الخطبمقالات

فاطمة بنت أسد أم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أمه الفقيه سعيد بنيس

 

فاطمة بنت أسد أم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أمه

الخطبة الأولى

*الْحَمْدُ لِلَّـهِ قال ممتنا على رسوله صلى الله عليه وسلم(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6))* و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنــا محمد الرءوف الرحيم * ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،* ونشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبد الله و رسوله و مصطفاه من خلقه و خليله، فصلى الله عليه و سلم من نبي أمين، ناصح حليم وعلى آله وصحابته، وعلى من حافظ على دينه و شريعته واستمسك بهديه و سنته إلى يوم الدين .

* أَمَّا بَعْدُ، فيا عباد الله: حديثنا اليوم عن جانب من سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم القليل منا من يعرفه، إنه الحديث عن إيواء الله نبيه اليتيم صلى الله عليه وسلم وعلاقته بأمه بعد أمه السيدة فاطمة بنت أسد الصحابية الجليلة الكريمة رضي الله عنها.

أيها المؤمنون: لقد نشأ نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يتيم الأبوين. توفي أبوه سيدنا عبد الله وهو حَمْلٌ في بطنه أمه السيدة آمنة بنت وهب ثم توفيت أيضا السيدة آمنة وهو في السادسة من عمره صلى الله عليه وسلم، لكن عناية الله تعالى بحبيبه و مصطفاه عوضت هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن فقدان والديه بحنان جده عبد المطلب بن هاشم وحنان حاضنته أم أيمن، وكان يوضع لعبد المطلب بن هاشم جدِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فراشٌ في ظلِّ الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه، فلا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامُه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأناً، ثم يُجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويَسُرُّهُ ما يراه يصنع. لكن بعد فترة يسيرة، نام عبد المطلب على فراش الموت، وقد كان يتمنى أن يعيش طويلاً حتى يرعى حفيده المبارك سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم. ولكن جاءت اللحظة الحاسمة ومات عبد المطلب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ من العمر ثمانيَ سنوات.وكان عبد المطلب قد أوصى ابنه أبا طالب في اللحظات الأخيرة من حياته بأن يكفل سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ويرعاه. فلما مات عبد المطلب كفل أبو طالب النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأخذه إلى بيته ليعيش مع أولاده.

وهكذا عرفت البركة طريقها إلى بيت أبي طالب الذي كان كثير العيال مع الفقر، فقد كانت زوجتُه فاطمة بنتُ أسدٍ تشعر بأن أولادها لا يشبعون من الطعام أبداً، فلما عاش الحبيب صلى الله عليه وسلم بينهم دخلت البركة إلى هذا البيت الكريم وبخاصة في طعام الأولاد إذا أكل معهم الحبيب صلى الله عليه وسلم.فكان أولاد أبي طالب إذا أكلوا جميعاً أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يُغذيَهم أو يُعشيَهم يقول: كما أنتم حتى يأتي ابني، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فَيَفْضُلُ مِن طعامهم.وإن كان لبناً شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّلَهُم، ثم يناول القَعْبَ (الإناء) فيشربون منه، فيرْوُونَ عن آخرهم من القعب الواحد، وإن كان أحدُهم لَيَشْرَبُ قعباً وحدَه يعني قبل أن يحضر صلى الله عليه وسلم، فيقول أبو طالب: (إنك لَمُبارك).وكانت فاطمة بنت أسد زوجة عمه أبي طالب رضي الله عنها ترى كل هذه البركات التي دخلت بيتها للمرة الأولى،وهي تكاد لا تصدق نفسها مما تراه من الخيرات و البركات التي حلت بالبيت بمقدمه صلى الله عليه وسلم ، فكانت تزداد حباً للنبي صلى الله عليه وسلم يوماً بعد يوم .كانت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها تشمل النبي صلى الله عليه وسلم بعطفها وحنانها في طفولته وشبابه، وظلت ترعاه وتخصه بالتقدير والاحترام إلى أن تزوج خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بأن الله تعالى أراد أن يعوضه عن موت أمه بهذه المرأة العظيمة الرحيمة التي كانت تعامله وكأنها أمه التي ولدته، فكان صلى الله عليه وسلم يحبها حبا جما لرعايتها له و حدبها عليه.

فمن هي يا ترى السيدة فاطمة بنت أسد؟ هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشيَّة الهاشميَّة، أم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه،وأمها: حُبَّى بنت هرم ابن رواحة، من قريش، نشأت في الجاهليَّة بـمكة، وتزوَّجت بأبي طالب بن عبد المطلب بن عبد مناف،وأنجبت منه علي رضي الله عنه وإخوته،وهم: طالب ـ واختُلِفَ في إسلامه ـ،وعقيل وجعفر وجُمانة وأمُّ هانئ واسمُها فاختة رضي الله عنهم أجمعين.[وهي أوَّل هاشميَّة وَلَدَت لهاشميٍّ،وأول هاشميَّة وَلَدَت خليفة،ومن بعدها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم الحسن والحسين رضي الله عنهما،ثم زبيدة زوجة هارون الرشيد أم الخليفة العباسي الأمين]

إسلام فاطمة بنت أسد:أسلمت فاطمة بنت أسد بعد وفاة زوجها أبي طالب ، ثم هاجرت مع أبنائها إلى المدينة.وكانت رضي الله عنها راويةً للحديث؛ روت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ستَّةً وأربعين حديثًا، وكانت امرأةً صالحة، وذات ورع ودين ، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يزورها ويَقِيل في بيتها.(أي ينام وقت القيلولة)قيل: إنَّ فاطمة بنت أسد رضي الله عنها ماتت قبل الهجرة، وهذا ليس صحيحًا، والصحيح أنَّها ماتت في نحو السنة الخامسة من الهجرة في المدينة. نفعني الله و إياكم بالذكر الحكيم و كلام سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين .

الخطبة الثانية

*الحمد لله على نواله وإفضاله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنامحمد النبي الأمي، الصادق الزكي،وعلى آله،وعلى جميع من تعلق بأذياله و نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده و رسوله و بعد أيها المؤمنون: إن المحبة منه صلى الله عليه وسلم للسيدة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها تتجلى في أبهى تجلياتها في فعله و قوله صلى الله عليه وسلم يوم حَزِنَ على وفاتها رضي الله عنها: روى ابن عباس رضي الله عنهما: أنه لمـَّا ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب رضي الله عنه خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه وألبسها إياه واضطجع معها في قبرها، فلمَّا سوَّى عليها التراب قال بعضهم: يا رسول الله، رأيناك صنعت شيئًا لم تصنعه بأحدٍ، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أَلْبَسْتُها قَمِيصِي لِتَلْبَسَ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ، وَاضْطَجَعْتُ مَعَهَا فِي قَبْرِهَا لَيُخَفَّفَ عَنْهَا مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ،إِنَّهَا كَانَتْ أَحْسَنَ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ صَنِيعًا بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ»(الطبراني:المعجم الأوسط حديثٌ حسن) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّه قال: لمـَّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي رضي الله عنهما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عند رأسها فقال:«رحِمَكِ اللهُ يا أمِّي، كنْتِ أمِّي بعدَ أمِّي تجوعين وتُشْبِعيني، وتَعْرَينَ وتُكْسيني، وتَمْنعينَ نفسَكِ طيِّبًا وتُطْعِميني، تُريدين بذلك وجهَ اللهِ والدَّارَ الآخرةَ»، ثم أمر أن تُغسَّل ثلاثًا، فلمَّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فألبسها إيَّاه، وكفَّنها ببُرد فوقه، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلمَّا بلغوا اللحْدَ حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأخرج ترابه بيده، فلمَّا فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه، فقال: «اللهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ وَلَقِّنْهَا حُجَّتَهَا وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» وكَبَّر عليها أربعًا، وأدخلوها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم.(الهيثمي:مجمع الزوائد وأخرجه الطبراني: المعجم الأوسط، وأبو نعيم: حلية الأولياء ).عباد اللهاستعينوا على الاستجابة لأوامر الله بالإكثار من الصلاة و التسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق و الخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حق قدره و مقداره العظيم،(ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) (ولاتجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا،ربنا إنك رؤوف رحيم)(سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين)

الخطبة من إنشاء عبد ربه الفقير إلى فضل الله و رحمته :” ذ. سعيد منقار بنيس”الخطيب بمسجد ” الرضوان ” لافيليت /عين البرجة/ الدار البيضاء/، أستاذ العلوم الشرعية بمدرسة العلوم الشرعية التابعة لمؤسسة مسجد الحسن الثانيمفتش منسق جهوي لمادة التربية الإسلامية للتعليم ثانوي متقاعد البريدالالكتروني mankarbennissaid@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق