رسائل أصحاب الشيخمقالات

كتاب جواهر الأحمدية في الرسائل التجانية

كتاب جواهر الأحمدية في الرسائل التجانية

جامعها

أبو بكر الزيدي التجاني

 

بعون الله وتوفيقة وسداده يشرع الموقع في تنزيل مائة رسالة من رسائل أصحاب الشيخ رضي الله عنه

 

السلسلة الذهبية

من عقد

الرسائل التجانية

خمسة وعشرون رسالة

من الوصايا وفقه

الطريقة

تحقيق وتعليق

حفيد الشيخ التجاني

محمد الكبير بن سيدي أحمد بن سيدي محمد الكبير التجاني

 

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم

الحمد لله الذي أمر بمعاشرة الأخيار الأطهار ونهى عن مخالطة المجرمين الأشرار إنماء للخير في نفوسنا وإبعادا للشر عن قلوبنا وربك المربي الخبير العليم الحكيم. أشهد أن لا إله إلا هو يرسم لنا طرق التربية الصحيحة ويصف أدوية النفوس المرضية ولكنا معرضون عن رسمه مهملون لوصفه فساد حالنا وضعفت أخلاقنا وتمكن عامل الشر فينا. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله علت منزلة أصحابه بعشرته واتباعه والإقتداء به في سيرته وصفاته فكانوا في مقدمة الأمة وكانوا لمن بعدهم خير قدوة فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه البررة الأتقياء المخلصين الأوفياء جزاهم الله عنا خير الجزاء. آميـــــــــــــــــــن.

مـقـدمــة

يقول العبد الفقير إلى ربه أبو بكر زيد عامله الله بلطفه يوم المزيد اعلم وفقنا الله وإياك لما يحبه، وأرشدنا وإياك لما يرضاه، أن النفوس من شأنها أن تتأثر بمن حولها وتنشأ كالوسط الذي يحيط بها فإن كان من حولها أناسا سمت مبادئهم وشرفت غايتهم وكرمت طباعهم وعلت أخلاقهم وحسنت أعمالهم، كانت كذلك سامية المبدأ نبيلة الغاية جميلة الطبع طيبة الخلق صالحة العمل وإن أحاط بها دعاة مجرمون أثمة فاسدون لا يعرفون الله ولا يذكرونه، ولكن يعرفون الفسادَ وأربابُه والفساقَ وعشاقُه لا يعرفون مساجد لعبادة الله، لكن يعرفون دور اللهو والخلاعة، لا يعرفون القرآن وآياته ولكن يعرفون قصص الغرام ورواته. إن أحاط بها أولئك وزينوا لها سوء أعمالهم وقبيح صنيعهم أصيبت بأمراضهم وتدنست من دنسهم وأصبحت مصدر جرائم ومصدر قبائح ومآثم. فالعاقل الحازم من يبحث عن النفوس الطيبة الصفية الخيرة فيشاكلها ويجاورها ويصاحبها ويلاطمها ويبحث عن مجالسها وأنديتها لتتصل روحه بروحها فيستقى من معينها ويتأدب بآدابها ويتخلق بأخلاقها ويتأسى بها في أعماله {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} الكهف 28 الآية. وأما النفوس الآثمة الكاذبة الظالمة الملحدة الغافلة التي اتخذت إلـهها هواها وارواء شهوتها مناها، وانغمست في العصيان وولت وجهها نحو الشيطان، وتركت سبيل الرحمن. هذه النفوس حذار أن تقترب منها أو تخالطها أو تعاشرها وتركن إليها في أمرك أو تعتمد عليها في شانك فإنك إن فعلت ألقت بك في الهاوية وأوردتك نارا حامية {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء} هود 113. فاتقوا الله ولازموا الأخيار، وتجنبوا الأشرار، تسعد نفوسكم، وترو أخلاقكم، وتفوزوا بجنة ربكم.{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} النحل 128. روى البخاري ( رقم 3338 ) ومسلم ( رقم 3434 ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوْء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يُحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة ) ومما يدل على مكانة الصحبة وتأثيرها في النفوس. أن الصحابة رضوان الله عليهم وجدوا النقص في قلوبهم حين نفضوا أيديهم من دفن رسول الله صلى اله عليه وسلم، لما كانوا يستمدون من رؤية أنوار طلعته صلى الله عليه وسلم مادام بين أظهرهم مع وجود الخلفاء الراشدين بينهم وكان منهم من كان يفتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمان بن عوف وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليماني وزيد بن ثابت وسلمان. ومنهم من جمع القرآن حفظا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبو زيد الأنصاري وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان وتميم الداري وعبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنهم. ثم تلقى عنهم التابعون حتى أن من ينتهي إليهم الفتوى من التابعين بالمدينة سبعة وهم سعيد بن المُسَيَّبْ وأبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث وقاسم بن محمد وعبيد الله وعروة وسليمان وخارجة. ثم صار أهل الإقامة والاستقامة بعد هؤلاء المعتصمين بكتاب الله المجاهدين في متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم المقتدين بالصحابة الناصرين لدين الله تعالى ثلاثة أصناف: أصحاب الحديث والفقهاء وعلماء الصوفية.

فأما أصحاب الحديث: فإنهم يتعلقون بظواهر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء عسكر الدين قد تمسكوا بقوله تعالى:{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} الحشر 7. فاشتغلوا بسماعه ونقله وتدوينه وتدبره وتمييز صحيحه من سقيمه ولهم في ذلك أئمة مشهورون منهم أبو عبد الله البخاري ومنهم الإمام مسلم ومنهم أبو داوود ومنهم أبو عيسى الترمذي ومنهم أبو عبد الله النسائي ومنهم أبو الحسن الدار قطني رضي الله عنهم. هم حراس الدين ورعاته.

وأما الفقهاء: فإنهم فُضِّلوا على أصحاب الحديث بعد قبول علمهم والاتفاق معهم، لما خصوا به من التفقه والاستنباط في فقه الحديث والتعمق في دقيق النظر وفي ترتيب الأحكام وحدود الدين فبينوا المجمل وميزوا الناسخ والمنسوخ والأصول من الفروع حتى وضعوا كل شيء موضعه ولهم في ذلك أئمة مشهورون، وهم أبو حنيفة النعمان ابن ثابت، والإمام مالك بن أنس، وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وأبو عبد الله الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم، فهؤلاء الأئمة الأربعة هم أصحاب المذاهب المتبعة اليوم فدونوا المسائل وأظهروا للقوم الحقيقة وفرعوا الأصول وشرعوا وبينوا أحكام الدين وأعلامه.

وأما الصوفية: فإنهم اتفقوا مع الفقهاء وأصحاب الحديث في تفسيرهم وقبول علمهم، ولم يخالفوهم في معانيهم ورسومهم ومن لم يبلغ من الصوفية مبلغ الفقهاء وأصحاب الحديث في الرواية والدراية ولم يحط بما أحاط به العلماء.رجعوا إليهم فيما يشكل عليهم من أحكم الشرع وحدود الدين. فإذا أجمعوا فهم على إجماعهم وإذا اختلفوا فالصوفية في مذهبهم على الأخذ بالأحسن والأولى والأتم احتياطا. وبالجملة فهم قوم خرقوا مقامي الإسلام والإيمان إلى مقام الإحسان. فهذا العلم يسمى من علوم اليقين خواطر القلوب وفساد الأعمال ووسواس الصدور وآفات النفوس. فأول من نهج هذا العلم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة اليماني وقيل لحذيفة: نراك تتكلم في هذا العلم بكلام لم نسمع من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فممن أخذت هذا العلم فقال: (من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم خصني به دون أصحابه وكان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه وعلمت أن الخير لم يسبقني وأن من لم يعرف الشر لا يعرف الخير وكان الناس يقولون يا رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا فيسألونه عن فضائل الأعمال وكنت أسأله وأقول يارسول الله مايفسد كذا وكذا فلما رآني أسأل عن دقائق الأعمال خصني به) رواه البخاري ومسلم وأبي داود وأحمد بألفاظ مختلفة. وأول من أظهر هذا الفرق بعد حذيفة اليماني خيرة التابعين الحسن بن يسار البصري، وكان من المذكرين وكانت مجالسه مجلس الذكر يخلو بها مع إخوانه وإتباعه من النساك والعباد مثل مالك بن دينار، وثابت البناني، ومحمد بن واسع، وأيوب السجستياني، وفرقد السنجي، وعبد الواحد بن زيد ويقول الحسن البصري رضي الله عنه: هاتوا انشروا فيتكلم عليهم في هذا العلم من علوم اليقين المعبر اليوم إن تحقق بالطريقة وكان الحسن رضي الله عنه من خيار التابعين رضي الله عنهم ثم لم يزل هذا العلم ينتقص عند العموم ويستمر لدى الخصوص حتى وصل إلى أمام هذه الطائفة الجنيد رضي الله عنه، كان يقول رضي الله عنه: علمنا هذا الذي نتكلم به طوى بساطه منذ عشرين سنة وإنما نتكلم في حواشيه ثم منه إلى أضرابه ثم لم يزل هذا العلم لدى الرجال يتوارثون ذلك إلى… هلم جرا.وفي هذا القدر كفاية في التنبيه على مبنى طريق القوم على قواعد الأدب القرآني والسنية الغراء وأنهم قلدوا في مذهبهم الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح والصدر الأول الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقهم: (خير هذه الأمة قرني ثم الذين يلونهم علـى سـر لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لايضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم قيام الساعة) البخاري 2458 سائرين في الأدب على رمز قوله تعالى: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}الحجرات 1. قال ابن زيد معنى لا تقدموا:أي لا تمشوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك بين يدي العلماء، العلماء ورثة الأنبياء، وهو ظاهر واضح في أن معناه التقدم باق إلى يوم القيامة لم ينسخ سواء كان التقدم حقيقة أو حكما فالتقدم بين يدي سنته كالتقدم بين يديه في حياته لا فرق بينهما عند كل ذي قلب سليم هذا وقد ظهر لك أن الأئمة المقتدى بهم مثله صلى الله عليه وسلم في ذلك لما فيه من أدب الدين وأدب النفس معهم في أقوالهم وأفعالهم ثم تذكر ولا تنس أيها الموفق لما قدمنا. إن أصناف المجاهدين الداعين إلى الله سبحانه وتعالى ثلاثة أصناف: أصحاب الحديث، والفقهاء، والصوفية. ولتعلم أنه ما ذكرنا هذه التمهيدات إلا ليتضح لك صريحا وتلويحا علما ويقينا إيمانا وتسليما على أن الإمام الهمام قدوة الأنام وحجة الإسلام سلالة الأشراف ونخبة الفضلاء الأعلام والقطب المكتوم والبرزخ المختوم العارف بالله الجامع بين الشريعة والحقيقة. أبا العباس سيدنا ومولانا أحمد بن امحمَّد بن سالم التجاني الحسني رضي الله عنه قد فاز وحاز ما لهؤلاء الأصناف الثلاثة وأحاط بما لديهم علما وتحققا وذوقا ومعرفة على الإطلاق واستولى عليها بالكمال وخُص بعد ذلك بمزايا دونهم كثيرة واحوال سنية وأشياء عزيزة كما ستقف على تحقيق ذلك في أثناء الرسائل إن شاء الله ثم بعد ذلك على العرش استوى بوِرَاثة جده صلى الله عليه وسلم وإن إلى ربك المنتهى حيث رباه بيمينه ولقنه ورده وأعطاه هذه الطريقة التجانية ذات المواهب العرفانية يقضة لامناما :

وفتـح اللــه بهــذا العــام فتحـا لشيـخ الكامـل الإمــام

بارٌ رأى بالعين عيـن الرحـمـة يقضـة فصـار عيـن الأمــة

وأذن النبــي للشيــخ بـــأن يلقـن الأنـام ورده الحســـن

وقال سيدنا رضي الله عنه: لا نذكر ذكرا إلا ما رتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم”. وقال الشيخ العلامة العارف بالله سيدي عبيدة في كتابه – ميزاب الرحمة – : ثم إن الأوراد تؤخذ والمراد الانخراط في سلوك ملقنها، وتؤخذ لصفاء القلب. فأما المريد الأول فمقصده الأجر والتحصن وعليه اعتقاد حرمة الشيخ من إضمارِ قادح يقدح فيه وأحكام الألفاظ ومبانيها على نحو ما لقن والمحافظة على ذلك كمية وكيفية ومقامه العموم وجزاؤه الجنة وأما المريد الثاني :فمقصده المعرفة وجزاؤه الرؤية وعليه زيادة ما على الأول تلمُّح معاني الألفاظ واستحضارا للقاء المقدم وشيخه الأقدم ونبيه الأكرم وغير ذلك مما هناك. ثم قال رضي الله عنه ثم إن كان الملقن لقن لا عن الشيخ أو مقدميه فقد أضرا بأنفسهما وإلا فقد أصابا. ثم إن لقن وترك ولم يعن في كيفية السلوك فهذا له على ملقَّنه (بالفتح) حق أخوة الشيخ فقط وإن لقن وأعان وكانت عينه من ورائه فهذا له عليه ما للشيخ من الحرمة” انتهى كلامه رضي الله عنه باختصار وتلفيق وتقديم وتأخير. ثم اعلم أن لهذه الطريقة التجانية ذات المواهب العرفانية شروطا وآدابا وأورادا وأذكارا. وأن جل هذه الشروط في الرسائل منطوية، وسائر الآداب فيها مشحونة، وبالوصايا المقدسة النافعة موشحة، وجملة الفضائل في ذيلها متعلقة، وبالأوراد اللازمة فيها ممنوحة، وبالأذكار الخصوصية فيها مذكورة، فلذلك رأينا أن نلتقط ونجمع بعض ما وصل إلينا من الرسائل إذ الحصر بالكل أصعب من الصعود إلى السماء بغير سلم منقولا من كتب الطريق والوسائل، سواء مما كتبه به سيدنا رضي الله عنه بنفسه لأصحابه رضي الله عنهم، أو ما هم كاتبوه رضي الله عنه، سواء ما كانوا يتراسلون فيما بينهم وسواء ما نقل عن الرسول بالنوادر من الرسائل إن شاء الله تعالى، إذ لا تخلو رسالة ما عن فائدة لينتفع بذلك المحب الصادق من أهل هذا الفريق إذا وفق عليها بسهولة، وسمَّيت هذا المجمع المبارك: “جواهر الأحمدية في الرسائل التجانية”. وأقول وبالله التوفيق وعليه توكلت وأقول بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا آمين فنبدأ الرسائل فنقول:

 

* الرسالة الأولى*1

 

من خط العلامة الخليفة الأكبر والعارف الأشهر سيدي الحاج علي حرازم رضي الله عنه، من كناشه بتقييد جمع فيه بعض ما تلقاه عن سيدنا رضي الله عنه من مقالاته الشريفة الدالة على علو مقامه واختصاصه بالختمية ونصه:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. اعلم أرشدني الله وإياك لما يحبه ويرضاه وألهمني وإياك للصواب والتوفيق في كل أمر قدره وقضاه ورزقنا التسليم لكل أواب أواه. أن الإمام الهمام قدوة الأنام وحجة الإسلام الأشراف الكرام ونخبة الفضلاء الأعلام العارف بالله أبا العباس سيدنا ومولانا أحمد بن امحمد التجاني الشريف الحسني، هو القطب المكتوم الذي أخبرت به أكابر الأولياء وتحدثت به في كل زمان وفي كل مجمع من مجموعها وتمنى كل واحد منهم أن يكون هو ذلك القطب كالشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي، والشيخ مصطفى وغيرهما من الأكابر رضي الله عنهم، وذلك أن ابن العربي الحاتمي رأى مقاما فاق كل مقامات الأقطاب ولا فوقه إلا مقام الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فظن أنه له وطمأنت نفسه به غاية الاطمئنان وفرح به كل الفرح وأنشد:

“بنـا ختـم الله الولايـة فانتـهـت إلينـا فـلا ختـم يكون لهـا بعدي

ومـا فـاز بالـختـم الذي لمحمد مـن أمتـه والعلم إلا أنا وحـدي

 

فبينما هو كذلك إذا بمناد يقول ليس لك ما ظننت وتمنيت وإنما هو لولي في آخر الزمان ليس ولي أكرم على الله منه، قال فعند ذلك سلمت الأمور إلى خالقها ومكونها ولقد طال ما جلت ببصيرتي في الغيوب لأطلع عليه وعلى مقامه واسمه ونسبه وبلده وكيف حاله فما أطلعني الله على شيء من ذلك ولا شممت له رائحة أصلا. وأما سيدنا رضي الله عنه فقال أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأني أنا القطب المكتوم منه إلي مشافهة لا مناما، فقلت له وما معنى المكتوم، فقال لي رضي الله عنه: هو الذي كتمه الله تعالى عن جميع خلقه حتى الملائكة والنبيين إلا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم فإنه علم به وبحاله، وقال رضي الله عنه: نسبة الأولياء للقطب المكتوم كنسبة القمر إلى الشمس.

وهو الذي حاز جميع ما عند الأولياء من الكمالات الإلهية والأسرار الربانية، واحتوى على جميعها وأكبر من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال( إن لله ثلاثمائة خُلُقٍ من تخلق بواحد منها أدخله الله الجنة ). وما اجتمعت في نبي ولا ولي قبله صلى الله عليه وسلم وفي الأقطاب الذين بعده إلى الحجة العظمى ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه إذ قال بنا ختم الله الولاية فانتهت البيتين. وأما الوصف والنعت فلا يفيد فيها شيئا. ولقد قال لي سيدنا رضي الله عنه: [ما كشف الله لأحد من الأنبياء والأولياء عن بواطنها وأسرارها وخباياها وعلومها، إلا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم وأنا معه حمدا وشكرا لله. وأما غيرنا فيعلم ظواهرها فقط]. وهو الذي قال ألا إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود صلى الله عليه وسلم تتلقاها ذوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكل ما فاض وبرز من ذواتهم تتلقاه ذاتي، ومني يتفرق إلى جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، ولي علوم خصصت بها بيني وبينه بلا واسطة، لم يكن لأحد بها علم ولا شعور إلا الله عز وجل. وقال لي رضي الله عنه، أنا سيد الأولياء كما كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء، فلا يشرب ولي ولا يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور. وهو الذي قال أنا الذي إذا كان يوم القيامة ينادي مناد في الموقف: يا أهل الموقف هذا إمامكم الذي كان مددكم منه من نشأة العالم إلى الآن، وهو الذي قال إن جميع الأولياء يدخلون في زمرتنا ويتمسكون بطريقتنا ويأخذون أورادنا من أول الوجود إلى يوم القيامة، وإن المهدي رضي الله عنه يأخذ عنا إذا قام آخر الزمان وبعد مماتنا وانتقالنا من دار الفناء إلى دار البقاء ، وهو الذي قال: أنا ذنب الجوزهر2 ينحل كل من قاربني من الأولياء الصغار والكبار، وهو الذي قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة تسمى جوهرة الكمال كل من ذكرها اثني عشرة مرة على وضوء وطهارة بدنا وثوبا ومكانا وفراشا، وقال هذه هدية لك يا رسول الله فكأنه زاره في روضته الشريفة، وكأنما زار أولياء الله الصالحين من أول الوجود إلى وقته ذلك فهذه سبب قطع الزيارة عن كافة أصحابه بحيث لا يزور واحدا من ساداتنا الأولياء رضي الله عنهم إلا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكل من زار وليا من الأولياء انقطع الحبل بيني وبينه، فلا هو منا ولا هو بذلك نعوذ بالله من الشكوك والطنون. قال رضي الله عنه: لا مطمع لأحد من الأولياء في مراتب أصحابنا حتى الأقطاب والأكابر، ما عدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما أنا لي عليهم الحرمة الدائمة والعلو الكامل في الدنيا والآخرة لا من كبر شأنه ولا من صغر، وهو الذي قال: إن أصحابنا لا يدخلون المحشر مع الناس ولا يرون محنة ولا مشقة من الممات إلى الاستقرار في عليين بجوار المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قال: أعطاني الله في الجنة مقام أربعين نبيا، لم تعط لغيرنا قط، وهو الذي قال: كل الطرق تدخل في طريقة الإمام الشاذلي رضي الله عنه إلا طريقتنا فلا، لأنها مستقلة بنفسها، ولأجل أنها محمدية ابراهيمية حنيفية أعطاها منه إلينا، وقال لي لا يصلك شيء إلا على يدي، وهو الذي ربانا وسلك بنا حتى بلغنا المنى حمدا وشكرا لله، وقال رضي الله عنه: لو بُحت بما علمه الله لي لأجمع أهل العرفان على قتلي، وأما ما أعده الله لأصحابنا من الفوز الأكبر فلا يظهر إلا يوم القيامة، وقال رضي الله عنه: إن صاحبي لا تأكله النار ولو قتل سبعين روحا، إذا تاب بعدها، لأن قدرة الله صالحة لكل شيء، وقال رضي الله عنه: ليس لواحد من الأولياء أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب إلا أنا وحدي، ولو بلغوا ما بلغوا من الذنوب وعملوا ما عملوا من المعاصي، وأما سائر ساداتنا الأولياء رضي الله عنهم فيدخلون أصحابهم الجنة بعد الحساب والمناقشة إلا من منَّ الله عليه بفضله، وقال رضي الله عنه: أعطاني الله الشفاعة في عصري أشفع في أهله، إلا من أبغضنا فلا يموت إلا كافرا ولو حج وجاهد، فهذا كله من سيد الوجود صلى الله عليه وسلم بوعد صادق، وقال رضي الله عنه: قال لي سيد الوجود صلى الله عليه وسلم: أنت حبيبي وكل من أحبك حبيبي أنت من الآمنين وكل من أحبك من الآمنين وأصحابك أصحابي وفقراؤك فقرائي وتلامذتك تلامذي. وقال رضي الله عنه، قال لي سيد الوجود صلى الله عليه وسلم: كل من نظر في وجهك يوم الجمعة ويوم الإثنين دخل الجنة بغير حساب. وقال رضي الله عنه: كل الطرق تدخل عليها طريقتنا فتبطلها لأن طابعها يركب على كل طابع ولا يحمل طابعنا غيره. وقال رضي الله عنه: من ترك وردا من أوراد المشايخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية الإبراهيمية الحنفية آمنه الله في الدنيا والآخرة، فلا يسوءه شيء أبدا وهذا بوعد صادق منه صلى الله عليه وسلم إلينا. وأن كل من دخل في زمرتنا وخرج منها إلى غيرها طرده الله عن حضرته وسلبه ما منحه ويموت كافرا والعياذ بالله من مكر الله ولا يفلح أبدا ولا ينفعه ولي من الأولياء كائن من كان. وقال رضي الله عنه: أعطاني الله في السبع المثاني ما لم يعطه إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وهو الذي قال: أعطاني الله من الاسم الأعظم أربع كيفيات واحدة منه صلى الله عليه وسلم وهي المخصوصة بمقامه صلى الله عليه وسلم وواحدة من علي كرم الله وجهه، وواحدة من الغيب، وواحدة من بعض الرجال. وقال رضي الله عنه: كل أعمار الناس ذهبت مجانا إلا أعمار أصحاب الفاتح لما أغلق فإنها فازت بالربح دنيا وأخرى، ولا يتصل بها إلا سعيد من الناس. وقال رضي الله عنه: ما توجه متوجه إلى الله عز وجل بأفضل منها ولا أعظم عند الله منها لأنها كلام الذات المقدسة ليست من تأليف المخلوقين، وتسمى بالياقوتة الفريدة وتسمى بالبكرية، لأنها أعطيت له من الغيب وبين شيئا من خواصها وأخرها الله تعالى حتى أخرجها على يد القطب المكتوم، ولا علم لأحد بها إلا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم علم بها وأمر بكتمها، وأما النبيون قبله فلا علم لهم بها فلو أخبر بها سيد الوجود صلى الله عليه وسلم أصحابه ما اشتغلوا بغيرها لما فيها من الأسرار لا يقاس لها حد وهذه الصلاة والسيفي يغنيان عن الأذكار حيث كانت. وإن المرة الواحدة منها فدية من النار. وأن من ذكرها مرة واحدة يغفر الله له ذنوبه ولو كانت في عمره مائة ألف سنة، وإن المرة الواحدة منها بأربعمائة غزوة كل غزوة بأربعمائة حجة. وإن ذاكرها يعطى ثواب كل ذاكر في الكون بأضعاف مضاعفة قلل أو كثر، وأن المرة الواحدة منها تعدل ست مائة ألف صلاة من مطلق الصلوات من صلاة كل ملك، وصلاة كل إنس وصلاة كل جان. وقال رضي الله عنه: ما أعد الله تعالى لذاكر صلاة الفاتح لما أغلق من الفضل العظيم لا يحل لي ذكره ولا يظهر إلا في دار الآخرة، وإن أردت البحث فيها فعليك بكتاب سيدنا رضي الله عنه المسمى بروض المحب الفاني في مناقب الشريف التجاني، مؤلفه هو الفقيه العلامة سيدي محمد بن المشري رحمه الله. وأما السيفي فله ستون كرامة، ومن جملتها أن من كتبه وعلقه عليه يعد من الذاكرين الله كثيرا وإن لم يذكره. حامله لا يخاف من شيء على وجه الأرض. من ذكره مرة واحدة يعطى عبادة سنة، وإن روح حافظه تخرج كالنوم، وإن الله عز وجل يقبض روح قارئه بيده ولا يوكله إلى عزرائيل عليه السلام، فانظر أخي رحمك الله إلى هذه الجواهر النفيسة والمنح العظيمة كيف يلتفت إلى غير من جعلت له. جعلني الله وإياك من المقيمين في هذه الزمرة المحمدية الشريفة التي مٌنحناها آخر الزمان عند انقطاعه وانصرافه وأماتنا على محبته بجوار مولانا محمد صلى الله عليه وسلم.

إنتهت هذه الرسالة المباركة ولعل صاحب الرماح قدس الله روحه وقف عليها فأدرج جلها فيها، والله أعلم.

1-كشف الحجاب:370

2- ذنب جوزهر:نوع من السمك من تمسك به أو مسحه أنحل جسمه بحيث لا يحس بشيء من حركة يده

 

*الرسالة الثانية*1

رسالة الخليفة الأكبر سيدي الحاج علي حرازم رضي الله عنه إلى سيدنا الشيخ رضي الله عنه ونص الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، الحمد لله بلسان المرتبة الجامعة للكمالات كلها، والصلاة والسلام على من خصه الله بالعلوم والأسرار بأجمعها وعلى حضرة سيدنا ومولانا وشيخنا أبا العباس السلام التام والقرب العام من حضرة ربها.

أما بعد: فالمطلوب من كمال فضل سيدنا الذي أسدى الله فضلا ورحمة ومددا إلينا، أن يتفضل علينا سيدنا رضي الله عنه بما وعدنا بخط يديه الكريمتين إلينا، كما هو معهود من فضل من غير استحقاق منا بل محض فضل وإكرام وامتنان علينا من سورة( ) بما لها من الأسرار والعلوم والوقت وما لها من اللزوم ودفع عوارضها من الشرور والهموم وإعطاء ما لديها من الأسرار والعلوم وأن يديم عليها بحول الله على عدد الدهر والعموم وكذلك ( ) الكتاب أيضا على ما يليق بالحال، ويزيل الإشكال. وإن ظهر لسيدنا أمر آخر فهو أدرى بحالنا ولا نستحق شيئا على سيدنا إنما ذلك فضل منه علينا. وأطلب منك، سيدي، الضمان الذي ضمنت لي بخط يدك من مقام مولانا الهمام الشيخ الأكبر أبي عبد الله سيدي محمد بن العربي الحاتمي، بما له من العلوم والأسرار والأحوال وسائر المقامات وأن نكون وارثا له في جميع ذلك على كمال الأحوال مع حفظ الشريعة المطهرة وبشريتي محفوظة علي، ضمانا لازما عند وصولي للمقام. وأن تفرغ عليَّ من جلابيب الحكمة الإلهية والأسرار الربانية وعلوم الشريعة وكنوز الحقيقة عند وصول المقام دفعة واحدة من غير مشقة ولا تعب. ولا طلبت مقام ابن العربي حتى عرفت وتحققت أن مقامك أعلى منه، ولا مطمع لي فيه، ولا ينبغي أن أحوم حوله. وأطلب منك سيدي أيضا أن يدفع الله عني جميع العوارض التي تقطعني عن جميع الخيرات فإني إن حاولت أمرا قطعتني عنه العوائق ولا طاقة لي برفعها ودفعها عني وهذا الأمر عندي محقق الوقوع. وأنا عبد الله سألتك سيدي بوجه الله وذاته العلية وجاه رسول الله وجاهه عند الله إلا ما رحمت غربتي وتوجهت إلى الله في دفع ملمتي التي حالت بيني وبين حقيقتي فإني تحققت أن الفتح الأكبر لايقع إلا بعد وصول المقام. فلا مطمع لي فيه الآن .

وأما تنوير باطني واستقامته وإظهار فضلك ومددك علي وحصول الخيرات لدي، ظاهرا وباطنا، فلا أقبل فيه عذرا من سيدي من الآن إلى حصول المقام وبعد حصول المقام مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، وأن تقبلني قبولا تاما عاما شاملا جامعا لأحوالي الظاهرة والباطنة، مع أولادي وإخواني وأحبابي وكل من أخذ عني وردك، قبولا لا ينقطع عني إلى دخولي معك في أعلى عليين في جوار النبي صلى الله عليه وسلم.

وأطلب منك الضمان لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة ضمانا لازما لا ينفك عني إلى دخولي الجنة. وأطلب منك الضمان أيضا أن كل ما أحاوله ينتج لي من أمر الدنيا والآخرة. وأطلب من الله جلت قدرته ثم من كمال فضلك ومددك الساري إلىَّ أن أكون في جميع ذلك على بصيرة نافذة من ربي، وأن لا يدخلني خلل في طريقي ولا في حقيقتي، وأن تكون شريعتي كاملة، وحقيقتي جامعة، وأن لا يتصرف في مخلوق دونك وأن أكون مأمونا من السلب إلى دخولي منزلي في الجنة. وأن تعاهدني أن لا تضرني ولا يحصل لي ضرر من جنابك لتقصيري وتفريطي وعدم معرفتي لحرمتك وعلو منصبك. فإني لا أقدر أن أقدر قدرك ولا أعرف أدبا نتأدب به معك، إلا أني ملقى بين يديك وأسلمت قيادي إليك ظاهرا وباطنا فأنت أولى بي من نفسي، فلا أعرف ما ينفعني ولا ما يضرني ولا كتبت هذه الحروف إلا جهلا مني: {قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي }البقرة 260.

وأطلب منك سيدي الضمان في كل ما يصدر مني من الأسباب المرضية. فيمن طلب مني الدعاء أو حاجة من حوائج الدنيا والآخرة ما عدا الأمور المخزنية فإني بريء منها. وإن طلب مني أحد شيئا فإني أتوجه إليك بهمتي إليك فأطلبه منك، فما أجابني به قلبي فعلته إما بالترك أو الفعل. ولا أفعل فعلا إلا بالله تعالى ثم بك. وأحوالي الظاهرة والباطنة كلها موقوفة عليك، وتحت حكمك، وطوع يديك من الآن إلى وقوفي بين يدي الله ، وهذي شهادتي بين يدي الله، فإني تحت حكمك وطاعتك، ولا أخالفك بحول الله وقوته في سرك وجهرك إلى دخول جنتك. فأنا ولدك وعبدك وخديمك ومريدك فلا مفر لي من بابك وإن طردتني عن جنابك فأنا ملازم الباب أُعَفِّرُ خدي في باب الأعتاب، ومتشفع إليك بحبيب الأحباب، سيدنا محمد عليه من الله الصلاة والسلام. فاقبل طلبتي، وجاوب عما في كتابي ليطمئن قلبي. ولا يخفى عليك حالي كيف خرجت من داري ولا رجوع لي إليها إلا بهذا الضمان.

وحين أفارقك يظهر علي خيرك ومددك الساري، فقد عاقني الدهر، وفارقني النوم، وضاع عمري هملا. وأطلب منك سيدي أن أكون منك على بال، ولا تنسني سيدي، وراع أحوالي الظاهرة والباطنة، ولا تقطع عني مددك لمحة واحدة، سيدي، لوجه الله، وأسألك سيدي بوجه الله العظيم، ونبيه الكريم، أن تبشرني ببشارة إن كان لي نصيب في هذه الطريقة العظيمة أو لا نصيب لي فيها. وهذا سوء أدبي وجهلي، فسامحني سيدي واعذرني لما حل بي من الهجران والقطيعة عن حضرة ذي الجلال والإكرام.

والأهمُّ عندي هو رفع العوارض عني جميعا ولا أقبل فيها عذرا لله تعالى. وهذه العوارض والعلائق والعوائق هي المانعة لي من جميع الخيرات. فإن صرفت سيدي همتك إليها صارت هباء منثورا وانزاحت عني. فإن اتكلت على عمل أعمله ضاعت أوقاتي، ولا ينتج له شيئا. فإن توجهتَ بهمتك العلية انزاحت عني الهموم والغموم، وزفت إلى الأسرار والعلوم، وربحت ربحا عاجلا وآجلا. من فيض علام الغيوب. فالله الله الله سيدي لوجه الذات العلية، وجِّهْ وِجْهَتَك إلي، وقلبك لدى، لحظة واحدة تنـزاح عني هذي العوارض والعوائق وتنكشف لدي جميع الحقائق. فإن قَبِلْتَنِي قبولا تاما فَبَخٍ بَخٍ وإلا كنت من الهالكين. وكلا ومعاذ الله أن تردني خائبا خاسئا حسيرا فأنت سيدي بحر زاخر لا تُكَدِّرُكَ الدِّلَاءُ ولا يُنقص جودَك الإنفاقُ، وفي كل لحظة تاتيك من فيض الله الأرزاقُ ولنقصر العنان، ونطلب منك تطهير الجنان. واستغفر الله مما كتبت يدي وأساءة الأدب في حضرة سيدي. فأسألك العفو والتجاوز والصفح والقبول كما هو معروف منك متداول. ولولا جهلي ما كتبت حرفا واحدا إلا لضعف حالي، وقلت بضاعتي ولكن علمت وتحققت أني خديمك وحبيبك وولدك أسألك وأطلب منك بأني حبيبك ومحبوبك في الدنيا والآخرة، وهذه لا أقبل فيها عذرا والسلام عليكم، و رضي الله عنكم، وأدام حياتكم لنا، وجعل نفع المسلمين كافة على أيديكم.

وأطلب منك أن يميتني الله على محبتك وأولادي وأحبائي وتضمنه لي والسلام من عبدكم وخديمكم وأفقر الورى إليكم، والغني بكم علي حرازم برادة لطف الله به آمين.

والجواب مما يقر الله به العين، ويطمئن له القلب، وتسكن إليه الجوارح. والسلام من الله عليكم ورحمة الله لديكم في كل لمحة آمين.

1- كشف 84

 

 

*الرسالة الثالثة*1

 

نص جواب رضي الله عنه على هذه المطالب [ أجاب بها الخليفة الأكبر الحاج علي حرازم رضي الله عنه].

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم وعليكم السلام.

أما ما ذكرت من العوارض الحائلة بينك وبين ما تقصد من عمل الآخرة فاعلم أن سببه ما تمكن من نفسك من الميل إلى الراحات، واقتحام ما تقدر عليه من الشهوات. فإنها سمعت أن مقام المعرفة بالله حاصل لها بلا تعب فمالت إلى ما يقتضيه هواها من الراحات، فلو أنها علمت أن مقصودها من المعرفة بالله لا يحصل لها إلا إذا جدت في ما هو من أمر الطريق معروف وفارقت كل مألوف، لأجابت إلى ما يراد منها من المجاهدة لأنها تريد الظفر بمطلوبها، فلما سمعت انه يحصل لها بلا تعب لم تجب إلى ما يراد منها من المجاهدة ومفارقة الحظوظ. فكل عارض لا بد له من ظهور حكمه فمن ظن أن قيام العوارض بالقلب على حاله يمكن معه نقيض حكمه فقد جهل أمر الله عز وجل ولم يحصل له من ظنه إلا التعب لا غير.

ومَثَل العوارض كالسحاب في السماء، ومثل ما وراءه من المجاهدة كالشمس، فإذا صحا السماء من السحاب طلعت الشمس وإذا وقع السحاب دونها حال بيننا وبينها فلا يمكن وقوع السحاب في السماء وطلوع الشمس صاحية من ورائه، وتعقل هذا وتأمله تستفد منه علما عظيما، وحيث قامت العوارض بالقلب من الميل إلى الراحات، واقتحام ما تقدر عليه من الشهوات، امتلأ القلب بصور الأكوان والميل إليها، وحيث وقع ذلك تمكن تخليط القلب في أمر الهوى، والبعد عن حضرة القدس وعن جميع مقتضياتها. فلا تزول منه هذه الأمور إلا بوارد الفتح الأكبر الذي يفيض معه بحر المعرفة بالله، وإلا فلا تطمع أن يخلو قلبك من الظلام والكدر ما دامت في قلبك هذه العوارض وحضرة الحق جارية على النسب لا تخرج عن نسبها.

واعلم أن مراد الله منك في هذا الوقت ما أنت فيه، فوقوفك بعبوديتك فيما أقامك الله فيه في وقتك هو أولى بك وأمكن من رمي فكرك إلى مطلب قطعتك دونه العوارض ولم تحصل منه على طائل، فسلم الأمر إلى الله.

واعلم أن ما تطلبه له أجل ومقدار، إذا جاء، وقته جاء ولا يتعجل بطلب تعجيلك. وإن رمت الخروج عما أنت فيه إلى تنوير القلب وصفائه فاذهب وانقطع عما سوى الله في مكان لا ترى فيه أحدا، والزم نفسك إخراج مرادك من كل ما سوى الله، واستغرق أوقاتك في الذكر المفردي ترى العجب من تمكين الصفا، فإن لم تساعفك نفسك على هذا اعلم أن مراد الله منك ما ذكرنا واترك عنك ما يتغلغل في قلبك من خواطر السوء المفضية إلى سوء الأدب مع الله ومعنا بطلبك أمورا لا نسبة لها فيك بل ليس فيك إلا نسبة نقائضها.

لقد رمت الحصاد بغير حرث يغوص البحر من طلب اللآلي

وهذا القدر كاف ان فهمت.

وأما ضمان المعرفة بالله من مقام محي الدين فإنا أضمنه لك إلا قطبانيته فلا أعلم فيها أمرا ولا غيره، ولا أضمنها وهى موكلة إلى مشيئة الله وعلمه، وأما محبتك لنا فأنا أضمنها أن تموت عليها إن فارقك ما تخوَّفتُه عليك وإنى تخوفت عليك من طلبك الأغراض منا أن تنقطع عنا، وليس ذلك من جهتى وإنما هو من جهة إكثارك منها. فإذا طال أمرك ولم تر شيئا من أغراضك قال لك الوسواس،” ليس ثم شيء يرجى، ولا فائدة تجتنى”، فانهدم قصر اقتصارك علينا برغبتك في غيرنا فتنقطع المحبة من أصلها وتقع فيما لا قدرة لك على حمله من الضرر. ولا أذكره لك لعدم إمكانه، وإن انقطعت عنا رأيته ولو بعد حين فتندم حيث لا ينفع الندم، بل اذهب والزم والتزم ما قلنا لك من الأوراد مسلما قيادك لله في الرضى بما أقامك فيه حتى يأذن الله لنا ولك بالفتح فقط ودع عنك ما عدا هذا.

وأما ما طلبت من الضمان في المعرفة بالله من كونها صافية من اللبس، ممزوجة حقيقتها بالشريعة، فإن أمرها لا يكون إلا كذلك لا غير، فلا تحتاج إلى ضمانه. وأنا ضامن لك أن لا تسلب ما دمت في محبتنا، وكل ما دونه من دخول الجنة بلا حساب إلى ما وراءه وما قبله، وسامحتك فيما لا تعلمه مما مقتضاه سوء الأدب. وأما السورة فتداومها 11000 كل يوم أوكل ليلة مختليا وحدك وقت ذكرها فقط وبدؤها أن تقرأ الفاتحة مرة، وصلاة الفاتح لما أغلق مرة، وتهدي ثوابها لأهل النوبة في ذلك اليوم من الأولياء الأحياء، ثم تقوم وتقف مستقبلا وتنادي ح دستور يا أهل النوبة جبهتي تحت نعالكم ح، ثم تقرأ الفاتحة مرة وتهدي ثوابها لروح الشيخ عبد القادر، والشيخ أحمد الرفاعي ، وجميع الأولياء الحاضرين والغائبين ، ثم تقرأ الفاتحة مرة تهدي ثوابها لروح سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تسأل المدد في سر السورة وفي قضاء الحاجة التي تريدها، تناديه ثلاث مرات وفي كل مرة تناديه ثلاث مرات وتسأل المدد منه صلى الله عليه وسلم، ثم تسأل المدد من جميع الشيوخ الحاضرين أعني الأحياء تناديهم ثلاث مرات، ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم أحدى عشر مرة بالفاتح لما أغلق، ثم تشرع في ذكر الورد المذكور، إذا لم يك في حاجة فإذا فرغت منه صل على النبي صلى الله عليه وسلم بالفاتح لما أغلق أحدى عشر مرة ، وإن كان لحاجة تنوي الحاجة، قبل الورد، وبعد الصلاة أحدى عشر مرة تذكر الورد بنيتها فإذا فرغت فارفع يديك واسأل الحاجة من الله ثلاث مرات وصل على النبي صلى الله عليه وسلم في أول كل مرة وبعدها، ثم تقرأ الفاتح لما أغلق أحدى عشر مرة ولا تقطع الورد عدد أيام الحاجة أحدى عشر مرة فإن استجيب فذلك وإلا أعد أحدى عشر يوما حتى تجاب والسلام.

 

1- كشف الحجاب. ص: 87

 

*الرسالة الرابعة*

وكتب سيدنا رضي الله عنه إلى الخليفة الأكبر الحاج علي حرازم ونصه:

بعد البسملة والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما ما ذكرت من الأخبار لك ببعض الأمور ليطمئن قلبك، وتزيد محبتك، ويدوم سرورك، فأقول لك: الأولى من ذلك الكرامة التي شاعت وذاعت عند المعتقد، على رغم المنتقد، وهي أعظم خير يرجى، وأفضل موعدة للعاقل ترتجى، هو أن كل من أخذ وردنا ودام عليه إلى الممات يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب هو ووالده وأزواجه وذريته. إن سلم الجميع من الانتقاد. وأما من كان محبا ولم يأخذ الورد فإنه لا يخرج من الدنيا حتى يكون وليا. وكذلك من حصل له النظر فينا يوم الجمعة و الإثنين يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب، إن لم يصدر منه سب في جانبنا ولا بغض ولا إذاية. ومن حصل له النظر في غير هذين اليومين فهو من الآمنين بأن يموت على الإيمان، وإن سبق أنه يحصل له العذاب في الآخرة فلا يموت إلا كافرا، فهذا ما يمكن به إعلامكم في هذا الوقت، وفي وقت آخر يفعل الله ما شاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

1- كشف الحجاب. ص: 96

 

الرسالة الخامسة كشف 135

 

من سيدنا رضي الله عنه إلى علامة الزمان بالإطلاق وفريد الأوان بلا شقاق خاتمة المحققين وفاتحة أهل اليقين الولي الكامل والحجة الواصل أبو إسحاق سيدينا ابراهيم بن عبد القادر الرياحي التونسي رضي الله عنه ولأخويه في العلم و الطريقة والشاربين من منهل الحقيقة سيدي محمد بن المشري وسيدي محمود التونسي رضي الله عن الجميع ونصه:

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

بعد حمد الله جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته وتعالى عزه فتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى أحبابنا وأعز الناس لدينا سيدي محمد بن المشري وسيدي محمود التونسي وسيدي ابراهيم الرياحي التونسي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وإنعامه وإبراره من المسلم عليكم أحمد بن محمد التجاني

وبعد نسأل الله تعالى أن يقبل عليكم بفضله و رضاه وأن يجعلكم في ديوان الصديقين وأن يحرسكم بعين رعايته وأن يحفظكم من جميع المخاوف والمكاره وأن يغمركم في رضاه إلى الإستقرار في عليين،آمين.

يليه أن الكتاب1 الذي جمعه سيدي ابراهيم الرياحي في الرد على من طعن فينا ونسبنا إلى الإعتزال والنكير علينا فلا تلتفتوا لكلامه ولا تبالوا به ولا تهتموا من شأنه وإنما هو رجل أعماه الحسد واستولى الرَّان على قلبه وليس هو من فرسان هذا الميدان حتى تلتفتوا إليه إنما هو كما قيل ليس بعشك فادرجي2. ولنا في الرسل عليهم الصلاة والسلام أُسوة نُسبوه إلى الشعر وإلى الجنون وإلى الكهانة وإلى السحر. وما التفتوا إليه وما أهمهم أمر من نسبهم إلى ذلك. حاصل الكلام مطلقا الحادث والقديم ،إنما هو أسماء و مسميات الأسماء هي صورة كلام المتكلم والمسميات هي مدلولات الكلام الذي يدل عليها كلام المتكلم، فكلام الحق سبحانه و تعالى وصف قائم بذاته لا ينفك عنها وهي عين تلك الأسماء المعبر عنها عن المسميات فالأسماء كلها قيمة أزلية لأنها عين الكلام الأزلي فلا يصح الحدوث فيها بوجه ولا بحال، وهي في هذه المرتبة يستوي فيها القديم و الحادث. والمسميات التي دخلت تلك الأسماء بعضها قديم و بعضها حادث فالمسميات: هي المدلولات لا يصح فيها أن تنتقل لفهم المتكلم الحادث مثلا، والكلام الأزلي لا يصح أن يقال له قرآن في حق الذات المقدسة وإنما يقال فيه كلام.

ولكن أعرضوا عن كلام هذا الجاهل ولا تلتفتوا إليه، واستأنسوا بقوله تعالى:{ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم }3 إلى قوله تعالى:{ وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم.ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تآتيهم الساعة بغتة أو ياتيهم عذاب يوم عقيم .الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا.فأولئك لهم عذاب مهين. والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم}4.وقوله:{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون

و لتصغى أفئدة الذين لا يومنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفوه}5.

ولكن الأمر هين أتركوه في عماه كيف شاء. والسلام وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

 

1 – الكتاب هو: مبرد الصوارم والأسنة في الرد على من أخرج الشيخ التجاني عن دائرة السنة لسيدي ابراهيم الرياحي.

2 – يضرب هذا المثل لمن يرفع نفسه فوق قدره. ( مجمع الأمثال. ج:2 ص: 181 ).

3 – الحج 52.

4 – الحج 59.

5 – الأنعام 112


*الرسالة السادسة*1

 

من سيدنا رضي الله عنه للشيخ ابراهيم الرياحي التونسي رحمه الله لما طلب منه الإذن في الطريقة المحمدية ونصها: بعد البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم إلى حبيبنا الفقيه الأنبل النبيه الأفضل أبي إسحاق سيدي ابراهيم الرياحي بتونس. سلام الله وتحيته ورحمته وبركاته وإبراره ورضوانه وإحسانه وإكرامه وإنعامه وإعظامه عليك وعلى آلك ومن لاذ بجانبك من الأهل والجيران ما تعاقبت الأعصار والأزمان، وإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.

أما بعد : فقد وصلنا كتابك الكريم وخطابك السليم، فقد أجزتك وأذنتك في ذكر الورد الكريم المبارك العظيم فشد حيازمك فيما أنت بصدده،وأيقظ نفسك من غفلتها ولا تطعها طوعا في بطالتها،فإن الأمر جد لا هزل. وقف على ساق الجد والكد، فإن الفقير الناقض لميثاقه عقوباته شديدة وحسراته عديدة،وكن على يقين من أمرك ولتهمل ما كفيت ولا تعاط2 ما استكفيت فإن طريقتنا هذه المحمدية قد حصلت من الله عز وجل بخصوصية على سائر السبل يكل اللسان عن تبيين حقيقتها،ولا ينظم فيها ولا يأوي إليها إلا المقبول فضلا من الله عز وجل.ولو كشف الغطاء عنها لصبا3 إليها أعيان الأقطاب كما يصبوا رعاة السنين إلى الغمام ولولا ما نهيت أصحابي عن التصريح بها لأحد بالأخذ لها لكان الواجب في حق كل من نصح الأمة جبر الناس عليها والإتيان إليها،ولكن لا مندوحة4 عن الوقوف عندما حد، فتنبه وتبصر ولا تغتر إذ الطرق كلها آخذة بحجزتها5 لأنها أصل كلية الطرق منذ نشاة العالم إلى النفخ في الصور بوعد صادق من سيد الوجود صلى الله عليه وسلم.

ثم أذنت لك إذنا كليا كافيا متماديا من الآن إلى الأبد بلا تبديل ولا تحويل بشرط قطع زيارة الصالحين بحذافرهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم لا غير.وقد من الله علينا بجوهرة الكمال من ذكرها إثني عشرة مرة على طهارة كاملة وقال هذه هدية لك يا رسول الله فكأنما زاره صلى الله عليه وسلم في روضته الشريفة،وكأنما زار أولياء الله الصالحين من هجرته صلى الله عليه وسلم إلى حين الذكر.فتنبه رحمك الله إلى هذه المنح العظيمة واليواقيت النفيسة التي من الله الكريم بها علينا دون سائر الطوائف.وطريقتنا مكتومة عن كل أحد حتى الملائـكة والنبيين إلا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم فإنه عالم بها وبحالها جعلنا الله وإياكم ممن تمسك بها وانخرط في سلكها في الحياة الدنيا وفي الممات في سلامة وعافية وأمانة إلى الاستقرار في أعلى عليين بجوار سيد المرسلين.وإياك ثم إياك العجز والكسل والحرج والتواني فيما أمرت به والجلوس في موضع الريب والضلال. وأوصيك بتقوى الله في السر والعلانية واتباع السنة في كل قاصية ودانية وشاذة وفاذة في الأقوال والأفعال والرضى عن الله في الإقلال والإكثار والإقبال على الله ومراقبته في جميع الأحوال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار وتحكيم السنة على جميع الخطوات.وعليكم بالاستقامة في جميع الحركات والسكنات،وأوصيكم بالصبر ومصاحبة الذكر والجثوم6 إلى الله بكليتكم بشرط ترك الفضول والصبر على الأذى أقرب للسلامة وأحمد في العاقبة.وأسأله سبحانه وتعالى أن يرزقكم تسديده وتوفيقه وتأييده وأن يسعدكم وأن يتولى أمركم بما تولى به خواص عباده المحبوبين لديه وأهل الصديقية العظمى والولاية الكبرى بجاه المصطفى صلى الله عليه وسلم.وأن يجعلكم في كفالته وكفايته وكلاءته وولايته ووقايته وهدايته وحراسته وحياطته وغفارته وصيانته وعزته ومنعته إنه المستعان وعليه التكلان.وأن يجعلكم من أوليائه الذين ذكروه خوفا وطمعا وتعظيما لجلاله.وأن يكسوكم حللا من نسج مودته وأن يلبسكم النور الساطع من مسرته.وأن يوقفكم على باب النظر من قربه وأن يطهر أبدانكم بمراقبته وأن يطيبكم بطيب أهل معاملته وأن يضع على رؤوسكم تيجان مسرته وأن يرفع لكم أعلام الهداية إلى مواصالته.وأن يجلسكم على كراسي أهل معرفته وأن يشفي عللكم كلها بحكمته إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

فانظر رحمك الله إلى هذا الدعاء من سيدنا رضي الله عنه إلى هذا السيد الجليل تعرف قدره الذي بكل خير في الدارين كفيل فهنيئا لسيادته ثم هنيئا به ورزقني الله والمحبين نفحة من نفحاته ونفعنا الله ببركاته آمين.

1- كشف الحجاب. ص: 146.

2- تعاط: مصدره العطو ومعناه التناول أي لا تتناول ما استكفيت.

3 – صبا: يصبو أي مال إلى الشيء.

4 – مندوحة: مفر أي لامفر.

5 – حجزة: أصله موضع شد الإزار، ومنه أخذ بحجزة الله إي بسبب منه.وتعني الاعتصام والالتجاء والاستجارة.

6 – الجثوم: فعله جثم أي لزوم المكان فلم يبرحه أو الوقوع على الصدر أو التلبد بالأرض. والمقصود هو لزوم التوجه إلى الله عز وجل وعدم التحول عن ذلك.


*الرسالة السابعة*1

من سيدنا رضي الله عنه إلى سيدنا ابراهيم الرياحي رضي الله عنه أيضا ونصه:

بعد حمد الله جل جلاله وعز كبرياؤه وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه،يصل الكتاب إلى يد حبيبنا ورفيع المكانة من قلوبنا سفير وجوال بحور العلوم وغواص ميادين الفهوم سيدي ابراهيم الرياحي التونسي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته على كافة أهلك وأولادك وعلى كل من يلوذ بك أو ينتسب إليك

من كاتبه العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمد التجاني.

وبعده فالسؤال منا على أحوالك كيف أنت وكيف هي أحوالك أجراها الله على طبق رضاه، ونسأل الله عز وجل لك أيها السيد الكريم أن يرزقك بين يديه وقفة كاملة صافية خالصة منه إليه وبه، تفوق موقف أكابر الصديقين الواصلين،ونسأل منه سبحانه وتعالى أن يهب لك هذه الوقفة بين يديه حالا ومآلا في الدنيا والآخرة،وأن يهيء لك في تلك الوقفة خصوصية عظمى وموهبة كبرى ومقربة زلفى، علما وعملا وحالا وذوقا وتحققا إنه ولي ذلك والقادر عليه،ونسأل منه سبحانه وتعالى أن يجعل نظرة فيك في الدنيا والآخرة بعين عنايته ومحبته ورحمته واصطفائه واجتبائه،وأن يكفيك جميع المهمات وأن يكمل لك جميع المرادات إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،والسلام عليكم.

 

1 – كشف الحجاب. ص: 149


*الرسالة الثامنة*1

من سيدنا محمد بن المشري رحمه الله إلى سيدنا رضي الله عنه يشتكي ما أصابه من ذلك الألم وما حصل من الاشتياق إلى الاجتماع به والنظر لوجهه رضي الله عنه ونصه:

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

قدوتنا وسندنا سيدنا ووسيلتنا إلى الله قطب الأقطاب مولانا أبا العباس أحمد بن محمد التجاني، جعلنا الله معه في دار التهاني وأرونا من بحر حبه وفيض أنواره ومدد عرفانه بأعظم الأواني آمين.

وبعد فإن سأل السيد عن عبده فإنه بخير مادام تحت نظره متشوقا لنواله داخلا في حمايته إلا أن اليد الموجوعة إلى الآن لم يعد فيها دواء صنعت لها دهن بونافع وأتقنته ودهنتها به مدة مع عدم مس الماء ولم يفد به وعالجتها بأمور أخرى ولم تفد كذلك فما بقي إلا دواؤكم النافع الشافي.

وأما أحوالنا فإننا بخير لله الحمد وله المنة بفضلكم علينا. إلى أن قال وقد سألناكم بجاه أفضل خلقه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأحبهم إليه، أن تدعو الله لنا بالجمع معكم وعدم مفارقتكم إلى الاستقرار في عليين فقد ضاقت علينا الأرض بما رحبت ومرضت قلوبنا من هذا الحال وهو فراقكم في كل عام فلم نطقه وما كبر علينا إلا هذه الساعة وقد تحيرنا غاية الحيرة ففاتنا التمتع بجلوسكم والنظر في طلعتكم الزكية، ومع هذا إننا مهملون لا دنيا شاغلتنا عنكم ولا عبادة وهذا كله من عدم صدقنا معكم أهملتمونا حتى ضاعت أعمارنا سبهللا2 فإنا لله وإنا إليه راجعون.

إن لم تنظروا فينا بعين الرضى فقد هلكنا. وهذا الهذيان صدر من وحشتكم والغربة وقلة المساعد في كل أمر. نسأل الله أن يرزقنا الرضى منكم والقبول على ما نحن عليه، آمين.والسلام وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

 

1 – كشف الحجاب. ص: 154.

2 – سبهللا: سبهل: أي فارغا ليس معه من عمل الآخرة شيء.


*الرسالة التاسعة *1

من الخليفة سيدي علي التماسني أجاب بها سيدي المشري الأشهب وليس هو سيدي محمد بن المشري رضي الله عنهما، ونصها:

بسم الله الرحمن الرحيم بحمد الله يصل الكتاب إلى صاحبنا وصديقنا وأعز الناس عندنا سيدي محمد بن المشري بن المرحوم سيدي العربي رحمه الله. السلام عليكم ورحمة الله وعلى من تعلق بك من أهل وأولاد وخادم وقادم. من كاتبه ومريد الخير لك: علي بن الحاج عيسى.

وبعد نسأل الله عز وجل أن يكف عنا وعنك جميع شر خلقه وأن يرزقنا وإياك محبة سيدنا آمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وقد بلغنا مكتوبك وفهمناه. وأما قولك أحبت النصح لله ورسوله. فهذه الساعة التي نحن فيها لم يبق فيها نصيحة2 ولا عمل لأن الله تبارك وتعالى حكم على عباده بفساد الأرض وأهلها لم يبق شيء من العمل إلا الذي رزقه الله محبة سيدنا رضي الله تعالى عنه ظاهرة وباطنة. ونطلب الله عز وجل والقطب الأعظم سيد الوجود صلى الله عليه وسلم أن يرزقنا وإياك محبته وصحبة سيدنا رضي الله عنه ويحشرنا وإياك وجميع الأحباء في زمرته، وأن يجعلنا وإياك في جوار سيدنا رضي الله عنه وسيد الوجود صلى الله عليه وسلم آمين آمين وصلى الله على سيدنا محمد من كاتبه علي بن الحاج عيسى.

 

1 – كشف الحجاب. ص: 154.

2 – النصيحة واجبة حيث يظن فيها الإفادة لا الضرر. لأنها إذا ظن فيها الضرر أصبحت فضيحة، كما هو واقع اليوم ممن يعدون أنفسهم نصاحين ويستعملون في ذلك أساليب شتى.


الرسالة العاشرة كشف 157

من سيدنا رضي الله عنه إلى محبه وصفيه الشيخ محمود التونسي رضي الله عنه ونص الرسالة:

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، بعد حمد الله جل جلاله وعز كبرياؤه وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى يد حبيبنا وصفينا سيدي محمود التونسي.

السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وبعد فاسمع جواب ما سألت عنه من السؤالات، أما الوظيفة فأحذرك تحذيرا شديدا من تركها وتارِكُها من أصحابنا يفوته خير عظيم لا ينجبر له فوات ذلك الخير أصلا، إلا أنها إن وجدت ذكرها مع الفقراء فهو أفضل وأعلا… وإن لم تجد الفقراء فاذكرها وحدك ولا تتركها حتى يوما واذكرها مرة بين الليل والنهار، ومن وجد ذكرها مع الفقراء وذكرها وحده أخطأ الصواب.

وأما ما سألت عنه من أمر الشفع والوتر إن لم يفق النائم مثلا حتى طلعت الشمس ترك الشفع والوتر والفجر وصلى الفرض فقط، ثم يصلي الفجر قبل الزوال، وأما الشفع والوتر إذا طلعت الشمس فقد فاتا ولم تمكن إعادتها وتداركهما. وتدارك الصلاة المعلقة بين السماء والأرض لأجل تركهما يكون بصلاة النافلة أربع ركعات2 يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وهي الركعات المعدة لكل فائت من الفرض والنفل من أول العمر إلى اليوم الذي صلى فيه الركعات الأربع يوم الجمعة فذلك قضاء الجميع والركعات مشهورة فلا نطيل بكتابتها.

وأما المريض إذا حصل له غيبة العقل بغير نوم كإغماء أو غيره فكلما مضى من الصلوات حتى خرج وقتها في حال غيبة العقل بغير نوم فلا قضاء عليه – أي المريض بعد الإفاقة – لا فرضا ولا نفلا ولا يقضي إلا ما تركه ومعه طرف من عقله فرضا لا نفلا، إلا ما أدركه وقته من النافلة بعد غيبة عقله فيصليه والسلام، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

1 – كشف الحجاب. ص: 157.

2 – صلاة الفائتة: وهي أربع ركعات تصلى يوم الجمعة بهذه النية وهي كفارات وليست قضاء. فالواجب قضاء تلك الصلوات حسب غلبة ظنه ثم يصلي هذه الركعات الأربع كالكفارات فقط.


* الرسالة الحادية عشر *1

من سيدنا رضي الله عنه إلى خاصة أحبابه وأصحابه المحبوبين عنده وهم أربعة نفر.

ونصه بعد حمد الله جل جلاله وعز كبرياؤه وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه. يصل الكتاب إلى أيدي أحبابنا وأصفيائنا وأعز المكانة لدينا. سيدي عبد القادر بن عبد المالك وسيدي محمد قويدر وسيدي علي بن الغزال.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى سيدي الحاج سليمان المقدم. من كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن امحمد التجاني.وبعد نسأل الله عز وجل لكم أن يفيض عليكم بحور فضله ورضاه وأن يكتبكم في ديوان السعداء في الدنيا والآخرة وأن يرزقكم جميعاً وقفة بين يدي الله عز وجل في مرتبة الصفاء تضاهي وقفة الأقطاب بين يديه، وأن يكتبكم في ديوان أوليائه المقربين وصفوته العليا من أكابر الصديقين وأن يديم نظره فيكم بعين عنايته بكم ورضاه عنكم ومحبته لكم واجتبائه لكم واصطفائه لكم في الدين والدنيا والآخرة وأن يجعل سعادتكم عنده كسعادة المصطفين الذين استخلصهم واصطفاهم بسابق العناية الدائمة والمشيئة النافذة. فإن هذه السعادة لايكدر صفاءها ركوب ذنب ولا اتصاف بعيب بل هي مبدلة بمحض الفضل والكرم لاتتوقف على شرط ولا زوال مانع، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وأما أمر الوظيفة فبذكرها مرة بالليل ومرة بالنهار. وإلا فمرة بين الليل والنهار تكفي تذكر جماعة لمن وجد الإخوان وإلا فوحده. وأماذكر الجمعة بعد صلاة العصر إما قدر ساعة أوساعتين متصلة بالغروب وهي لا إله إلا الله فيذكرها جماعة وإلا فوحده.

واعلم أني جددت لك الإذن في الفاتح لما أغلق وفي الفاتحة بنية الإسم في فيض عظيم فاض فيها من عند الله عز وجل لايحل ذكره ولا يرى ولا يعرف إلا في دار الآخرة لا سبيل لذكره في الدنيا . وإنما أذنت لك فيها فقط.

فأما الفاتحة فلا إذن لك فيها أن تأذن غيرك وإنما أذنت لك فيها فقط.

وأما الفاتح لما أغلق فأذنت لك أن تأذن فيها غيرك. وكل من أخذ وردنا فلا يزور وليا حيا ولاميتاً ومن زار فقد خرج من وردنا، لكن في طريقتنا الزيارة لمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي أن يقرأ جوهرة الكمال عشرين مرة ينوي بها زيارته صلى الله عليه وسلم ويهدي ثوابها له صلى الله عليه وسلم فإنه من حين يكمل سبع مرات يجلس صلى الله عليه وسلم بين يدي الذاكر بذاته حقيقة2 ولا يزال جالسا معه حتى يكمل العشرين فإنه بهذا الفعل يكون كمن وقف على قبره صلى الله عليه وسلم وزاره، والذي يحصل له من الخير والثواب في هذه الزيارة لا يأتي عليه الحصر والعد وهو مكتوم لا يحل ذكره ولا يعرف إلا في الآخرة، وهذه الزيارة له صلى الله عليه وسلم لا تتقيد بيوم ولا بوقت بل هي مطلقة حيث شاء فعلها وهي تغني عن زيارة الأولياء وإن تشوق قلبك إلى أن نبشرك. فاعلم أنه ورد فيض من عند الله لأصحابنا تقر به العيون مكتوم لو حل كشفه لذكرته ولا يعرف إلا في دار الآخرة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

1- كشف الحجاب. ص:199.

2- هذا الحضور نوراني غير مادي ولم يزل الرسول صلى الله عليه وسلم ينتقل منه والنور لا تحجزه المادة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* الرسالة الثانية عشر*1

من المقدم الأمثل العلامة الأجل أبو الحسن سيدي علي بن عبد الرحمن مفتي وهران إلى السيد أحمد العبدلاوي رضي الله عنهما.

ونص الرسالة: بعد البسملة والصلاة والسلام على خير البرية والدنا الروحي وطبيبنا النفساني ولي نعمتنا وملاذي وعمدتي وقدوتي حامل لواء الطريقة المحمدية ومظهر أسرار التجانية. العارف بالله من الله إلى الله سيدنا ومولانا احمد العبدلاوي أبقى الله وجودك وأشرق في سماء العرفان شموسك، أياشريكي في الصورة الإنسانية وإن كانا واحدا من حيث الحقيقة المحمدية، نورك الكل والورى أجزاء، ويا نظرة العارف بالله سيدي الحاج علي التماسني قدس الله سره، وياخزانة أسرار سيدنا محمد الحبيب نجل سيدنا الشيخ رضي الله تعالى عنه. أشهد بالله أني ما سمعت ولا علمت بعد انتقال سيدي العربي بن السائح رضي الله عنه ولا رأيت من يقوم مقامك في هذه الطريقة المحمدية ولا من يعرف شروطها الصحية والكمالية ولا آدابها ولا أسرارها ولا أحوال سيدنا رضي الله عنه وأولاده مثلك سيما ركنها الأعظم وهو رفع الهمة عن الخلق وعدم الإلتفات إلى ما في أيديهم، أبقاك الله علماً ومدداً ومركزاً لهذه العصبة المحمدية الإبراهمية الحنيفية وبارك في عمرك إلى أن ياتي الله بالفتح أو أمر من عنده، وجعلك من ورثة المقام المحمدي عين الرحمة الربانية التي وسعت كل شئ. إلى أن قال: فهنيئاً ثم هنيئاً لك، فيا خيـبة من جهلك وبعداً لمن عاداك ويا حسرة من لم يعرف قدرك ويا غبن من لم يفز بمولاتك ومحبتك.[وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم معرضون]2 الله الله في دعائك الصالح لصلاح أحوالي وتسديد أقوالي وفتح بصيرتي وفك قيودي وخلاصي من ربقة الغير والغيرية حتى نرى الحق بالحق من الحق للحق سلام الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد بتاريخ رجب سنة 1324.

 

 

1 – كشف الحجاب. ص: 203.

2 – سورة يوسف 105

 

 

* الرسالة الثالثة عشر*1

من أحمد العبلاوي إلى الفقيه العلامة الشيخ أحمد سكيرج وفي ضمنها التقديم لهذا السيد.

ونصها بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

الحمد لله جل جلاله وعز كماله وتقدست صفاته وأسماؤه وتعالى عزه وتقدس مجده وكرمه، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وآله.

وبعد: فيقول أفقر العبيد إلى مولاه الغني الحميد أحمد بن محمد ثم العبدلاوي خديم التجاني، عامله الله بفضله وكرمه في الدارين أجزت وأذنت لولدنا السيد أحمد الحاج العياشي سكيرج في إعطاء طريقة شيخنا القطب التجاني ، وهو الورد المعلوم الشريف الذي هو من ترتيب سيد الوجود صلى الله عليه وسلم، وهو أستغفر الله مائة وصلاة الفاتح لما أغلق إلخ مائة ولا إله إلا الله مائة وهذا الورد هو لازم للطريقة المحمدية يتلوه صباحا ومساء، والوظيفة الشريفة وهي أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ثلاثين مرة وصلاة الفاتح لما أغلق خمسين مرة والهيللة مائة مرة وجوهرة الكمال اثني عشرة مرة وتكفي في وقت واحد، إما في الصباح او المساء وإن تيسر في الوقتين فحسن وتقرأ مع الجماعة وهي شرط فيها2، إن كان في البلد إخوان وإن كان وحده ولم يجد الجماعة قرأها وحده.

ومن لوازم الطريقة ذكر الهيللة بعد عصر يوم الجمعة، إن وجد إخوانا وإلا ذكرها وحده ويجعل عددا ملزوما على نفسه من عشر مائة إلى اثنتى عشرة مائة. انتهى ما أملاه على ولده حفظه الله.

وكتب بخطه المبارك ما نصه الحمد لله يقول كاتبه العبد الفقير إلى الله خطي شاهد علي أجزت ولدنا الأرضى الناسك سيدي أحمد فيما كتبه ولدنا سيدي محمد نفعه الله ونفع من أخذ عنه إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

 

 

1 – كشف الحجاب. ص:211.

2 – أي شرط صحة إذ أن الوظيفة لا تصح إلا في جماعة إن كان في البلد إخوان.

 

*الرسالة الرابعة عشر*

من سيدنا أحمد بن محمد بناني رضي الله عنه إلى سيدنا أحمد سكيرج رحمه الله وفي ضمنها تقديم له رضي الله عنهما ونص الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مجيز سائله وقاصده ومانحه أسباب المعالي وفائدة في تفضيل على هذه الأمة بنبيها خاتم الرسالة، وجعلها خير الأمم وأفضلها على كل حالة، وأمد أولياءه بمعارف أنواره وخصهم بمظهر آياته وأسراره، نشهد أن لا إله إلا هو ساتر العيوب والمتفضل على عباده بمحق الآثام وكبائر الذنوب، اصطفى من شاء للاهتداء به فجعله إبرزا خالصا فرضي به كاملا وكمل به ناقصا، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله الفاتح لما أغلق من المسائل وأشكل، والخاتم لما سبق فهو الآخر صورة والأول الساري سره في جميع أولياء أمته أصل الوجود ومعظمه وطرازه وأساس طلعته هو طبيب القلوب ومربيها ودالها على سبيل رشادها ومنجيها صلى الله عليه وعلى آله العارفين الكمل وأصحابه الهداة المرجوين في كل مؤمل صلاة وسلاماً دائمين بدوام الليالي والأيام طالعا يمنها بمطلع خاتمة الصدر وبدور التمام.هذا وقد سألني من لا أستطيع رده ومخالفته ولا أروم إلا انجاز قصده وموافقته، أخونا ومحل ودنا ونزيل ضميرنا وخلدنا الفقيه الألمعي المتفنن الأديب الحبيب الأودعي الذي وجه وجه همته للمعالي، ورام التشبت بما تتنافس فيه الهمم العوالي فلا تراه إلا على المكارم يعرج، سيدي أحمد بن الأبر الحاج العياشي سكيرج أسمى الله درجته وأمد بفيض العرفان ملكته حيث جمعتنا معه دائرة القطب المكتوم والغوث المختوم صاحب المقام الرباني سيدنا ومولانا أحد التجاني أعاد الله علينا جميعا من بركته واثابنا على محبته ولزوم طريقته، أن أجيز فيما طلب مني الأجازة فيه مما يرجع إلى الطريقة الأحمدية التجانية المحمدية ظنا منه أنني أهل لذلك أو ممن سلك أدنى شبر من تلك المسالك وهيهات هيهات أنا لي بلحوق أولئك الرجال والعبور على سبيلهم الحسنى في كل مجال ولكن لما قويت في هذا الجانب محبته وخلصت نيته وطويته أجبته حينئذ إسعافا لرغبته وعملا بصدق محبته ونيته فقلت والله المستعان وعليه جل جلاله التكلان.

قد أجزت الأخ المذكور في تلقين أوراد شيخنا الخاصة والعامة بشروطها المقررة ولآدابها المعتبرة كل على قدر مشربه ورجحان عقله ومطلبه مع الأذن له في التقديم المطلق لتلقينها مع وجود الأهلية مراعاة الأستحقاق والتزكية كما أخذنا ذلك بالإذن الثابت الصحيح والخطاب الرقمي والشفاهي الصريح عن القدوة المقدم المواسي الفقيه الخطيب البليغ البركة سيدي علال الفاسي وهو عن القدوة المقدم أبي يعزى جزاه الله بأحسن مابه العجيز يجزى بن مؤلف جواهر المعاني الخليفة البركة أبي الحسن سيدي علي حرازم برادة رزقنا الله وإياه حسنى وزيادة وسيدي أبي يعزى المذكور عن سيدي محمد بن عبد الواحد بناني المصري لكن في التقديم المطلق من تلقين الأوراد الخ… وعن أبي الحسن سيدي علي التماسني في تلقين الأوراد والإذن في تقديم خمسين تقديما مقيدا لايتسلسل وقد أذن أبو يعزى لبعض من العدد المذكور المأذون له فيه وأذن لسيدي علال الفاسي المذكور في تكميل ما بقي فأذن لمن أذن له في ذلك وأذن لنا في تقديم ستة من العدد الباقي فأذنا لمن أذنا له منها ونحن نأذن للأخ أيضا في تقديم واحد من العدد الباقي بعد إذن من أذنا له في بعضها.

وعليه بتقوى الله ومراقبته وملاحظة طريقته ومعاملته فإن بتقوى الله ينال العبد سائر المزايا ويسود بفضل الله على كل البرايا إذ ما وصل من وصل في القديم والحديث إلا بتقواه تعالى كما يشهد لذلك آيات متكاثرة وأحاديث ونسأله سبحانه التوفيق بمنه وأن يختم بالخير أعملنا ويبلغ من رضاه وقربه أمالنا ويمن علينا بما من به على أهل حضرته ومحبته وطريقته وأماتنا على السنة المحمدية وجنبنا البدع الردية بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وعظم فمن أجاز من ذكر فيها أمر بكتبه لسائله وقيد في حادي عشر رمضان المعظم عام 1324 رزقنا الله خيره ووقانا شره وضيره.وهو أحمد بن محمد بناني وفقه الله بمنه وجميع المسلمين أمين.

ملاحظة:

هذه الإجازة لم أجدها في كشف الحجاب ولم أعثر عليها في ما تحت يدي من

مراجع.

 

 

*الرسالة الخامسة عشر*1

من سيدنا رضي الله عنه في إذن بعض الأوراد الخصوصية لحبيبه وصفيه السيد الفقيه سيدي محمد بن الطيب بنيس.

ونص الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العبد الفقير إلى الله أحمد بن امحمد التجاني لطف الله به، أجزت لحبيبنا وصفينا الفقيه سيدي محمد بن الطيب بنيس في قراءة الفاتحة بنية تلاوة الإسم الأعظم بتلاوتها، وفي قراءة الجزب السيفي، وسندنا عن ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، وأجزت له قراءة الإخلاص إحدى عشرة مرة صباحا ومساء للتحصين من جميع الشرور. والسلام.

 

 

1 – كشف الحجاب. ص: 228.

 

الرسالة: السادسة عشر1

 

رسالة من سيدنا رضي الله عنه لفقراء فاس رحمهم الله، من خط سيدي محمد بن المشري رضي الله عنه.

بعد البسملة والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

من سيدنا ووسيلتنا إلى كافة أحبابنا فقراء فاس.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فنسأل الله جلت قدرته أن يفيض عليكم بحور الخيرات والنعم، وأن يكفيكم جميع الشرور والبلايا ما ظهر منها وما بطن، وأن يغرق ذنوبكم في بحر عفوه وكرمه، وأن ينظر فيكم في الدنيا والآخرة بعين رحمته ومحبته وعنايته، وأن يختم لنا ولكم بالسعادة التي ختم بها لأوليائه، وأن يكلأكم في جميع تقلباتكم بعين رعايته وحراسته وحفظه ولطفه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وهذا الدعاء من لفظ سيدنا رضي الله عنه من أوله إلخ.وليس لي فيه لفظة واحدة.

وضعه عاما لجميع أحبابه لكل من أراد مراسلته.

نسأل الله أن يدخلنا وإياكم في عمومه آمين.

والمؤكد به عليكم: استوصوا خيرا بسيدي الحاج الطيب القباب، فإنه نائبنا فيكم. وقد أقمناه هناك لنفع العباد، فمن لقنه فكأنه تلقى منا وأخذ عنا، فله مثل من باشرنا بغير واسطة، كل ذلك بوعد صادق لا يتخلف.

والسلام عليكم من كاتب الحروف محمد بن المشري عن إذن سيدنا رضي الله عنه.

وأما الدعاء المرقوم بخط بنانه رضي الله عنه المبعوث إليكم فهنيئا لمن ذكره باسمه من الإخوان ثم هنيئا وبشرى وسعادة لأنه لاحق لهم لا محالة إن شاء الله، لكونه أتى الله به من غير طلب.

وهذه هي عادته رضي الله عنه إذا دعا من غير طلب فالغالب أنه لا يخطأ.

نسأل الله أن يدخلنا في زمام المحبين.

والسلام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

1 – كشف الحجاب: ص: 241

 

 

 

 

 

 

 

*الرسالة السابعة عشر*1

رسالة من سيدنا رضي الله عنه إلىفقراء مدينة فاس رضي الله عنهم.

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

بعد حمد الله جل جلاله، وعز كبرياؤه، وتعالى عزه، وتقدس مجده وكرمه، يصل الكتاب إلى إيدي أحبابنا ورفعاء المكانة من قلوبنا سيدي الحاج الطيب، وسيدي هاشم بن معزوز، وأخيه سيدي الكبير، وابنه سيدي موسى، وسيدي الحاج علي أملاس، وسيدي أبوطالب، وكافة أحبابنا بفاس ممن سميناهم وممن لم نسمهم كل باسمه وعينه.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى كافة أهليكم وولادكم. من كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن مَحمد التجاني:

وبعد، نسأل الله جلت عظمته، وتقدست صفاته وأسماؤه، أن يفيض عليكم في الدنيا والآخرة بحور فضله ورضاه عنكم، وعنايته بكم، وأن يعاملكم في الدنيا والآخرة بمعاملته لأكابر أوليائه من خواص حضرته، وأن يسلك بكم في كل طريق مسلك أكابر أهل السعادة، وأن ينظر فيكم في الدنيا والآخرة بعين محبته لكم، ورضاه عنكم، وعنايته بكم حتى تكون جميع أعمالكم جارية على المنوال فلا يصدر منكم ذنب إلا محي في أسرع من طرفة عين مع كمال رفع المؤاخذة به دنيا وأخرى، ولا تصدر منكم حسنة إلا بسط عليها رداء القبول مع الجزاء عنها دنيا وأخرى. ومن آكد ما أوصيكم به إصلاح ذات بينكم محبة ومودة، وإقالة العثرات بينكم، والعفو عن زلل الإخوان. والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

1 – كشف الحجاب. ص: 242.

 

*الرسالة الثامنة عشر*1

من سيدي محمد بن المشري رحمه الله أجاب بها فقراء فاس بعدما وقع لهم في شأن المقدم بعد الجواب المتقدم، ونص الرسالة:

بعد البسملة والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم. إلى ذي الشيبة الزكية والطبيعة المرضية صاحب الأوصاف الحميدة والآراء السديدة والإشارات المفيدة، حبيبنا وصفينا سيدي الحاج الطيب القباب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مادام الفلك وحركاته والريح ونسماته على ولدكم السيد محمد وأولاده وكافة من تعلق بكم من أهل وأحباب.

وبعد فإن تفضلتم عنا بالسؤال فنحن بخير والحمد لله ووسيلتنا على خير وعافية، وقد قرأ ما كتبتموه لنا بنفسه وكذلك ما كتبه الأديب الحبيب سيدي الحاج أحمد بوزيان، وبعد مطالعته لما رسمتم أمرنا بما كتبناه لكم والكتابة بما سترونه بخط بنانه الكريمة رضي الله عنه ونفعنا ببركته آمين، والذي نخبر به ونؤكد به عليكم فاعملوا بما كتبناه لكم عن إذنه ودوموا عليه كما ذكر لكم واتركوا معاودة الكتابة في هذا الأمر لسيدنا رضي الله عنه، بل إذا وقع لكم أمر مهم في غيره فاكتبوا إن شئتم، وأما في الأمر الذي كتبتم فاعملوا بما في الجواب الذي كتبناه لكم ولا تزيدوا عليه ولا تنقصوا إلا ما كان فيه فعل الخير والسداد، وهذه الوصية لكم من سيدنا ولكافة أحبابه الآخذين ورده في بلدكم وفي غيرها ومن لم يمتثل هذا فهو خارج عن أمر قدوته، ومن ادعى أن شيخنا أمر بغير هذا فيما مضى فليتب إلى الله ولا يتقول على سيدنا غير هذا ودليل صحة جميع ما ذكرناه لكم، كلام سيدنا رضي الله عنه فيما كتبناه لكم وما سمعناه منه في الكناش الذي عندكم فمن طالعه بتأمل وإنصاف فليعلم ما عليه شيخنا من الأوصاف وما منح به من العلم اللدني، ومحاسن الأخلاق من غير إسراف والعبارة الغزيرة من غير زيادة ولا نقص ولا إسراف بحيث يتحقق أ ن من أتى بكلام ونسبه إلى الشيخ يعلمه أنه له أو متقول عليه، وفي هذا كفاية للعاقل، إلى أن قال: وبعد فقد أذن لك سيدنا في ذكر أربعين مرة مـن جوهرة الكمال تذكرها لنفسك، وأذن لك أن تعطيها لمن أحببت من الإخوان الذين تعلم أو تظن أن فيه أهلية لها، وأذن لك أن تكتب للرقية من نفس أو عين أو تابعة أن تكتب لجميع ذلك أسماء العشرة الكرام البررة2، وأسماء الزهاد الثمانية3 ويأتيك النص إن شاء الله تعالى افعل بها ما انطوت عليه نيتك. والسلام عليكم من كاتب الحروف محمد بن المشري عن إذن سيدنا الشيخ رضي الله عنه وصلـى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

وبعد بخط سيدنا رضي الله عنه. وأعلم يا سيدي الحاج الطيب أننا قدمناك على إعطاء الورد لمن أراده مطلقا لكن حثهم على عدم تركه، وأذنا لك في كل ماكتب لك الإذن فيه في هذه الكتاب على صورته والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وعلى كافة الأحباب الذين معك والسلام وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

1 – كشف الحجاب. ص: 242.

2 – العشرة الكرام البررة:وهم العشرة المبشرين بالجنة:سادتنا وموالينا أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح.( ابن حبان. ج: 15. ص: 463. رقم الحديث: 7002 ).

3 – الزهاد الثمانية: هم السادة: أبو مسلم الخولاني ( الحلية) . وعامر بن عبد الله التيمي (التقات ) .الربيع بن خيثم ( التدوين ). وهرم بن حيان( الإصابة )… وأويس القرني ومسروق بن الأجدع والأسود بن يزيد والحسن البصري.

 

 

* الرسالة التاسعة عشر*1

من العلامة سيدي محمد بن المشري رضي الله عنه يخاطب بها جماعة من أعيان فقراء فاس،

بعد حمد الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وعز كرمه ومجده، يصل الكتاب إلى أحبابنا ومن أعز الناس لدينا: ذي الشيبة الطاهرة، والأحوال الزاهرة، محبنا صدقا، وصفينا حقا، سيدي الحاج الطيب القباب، ومحبنا ولده أبي عبد الله محمد وأولاده. والحرة الجليلة الكريمة السيدة المقدمة فاطمة. وحبيبنا الأعز الحسيب المنيف، الشريف العفيف، الكهل التاجر الأبر، الأحب الأنجب، سيدنا مولانا هاشم بن معزوز وأهله وأولاده ومن تعلق به. ومحبنا الأديب ذي المحاسن الطيبة، والشيم والهمم الصائبة، أبي الحسن محبنا سيدي الحاج علي آملاس وأولاده محمد وأحمد ومحمد وعبد السلام وعبد الرحمن، وأمه الحرة الجليلة فارحة وأولادها. وحبيبنا الأكرم الأطيب عبد الوهاب الأشهب وحبيبنا عبد القادر الجرندي، وحبيبنا علال بن موسى. وحبيبنا الشاب الأمجد محمد الأشهب. وكافة الأحباب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من محبكم أحمد بن َمحمد التجاني.

وبعد: فالحمد لله وله المنة الذي أنتم على خير وعافية، نسأل الله أن يرزقكم الرضى والتسليم لما جرت به المقادير، وأن يقابلكم بفضل الله ورضاه في الدنيا والآخرة، وأن ياخذ بيدكم في كل عثرة، وأن يتوجكم بتاج أهل المحبة والمخصوصية والكرامة، وأن يكتبكم في حزب أهل عليين في جوار النبيين آمين. والحمد لله رب العالمين. وليكن في كريم علمكم أننا كتبنا لكم وصية مع حامله محبنا العربي الأشهب، فيها ما ليس في اللتين قبلها من أمور فيها الاستعانة على الدنيا والآخرة. فتلقوها بالقبول، وَعُوا ما احتوت عليه من طرائف ولطائف، واعملوا بما فيها تستريحوا من تعب ما تعانون من مكابدة هموم الدنيا وأحزانها. وسلموا الأمور لمدبرها يفعل فيها ما يشاء ويختار. وتراحموا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وأيقنوا أنكم راحلون، وأهليكم وأموالكم عرايا وودائع، ولا بد من يوم ترد فيه الودائع فلا تحاسدوا، ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا. ومن أحب أخاه لله من كونه مؤمنا فليشد يده فإنها من التجارة الرابحة، والدرجة العالية والخطة الرضية والخصلة الزكية.

وإياكم أن يدب العدو إلى فسادها. فمن كان بطلا فليقاتله ويطرده ولا يطعه، فإن البطل من خالف هواه، وقهر في هذا الميدان أعداه، والسلام عليكم من الفقير إلى ربه أخيكم كاتب الحروف محمد بن المشري عن إذن سيدنا رضي الله عنه.

وأزيدكم من عندي وإياكم أن يهولكم أمر أوخبر في جانب سيدنا رضي الله عنه فإنه يعامل كل واحد على قدر عقله، وينزله حيث منزله. وكل واحد منكم يسأل قلبه عن أستاذه فإنه معك كما هو في قلبك، وهذه مشاهدة في سيدنا ووسيلتنا إلى الله ولا يزحزحه. كلام المبغضين، فضلا عما يقع من التخليط من المحبين. والإشارة تغني عن العبارة، والتلويح يكفي عن التصريح. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وأما المشي إلى الزاوية وقت الوظيفة فيها فمن تيسر له الذهاب إليها فليذهب ومن لم يتيسر له فليذكر ورده ووظيفته في أي مكان حل فيه ولاحرج عليه، فإن الأرض كلها مسجد وطهور. ولم يكن الذكر محجرا في موضع دون موضع أو وقت دون وقت، بل هو مطلق والحمد لله لا وقت له ولا مكان له. وإنما الاجتماع جعل الأمور مستحسنة فمن تمكن له فله أجره، ومن لم يتكمن له فلا حرج عليه. والسلام وصلى الله على سيدنا محمد وآله وكتب ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من شهر الله ربيع الثاني عام 1206 هجرية هـ.

 

 

1 – كشف الحجاب. ص: 244.

2 – الذكر غير مقتصر على الزاوية كما هي الصلاة غير مقتصرة على المسجد، فالمصلي وذاكر يؤديها في أي مكان تيسر له.

3 – الاجتماع على الوظيفة ذكر سيدنا في رسائل أخري أنها شرط صحة، وفي أخرى شرط وجوب، وأنها تبطل بغير عذر شرعي ( أنظر الرسالة 13 و 11 من هذه المجموعة ).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

*الرسالة المستوفية بالعشرين*1

من سيدنا رضي الله عنه.

بعد حمد الله جل جلاله، وعز كبرياؤه، وتعالى عزه، وتقدس مجده وكرمه يصل الكتاب إلى كافة من بفاس وبالمغرب من الإخوان والفقراء.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته يَتْراكُمْ بدوام ملك الله. من العبد الفقير إلى الله أحمد بن مَحمد التجاني.

وبعد: نسأل الله جلت قدرته، وتعالت عظمته، أن ينظر في جميعكم بعين المحبة والرضى والعناية، وإفاضة الفضل والاصطفاء والاجتباء حتى لايدع لكم خيراً من خيرات الدين والدنيا والآخرة إلا آتاكم منه أكبر حظ ونصيب ولا يترك شرا من شرور الدين والدنيا والآخرة إلا أبعدكم منه ووقاكم منه، وحتى لا يترك لكم ذنبا كبيرا ولا صغيرا إلا أغرقه في بحر عفوه وكرمه، وحتى لا يترك لكم مطالبة بالذنوب إلا صفح عنها وعفا، وحتى لا يترك لكم حاجة ولا مطلبا في غير معصية الله إلا أسرع لكم بإعطائه وأمدكم فيه بالمعونة والتأييد في إمضائه إن طابق سابق الحكم، فإن لم يطابق سابق الحكم فنسأل الله أن يعوض لكم في جميع ذلك ماهو خير منه وأعلى منه، وحتى لا يترك لكم شرا من الشرور الواردة على أيدي الخلق إلا جعل بينكم وبينها جُندا من سطوته وسلطانه: إن لم تكن محتمة في سابق الحكم، فإن كانت محتمة في سابق الحكم فنسأل الله أن يمدكم فيها بكمال اللطف والمعونة والتيسير والتسهيل، حتى تنفصل عنكم وأنتم منها في عافية.

وأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى وارتقاب المؤاخذة منه في الذنوب. فإن لكل ذنب مصيبتين لا يخلو العبد عنهما. والمصيبة واحدة في الدنيا وواحدة في الآخرة. فمصبية الآخرة واقعة قطعا إلا أن تقابل بالعفو منه سبحانه وتعالى، ومصيبة الدنيا واقعة بكل من اقترف ذنبا إلا أن يدفعها وارد إلهي بصدقة لمسكين أوصلة رحم بمال، أوتنفيس عن مديان بقضاء الدين عنه أو بعفوه عنه إن كان له. وإلا فهي واقعة. فالحذر الحذر من مخالفة أمر الله وإن وقعت مخالفة والعبد غير معصوم، فالمبادرة بالتوبة والرجوع إلى الله. وإن لم يكن ذلك عاجلا فليعلم العبد أنه ساقط من عين الحق متعرض لغضبه، إلا أن يمن عليه بعفوه. ويستديم في قلبه أنه مسوجب لهذا من الله، فيستديم بذلك انكسار قلبه وانحطاط رتبته في نفسه دون تعزر، فما دام العبد على هذا فهو على سبيل خير.

وإياكم والعياذ بالله من لباس حلة الأمان من مكر الله في مقارفة الذنوب، باعتقاد العبد أنه آمن من مؤاخذة الله له في ذلك. فإن من وقف هذا الموقف بين يدي الحق تعالى ودام عليه فهو دليل على أنه يموت كافرا والعياذ بالله تعالى.

وما سمعتم من الخاصية التي في الورد فهي واقعة لا محالة. وإياكم والتفريط في الورد ولو مرة في الدهر. وشرط الورد المحافظة على الصلوات في الجماعات والأمور الشرعية. وإياكم ولباس حلة الأمان من مكر الله في الذنوب فإنها عين الهلاك، وترك المقاطعة مع جميع الخلق، وآكد ذلك بينكم وبين الإخوان. وزوروا في الله، وواصلوا في الله. وأطعموا في الله ما استطعتم في غير تعسير ولا كدر. وعليكم بالصبر في أمر الله فيما وقع من البلايا والمحن، فإن الدنيا دار الفتن، وبلاياها كأمواج البحر،وما أنزل الله بني آدم فيها إلا لمصادمة فتنتها وبلاياها. فلا مطمع لأحد من بني آدم في الخروج عن هذا مادام في الدنيا. والصبر بحسب أحواله كل على قدر طاقته ووسعه. واعملوا في نفوسكم سلوة، إذا نزلت البلايا والمحن بأحدكم، فليعلم أن لهذا خُلقتْ ولهذا بُنيتْ وما نزلها الآدمى إلا لهذا الأمر، وكل الناس راكضون في هذا الميدان فليعلم أنه كأحدهم مساو له. واعلموا أن الذنوب في هذا الزمان لا قدرة لأحد على الإنفصال عنها فإنها تنصب على الناس كالمطر الغزير. لكن أكثروا من مكفرات الذنوب، وآكد ذلك صلاة الفاتح لما أغلق الخ، فإنها لا تترك من الذنوب شاذة ولا فاذة، وكصلاة التسبيح، وما هو في هذا المعنى يلازمه الإنسان كل يوم ثلاث مرات “اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى عندي من عملي. وكذلك وظيفة اليوم والليل “لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله لا شريك له، لا إلاه إلا الله له الملك وله الحمد لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”. وكذلك دعاء السيفي لمن يقدر على حفظه. وكذلك هذا الإستغفار: [ اللهم إني أستغفرك لما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك لما وعدتك من نفسي ثم أخلفتك فيه وأستغفرك لما أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك، وأستغفرك للنعم التي أنعمت علي فتقويت بها على معاصيك، وأستغفرك الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم لكل ذنب أذنبته ولكل معصية إرتكتبها ولكل ذنب أتيت به أحاط علم الله به]. وكذلك دعاء: [يا من أظهر الجميل وستر القبيح ]5 الخ.

ثم قال رضي الله عنه، أبشروا إن كل من كان في محبتنا إلى أن مات عليها يبعث من الآمنين، على أي حالة كان ما لم يلبس حلة الأمان من مكر الله، وكذلك كل من أخذ وردنا يبعث من الآمنين ويدخل الجنة من غير حساب ولا عقاب هو ووالده وأزواجه وذريته المنفصلة عنه لا الحفدة بشرط الاعتقاد وعدم نكث المحبة، وعدم الأمن من مكر الله كما قدمنا ويكون في جوار النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين ويكون من الآمنين، من موته إلى دخول الجنة، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

 

1 – كشف الحجاب. ص: 249.

2- المستدرك على الصحيحين للحاكم. ج:1. ص:728. شعب الإيمان. ج: 5. ص: 420. الترغيب والترهيب. ج: 2. ص:311. أحزاب وأوراد. ص: 110 و 111.

3 – أحزاب وأوراد. ص: 111.

4 – من أذكار الطريقة التي هي مكفرات للذنوب. أحزاب وأوراد. ص: 138.

5 – المستدرك على الصحيحين. ج: 1. ص: 729.( وهو حديث صحيح الإسناد أخرجه الحاكم).أحزاب وأوراد. ص: 118.

 

 

* الرسالة الحادية والعشرون*1

قال رضي الله عنه ونص الرسالة:

بعد البسملة والحمدلله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

أما بعد: فالذي أوصيكم وإياي المحافظة على قوله صلى الله عليه وسلم: [ ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما المنجيات فهي، تقوى الله في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر. وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء برأيه]. وعلى قوله صلى الله عليه وسلم: [ ما تحت قبة السماء إله يعبد من دون الله أعظم من هوى متبع]. وعلى قوله صلى الله عليه وسلم: [ من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه]. وعلى قوله صلى الله عليه وسلم: [ لاتتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا…] الحديث. وهذا وإن ورد في ميادين الجهاد في قتال الكفار فهو منقلب في هذه الأزمنة في الصفح عن شر الناس. فمن تمنى بقلبه أو أراد تحريك الشر منه على الناس سلطهم الله عليه من وجه لا يقدر على دفعهم. وعلى العبد أن يسأل الله العافية من تحريك شر الناس وفتنتهم. فإن تحرك عليه من غير سبب منه فالوجه الأعلى الذي تقتضيه رسوم العلم مقابلتهم بالإحسان في أساءتهم. فإن لم يقدر فبالصفح والعفو عنهم إطفاءً لنيران الفتنة. فإن لم يقدر فبالصبر لثبوت مجاري الأقدار. ولا يتحرك في شيء من إذايتهم لإساءتهم. فإن اشتعلت عليه نيران شرهم فليدافعهم بالتي هي أحسن بلين ورفق. فإن لم يفد ذلك فعليه بالهروب والخروج عن مكانه. فإن عوقت العوائق عن الارتحال، ولم يجد قدرة، فليدافع بالأقل فالأقل من الإذاية. فليفعل ذلك ظاهرا، وبكثرة التضرع إلى الله والابتهال سرا في دفع شرهم عنه مداما ذلك حتى يفرج الله عليه. فإن هذه الوجوه التي ذكرناها هي التي تقتضيها رسوم العلم. والحذر الحذر لمن تحرك عليه شر الناس منكم أن يبادر إليه بالتحرك بالشر لمقتضى حرارة طبعه وظلمه وجهله وعزة نفسه فإن المبادر للشر بهذا، وإن كان مظلوما، فاضت عليه بحور الشر من الخلق يستحق الهلاك به في الدنيا والآخرة. وتلك عقوبة لإعراضه عن جانب الله أولا فإنه لو فزع إلى الله بالشكاية، واعترف بعجزه وضعفه، لرفع الله عنه ضرر الخلق بلا سبب أو بسبب لا تعب عليه فيه، أويشغلهم الله بشاغل يعجزون عنه. فإما أن يفعل الله له هذا، وإما أن ينزل عليه اللطف العظيم، والصبر الجميل، فيكابد غصص تلك الشرور بما هو فيه من اللطف و الصبر حتى يرد عليه الفرج من الله تعالى، فيكون مثابا دنيا وأخرى.

أما ثواب الدنيا فبحمد العافية، وبظهور نصره في الخلق على قدر رتبته. وأما ثواب الآخرة فبالفوز بما لا غاية له من ثواب الصابرين الذي وعده الله تعالى، قال سبحانه وتعالى:{ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } وقال سبحانه وتعالى:{ إن الله مع الصابرين}، وقال تعالى حاكيا عن نبيه يوسف عليه السلام { أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين }، وقال تعالى:{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} إلى غير ذلك من الآيات.

ولعدم اعتبار الناس لما ذكرنا ترى الناس أبدا في عذاب عظيم من مكابدة شرور بعضهم بعض، ووقعوا بذلك في المهالك العظام في الدنيا والآخرة إلا من حفته عناية عظيمة إلهية. فإن العامة لايرون في تحريك الشر عليهم إلا صورة الشخص الذي حركه عليهم لغيبتهم عن الله سبحانه وتعالى، وعن غالب حكمه فنهضوا في مقابلة الشرور بحولهم واحتيالهم وصولة سلطان نفوسهم فطالت عليهم مكابدة الشرور، وحبسوا في سجن العذاب على تعاقب الدهور. فإن الكيس العاقل إذا انصب عليه الشر من الناس، أو تحركوا له به، رآه تجليا إلهيا لا قدرة لأحد على مقاومته إلا بتأييد إلهي. فكان مقتضى ما دله عليه علمه وعقله الرجوع إلى الله بالهرب والالتجاء إليه، وتتابع التضرع والابتهال لديه، والاعتراف بعجزه وضعفه، فنهض معتصما بالله في مقابلة خلقه. فلا شك أن هذا يدفع عنه الشرور بلا تعب منه، ولو التهبت عليه نيران الشر من الخلق لعجزوا عن الوصول إليه لا عتصامه بالله تعالى فإن من تعلق بالله لا يقوى له شئ قال سبحان وتعالى {ومن يتق الله يجعل له مخرجا إلى فهو حسبه}

وهذا الباب الذي ذكرناه كل الخلق محتاجون إليه في هذا الوقت. فمن أدام السير على هذا المنهاج سعد في الدنيا والآخرة، ومن فارقه وكله الله إلى نفسه فنهض إلى مقابلة الشرور بحوله واحتياله فهلك كل الهلاك في عاجله وآجله. وفيما ذكرناه كفاية.

وعليكم بشكر النعم الواردة من الله تعالى بسب. أو بلا سبب، والشكر يكون في مقابلتها بطاعة الله تعالى إن قدر على أن تكون كلية وإلا فالأبقع خير من الأسود. وأقل ذلك شكر اللسان فلا أعجز ممن عجز عن شكر اللسان. وليكن ذلك بالوجوه الجامعة للشكر، فأعلى ذلك في شكر اللسان تلاوة الفاتحة في مقابلة ما أنعم الله عليه شكرا، ولْيَنْو عند قراءتها إن يستغرق شكر جميع ما أحاط به علم الله من نعمه عليه الظاهرة والباطنة، والحسية والمعنوية، والمعلومة عند العبد والمجهولة لديه والعاجلة والآجلة، والمتقدمة والمتأخرة، والدائمة والمنقطعة. ويتلو بهذه النية ما قدر عليه من الفاتحة من مرة إلى مائة فمن فعل ذلك كتبه الله شاكرا وكان ثوابه المزيد من نعمه على قدر رتبته بحسب وعده الصادق.

أما وجه المحامد الجامعة فهي طويلة لا نطول بذكرها، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: [لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ]، ومنها: “إلهي لك الحمد ولك الشكر مثل جميع ما أحاط به علمك من صفاتك وأسمائك، وجميع محامدك التي حمدت بها نفسك بكلامك، والتي حمدك بها كل فرد من خلقك، بأي لفظ ذكروك به، كل حمد من ذلك منك ومن جميع خلقك عدد ما أحاط به علمك، على جميع ما أحاط به علمك من نعمك علي” فهو حمد جامع لأنواع المحامد، مستغرق للشكر على جميع النعم. وأحذركم لكل من خوله الله نعمة أن يمد يده بها فيما لا يرضى الله مثل شراء الخمر، والوقوع في الزنا، ومد اليد بها في المعاملة بالربا، أو صرفها في وجوه طلب الرئاسة والسلطنة، أوفي طلب إذاية المسلمين، من سفك دمائهم، ونهب أموالهم، أو هتك حريمهم أو إذايته ولو بأقل قليل. فإن الفاعل لهذه الأمور بما أنعم الله عليه مستحق لسلب النعمة من الله، مع ما يعرض له من مقت الله وغضبه. فإن فعل هذه الأمور أو بعضها بما أنعم الله به عليه ولم ير من الله سلب نعمه، فليعلم في نفسه أنه ممن يحل عليه غضب الله وسخطه في الدنيا والآخرة. والسعيد من إذا وقع في شيء من هذه الأمور يرى عن قريب تعجيل العقوبة، ويرى التنبيه في قلبه من الله أن هذه المصيبة وقعت على تلك الفعلة.

وأوصيكم في معاملة الأسواق على محافظة قواعد الشرع وأصوله على حسب ما يعطيه الوقت. وتجنبوا جميع وجوه الغش والتدليس والكذب في تقويم الأثمان، واقتحام ما حرم الله من ذلك لنصوص الشرع. فإن المنهمك في ذلك يهلك كل الهلاك، ثم إذا لجأت الضرورة واشتدت الحاجة ولم يجد العبد ملجأ إلا أن يأخذ قوته مما حرم الله شرعا في الأسواق، فليأخذ بقدر ما يتقوت به، وليكن في جاريا في ذلك على حكم المضطر في أكل الميتة فإنه يأكلها بلاغا. وسدا للفاقة، لا كسبا وتمولا. وأحذركم أن تتهافتوا في المعاملات المحرمات شرعا تهافت الجهلة من العامة محتجين بعدم وجود الحلال المعين. يريدون أن يسقطوا عنهم الأحكام الشرعية في المعاملات. فقد صاروا في ذلك كأنهم لا تكليف عليهم. وهو كذب على الله وزور. فقال سبحانه وتعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان..} الآية.

فهذه الآية وإن نزلت في مطلب خاص فهي مشتملة على كل ما تحتمله من القضايا، إما تضمنا وإما تلويحا. والعالم يأخذ حكمه من كل آية في كل ما تحتمله وإن لم تنزل لأجله. والواقع منه من الآية في قضيتنا هذه أن الذي في الأرض هو ما أمكن وجوده من حلال أصلي أو عارض على حسب عوارض الوقت، وهي الأمثل فالأمثل على حسب ما فصلنا في جواب المعاملة. وخطوات الشيطان التي نهى الله عنها هي المعاملات المحرمات شرعا حيث يجد العبد عنها معدلا فإن لم يجد عنها معدلا وألجأته عوارض الأقدار بحكم القهر والتحتم إلا أن يأخذ قوته من المحرم شرعا وإن لم يأخذ منه مات في الوقت أو مات بعض عياله جوعا لضيق الوقت وفقد السبيل لغيره فهو الواقع في قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} ولا تلتفتوا لما نقل عن السيدي الحسن بن رحال في قوله: “كل عقدة لا يوجد فيها إلا من يعامل بالحرام فهي حلال”، فهو قول باطل لكونه تغافل عن ضبط القاعدة الشرعية والتحقيق فيها ماذكرناه قبلها آنفا. يشهد له قوله صلى الله عليه وسلم: [ دع ما يريبك إلى مالا يريبك ]، وقوله صلى الله عليه وسلم: [ إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا ] وقوله سبحانه وتعالى: {فاتقوا الله مااستطعتم واسمعواواطيعوا }. وقول الشاعر:

إذا لـم تستـطـع شيئــا فدعــه

وجـاوزه إلــى مـا تستـطيــع

وفي هذا مع ما في الرسائل الأول كفاية والسلام.

 

 

1 – كشف الحجاب. ص: 245.

2 – نوادر الأصول في أحاديث الرسول. ج: 2. ص: 7.

3 – مجمع الزوائد. ج: 1. ص: 188. ونصه: [ ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله ثم الله أعظم من هوى متبع ] رواه الطبري في الكبير.

4– مجمع الزوائد. ج: 8. ص: 18.

5 – سنن الدارمي. ج: 2. ص:285.

6 – الأعراف: 137.

7 – الأنفال: 46 .

8 – يوسف: 90.

9 – النحل: 126.

10 – الطلاق: 3.

11 – حديث صحيح، الموطأ: ج: 1. ص: 214. رقم: 490.

12 – البقرة: 168.

13 – البقرة: 173.

14 – المستدرك على الصحيحين. ج: 1. ص: 116. رقم: 166.

15 – ابن حبان. ج: 5. ص: 465. رقم: 2106.

16 – التغابن: 16.

17 – الشاعر دريد بن الصمة الجشمي البكري ( توفي سنة 630 م ). شاعر جاهلي أدرك الإسلام، وقتل على دين الجاهلية يوم حنين، وهو أعمى.أنشأ 76 قصيدة تشتمل على 368 بيتا.

 

 

 

*الرسالة الثالثة والعشرون*1

من سيدنا رضي الله عنه إلى محبه الصفي ورفيع القدر والمكانة من قلوب سيدنا سيدي هاشم بن معزوز رحمه الله تعالى.

ونص الرسالة بعد البسملة والصلاة والسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبعد نسأل الله لكم جل جلاله وعز كماله أن يعاملكم في الدنيا والآخرة بفضله ورضاه وأن ينظر فيكم بعين رضاه وعنايته وصحبته وكلآته وحفظه وولايته في جميع تقلباتكم وحركاتكم وسكناتكم وأن يكفيكم شر ما ياتي به الليل والنهار من جميع ما ينافي كمال السرور.

ويليه إعلامكم عما كتبتم به إلينا من شكواكم بإعطاء مالكم للسائلين ومضايقتهم لكم وعدم طاقتكم لردهم. فاعلم يا أخي أنك في هذا الحال مضر بنفسك شرعا وطبعا أما من جهة الشرع فإن الله تعالى ذكر في كتابه العزيز حيث مدح عباده المخصوصين بالزلفى منه. قال: { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما }2. وقال سبحانه وتعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}3 وقال سبحانه وتعالى لرسوله وحبيبه وصفيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى إلى عنقه ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا..}4 الآية، وقال سبحانه وتعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا}5 الآية.

والنهي عن إضاعة المال ولزوم حفظه هو أمر اجتمعت عليه الأمة، ولا نعلم بينهم فيه خلافا، هذا وقد سمعت الفاظ القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وليس لك إلا السمع والطاعة والإتباع، فلا تنهمر6 في إعطاء المال حتى تنتهي إلى التبذير فتقع فيما حرم الله تعالى، ولا تمسك يدك عن الإعطاء حتى تنتهي إلى البخل فإنه مذموم شرعا وطبعا، وكن في وسط الأمرين بين البخل والتبذير، يعني توسط في ذلك وأعط لله بقدر اتساع مالك وقدر مصروفك على أهلك ونوائبك7، وعلى قدر ما يدخل بين يديك من التجارة والأسباب في كل وقت، ومن كان عنده خمسون قنطارا8 من المعهود عندكم وكان كثير الأهل والعيال وصرف لله في كل يوم مثقلا9 أجزأه ولم يطالب في حقوق المال في شيء، فإن زاد وأعطى كل يوم مثقالين فقد أكثر العطاء، ومن زاد على مثقاليين كل يوم فقد خرج إلى التبذير، وهذا في غير سائل أتاك جائعا يطلب خبزة أو خبزتين يأكلها من واحد إلى اثنين إلى ثلاثة فلا سبيل لردهم، وإن زاد على ذلك فلا حرج عليك فيما تمنعه من الإعطاء، وإن جاءك ما يزيد على ذلك فقل لهم يفتح الله عينا وعليكم، فإن ذكر لك وجه الله تعالى ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطه من أوقية10 إلى أوقيتين، ولا عليك فيما وراء ذلك فاحفظ هذا القدر واعتن بتحصين مالك من التلف، فإن مالك به يصان إيمانك بالله تعالى فإن أتلفته أتلفت إيمانك بالله. فإنه وقع في الخير أن من الناس من لايصلح إيمانه إلا بالغنى ولو افتقر لكفر، ولعله يقص عليك حكاية أكابر الأولياء وإفراطهم في إعطاء المال حتى تفرغ أيديهم من كل شيء طلبا لتأسيك بهم، ولا يقص عليك هذا إلا جاهل بالوقت وتصاريفه وجاهل بقواعد الشرع وأصوله، فلا تلتفت إليه فلا تبال به فإنه من جنود الشيطان، لإن الأولياء الذين يذكرهم لك غرقى في بحار اليقين والتوحيد بين يدي الحق سبحانه وتعالى لا يخطر في قلوبهم غيره ولا يلتفتون لغيره في كل حركة وسكون، لأن أصحاب هذه المرتبة أصحاب عناية عظيمة من الحق بهم لا يتركهم فارغين بل يسوق إليهم الأموال من كل جهة على رضى الخلق أو كره منهم، ومع ذلك فهم على بصيرة من الحق سبحانه وتعالى يعلمون لغامض العلم اللدني الذي وهبه الله لهم، أن كل ما يحب منهم فراغهم من الدنيا وتفرقها عنهم، ويهب لهم من قوة الصبر والرضى واليقين عندما تشتد بهم الحاجة إلى المال في نوائب الدهر حتى لا يحسوا بألم ذلك الاحتياج، وأصحاب هذه المرتبة لا يلام أحدهم في تفريق الدنيا كلها في ساعة واحدة، وأما أنت وأمثالك فليست لكم تلك القوى واعرف المرتبة التي أقامك الله فيها وقف عند حدها، وتصرف في أحكامها، ولا ترق بنفسك إلى مراتب أهل الخصوص إذ ليست لك قوتهم ولا يقينهم، وقد قيل في المثل النملة لاتحمل حمل الجمل، فإن أرادت التعدي إليه تخطت طورها ولا قدرة لها على ما تريده

وإن للشيطان لعنه الله مكرا خفيا بصاحب المال إذا رآه تقيا مقيما لإمر ربه فيما يقدر عليه كافاً كثيرا من شره منغمسا في كثير من أمور التقوى ويراه في ذلك مطمئنا بما له لاينـزعج، فيأتيه اللعين بمكره الخفي ويسوق الناس إليه لطلب العطاء لله ويخوفه في قلبه من منعه لهم، يقول له في قلبه إن رددت هؤلاء سخط الله عليك أو سلبك نعمته ولا يزال يستدرجه في مثل هذا وقصده أن يفرق عنه المال ليذهب دينه وإيمانه، فلا يزال كذلك إن لم يكف عنه حتى يفرق جميع ماله، فإذا فرقه وقع التشويش في قلبه، فيريد أن ينفق نفقته التي كان ينفقها في ساعة اتساع المال فلا يجد السبيل إليها، فيقع التشويش والترويع له من أهله طلبا لما اعتادوه من اتساع النفقة، فإن لم يات بها، آل الأمر بينه وبين أهله إلى اتساع السخط والغضب والعداوة فيكثر عليه الضيق والغيظ، فلا يجد وقتا يذكر فيه ربه ولا يؤدي فيه أمرا من طاعة ربه، وربما أضاع عليه فرض الصلاة فيحمله ذلك على الديْن من الناس وإتلافه في النفقة، فعن قريب يحل به البلاء والويل من عدم وجود ما يقضي به دين الناس، ويصبح في زمرة الهالكين، فقد تلف دينه وعقله ودنياه وآخرته فهذا مراد الشيطان منه فيما كان يرغبه فيه من الإعطاء لله وعدم المنع، فاحذر هذا المكر وفيما ذكرناه لك فيه كفاية.

وأما ما ذكرت لنا من أمر أورادك فإن قدرت على أن تأتي بالفاتح لما أغلق إلخ مائتين بين الليل والنهار زائدة على ما في الورد المعلوم، واجعل في اليوم والليلة مائة من قولك، [ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ملء ما علم وعدد ما علم وزنة ما علم ]11، فمرة واحدة من هذا التسبيح أفضل من استغفارك الليل والنهار في ذكر الله تعالى، واترك عنك تلك الأذكار مع الفاتحة على ما ذكرت، وإن قدرت على أن تجعل بين اليوم والليل عشرين مرة من قولك هذا الدعاء وهو:[ يا من أظهر الجميل وستر القبيح ولم يواخذ بالجريرة ولم يهتك الستر يا عظيم العفو ويا حسن التجاوز ويا واسع المغفرة ويا باسط اليدين الرحمة ويا سامع كل نجوى ويا منتهى كل شكوى ويا كريم الصفح ويا عظيم المن ويا مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها يا رب ويا سيدي ويا مولاي ويا غاية رغبتي اسألك أن لا تشوه خلقتي ببلاء الدنيا ولا بعذاب النار]12، واجعلها مفرقة أو مجموعة وأحضر قلبك عند التلاوة قدر ما تطيق فإن الحضور هو روح الأعمال. واعلم أن هذا الدعاء آتى به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله إني أتيتك بهدية، فقال له صلى الله عليه وسلم وما تلك الهدية يا جبريل فذكر له هذا الدعاء فقال له صلى الله عليه وسلم ما ثواب من قرأ هذا الدعاء فقال له جبريل لو اجتمعت ملائكة سبع سماوات على أن يصفوه ما وصفوه إلى يوم القيامة وكل واحد يصف ما لم يصفه الآخر فلا يقدرون عليه، ومن جملة ذلك أن الله يقول فيه أعطيه من الثواب بعدد ما خلقت به سبع سماوات وفي الجنة والنار وفي العرش والكرسي وعدد قطر المطر والبحار وعدد الحصى والرمل.

ومن جملتها أيضا أن الله تعالى يعطيه ثواب جميع الخلائق.

ومن جملتها أيضا أن الله يعطيه ثواب سبعين نبيا13 كلهم بلغوا الرسالة إلى غير ذلك، وهذا حديث صحيح ثابت في صحيفة عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجده هو عبد الله بن عمر بن العاص من أكابر الصحابة رضي الله عنه صححه الحاكم وقال رواته كلهم مدنيون، واترك عنك جميع الأذكار، فلو ذكرت أذكارا تذكر مائة ألف عام من غير الفاتح لما أغلق الخ لم تبلغ مرة واحدة منها ففيها كفاية عن جميع الأذكار.

وأما ما ذكرت من تفرغ قلبك إلى الإشتغال بالله وعدم المبالاة بسواه، فاعلم أن لذلك وقتا وأجلا ليس هذا وقته، واعلم ان ذكرك الفاتحة بنية الإسم الأعظم يغنيك عن جميع الأمور وكل العبادات إذا اجتمعت بالنسبة إليه كنقطة في بحر، ولازم ما ذكرناه لك فلو اجتمعت عبادة جميع العارفين ما بلغ مرة واحدة منها. ونسأل لكم ولاودكم وجميع متعلقاتكم أن يجعلكم في كفالة الله وكفالة رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وكتب سيدنا رضي الله عنه بعد هذا بخطه الشريف: قال العبد الفقير إلى الله أحمد بن امحمد التجاني كلما كتب في هذا الكتاب هو من إملائنا على الكاتب حرفا حرفا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

1 – كشف الحجاب. ص: 256.

2 – الفرقان: 67.

3 – البقرة: 195.

4 – الإسراء: 29.

5 – الإسراء: 26.

6 – انهمر: أي سال بقوة. يقال: انهمر الماء إذا تم صبه بقوة.

7 – نوائب: ما يتبع المال من نوائب الحقوق.

8 – خمسون قنطاراً: القنطار يساوي 100 كيلوكرام. أي: 5000 كيلو.

9 – مثقال: درهم ونصف ( الوزن الشرعي = 4.680 غ).

10 – أوقية: 12 درهماً ( الوزن الشرعي = 37.500 غ ).

11 – أحزاب وأوراد. ص: 122.

12 – المستدرك على الصحيحين. ج: 1. ص: 729.( وهو حديث صحيح الإسناد أخرجه الحاكم وأقرالحافظ الذهبي تصحيحه).أحزاب وأوراد. ص: 118.

13 – أي يرث من أنوارهم وتحل عليه بركتاهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

*الرسالة الرابعة والعشرون*1

من سيدي التهامي ابن سيدي محمد السقاط رضي الله عنهما على لسان بعض الفقراء بعد وفات سيدنا رضي الله عنه، بعثوها إلى سيدنا محمد الكبير وسيدنا محمد الحبيب ابنَيْ سيدنا رضي الله عنه ونص الرسالة:

بعد البسملة والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، بعد حمد الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه وصفاته يصل الكتاب إلى حضرة الشريفيين الهمامين العلمين سبطي القطب المكتوم ووارثي سره المكتوم من غير شك ولامين البدر المنير أبي عبد الله سيدي محمد الكبير وأخيه سيدي محمد الصغير، صغير السن وهو عند الله كبير.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ينسكب عليكما آناء الليل وأطراف النهار وتحياته من خديمكما ومقبل نعالكما ووصيفكما عبد الواحد محمد بن غالب الحسني. نطلب من الله تعالى بجاه سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم وبجاه القطب المكتوم سيدنا ومولانا أحمد بن امحمد التجاني، أن يفيض عليكما بحور المعارف والأسرار والتجليات، حتى أن جميع من وقع بصركما عليه ولو لحظة يبلغ مبلغ الأكابر من حينه ولو كان أعرابيا يبول على ساقه، وحتى أن جميع من ذكركما بخير من إنس وجان يسعد بكما سعادة لا يشقى بعدها أبدا، ونطلب من الله بجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبجاه القطب الكامل أبيكما رضي الله عنه ونفعنا به أن لا يخرجكما من الدنيا، حتى تبلغا القطبانية الكبرى والخلافة العظمى أنتما وأولادكما إلى يوم القيامة، وأن يفيض عليكما بحور الخيرات والأرزاق ويدخلها في دائرة الألطاف والعناية والتأييد وأهل داركما وأولادكما وجميع من تعلق بكما إلى يوم القيامة. هذا وقد وصلنا والحمد لله كتابكما البديع المشتمل على جل أسماء أصحابكم وخدامكم وحصل لنا به من الأفراح ما أذهب الأحزان والأتراح، حتى إن الرجل لا يسمع اسمه أو كنيته حتى يَبَلَّ بدموعه لحيته، فعليكم من جميعهم السلام والتحيات والإكرام، منهم الأشراف: موسى بن معزوز والغالي أبو طالب، وابن أخيه عبد السلام أبو طالب ومحمد أبو النصر وعبد الله اليماني وأبو القاسم العنابي وسيد الطيب السفياني وولده محمد وأحمد وعبد الكريم السقاط ومحمد بن العربي السقاط والمعطي السقاط وأحمد بناني والحاج محمد بن عبد الرحمن الدلائي ومحمد الأشهب وأمه وأخته وأهل داره وأحمد الفناري وأخواه محمد ومحمد الجرندى وعمه الحاج عبد السلام والحاج عبد الرحمن برادة والحاج مسعود برادة وأخوه العياشي وأبوعزة برادة وأخوه عبد الواحد والحاج المكي بن عبد الله وأحمد ومحمد القباب ووالده ومحمد وبوزيان وعبد الوهاب الأشهب ومحمد الأشهب والعباسي البوري والكبيرين شقرون وعبد الخالق بن حيون ومحمد الهروشي وعبد الغني التازي والحاج أحمد بنونة وولد أخيه عبد السلام وادريس الحسناوي والحاج الجيلاني الحسني الكبير الحلو وأخوه حمادي والحاج محمد المزاري وأولاده ومحمد الكحاك محمد المؤذن والمدني بن ابراهيم والحاج عبد الواحد ابن الأحمر وأحمد الهواري والحاج حرازم التازي وأولاد أبي هلال الحاج المعطي والحاج عبد المجيد والحاج المكي وعبد الرحمن الغوري ومحمد السبعي والحاج أحمد الخميري والحاج العربي بو صفيح.

وأهل مكناسة المقدم محمد الكطوسي وولد المكي ومحمد القلعي والمفضل ابن بوعزة ومحمد بن فقيرة والمكي بادو وأخوه عبد الهادي وعبد الرحيم حميش والمفضل بصري وولد عمه محمد والشريف مولاي المكي ومحمد البوكيلي وولد عمه الشريف علال الهراج والفقيه ابن حمدوش.

وأهل الرباط المقدم الحفياني الشرقاوي وأبوه الشرقي ومحمد بن عبد الله السوسي والمعلم سعيد السوسي، وأهل أبي الجعد المقدم العربي والفقراء الذين معه كل هؤلاء.

وجميع من ذكر أولم يذكر يسلم عليكما وعلى أهلكما وعلى الخليفة العظمى والقدوة الأسمى خديمكما الحاج علي التماسني وعلى أهله وأولاده، وعلى الفقيه سيدي عبد العظيم، وعلى سيدي أبي مسعود وعلى جميع عبيدكم ذكورا وإناثا خصوصا سيدي بلال وسيدي أبي جمعة وسيدي بركة وسيدي مهدي وسيدي سالم الصغير بارك الله في جميعهم، وعلى سيدي محمد الأشهب وأخيه سيدي أحمد وسيدي معمر وأولاده وعلى سيدي الحشاني، وعلى أحباب سيدنا أهل عين ماضي كلهم صغيرا وكبيرا كل واحد باسمه وعينه من عرفناه ومن لم نعرف وخصوصا سيدي بن حرز الله وسيدي ابن عريف، وعلى أحباب سيدنا أهل الأغواط، وأهل تاجموت، وعلى المرابطة الزهراء وأهلها، وعلى أحباب سيدنا أهل سوف، وعلى أحباب سيدنا أينما كانوا وحيثما حلو. نسأل الله تعالى لنا ولهم أن لا يخرجنا من عهدة سيدنا وإمامنا مولانا أبي العباس التجاني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأن يفيض علينا وعليهم بحور الخيرات الظاهرة والباطنة وأن يحفنا بلطفه وعنايته بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم آمين.

وكتب أصغر عبيدكم وأحقرهم التهامي بن محمد السقاط ضحوة يوم السبت ثامن صفر الخير سنة 1232. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله.

 

 

1 – كشف الحجاب. ص:279

 

 

 

*الرسالة الخامسة والعشرون*1

من العلامة الأجل أبي إسحاق سيدي إبراهيم الرياحي لبعض الإخوان ونص الرسالة:

بعد البسملة والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إعلم أيها المسترشد إن كان فيك أهلية لقبول النصح وفهم الحق، أن أولياء الله لاتنحصر مقاماتهم ولاأحوالهم ولا تدخل تحت فهم العقول ولا توزن بميزان ولا تكال بمكيال، وحسب المؤمن الموفق التسليم لهم فيما يقولون ومايفعلون، ولا يصح قياس ولي على ولي آخر لأن مشاربهم مختلفة كإختلاف أسماء الله تعالى. ولهذا تجد الولي الذي شرب من اسمه تعالى الرحمن ينكر على من شرب من اسمه تعالى المنتقم، ومن شرب عن اسمه الحليم ينكر على من شرب من اسمه القهار، وهم كلهم أولياء الله، فإذا عرفت هذا فلا يصح أن تعترض على ولي من أولياء الله فيما جاء به خصوصا إذا كان عاملا بالشريعة، وإن كان الذي جاء به مخالفاً لما يعرفه هو، وإنما يصح الاعتراض عليه إذا كان صاحب بصيرة وكان محيطا بميزان الشريعة كلها ولو رأى هذا المعترض منه شيئا ما هو مخالف لما يعرفه فهو لا يـباح له أن يعترض على من جاء من الأولياء بما لايعرفه هو لأن الحقيقة بحر لا ساحل له والشريعة بـيـر لاقعر له، قال الشيخ محي الدين بن العربي الحاتمي رحمه الله “أن الأولياء على قدم الأنبياء فكل واحد على قدم نبي ولا يلزم في الأنبياء أن يكونوا على شريعة واحدة في الفروع وإن كانو متفقين في أصل التوحيد، وكذلك الأولياء متفقون في إتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإن كانوا مختلفين في المشارب كما أشرنا إليه، وإذا تقرر هذا فلا ينكر أحد من أهل طرق المشائخ على أحد من طريقة أخرى، إلا جاهل بالحقيقة والشريعة والطرق كلها على هدى من الله، فمن سبق له في علم الله أن يكون قادريا2 كان كذلك أو شاذليا3 كان كذلك أو رحمانيا4 كان كذلك، ولكن بعض الطرق أفضل من بعض فإذا سبق في علم الله أن يكون من أهل الطريقة المفضل فكذلك.

 

والحاصل أن إنكار الناس بعضهم على بعض في اتباع طريق دون طريق جهل عظيم يستحق عليه التأديب الكبير إذا لم يتب إلى الله.

وأما إنكار بعض الجهال على طريقة القطب المكتوم سيدنا ومولانا الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنهم فإنما لجهله بمقامات العارفين بالله، ويا ليت هذا المنكر يـبـين لنا ما وجه الإنكار، إن كان وجه الإنكار هو ما سمعه من أفواه بعض الأحباب من أن بعض أصحاب سيدنا الشيخ رضي الله عنه يغبطهم أكابر الأولياء يوم القيامة، فهذا الإنكار فيه بأن الله ذو الفضل العظيم الذي لا يحجر عليه في فضله وما دون النبوة والصحبة جائزة يعطيها الله لمن يشاء من خلقه.

وأما وجه الإنكار فيما يستحيي العاقل أن ينطق به وهو كون أصحاب سيدنا الشيخ رضي الله عنه يـبسملون في صلاة الفريضة، فهذا المنكر لم يشم رائحة العلم ولا نظر في كتب الفقه ولا جالس العلماء العدول الذين يقتدى بأقوالهم وأفعالهم حتى يعرف ما ذكره الشيخ خليل من كراهة البسملة في صلاة الفريضة لا عمل عليه، لأن الشراح نقلوا عن القرافي وغيره أنه يستحب قراءتها في صلاة الفريضة فكيف يعترض علينا بجهله وتقليده ولو ساعد الوقت في المقال لأوسعنا الكلام أكثر من هذا، ولكن هذا كفاية للمسترشدين وإرغام المعاندين والسلام.

 

1 – كشف الحجاب. ص:284.

2 – قادريا: أي ينتسب إلى طريقة تنتمي إلى مولاي عبد القادر الجيلاني البغدادي ( توفي 560 ) وهو صاحب كتاب الغنية.وهذه الطريقة منتشرة في كل بقاع العالم.ولها فروع عديدة في المغرب. وقد اتخذها ابن تيمية طريقة له. ( معجم التصوف. ج: 1 . ص: 241. )

3– شادليا: أي ينتسب إلى طريقة صوفية تنتمي إلى أبي الحسن علي بن عبد الله الغماري. ينتهي نسبه إلى سيدنا علي كرم الله وجهه، و بغمارة ( 591 / 1195 ). أخذ عن سيدي عبد السلام بن مشيش، ثم غادر المغرب إلى الأسكندرية، ومنها انتشرت في العالم الإسلامي. قال فيه القشيري ” ما رأيت أعرف بالله من الشيخ الشاذلي ” وقال فيه ابن عطاء الله الأسكندري ” لم يختلف في قطبانيته ذو قلب مستنير، ولا عارف بصير “. توفي رحمه الله بمصر سنة 656 / 1259 . ( معلمة المغرب. ج: 5. ص: 5234.

4– رحمانيا: أي ينتسب إلى طريقة صوفية تنتمي إلى الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحمن الدرعي أصلا التمجتي دارا وزاوية وإقبارا. أخذ عن سيدي عبد الله بن حسون بواسطة. وكانت طريقته يغلب عليها الجمال الذي يسمو بالمحب الفاني إلى الرقص والشطح. وقد حث في إحدى رسائله مريديه على ” أن لا يقوم إلا إذا كان مغلوبا”. توفي بتادلة سنة 1091 / 1680. (معلمة المغرب. ج: 13. ص: 4211 ).

تم توثيق وتصحيح هذه الرسائل بداية يوم الثلاثاء

16 شتنبر 2003

موافق 19 رجب 1424

انتهيت من تنزيل هذه الرسائل في الفيسبوك

بتاريخ 8 ذي القعدة 1437

موافق

12 غشت 2016

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق