعالى يفتح الأغلفة كلها من الأم من جلد وصفاق وأرحام حتى يخرجه ويردها كما كانت في أسرع من طرفة عين وهذا غير بعيد في قدرة الله تعالى[90].

[وقال رضي الله عنه:”يحتمل أنه عطس حين ولد صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد لله فقالت له الملائكة يرحمك الله[91] ويحتمل تشميت الملائكة في صلاتهم عليه يوم وُلد بقولهم له صلى الله عليك وسلم. فإن الملائكة كانت مستشرفة لهذه الولادة العظيمة وحضروها حين وضعت فإنه صلى الله عليه وسلم في الليلة التى ألقيت نطفته في رحم آمنة وقع تنبيه عظيم في السموات بأنه ألقي في رحم أمه هذه الليلة حتى في الجنة وعند أهلها وصار به الخبر في جميع نواحي السموات فرحاً واعتناءً به صلى الله عليه وسلم وحين رأى اللعينُ ذلك رن رنة عظيمة من الغيظ والحزن، والكربُ الذي حل به أكثر مما حل به من الكرب في الوقت الذي أمر بالسجود لآدم ومعلوم قضيته. وإذا كان اعتناء الملائكة وفرحهم به ليلة وضع نطفته في رحم أمه فأحرى وأولى أن يعتنوا بحضوره صلى الله عليه وسلم حين خرج للوجود وكان في قلوبهم في غاية العظمة والجلال من أجل ما علموا من تعظيم الله وإجلاله له صلى الله عليه وسلم”[92].

قد جمع مولده صلى الله عليه وسلم أربعة أمور: [كمال السعادة والشرف وكمال الوبال والوباء فكان منه في طالع الإسلام سعادة وشرف وكان في طالع الكفر وبال عليهم ووباء][93] [وفي تلك الليلة أيضا ما بقي صنم في الدنيا بجميع حذافيرها إلا سقط على وجهه وأصبح ساقطاً وفي ذلك آية وإعلام أنه جاء وقت سقوطها وذهابها أن تعبد من دون الله]…[وكانت الليلة في أصلها في غاية الظلام فلما طلع الوجه الأكرم فيها بضيائه كانت غراء بذلك الوجه وأسفرت عن ذلك الوجه الأكرم فيها بضيائه بقوة النور الذي برز فيها][94].

 

[ محل القيام للصلاة والسلام على خير الأنام ]

 

– الصلاة والسلام عليك يا عين الرحمة الربانية ويا أشرف الخلائق الإنسانية والجانِّية يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك أيها النور اللامع والبرق الأسطع الهامع يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك يا صاحب الحق الرباني المالئ لكل متعرض من البحور والأواني يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك يا عين المعارف الأقوم والصراط التام الأسقم يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك أيها الكنز الأعظم والنور المحيط المطلسم يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك يا طلعة الحق بالحق ويا ناصر الحق بالحق يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك أيها الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك يا ترجمان لسان القدم الذي ارتعد من هيبته اللوح والقلم يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك أيها اللوح المحفوظ والنور الساري الممدود يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك يا من لا يدركه دارك ولا يلحقه لاحق الهادي إلى الصراط المستقيم يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك يا صاحب الأنوار الفاخرة ويا سيد أهل الدنيا والآخرة يا سيدي يا رسول الله.

– الصلاة والسلام عليك وعلى آلك، وعلى أولادك وأزواجك. وذريتك وأهل بيتك وإخوانك. من النبيين والصديقين. وعلى من آمن بك واتبعك من الأولين. الآخرين يا سيدي يا رسول الله.

– اللهم اجعل صلاتنا عليه مقبولة لا مردودة. اللهم واجعله لنا روحاً ولعبادتنا سراً. واجعل اللهم محبته لنا قوة نستعين بها على تعظيمه اللهم واجعل تعظيمه في قلوبنا حياة نقوم بها ونستعين بها على ذكره وذكر ربه. اللهم واجعل صلاتنا عليه مفتاحاً وافتح لنا بها يا رب حجاب الإقبال وتقبل منا ببركة حبيبك وحبيب عبادك المومنين.

ما نحن نؤَديه من الأوراد والأذكار والمحبة والتعظيم لذاتك لله لله لله آه آهٍ آهٍ آمين هو هو هو آمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله آمين.

[ فائدة الختام بالقيام بالصلاة والسلام ]
اللَّهُمَ صَلِّ عَلَى سَيِّــدِنـَا مُحَمَّدٍ الفـَـاتـِحِ لِمَا أُغـْـلِقَ، وَالخــَـاتــِـمِ لِمَا سـَـبـَـقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالهـَـادِي إلىَ صِراطِكَ المُسْـتَـَقـِـيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَــقَّ قَــدْرِهِ  وَمِقْـدَارِهِ العَظِـيــمِ،

 

وقال سيدنا ومولانا عين الشريعة والحقيقة وممد الأولياء من بدء الخليقة رضي الله عنه:

“إن لله ملائكة وكلهم الله بتبليغ الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم من كُلِّ مُصَلٍّ ومُسَلِّمٍ أينما كان من بقاع الأرض].. [ثم إنه صلى الله عليه وسلم يسمع بأذنيه صلاة أهل التخصيص عند الله تعالى وسلامهم عليه صلى الله عليه وسلم أينما كانوا من بقاع الأرض والسر في ذلك أن بين أرواح ذوي الخصوص وبين روحه الأعظم صلى الله عليه وسلم مواصلة نورانية وتلك الأرواح مقرونة بروحه الشريف بسبب تلك النورانية بينهما وإن بعدت أمكنتها ومن سواهم لم تكن لهم تلك النوارنية التي تقتض الوصلة فوكل الله ملائكة يبلغون إليه صلى الله عليه وسلم صلاتهم وسلامهم عليه صلى الله عليه وسلم”[95].

وقال رضي الله عنه: [إن من وقع له السلام من الله تعالى لم تصبه نكبة في الآخرة من الموت إلى المستقر في الجنة ولا يتأتى لأحد السلام من الله عليه إلا لأهل الجنة في الجنة فقط قال سبحانه وتعالى ]سلام قولا من رب رحيم[[96] يريد لأهل الجنة، وأما في الدنيا فلا طمع لأحد في نيله من الله تعالى إلا في مرتبته وأصوله وهي السلام عليه صلى الله عليه وسلم، فمن سلم على النبي صلى الله عليه وسلم سلم الله عليه بذاته بشاهد الحديث الصحيح بقوله صلى الله عليه وسلم مخبراً عن الله يقول له: {من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه}. وقال رضي الله عنه: لا يقدر أحد أن يصلي عليه ويسلم عليه إلا به صلى الله عليه وسلم معناه أنه يمده بخيط من نوره ولولا ذلك ما أطاق، وحقيقة السلام البارز من الخلق عليه صلى الله عليه وسلم إنما هو بارز منه صلى الله عليه وسلم. فهذا ما تعطيه العبارة من المعنى ظاهراً على قدر مفهوم الخلق وله معنيان باطنان مكتومان لا يذكران ولا يدركهما إلا الخاصة العليا من العارفين][97] وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

 

 

وكان الفراغ من أصل هذا المجموع المبارك بالزاوية المنورة الميمونة بفاس في مقابلة الضريح الأبرك لمولانا الشيخ رضي الله عنه 11 جمادى الأولى 1417 ه ليلة الخميس موافق 25 شتنبر 1996م.

انتخبه وجمعه وعلق عليه العبد المعترف بالعجز والتقصير سعيد بنعبد الواحد بنيس كان الله له معيناً وناصراً ومؤيداً آمين.

اللهم اكسُ هذا المجموع حلة القبول في قلوب قارئيه من أمة رسولك صلى الله عليه وسلم واجعله سبب الفتح الأكبر لمن أمعن فيه نظراً وفكراً وفجر عيون محبة رسولك صلى الله عليه وسلم على ظواهرنا وباطننا بجاهه عندك وصلى الله على سيدنا محمد وآله والحمد لله رب العالمين.


الهوامش:

[1]  ـ سورة النمل الآية 88

[2]  ـ اخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس بن مالك “ماخاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد” تحت رقم 6230 وسميته :

[3] ـ سورة النور الآية 40

[4]  ـ سورة الأنعام الآية 59

[5]  ـ سورة لقمان الآية 34

[6]  ـ سورة الكهف الآية 65

[7]  ـ سورة الجن الآية  26

[8]  ـ الحديث أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة تحت رقم 802 (  من جواهر المعاني ج1/ ص 218 بتصرف)

[9]  ـ سورة الشعراء الآية 221

[10]  ـ سورة البقرة الآية  282

[11]  ـ سورة المومنون الآية 12

[12]  ـ العلق الآية 2

[13]  ـ الإنسان الآية 2

[14]  ـ الحج الآية 5

[15]  ـ الإسراء الآية 85

[16]  ـ أخرج البخاري في كتاب الاستئذان-باب (بدء الأذان) عن أبي هريرة -رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس الخ الحديث}.

[17]  ـ البقرة الآية 229

[18]  ـ الحديد الآية 21

[19]  ـ الحجر آية 29

[20]  ـ البقرة آية 31

[21]  ـ التوبة آية 11

[22]  ـ النساء آية 28

[23]  ـ الروم آية 54

[24]  ـ الأنفال آية 66

[25]  ـ بتصرف من جواهر المعاني ج 1/ص 256 وج 2/ص 70. بتقديم وتأخير وتعبير باللفظ وبالمعنى مع مزيد بيان.

[26]  ـ العنكبوت الآية 69

[27]  ـ الأحقاف الآية 11

[28]  ـ من جواهر المعاني بتصرف ج1/ص 225

[29]  ـ يشهد لذلك ما أخرجه البخاري في باب التواضع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله عز وجل قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبَّ إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعهُ الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها الخ الحديث”

[30]  ـ أخرج البخاري في كتاب العلم الباب 49 قال علي:”حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذَّب الله وسروله” الحديث 127

[31]  ـ سورة يوسف الآية 108

[32]  ـ سورة الشورى الأنعام الآية 89

[33]  ـ سورة الأنعام الآية 89

[34]  ـ سورة البقرة الآية 26

[35]  ـ بتصرف من ميزاب الرحمة الربانية تتمة الباب الخامس من ص 158 إلى 161

[36]  ـ سورة النساء الآية 113. وقد سقتها سياق دعاء كأني أقول لك أيها الأخ القارئ “ليعلمك الله مالم تكن تعلم، وليكن فضل الله عليك عظيماً”. فاستحضر النيتين نية التلاوة ونية الدعاء يحصل لك الثوابين إن شاء الله تعالى.

[37]  ـ أخرج البخاري في كتاب بدء الوحي عن ابن عباس رضي الله عنه قال “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود مايكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة” فانظر رحمك الله كيف أن هبوب ريح الجود الظاهرة إنما أثر امتداد هبوب الريح الباطنة المنبعثة من مدارسة القرآن الذي هو كلام الله وصفته فافهم ذلك.

[38]  ـ روى الطبراني عن معاوية قال صلى الله عليه وسلم “إنما أنا مبلغ والله يهدي، وإنما أنا قاسم والله يعطي” قال في السراج المنير على الجامع الصغير :قال الشيخ حديث صحيح. /ج 2/ص47). ولا تستغرب أننا نقول إنه صلى الله عليه وسلم قاسم للأرزاق المعنوية كما هو قاسم للأرزاق الحسية، فإن المعطي هو الله تعالى وهو القاسم بالأصالة وليس يستحيل عليه تعالى أن يُملك القسمة لما ظهر من العطاء ومابطن لنبيه تشريفاً وتقديماً بالحقيقة ويرده رسول الله صلىاله عليه وسلم تفضلا على الخليفة فانظر كيف صحت ولايته صلى الله عليه وسلم  ظاهراً لقسمة الأرزاق مع أن الله هوالقاسم، ففي البخاري: “إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم” فكيف لا تصح ولايته لقسمتها باطناً.وفي كل ذلك الله هو الرزاق ورسول الله صلى الله عليه وسلم له ولاية القسم وبيان الحكم بالإطلاق.(انظر أحكام القرآن ابن العربي ج2/ص828 الأحكام المتعلقة بقوله تعالى من سورة الأنفال “قل الأنفال لله والرسول”)وانظر الإرشادات الربانية لعلي حرازم، والمنح المكية لابن حجر الهيتمي كلاهما في شرح قول البوصيري في الهمزية “ما سوى خلقه النسيم ولا غير محياه الروضة الغناء”.

[39]  ـ المقصود بالفيوض من سيد الوجود تلك التي تفيض في حضرة حقيقته المحمدية، والمقصود بذوات الأنبياء وذات الشيخ المتلقاة تلك الفيوض الذوات النورانية لا الترابية فافهم ذلك.(انظر الرماح لسيد عمر الفوتي ج2/ص16 الفصل 36).

[40]  ـ انظر المرجع قبله نفس الفصل.

[41]  ـ انظر الشرب الصافي من الكرم الكافي للشيخ الاحسن البعقيلي ج1/ص234 إلى 250 ففيه

[42]  ـ أخرجه أحمد بن حنبل في المسند وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في صحيحه عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

[43]  ـ أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان عن أسامة بن زيد ورمز له السيوطي بالصحة. وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس رقم 5973

 ـ سورة التوبة الآية 128[44]

[45]  هذه الافتتاحية برمتها من الجواهر ج2/227 شرح ياقوتة الحقائق

[46]   الجواهر 267/2 شرح لفظة “إفاضتك منك إليك” من جوهرة الكمال.

[47]   الجواهر 144/1 و145 في شرح معنى صلاة الفاتح. مع تصرف بحذف وتقديم وتأخير.

[48]   الجواهر ج 146/1

[49]   الجواهر ج 272/2 من شرح الصلاة الغيبية

[50]   أخرج الديلمي في مسند الفردوس الحديث 651 عن أبي عبد الله أن الله عز وجل قبض قبضة بيمينه فقال هذه للجنة ولا أبالي. وقبضة قبضة فقال:هذه للنار ولا أبالي “فلا أدري في أي القبضتين أنا”.

وأورده السيوطي في الدر المنثور 145/3 وأخرجه بألفاظ كثيرة قريبة من هذا النحو. وفي جمع الجوامع رقم 4896 وعزاه لأبي يعلى وابن خزيمة عن أنس رضي الله عنه بلفظ [أن الله تعالى قبض قبضة فقال هذا إلى الجنة برحمتي وقبض قبضة فقال إلى النار ولا أبالي]

[51]  الإرشادات الربانية في شرح الهمزية ص 56 و57 شرحه لقوله فيها شمس فضل تحقق الظن فيه إلخ البيت.

[52]   سورة الأنعام الآية 122

[53]   أخرج الديلمي في مسند الفردوس ح رقم 634. عن عبد الله بن عمرو:”أن الله عز وجل خلق خلقه من ظلمة ثم ألقى عليهم نوراً من نوره فمن أصابه ذلك الور اهتدى ومن أخطأه ضل”.

[54]   الإرشادات الربانية في شرح قوله في الهمزية: فإذا ماضحى محا نوره الظل لخ البيت

[55]   الإرشادات في شرح قوله “إنما مثلوا صفاتك للناس الخ البيت”

[56]   في صحيح مسلم في حديث:”إن الله حي لا ينام ولا ينبغي له أن ينام” إلى أن قال “حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ماانتهى إليه بصره من خلقه” انظر تفسير ابن كثير في شرح قوله تعالى من آية الكرسي “لا تأخذه سنة ولا نوم”

[57]   الإرشادات في شرح قوله “كاد أن يغشي العيون سنى منه الخ البيت”

[58]   سورة الشورى آية 52

[59]   أخرج الترمذي في جامعه باب سورة ص ج2/ص214 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني ربي في أحسن صورة قال: أحسبُه-في المنام قال: كذا في الحديث فقال يامحمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت لا قال فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي أو قال في نحري فعلمت مافي السموات ومافي الأرض الخ الحديث. وفي رواية أخرى عن ابن عباس “فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت مابين المشرق والمغرب الخ”وفي رواية أخرى عن معاذ بن جبل”فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت الخ”. وذكره صاحب أسنى المطالب بلفظ “رأيت ربي في صورة أمرد وله وفرة أي شعر في رأسه، وبلفظ”رأيت ربي في صورة شاب أمرد” وبلفظ “يوم النفرعلى جمل أورق عليه جبة صوف أمام الناس. (انظر حرف الراء حديث 696) وانظر الخصائص الكبرى للسيوطي باب تجلي ملكوت السموات والأرض له(ص) تجد طرقا أخرى لهذا الحديث.

[60]   قال رضي الله عنه: “نسبة [علوم] الفرد إلى علوم العارفين والصديقين كنسبة العارف بالله إلى العامة لا يعرفون [من علومة]شيئا. جواهر المعاني ج1/ص220. والفرد مرتبة في الولاية يكون صاحبها خارجاً عن دائرة القطب ولكل مرتبة علوم تختص بها لاعلم لواحد منهما بما عند الآخر. (انظر التعريفات للجرجاني) وقد جمع الله تعالى لشيخنا رضي الله عنه بين القطبانية والفردانية وخصه دون غيره بالختمية والكتمية. “يختص برحمته من يشاء”و”لا يسئل عما يفعل”.

[61]   روى الإمام أحمد في السنة (ص 111) بسند صحيح:”كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد”

[62]   سورة العنكبوت الآية 48

[63]   سورة الأحقاق الآية 9

[64]   سورة هود الآية 31

[65]   سورة الضحى الآية 5

[66]   سورة النساء الآية 113

[67]   ثبت في رواية للبخاري أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألها مسروق: ياأمَّتاه هل رأى محمد ربه؟ فقالت لقد قف شعري مما قلت أين أنت من ثلاث من حدَّثكهُنَّ فقد كذب: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب ثم قرأت (لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) الأنعام الآية 103. ومن حدثك أنه يعلم مافي غد فقد كذب، ثم قرأت (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) لقمان الآية 34. ومن حدثك أنه كتم فقد كذب. ثم قرأت (ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) الآية 67 س المائدة ولكن رأى جبريل مرتين) رواه البخاري برقم 4855. وثبت عنها في صحيح مسلم من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق في الطريق المذكورة قال مسروق: وكنت متكئاً فجلست فقلت: ألم يقل الله (ولقد رآه نزلة أخرى). فقالت أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا فقلت يارسول الله هل رأيت ربك؟ فقال لا.إنما رأيت جبريل منهبطاً.

وأخرج الترمذي عن مكرمة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه فقلت أليس يقول الله (لاتدركه الأبصار) قال ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره. وقد رأى ربه مرتين).

وحيث اختلفت عائشة رضي الله عنها وابن عباس في الاحتجاج في الآية فقد اختلف العلماء بالتبعية قديما وحديثاً في رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء. فمن مال مع استنباط عائشة رضي الله عنها قال بعدم الرؤية ومن مال مع ابن عباس قال بها وقال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كتم عنها أمر الرؤية لسر علمه. وأما الرؤية في حد ذاتها فقد قال القاض عياض بأنها جائزة عقلا وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة وآية (لاتدركه الأبصار) تحتمل تأويلات مختلفة. وممن أثبت الرؤية لنبينا صلى الله عليه وسلم الإمام أحمد.

روى الخلال في كتاب “السنن عن المروزي: قلت لأحمد: إنهم يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي معنى يدفع قولها؟ قال: بقول النبي صلى الله عليه وسلم “رأيت ربي” فقول النبي أكبر”. (انظر المقصد الخامس من المواهب اللدنية فقد عقد فيه مبحثا هاماً حول رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه ليلا الإسراء والمعراج تعرض فيه للآراء المختلفة مع بسط للأدلة وتوجيهها. وانظر كذلك الشفا للقاضي عياض الفصل الخامس من الباب الثالث).

[68]   روى الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله رفع لي الدنيا فأنا انظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة كأني انظر إلى كفي هذه”

روى مسلم عن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال:”صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر و صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة فأعلمنا أحفظنا”

وروى البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً فما ترك شيئاً يكون من مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه الخ الحديث”

[69]   الجواهر ج219/1  إلى 224 بتصرف بحذف وتقديم وتأخير.

[70]   الجواهر ج 147/1

[71]   [والخارج من هذه الضروب كلها هو : [مليار وثلاثون مليون ومائتان وخمسة وعشرون ألفاً من السنين: 1.030.225.000 عام].هذا الخارج قمت بتحويله إلى الوحدات العددية المتداولة حالياً تسهيلا للفهم.

[72]   قوله لا يأتي عليها الحساب: إشارة إلى الامتداد الكبير لهذه المدة وإلا فقد تقدم كلامه رضي الله عنه في ذكر كيفية الحصول على هذه المدة بضرب الاسمين الشريفين محمد وأحمد الخ

[73]   الإرشادات في شرح قوله: فهنيئاً به لآمنة الفضل …البيت

[74]   روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لم يلتق أبواي قط على سفاح لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما”.

[75]   روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى كنت من القرن الذي كنت فيه”

[76]   قال العلامة محمد بن أحمد بنيس في “لوامع أنوار الكوكب الدري في شرح همزية البوصيري” ورد من الأحاديث والآثار مايدل على أنه لم تخل الأرض من عهد نوح إلى بعثته صلى الله عليه وسلم من ناس على الفطرة في زمان الفترة يعبدون الله ويوحدونه ويصلون له وبهم تحفظ الأرض ولولاهم لهلكت الأرض ومن عليها. فمن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في “الزهد والخلال” في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس قال “ماخلت الأرض بعد نوح من سبعة يرفع الله بهم عن أهل الأرض” وما أخرجه عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر في تفسيره بسند صحيح على شرط الشيخين عن علي بن أبي طالب قال: “لم يزل على وجه الأرض في الدهر سبعة مسلمون فصاعدا فلولا ذلك لهلكت الأرض ومن عليها”ص 17 من الكتاب المذكور وهو حاشية علىالشمائل للترمذي.

[77]   س. التوبة الآية 28

[78]   س الأنفال الآية 55

[79]   س البينة الآية 6

[80]   س الأنعام الآية 84

[81]   س التوبة الآية 114

[82]   س. ابراهيم الآية 41

[83]   وفي “لوامع أنوار الكوكب الدري” قال ابن حجر أجمع أهل الكتابين على أن آزر لم يكن والد إبراهيم بل عمه. والعرب تسمى العم أباً. بل في القرآن ذلك قال تعالى (حاكيا عن أبناء يعقوب قولهم لأبيهم: “نعبد إلهك وإله آبائك ابراهيم وإسماعيل” مع أن (اسماعيل) عم يعقوب. ص 17 من الحاشية المذكورة على الشمائل [قلت] المشهور أن اسم أبي إبراهيم تارح.

[84]   الجواهر ج203/1، مع تصرف بحذف واختصار.

[85]   هي حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها

[86]   الإرشادات في شرح قوله : وبدت في رضاعه معجزات -البيت

[87]   الإرشادات في شرح قوله: فهنيئا به لآمنة الفضل -البيت بتصرف

[88]   سورة الأعراف الآية 54

[89]   الجواهر ج 108/2

[90]   الجواهر ج  109/2و 110 بتصرف

[91]   روى أبو نعيم في “الدلائل” عن عبد الرحمن بن عوف عن أمه الشَّفَّاء رضي الله تعالى عنها قالت (وكانت ممن حضرن ولادته صلى الله عليه وسلم): لما سقط صلى الله عليه وسلم علي يديَّ واستهلَّ (أي رفع صوته بأن عطس) سمعت قائلا يقول رحمك الله. (انظر الشفا لعياض الفصل 29 وحجة الله على العالمين للنبهاني ص 227) والخصائص الكبرى للسيوطي والمواهب اللدنية للقسطلاني تجد فيها تفصيلاً لما حدث من آيات عند ولادته صلى الله عليه وسلم)

[92]   الإرشادات في شرح قوله شمتته  الأملاك إذ وضعته ببعض تصرف

[93]   الإرشادات في شرح قوله مولد كان منه في طالع الكفر

[94]   الإرشادات في شرح قوله ومحيا كالشمس منك مضيء

روى البيهقي والطراني عن أبي عبد الله بن بشير عثمان الثقفي عن أمه فاطمة بنت عبد الله أنها حضرت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم فرأت تدثي النجوم وظهور النور غد ولادته حتى ما تنظر إلا النور. وروى أبو نعيم في الدلائل أن الشفاء قالت: و”أضاء لي مابين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى قصور الروم.”

وحديث النور الذي خرج معه صلى الله عليه وسلم عند الولادة أضاء له جميع الأرض رواه جماعة. صححه ابن حبان والحاكم. وعن إسحاق بن عبد الله أن أمه صلى الله عليه وسلم قالت لما ولدته “خرج من فرجي نور أضاء له قصور الشام”

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:”وهو إشارة إلى نور هدايته الذي محا ظلمة الشرك كما قال تعالى “قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين”

[95]   الإرشادات في شرح قوله وقرأنا أكرم السلام خلق الله….البيت.

[96]   سورة يس الآية 58

[97]   الإرشادات في شرح قوله فسلام عليك تترى …..البيت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق