مقالات

الزاوية المغربية نشأتها ودورها الثقافي والاجتماعي

الزاوية المغربية أصلها وتطورها عبر التاريخ، دورها في خدمة البلاد وتعليم العباد، وفق منهج قويم وسليم، بعيد عن كل تعصب وتشدد. أجاد فيها وأفاد مولاي البشير أعمون بدلائل واضحة من الكتاب والسنة والآثار.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين.

أصحاب الفضيلة أحفاد شيخنا ووسيلتنا إلى ربنا أبي العباس سيدي أحمد بن محمد التجاني رضي الله عنه وأرضاه.
شيوخنا العلماء والمقدمين الأجلاء سادتنا وأحبابنا الفقراء الكرام أيها السادة الحاضرون.

السلام التام الشامل العام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أما بعد، فإنها لفرصة سعيدة أتيحت لنا معشر الفقراء الأحمديين التجانيين في هذا اليوم الأغر الذي هو من أسعد أيامنا، والذي نتشرف فيه بحضورنا في هذه الزاوية المباركة إحدى زوايا سيدنا الشيخ التجاني ببريمة مراكش.
هذه الزاوية التي أبت عناية الله تعالى إلا أن تحيا وتزدهر وتستعيد حياتها الطبيعية التربوية الاجتماعية على يد من جعل الله مفاتيح الخير والسعادة على يديه، الذي تجلت فيه أسرار وأنوار جده القطب المكتوم، فخامة العلامة البركة المقدم العارف بالله، سلالة الأخيار ومعدن الأسرار سيدي محمد الكبير أبقاه الله ذخرا للأمة الإسلامية عموما وللفقراء خصوصا لأنه رضي الله عنه ما فتئ يولي كامل اهتماماته لشؤون الزوايا والفقراء أينما كانوا فجزاه الله عنا أحسن الجزاء.
ويسرني أن أشارك إخوتي الكرام بهجتهم وسرورهم بهذا اللقاء الميمون في هذا البيت المعمور بالأذكار والعبادات، والمتنور بأنوار هؤلاء الشيوخ والمقدمين القادمين من كل حدب وصوب لزيارة الإخوان، ولتجديد أواصر المحبة في الله تعالى.
وإن سمحتم لي بتناول هذه الكلمة المتواضعة في موضوع “الزاوية وأصلها ودورها التاريخي” حسبما يسمح به الوقت القصير، ويجود به الفكر الكسير. فأقول وبالله أستعين من المعلوم لدى كل باحث أنه لم تظهر الزاوية في تاريخ المسلمين بشكلها الحالي كمركز ديني وعلمي إلا بعد الرباط والرابطة. والرباط لغة مصدر رابط يرابط بمعنى أقام ولازم المكان. ويطلق في اصطلاح الفقهاء والصوفية على شيئين:
-أولهما البقعة التي يجتمع فيها المجاهدون لحراسة البلاد ورد هجوم العدو عنها.
-والثاني عبارة عن المكان الذي يلتقي فيه صالحوا المؤمنين لعبادة الله وذكره والتفقه في الدين. وقد عرف المغرب الربط مع الفتح الإسلامي، وورد ذكر رباط ماسة بالسوس الأقصى، ويذكر المؤرخون أن رباط شاكر المعروف اليوم “بسيدي شيكر” على ضفة وادي النفيس بحوز مراكش، هو مدفن المجاهد العربي “شاكر” من أصحاب عقبة بن نافع الفهري، وقد بنى هذا الرباط “يعلى بن مصلين” أحد رجال رجراجة السبعة الذين يقال إنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأسلموا ورجعوا إلى المغرب دعاة للدين الحنيف. ثم صار رباط شاكر مجمعا للصالحين من قديم ولاسيما في رمضان يفدون إليه من كل حدب… وتكاثرت الربط في المغرب ولاسيما على السواحل إلى أن صارت تعد بالعشرات.
وتأتي الرابطة بمعنى الرباط سواء في الإطلاق على مكان الجهاد أو مكان العبادة. وقد سمى المؤرخون المكان الذي أقام فيه عبد الله بن ياسين وجماعة من اللمتونيين الصنهاجيين الجزر الساحلية بأقصى الجنوب المغربي “رابطة” وذلك في أوائل القرن الخامس الهجري. وتلاحق الصنهاجيون برباط بن ياسين لينقطعوا معه إلى عبادة الله تعالى. وليتعلموا منه أمور دينهم إلى أن بلغ عددهم نحو ألف رجل فدعاهم لجهاد القبائل الزائغة عن تعاليم الإسلام، وتطور أمرهم إلى أن كونوا دولة المرابطين…
أما الزاوية فهي عبارة عن مكان معد للعبادة، وإيواء الواردين المحتاجين وإطعامهم. وتسمى في الشرق “خانقاة” وهو لفظ أعجمي يجمع على خانقهات … وقيل في تعريف الزاوية المغربية: إنها مدرسة دينية ودار مجانية للضيافة. ولم تعرف الزاوية في المغرب إلا بعد القرن الخامس الهجري، وسميت في بادئ الأمر “دار الكرامة” التي بناها يعقوب المنصور الموحدي في مراكش…

ثم أطلق إسم “دار الضيوف” على ما بناه المرينيون من الزوايا. كالزاوية العظمى التي أسسها أبو عنان المريني في خارج فاس. وفي القرن الثامن الهجري، تكاثرت الزوايا في المغرب ونمت حولها مدارس استقر فيها طلبة العلم مما حدا بملوك بني مرين أن يشيدوا كذلك مدارس بجانب المراكز التعليمية الكبرى خصوصا جامع القرويين بفاس.
وتطور أمر الزوايا بالمغرب خلال القرن العاشر الهجري حيث تغلب النصارى على المسلمين في الأندلس وساموهم سوء العذاب، ثم امتدت أطماعهم إلى احتلال الثغور المغربية وضعفت الدولة الوطاسية عن الدفاع عن حوزة الوطن.
هناك بدأت الزوايا تتدخل في شؤون البلاد السياسية، وتدعو إلى الجهاد، ومقاومة الأجنبي، ووجد الصوفية آذانا صاغية للجهاد، فهب الشعب يذوذ عن حمى الوطن وحمل السلاح معهم بقيادتهم، فقادوه في معارك ظافرة انتهت بطرد البرتغال من الثغور التي كان يحتلها في الجنوب، ونصب رجال الزوايا “محمدا القائم بأمر الله السعدي” ملكا على المغرب … ثم في القرن الحادي عشر ازدادت الزوايا بالمغرب وشملت جميع مدنه وقراه، ولا يقتصر مدلول الزاوية على ذلك المسجد الخاص الذي أسسه الشيخ، وإنما يشمل كافة القرية القائمة حوله بدورها وأسواقها ومساجدها وسائر مرافق الحياة الضرورية لها، ولازلنا في عصرنا الحاضر نجد أثر ذلك في تسمية بعض القبائل، مثل “زاوية سيدي حمزة” بجبل العياشي قرب ميدلت، و”الزاوية الناصرية” بتامكروت، و”زاوية أيت إسحاق” وغير ذلك من القبائل المسماة باسم الزاوية.
وأما أصل الزاويا فهو ثابت في القرآن الكريم إذ قال الله تعالى: [يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا] كما تقدم ذكره. وقال تعالى: [واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه]، ونجد كذلك في الحديث معنى الرباط في قوله صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما عليها)، وقيل المراد بالمرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة، قال أبو سلمة بن عبد الرحمان: لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة، ويدل على صحة هذا التأويل ما روى عن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على ما يمحو به الله الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط) أخرجه مسلم.
أما قول الله تعالى في سورة الكهف: [واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه]، فقد نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمائة رجل -كما في رواية- فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم” ويعرف هؤلاء النفر من الصحابة الذين لزموا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقطعوا فيه للعبادة بعد أن تركوا الدنيا وزهدوا فيها عن رضى وحمد “بأهل الصفة” وكانوا في زاوية أخرى نحوا من أربعمائة صحابي لم يكن لهم بالمدينة مسكن ولا عشيرة، ولا يرجعون فيها إلى نبع ولا ضرع ولا إلى زراعة أو تجارة لازموا مسجد الرسول يتعلمون القرآن ويتعبدون بشرائع الإسلام ويخرجون في كل غزوة كما كانوا يأكلون في المسجد وينامون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤانسهم ويجلس معهم ويأكل معهم ويحث الناس على إكرامهم ومعرفة فضلهم، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم فطيب قلوبهم فقال: (أبشروا يا أصحاب الصفة فمن لقيني من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفاقي). وكان صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مجلسه إذا جلس أهل الصفة حوله حتى يقوموا، وكان إذا صافحهم لا ينزع يده من أيديهم قبلهم، وكان يشعر بحاجتهم ويعيش معهم جوعهم ومخمصتهم ويهتم بأمر طعامهم وشرابهم، فإذا لم يجد ما يسد به حاجتهم فرقهم على أهل الجدات والسعة كل واحد حسب سعته، ويبعث مع الواحد ثلاثة، ومع الآخر أربعة، وبما كان ينقلب سعد ابن معاذ رضي الله عنه بثمانين منهم إلى بيته، فيطعمهم، وبيد ما هم فيه من فقر وجوع فقد كانوا راضين صابرين ملازمين المسجد للعبادة، منقطين فيه للذكر والصلاة.
روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب منهم من لا يبلغ ركبته، فإذا ركع أحدهم قبض بيده مخافة أن تبدو عورته، وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه كانت تشبه راحتنا رائحة الشاة من لبس العباء، وقد وصف الله أهل الصفة بأوصاف حميدة، منها: الاحصار في سبيل الله وعدم استطاعتهم ضربا في الأرض، ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ومعرفتهم بالعلامة التي يعرفون بها، ولا يسألون الناس إلحافا.

أيها السادة الكرام:
إن الذين يتابعون تاريخ الزاوية المغربية، ويتدارسون عملها وتطوره يتبينون أن للزاوية فضلا كبيرا على تاريخ الزاوية المغربية، ويتدارسون عملها وتطوره يتبينون أن للزاوية فضلا كبيرا على تاريخ الحضارة الإسلامية، ومنة عظيمة على الناس الذين أنكروها سواء من جانبها الأدبي والعلمي والاجتماعي والتربية الخلقية، وتمارس الزاوية كل ذلك في صمت وتواضع، وقد خلفت الزاوية أدبا رفيعا وشعرا صادقا بواسطة الأدباء والعلماء والمفكرين الأجلاء مثل الشيخ الحسن اليوسي، والشيخ عمر الحراق، والسيد إبراهيم الرياحي، والعلامة الأديب المؤرخ محمد أكنسوس، والعلامة الأديب أحمد سكيرج، وغيرهم ممن جاء بعدهم واهتدى بهديهم، كما نهض شيوخ الزاوية المغربية بتأليف كتب عديدة في مختلف المعارف الإسلامية ونذكر من المؤلفين على سبيل المثال لا على الحصر الشيخ ماء العينين، والشيخ عمر الفوتي، والفقيه الحجوجي، والفقيه أكنسوس، والعلامة سيدي العربي بن السائح، والعلامة محمد كنون، والعلامة الإفراني، والعلامة النظيفي، والعلامة البعقيلي، وغيرهم ممن لا يحصون عددا. كما ساهمت الزاوية المغربية في الجهاد ومقاومة الأجانب فأهل الزاوية يمسكون السبحة بأيديهم ويلبسون المرقعة على أجسامهم ويتوجهون إلى الله في عباداتهم. فإذا أقبل العدو أمسكوا السيف بدل السبحة ولبسوا الدرع وتوجهوا للمعركة وقابلوا العدو بكل شجاعة وبسالة فكانوا بذلك أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.
والحاصل أن الزوايا عموما خلفت أدبا رفيعا وشعرا صادقا وقامت ولازالت قائمة بتربية المواطنين منذ الطفولة على الفضيلة ونكران الذات، وسماحة الخلق وجميل المعاشرة، لا فرق بين المواطنين في المدينة أو في الصحراء والبادية، فكانوا يجتمعون في زوايا الأحياء والمداشر يتحابون في الله ويذكرون ويتذاكرون ويعلمون ويتعلمون، والبعض منهم يصطحب أولاده الصغار فيرثون عن آبائهم حب الزاوية فيشبون في ظلالها ويتأدبون بآدابها.

وهكذا نرى أن الزواية المغربية مؤسسة دينية واجتماعية وعلمية تبلورت أنشطتها وخصوصياتها منذ استقرار الإسلام في هذه الربوع إلى الآن، وتعد مركزا من مراكز التربية الصوفية السنية، ومعهدا لتزكية النفوس وتطهيرها بالحقائق الإحسانية، ولذلك كان الشيوخ وقادة المتصوفين يتنافسون في بناء الزوايا وتشييدها لأجل أداء وظيفتها الاجتماعية من إيواء الغرباء وإطعامهم وأداء الواجبات الدينية من صلاة وصدقة وذكر وتلاوة قرآن وتعليم وتعلم وغير ذلك.
وكان مما اشتهر به التجانيون – مثل إخوانهم أهل الطرق الأخرى – بناء آلاف من الزوايا المؤسسة على تقوى من الله ورضوان لأجل ما ذكر من تأدية ما أنيط بها من الوظائف الدينية وتبليغ تعاليم الشريعة الإسلامية، وأشهر تلك الزوايا: الزاوية الأم الكبرى بفاس، وتلتها الزوايا الكبريات في كل مدينة من مدن المغرب ونخص بالذكر زوايا مكناس وسلا، وفي الرباط سبع زوايا، وزوايا طنجة وتطوان ووجدة والدار البيضاء ومراكش وأكادير وتارودانت وتزنيت وكلميم والعيون والسمارة، أما في خارج المغرب فحدث عن البحر ولا حرج في إفريقيا وأوربا وآسيا، وفي الحرمين الشريفين ثلاث زوايا في المدينة المنورة وثلاث في مكة المكرمة إلى غير ما ذكر مما لم نحط به خبرا.
أيها الإخوة الكرام الأفاضل:
يتساءل البعض ممن لا علم له ولا خلاق عن الصلاة في المساجد المخصوصة المنسوبة لأربابها، وكذلك في الزوايا المضافة للشيوخ، هل تجوز الصلاة فيها، وهل تصح الصلاة خلف الإمام المتصوف المنتسب لأحد المشايخ بل وتصل الوقاحة ببعض الجهلاء إلى القول بتحريم الصلاة وبطلانها في الزوايا وخلف أربابها، وأصدروا فتاواهم في ذلك وقد وصلتنا فتوى في الموضوع لبعض المفتين والمفتنين من علماء السعودية – سامحهم الله – مما أثار بلبلة وفتنة حتى في صفوف بعض رواد الزوايا الذين يشكون في كل ما أدوا من العبادات فيها، حتى اضطررنا للرد والإجابة عن هذه الخزعبلات التي لا تستحق الاعتبار فضلا عن الإجابة والانتصار، لكن نريد أن نطمئن إخواننا الذين لم يتقدم لهم إلمام ببعض المعارف التي تزيل لهم الشكوك والأوهام عن فشل تلك المبهمات، وإليكم الإجابة عن تلك التساؤلات باختصار.
أما تسمية المساجد والربط والزوايا بأسماء أربابها فهو حق وشرع وليس فيه ما يخرجها عن كونها أماكن لعبادة الله، ففي صحيح البخاري باب هل يقال مسجد بني فلان؟ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي أضمرت من الفيحاء وأمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن ابن عمر كان ممن سابق بها ففي هذا الحديث فوائد كثيرة، فهو يدل على جواز المسابقة وسباق الخيل وفيه قول ابن عمر إلى مسجد بني زريق، ولهذا ترجم له البخاري، لأن فقه البخاري في تراجمه كما هو معلوم عند أرباب هذا الفن، قال ابن حجر في فتح الباري: ويستفاد من هذا الحديث جواز إضافة المساجد إلى بانيها أو إلى المصلي فيها، ويلتحق به جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها، ولا يخالف ذلك قوله تعالى: [وأن المساجد لله] لأن الإضافة في مثل هذا تمييز لا تمليك، وفي هذا الحديث جواز إضافة المساجد إلى قوم مخصوصين من الجزء السادس من “فتح الباري” ص 73هـ، وهذا أصل ما نراه ونسمعه اليوم من تسمية المساجد وإضافته إلى أربابها، مثل مسجد مولاي يوسف، مسجد مولاي الحسن، مسجد الحنصالي، مسجد حكم، زاوية تامكروت، زاوية أيت إسحاق، وغير ذلك وفي الحقيقة أن المساجد لله والملك لله وحده ولكن إنما ذلك للتمييز فقط.

قياسا على مسجد بني زريق الوارد في الحديث المتقدم والزوايا مجمع من مجامع المسلمين، ومعهد من معاهد رجال التزكية، وقد تقدم أن من أهدافها النبيلة وأهم أنشطتها هي مذاكرة القرآن والحديث والدعوة إلى مكارم الأخلاق وحض المسلمين على أن يكونوا أخيارا أطهارا أبرارا، ولا يقال إن هؤلاء القوم الماكثين في المساجد الملازمين لمكان خاص بهم هم عالة على المجتمع حيث ليس لهم شغل دنيوي، فليس الزهد بخلو اليدين ولا التوكل ترك الأسباب، بل هو الاعتماد على ما بيد الله مع مباشرة الأسباب، فأسباب أهل الصفة الجهاد وهو أعظم أنواع الحرف الإسلامية، وقد ورد “الجهاد حرفتي” فإذا ثبت أن الزوايا والربط بيوت الله ومساجد الله فلا يشك أي مؤمن في صحة الصلاة فيها وأداء سائر العبادات فيها لأنها مساجد مخصوصة لأناس مخصوصين انزووا بها عن العامة واعتزلوا في أماكن خاصة فرارا من التشويش على الناس، كما فعل الرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما انعزل في زاوية من زوايا مسجده “أي في ركن من أركان المسجد” وذلك للاعتكاف والأذكار والعبادة، وأدار عليه حاجزا بالحصير حائلا بينه وبين الناس على شكل قبة أو خباء كما ورد في كتاب الاعتكاف من صحيح البخاري.
إذن فالصلاة متى أديت بشروطها وآدابها وأركانها المعروفة فهي تامة صحيحة سواء أديت في المسجد الخاص أو العام أو أي بقعة على وجه الأرض التي جعله الله لأمة النبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، بل إن بعض الزوايا عامرة بأهل الله وذكر الله والمجالس العلمية الوعظية وتمتاز بإتقان الصلاة وإقامتها بتثقيل هيئتها وخشوعها وآدابها حتى صار ذلك ميزة ذاع صيتها بين الناس واشتهر بين ألسنتهم، فالزوايا والربط مساجد خاصة كسائر مساجد الله بقاع طاهرة مطهرة منورة بأنوار الله وأنوار الذاكرين أماكن تزكية النفوس معطّرة بأذكار الله فوّاحة بأنفاس روادها المؤمنين الصادقين القانتين المنفقين المستغفرين بالأسحار.
فليس من المعقول ولا من الحياء التساؤل عن الصلاة فيه وحكمها هل هي جائزة أم مكروهة، بل من البلاهة أن يسأل هل تجوز الصلاة في المسجد؟ ولماذا بني المسجد إذن؟ إن لم نصل فيه ولم نذكر فيه؟ بل إن الصلاة نفسها إنما تقام لأجل ذكر الله” وأقم الصلاة لذكري” ومثل هذا السؤال غير وارد وغير معتبر لأنه من قبيل الهذيان، فالزوايا والمساجد سيان بينهما عموم وخصوص من وجه كما يقول المناطقة، فـ”كل زاوية مسجد” وليس “كل مسجد زاوية” فلا يعقل أن تصح الصلاة في مسجد دون آخر. فمن يفرق بينهما صار كمن يفرق بين ماء المطر وماء العيون في صلاحية الشرب والطهارة فهو مما لا معنى له، ولا يقبله ذو طبع سليم.
فليتق الله من يشوش على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الترهات. وليتق الله في نفسه ودينه من يتقول على الله فيما ليس له به علم. ويسعى في إفساد نيات المسلمين بدون أي مستند صحيح ولا رأي صريح. فالزوايا يعمرها الذين يخلصون العمل لله وأمرها قائم بالله لله على الله، يعرف ذلك أهل الصدق والإخلاص والأذواق السليمة، وذووا النيات الحسنة الذين يهاجرون إلى الله ورسوله لا إلى الدنيا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”، قال الله تعالى: [ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين ءامنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة….]. فاللهم الهمنا الرشد والسداد في القول والعمل، واعصمنا من الخطأ والزلل آمين.

أيها السادة الأفاضل الكرام:
أما الدور الذي يقوم به مقدم الزاوية، والمسؤولية التي يتحملها فهو من الأهمية بمكان ومن الصعوبة التي لا يتغلب عليها كل إنسان، إلا من أخذ الله بيده من الخادمين الأوفياء للطريقة الأحمدية التجانية، الذين أخلصوا عملهم لله، آخذين بتعاليم ونصائح وإرشادات أشياخهم ومربيهم في هذا الميدان، فقد قال الفقيه العلامة سيدي الحاج الأحسن البعقيلي رضي الله عنه في كتابه الإراءة الجزء الأول، ص: 159 ما نصه: “فيجب على عالم في الطريقة ومقتدى به ألا يدرس في الزوايا لضعفاء الفقراء إلا ما يناسب الطريقة الأصلية وهو القرآن وحديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا بأس بفروع مذهبه من أحكام الوضوء والعبادة، لا غير من كل ما فيه مصلحة عائدة على الفقراء. وأما طريقة الإرادة فمندرسة منذ أزمان ورفع الإذن فيها بكرة الطمع فيجئ مرشدهم ويفرض الأموال عليهم رغما، أو يبوء بسخط شيخه، فارتفع الإذن بالطمع من كل طريقة، فكل طريقة دخلها الطمع يرتفع الإذن من أصلها. فاحذره فإنه كعبة تطوف به الشرور.
وقال في ص: 176 من نفس المصدر: “فيجب على المقدم أن يتفطن لما يقع في الزاوية لئلا يبيت أحد الغرباء بجوع مع أن الفقراء مترفهون. فالدين مؤتلف بقلوب مؤتلفة، فالجائع مع المترف المنعم بلا مباشرة متنافران طبعا، فيجب إصلاح ذات البين، وشأن المضيف الإكرام وشأن الضيف الرضا، ونحن إخوان في الله فوجب نزع ما يورث الضغائن، وهو عدم مبالاة الأخ بشأن أخيه مرضا وحضرا وسفرا وشبعا وجوعا. فليس ذلك من شأن أهل السنة السمحة، وعلى كل حال فيجب على من كلفه الله أن يباشر كل أحد من الفقراء، فإنهم أولياء الله قطعا لأنهم اجتمعوا في الله، وينهى من كان يذكر شأن الفقراء بغير كرم، فإنهم منزهون عن القبائح والرذائل، فإن الله نزّلهم في ذروة المجد بالفطرة التجانية. فيفطن وجوبا لدعي دخيل في وسطهم من غير تصريح له به. بل يباششه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشش المنافقين مع علم بواطنهم. لكن وجب غض البصيرة فيسوسه في الله حتى يدخله في زهرة الصادقين، وهو شأن الأطباء العارفين… فافهمه، وإياي وإيا غيري مما يفعل من إخراج بعض الغرباء الخلاّص في الصدق من الزاوية قهرا فإنه مهلك سرّ أهل الزاوية، إن سكتوا، فإنه ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلا تتركون عبد الله في بيت الله؟) فالزاوية ليست لواحد بل لأهل الله بنيت لأجل ائتلاف قلوب في الله، فطهارتها بعمارتها بأولياء الله لا بإخلائها منهم بحيث يخرج منها غريب وهو يبكي ويبتغي المقدم وغيره رضوان الشيخ وهو بعيد عنه لأن الشيخ رضي الله عنه قال: “لا أدخل سوق أصحابي لأنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا صلح له مع الشيخ إلا بمسامحة الغريب، وإلا فأهل الزاوية بمعزل عن الرضى. أفتغير حبيبه وتتملق له بأنواع المداهنة من الصلاة عليه؟ ما أكذب من ادعى محبة نبي وهو يكره واحدا من أمته! وأحرى إن غيّره بالإذاية، فلا يقدر على المسامحة إلا من راض نفسه، فالزاوية دار للفقراء بسياسة، والبواب لا ينصّب حتى يلين مع كل داخل لبيبا عاقلا، فإن كان فظا يعزل ويولّى غيره، الله الله الله فيما شاهدناه في زواوي سيدينا من التبديل والتغيير فإنه سم قاتل مهلك لأهل البلد… (انتهى المراد منه).
وقال في رسالة بعث بها إلى المقدم سيدي علي بن ابراهيم: “فيجوز الأكل في الزوايا بلا تلطخ الزاوية، زاويتنا دارنا، نفعل فيها ما نشاء. وفيها يأكل الفقراء ويشربون وينامون قياسا على أهل الصفة، فلا يحل التضييق على الناس. فالفقراء إخوان هينون لينون مطمئنون يشد بعضهم بعضا.
وقال في الجزء الثاني من “الشرب الصافي” ص: 78 و 79، ما نصه: “فالشيخ المربي هو نعمة، فإنه يصيّر لتلميذه عوائده وأحواله ويقظاته وسكناته عبادة، فيوجب على تلميذه، أن يستحضر في كل نفس امتثال الأوامر واجتناب النواهي، إلى أن قال: فإن الحقائق الشرعية وضعت للعبادة، وهذه الحقائق وضعت للعبادة فمن تفطن لها على يد عارف كان نَفَسُه لا يعادله غيره ممن لا يقصده فهذا فائدة المربين. فالزاوية التي لا حقائق فيها فندق. انتهى المراد من كلامه.

أيها الإخوة الكرام:
نستخلص مما سبق ذكره من أصل الزاوية ونشأته وتطورها وقيامها بالتبليغ والدعوة إلى الشريعة الخالصة، أن الزاوية المغربية من خلال مختلف أنشطتها قد قامت بالدور الفعال في تنشيط الحركة الإسلامية وإرساء قواعد التصوف السني في العالم الإسلامي، ونشر الفكر الصوفي السني بين مختلف طبقات المجتمع المغربي بل الإسلامي. وقد مثلث الزاوية عبر مختلف أطوار التاريخ خلية حية نشيطة في ضم عناصر أبناء المجتمع وجمع شتاته حول قيمه ومبادئه ومثله حول قيادته السياسية والدينية، ولم تكن الزاوية في يوم من الأيام عنصر تشتيت ولا تفريق كما يتزعمه خصومها الذين يستهدفون ضعفها وهوانها والنيل من سمعتها، وليس لهم هدف إلا الفساد والخراب والعياذ بالله.
وختاما فإن هذا الموضوع لا زال خصبا لم أستوف له حقه في الإحاطة والشمول، وأعتذر لأخواني وأحبابي عن هذا العجز والتقصير، فإن ما لا يمكن كله لا يترك جله، أو كما قيل.
نسأل الله العلي العظيم أن يقيل عثرتنا، وأن يغفر زلتنا، وأن يتقبل منا ومنكم جميع الأعمال، وأن يصلح لنا ولكم سائر الأحوال بمنه وفضله ورضي الله تعالى عن شيخنا وقدوتنا ووسيلتنا إلى ربنا أبي العباس سيدي أحمد بن مَحمد التجاني سقانا الله وإياكم من مدده بأعظم الأواني. آمين
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقدراه العظيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

وكتبه بتاريخ يوم السبت 22 ربيع الثاني 1427هـ، موافق 20 ماي 2006م
العبد الضعيف أعمون مولاي البشير بن محمد بن مبارك التناني السوسي
بالزاوية التجارية بشارع السلام حي يعقوب المنصور – الرباط – المملكة المغربية. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين.

أصحاب الفضيلة أحفاد شيخنا ووسيلتنا إلى ربنا أبي العباس سيدي أحمد بن محمد التجاني رضي الله عنه وأرضاه.
شيوخنا العلماء والمقدمين الأجلاء سادتنا وأحبابنا الفقراء الكرام أيها السادة الحاضرون.

السلام التام الشامل العام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أما بعد، فإنها لفرصة سعيدة أتيحت لنا معشر الفقراء الأحمديين التجانيين في هذا اليوم الأغر الذي هو من أسعد أيامنا، والذي نتشرف فيه بحضورنا في هذه الزاوية المباركة إحدى زوايا سيدنا الشيخ التجاني ببريمة مراكش.
هذه الزاوية التي أبت عناية الله تعالى إلا أن تحيا وتزدهر وتستعيد حياتها الطبيعية التربوية الاجتماعية على يد من جعل الله مفاتيح الخير والسعادة على يديه، الذي تجلت فيه أسرار وأنوار جده القطب المكتوم، فخامة العلامة البركة المقدم العارف بالله، سلالة الأخيار ومعدن الأسرار سيدي محمد الكبير أبقاه الله ذخرا للأمة الإسلامية عموما وللفقراء خصوصا لأنه رضي الله عنه ما فتئ يولي كامل اهتماماته لشؤون الزوايا والفقراء أينما كانوا فجزاه الله عنا أحسن الجزاء.
ويسرني أن أشارك إخوتي الكرام بهجتهم وسرورهم بهذا اللقاء الميمون في هذا البيت المعمور بالأذكار والعبادات، والمتنور بأنوار هؤلاء الشيوخ والمقدمين القادمين من كل حدب وصوب لزيارة الإخوان، ولتجديد أواصر المحبة في الله تعالى.
وإن سمحتم لي بتناول هذه الكلمة المتواضعة في موضوع “الزاوية وأصلها ودورها التاريخي” حسبما يسمح به الوقت القصير، ويجود به الفكر الكسير. فأقول وبالله أستعين من المعلوم لدى كل باحث أنه لم تظهر الزاوية في تاريخ المسلمين بشكلها الحالي كمركز ديني وعلمي إلا بعد الرباط والرابطة. والرباط لغة مصدر رابط يرابط بمعنى أقام ولازم المكان. ويطلق في اصطلاح الفقهاء والصوفية على شيئين:
-أولهما البقعة التي يجتمع فيها المجاهدون لحراسة البلاد ورد هجوم العدو عنها.
-والثاني عبارة عن المكان الذي يلتقي فيه صالحوا المؤمنين لعبادة الله وذكره والتفقه في الدين. وقد عرف المغرب الربط مع الفتح الإسلامي، وورد ذكر رباط ماسة بالسوس الأقصى، ويذكر المؤرخون أن رباط شاكر المعروف اليوم “بسيدي شيكر” على ضفة وادي النفيس بحوز مراكش، هو مدفن المجاهد العربي “شاكر” من أصحاب عقبة بن نافع الفهري، وقد بنى هذا الرباط “يعلى بن مصلين” أحد رجال رجراجة السبعة الذين يقال إنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأسلموا ورجعوا إلى المغرب دعاة للدين الحنيف. ثم صار رباط شاكر مجمعا للصالحين من قديم ولاسيما في رمضان يفدون إليه من كل حدب… وتكاثرت الربط في المغرب ولاسيما على السواحل إلى أن صارت تعد بالعشرات.
وتأتي الرابطة بمعنى الرباط سواء في الإطلاق على مكان الجهاد أو مكان العبادة. وقد سمى المؤرخون المكان الذي أقام فيه عبد الله بن ياسين وجماعة من اللمتونيين الصنهاجيين الجزر الساحلية بأقصى الجنوب المغربي “رابطة” وذلك في أوائل القرن الخامس الهجري. وتلاحق الصنهاجيون برباط بن ياسين لينقطعوا معه إلى عبادة الله تعالى. وليتعلموا منه أمور دينهم إلى أن بلغ عددهم نحو ألف رجل فدعاهم لجهاد القبائل الزائغة عن تعاليم الإسلام، وتطور أمرهم إلى أن كونوا دولة المرابطين…
أما الزاوية فهي عبارة عن مكان معد للعبادة، وإيواء الواردين المحتاجين وإطعامهم. وتسمى في الشرق “خانقاة” وهو لفظ أعجمي يجمع على خانقهات … وقيل في تعريف الزاوية المغربية: إنها مدرسة دينية ودار مجانية للضيافة. ولم تعرف الزاوية في المغرب إلا بعد القرن الخامس الهجري، وسميت في بادئ الأمر “دار الكرامة” التي بناها يعقوب المنصور الموحدي في مراكش…

ثم أطلق إسم “دار الضيوف” على ما بناه المرينيون من الزوايا. كالزاوية العظمى التي أسسها أبو عنان المريني في خارج فاس. وفي القرن الثامن الهجري، تكاثرت الزوايا في المغرب ونمت حولها مدارس استقر فيها طلبة العلم مما حدا بملوك بني مرين أن يشيدوا كذلك مدارس بجانب المراكز التعليمية الكبرى خصوصا جامع القرويين بفاس.
وتطور أمر الزوايا بالمغرب خلال القرن العاشر الهجري حيث تغلب النصارى على المسلمين في الأندلس وساموهم سوء العذاب، ثم امتدت أطماعهم إلى احتلال الثغور المغربية وضعفت الدولة الوطاسية عن الدفاع عن حوزة الوطن.
هناك بدأت الزوايا تتدخل في شؤون البلاد السياسية، وتدعو إلى الجهاد، ومقاومة الأجنبي، ووجد الصوفية آذانا صاغية للجهاد، فهب الشعب يذوذ عن حمى الوطن وحمل السلاح معهم بقيادتهم، فقادوه في معارك ظافرة انتهت بطرد البرتغال من الثغور التي كان يحتلها في الجنوب، ونصب رجال الزوايا “محمدا القائم بأمر الله السعدي” ملكا على المغرب … ثم في القرن الحادي عشر ازدادت الزوايا بالمغرب وشملت جميع مدنه وقراه، ولا يقتصر مدلول الزاوية على ذلك المسجد الخاص الذي أسسه الشيخ، وإنما يشمل كافة القرية القائمة حوله بدورها وأسواقها ومساجدها وسائر مرافق الحياة الضرورية لها، ولازلنا في عصرنا الحاضر نجد أثر ذلك في تسمية بعض القبائل، مثل “زاوية سيدي حمزة” بجبل العياشي قرب ميدلت، و”الزاوية الناصرية” بتامكروت، و”زاوية أيت إسحاق” وغير ذلك من القبائل المسماة باسم الزاوية.
وأما أصل الزاويا فهو ثابت في القرآن الكريم إذ قال الله تعالى: [يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا] كما تقدم ذكره. وقال تعالى: [واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه]، ونجد كذلك في الحديث معنى الرباط في قوله صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما عليها)، وقيل المراد بالمرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة، قال أبو سلمة بن عبد الرحمان: لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة، ويدل على صحة هذا التأويل ما روى عن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على ما يمحو به الله الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط) أخرجه مسلم.
أما قول الله تعالى في سورة الكهف: [واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه]، فقد نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمائة رجل -كما في رواية- فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم” ويعرف هؤلاء النفر من الصحابة الذين لزموا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقطعوا فيه للعبادة بعد أن تركوا الدنيا وزهدوا فيها عن رضى وحمد “بأهل الصفة” وكانوا في زاوية أخرى نحوا من أربعمائة صحابي لم يكن لهم بالمدينة مسكن ولا عشيرة، ولا يرجعون فيها إلى نبع ولا ضرع ولا إلى زراعة أو تجارة لازموا مسجد الرسول يتعلمون القرآن ويتعبدون بشرائع الإسلام ويخرجون في كل غزوة كما كانوا يأكلون في المسجد وينامون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤانسهم ويجلس معهم ويأكل معهم ويحث الناس على إكرامهم ومعرفة فضلهم، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم فطيب قلوبهم فقال: (أبشروا يا أصحاب الصفة فمن لقيني من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفاقي). وكان صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مجلسه إذا جلس أهل الصفة حوله حتى يقوموا، وكان إذا صافحهم لا ينزع يده من أيديهم قبلهم، وكان يشعر بحاجتهم ويعيش معهم جوعهم ومخمصتهم ويهتم بأمر طعامهم وشرابهم، فإذا لم يجد ما يسد به حاجتهم فرقهم على أهل الجدات والسعة كل واحد حسب سعته، ويبعث مع الواحد ثلاثة، ومع الآخر أربعة، وبما كان ينقلب سعد ابن معاذ رضي الله عنه بثمانين منهم إلى بيته، فيطعمهم، وبيد ما هم فيه من فقر وجوع فقد كانوا راضين صابرين ملازمين المسجد للعبادة، منقطين فيه للذكر والصلاة.
روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب منهم من لا يبلغ ركبته، فإذا ركع أحدهم قبض بيده مخافة أن تبدو عورته، وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه كانت تشبه راحتنا رائحة الشاة من لبس العباء، وقد وصف الله أهل الصفة بأوصاف حميدة، منها: الاحصار في سبيل الله وعدم استطاعتهم ضربا في الأرض، ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ومعرفتهم بالعلامة التي يعرفون بها، ولا يسألون الناس إلحافا.

أيها السادة الكرام:
إن الذين يتابعون تاريخ الزاوية المغربية، ويتدارسون عملها وتطوره يتبينون أن للزاوية فضلا كبيرا على تاريخ الزاوية المغربية، ويتدارسون عملها وتطوره يتبينون أن للزاوية فضلا كبيرا على تاريخ الحضارة الإسلامية، ومنة عظيمة على الناس الذين أنكروها سواء من جانبها الأدبي والعلمي والاجتماعي والتربية الخلقية، وتمارس الزاوية كل ذلك في صمت وتواضع، وقد خلفت الزاوية أدبا رفيعا وشعرا صادقا بواسطة الأدباء والعلماء والمفكرين الأجلاء مثل الشيخ الحسن اليوسي، والشيخ عمر الحراق، والسيد إبراهيم الرياحي، والعلامة الأديب المؤرخ محمد أكنسوس، والعلامة الأديب أحمد سكيرج، وغيرهم ممن جاء بعدهم واهتدى بهديهم، كما نهض شيوخ الزاوية المغربية بتأليف كتب عديدة في مختلف المعارف الإسلامية ونذكر من المؤلفين على سبيل المثال لا على الحصر الشيخ ماء العينين، والشيخ عمر الفوتي، والفقيه الحجوجي، والفقيه أكنسوس، والعلامة سيدي العربي بن السائح، والعلامة محمد كنون، والعلامة الإفراني، والعلامة النظيفي، والعلامة البعقيلي، وغيرهم ممن لا يحصون عددا. كما ساهمت الزاوية المغربية في الجهاد ومقاومة الأجانب فأهل الزاوية يمسكون السبحة بأيديهم ويلبسون المرقعة على أجسامهم ويتوجهون إلى الله في عباداتهم. فإذا أقبل العدو أمسكوا السيف بدل السبحة ولبسوا الدرع وتوجهوا للمعركة وقابلوا العدو بكل شجاعة وبسالة فكانوا بذلك أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.
والحاصل أن الزوايا عموما خلفت أدبا رفيعا وشعرا صادقا وقامت ولازالت قائمة بتربية المواطنين منذ الطفولة على الفضيلة ونكران الذات، وسماحة الخلق وجميل المعاشرة، لا فرق بين المواطنين في المدينة أو في الصحراء والبادية، فكانوا يجتمعون في زوايا الأحياء والمداشر يتحابون في الله ويذكرون ويتذاكرون ويعلمون ويتعلمون، والبعض منهم يصطحب أولاده الصغار فيرثون عن آبائهم حب الزاوية فيشبون في ظلالها ويتأدبون بآدابها.

وهكذا نرى أن الزواية المغربية مؤسسة دينية واجتماعية وعلمية تبلورت أنشطتها وخصوصياتها منذ استقرار الإسلام في هذه الربوع إلى الآن، وتعد مركزا من مراكز التربية الصوفية السنية، ومعهدا لتزكية النفوس وتطهيرها بالحقائق الإحسانية، ولذلك كان الشيوخ وقادة المتصوفين يتنافسون في بناء الزوايا وتشييدها لأجل أداء وظيفتها الاجتماعية من إيواء الغرباء وإطعامهم وأداء الواجبات الدينية من صلاة وصدقة وذكر وتلاوة قرآن وتعليم وتعلم وغير ذلك.
وكان مما اشتهر به التجانيون – مثل إخوانهم أهل الطرق الأخرى – بناء آلاف من الزوايا المؤسسة على تقوى من الله ورضوان لأجل ما ذكر من تأدية ما أنيط بها من الوظائف الدينية وتبليغ تعاليم الشريعة الإسلامية، وأشهر تلك الزوايا: الزاوية الأم الكبرى بفاس، وتلتها الزوايا الكبريات في كل مدينة من مدن المغرب ونخص بالذكر زوايا مكناس وسلا، وفي الرباط سبع زوايا، وزوايا طنجة وتطوان ووجدة والدار البيضاء ومراكش وأكادير وتارودانت وتزنيت وكلميم والعيون والسمارة، أما في خارج المغرب فحدث عن البحر ولا حرج في إفريقيا وأوربا وآسيا، وفي الحرمين الشريفين ثلاث زوايا في المدينة المنورة وثلاث في مكة المكرمة إلى غير ما ذكر مما لم نحط به خبرا.
أيها الإخوة الكرام الأفاضل:
يتساءل البعض ممن لا علم له ولا خلاق عن الصلاة في المساجد المخصوصة المنسوبة لأربابها، وكذلك في الزوايا المضافة للشيوخ، هل تجوز الصلاة فيها، وهل تصح الصلاة خلف الإمام المتصوف المنتسب لأحد المشايخ بل وتصل الوقاحة ببعض الجهلاء إلى القول بتحريم الصلاة وبطلانها في الزوايا وخلف أربابها، وأصدروا فتاواهم في ذلك وقد وصلتنا فتوى في الموضوع لبعض المفتين والمفتنين من علماء السعودية – سامحهم الله – مما أثار بلبلة وفتنة حتى في صفوف بعض رواد الزوايا الذين يشكون في كل ما أدوا من العبادات فيها، حتى اضطررنا للرد والإجابة عن هذه الخزعبلات التي لا تستحق الاعتبار فضلا عن الإجابة والانتصار، لكن نريد أن نطمئن إخواننا الذين لم يتقدم لهم إلمام ببعض المعارف التي تزيل لهم الشكوك والأوهام عن فشل تلك المبهمات، وإليكم الإجابة عن تلك التساؤلات باختصار.
أما تسمية المساجد والربط والزوايا بأسماء أربابها فهو حق وشرع وليس فيه ما يخرجها عن كونها أماكن لعبادة الله، ففي صحيح البخاري باب هل يقال مسجد بني فلان؟ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي أضمرت من الفيحاء وأمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن ابن عمر كان ممن سابق بها ففي هذا الحديث فوائد كثيرة، فهو يدل على جواز المسابقة وسباق الخيل وفيه قول ابن عمر إلى مسجد بني زريق، ولهذا ترجم له البخاري، لأن فقه البخاري في تراجمه كما هو معلوم عند أرباب هذا الفن، قال ابن حجر في فتح الباري: ويستفاد من هذا الحديث جواز إضافة المساجد إلى بانيها أو إلى المصلي فيها، ويلتحق به جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها، ولا يخالف ذلك قوله تعالى: [وأن المساجد لله] لأن الإضافة في مثل هذا تمييز لا تمليك، وفي هذا الحديث جواز إضافة المساجد إلى قوم مخصوصين من الجزء السادس من “فتح الباري” ص 73هـ، وهذا أصل ما نراه ونسمعه اليوم من تسمية المساجد وإضافته إلى أربابها، مثل مسجد مولاي يوسف، مسجد مولاي الحسن، مسجد الحنصالي، مسجد حكم، زاوية تامكروت، زاوية أيت إسحاق، وغير ذلك وفي الحقيقة أن المساجد لله والملك لله وحده ولكن إنما ذلك للتمييز فقط.

قياسا على مسجد بني زريق الوارد في الحديث المتقدم والزوايا مجمع من مجامع المسلمين، ومعهد من معاهد رجال التزكية، وقد تقدم أن من أهدافها النبيلة وأهم أنشطتها هي مذاكرة القرآن والحديث والدعوة إلى مكارم الأخلاق وحض المسلمين على أن يكونوا أخيارا أطهارا أبرارا، ولا يقال إن هؤلاء القوم الماكثين في المساجد الملازمين لمكان خاص بهم هم عالة على المجتمع حيث ليس لهم شغل دنيوي، فليس الزهد بخلو اليدين ولا التوكل ترك الأسباب، بل هو الاعتماد على ما بيد الله مع مباشرة الأسباب، فأسباب أهل الصفة الجهاد وهو أعظم أنواع الحرف الإسلامية، وقد ورد “الجهاد حرفتي” فإذا ثبت أن الزوايا والربط بيوت الله ومساجد الله فلا يشك أي مؤمن في صحة الصلاة فيها وأداء سائر العبادات فيها لأنها مساجد مخصوصة لأناس مخصوصين انزووا بها عن العامة واعتزلوا في أماكن خاصة فرارا من التشويش على الناس، كما فعل الرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما انعزل في زاوية من زوايا مسجده “أي في ركن من أركان المسجد” وذلك للاعتكاف والأذكار والعبادة، وأدار عليه حاجزا بالحصير حائلا بينه وبين الناس على شكل قبة أو خباء كما ورد في كتاب الاعتكاف من صحيح البخاري.
إذن فالصلاة متى أديت بشروطها وآدابها وأركانها المعروفة فهي تامة صحيحة سواء أديت في المسجد الخاص أو العام أو أي بقعة على وجه الأرض التي جعله الله لأمة النبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، بل إن بعض الزوايا عامرة بأهل الله وذكر الله والمجالس العلمية الوعظية وتمتاز بإتقان الصلاة وإقامتها بتثقيل هيئتها وخشوعها وآدابها حتى صار ذلك ميزة ذاع صيتها بين الناس واشتهر بين ألسنتهم، فالزوايا والربط مساجد خاصة كسائر مساجد الله بقاع طاهرة مطهرة منورة بأنوار الله وأنوار الذاكرين أماكن تزكية النفوس معطّرة بأذكار الله فوّاحة بأنفاس روادها المؤمنين الصادقين القانتين المنفقين المستغفرين بالأسحار.
فليس من المعقول ولا من الحياء التساؤل عن الصلاة فيه وحكمها هل هي جائزة أم مكروهة، بل من البلاهة أن يسأل هل تجوز الصلاة في المسجد؟ ولماذا بني المسجد إذن؟ إن لم نصل فيه ولم نذكر فيه؟ بل إن الصلاة نفسها إنما تقام لأجل ذكر الله” وأقم الصلاة لذكري” ومثل هذا السؤال غير وارد وغير معتبر لأنه من قبيل الهذيان، فالزوايا والمساجد سيان بينهما عموم وخصوص من وجه كما يقول المناطقة، فـ”كل زاوية مسجد” وليس “كل مسجد زاوية” فلا يعقل أن تصح الصلاة في مسجد دون آخر. فمن يفرق بينهما صار كمن يفرق بين ماء المطر وماء العيون في صلاحية الشرب والطهارة فهو مما لا معنى له، ولا يقبله ذو طبع سليم.
فليتق الله من يشوش على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الترهات. وليتق الله في نفسه ودينه من يتقول على الله فيما ليس له به علم. ويسعى في إفساد نيات المسلمين بدون أي مستند صحيح ولا رأي صريح. فالزوايا يعمرها الذين يخلصون العمل لله وأمرها قائم بالله لله على الله، يعرف ذلك أهل الصدق والإخلاص والأذواق السليمة، وذووا النيات الحسنة الذين يهاجرون إلى الله ورسوله لا إلى الدنيا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”، قال الله تعالى: [ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين ءامنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة….]. فاللهم الهمنا الرشد والسداد في القول والعمل، واعصمنا من الخطأ والزلل آمين.

أيها السادة الأفاضل الكرام:
أما الدور الذي يقوم به مقدم الزاوية، والمسؤولية التي يتحملها فهو من الأهمية بمكان ومن الصعوبة التي لا يتغلب عليها كل إنسان، إلا من أخذ الله بيده من الخادمين الأوفياء للطريقة الأحمدية التجانية، الذين أخلصوا عملهم لله، آخذين بتعاليم ونصائح وإرشادات أشياخهم ومربيهم في هذا الميدان، فقد قال الفقيه العلامة سيدي الحاج الأحسن البعقيلي رضي الله عنه في كتابه الإراءة الجزء الأول، ص: 159 ما نصه: “فيجب على عالم في الطريقة ومقتدى به ألا يدرس في الزوايا لضعفاء الفقراء إلا ما يناسب الطريقة الأصلية وهو القرآن وحديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا بأس بفروع مذهبه من أحكام الوضوء والعبادة، لا غير من كل ما فيه مصلحة عائدة على الفقراء. وأما طريقة الإرادة فمندرسة منذ أزمان ورفع الإذن فيها بكرة الطمع فيجئ مرشدهم ويفرض الأموال عليهم رغما، أو يبوء بسخط شيخه، فارتفع الإذن بالطمع من كل طريقة، فكل طريقة دخلها الطمع يرتفع الإذن من أصلها. فاحذره فإنه كعبة تطوف به الشرور.
وقال في ص: 176 من نفس المصدر: “فيجب على المقدم أن يتفطن لما يقع في الزاوية لئلا يبيت أحد الغرباء بجوع مع أن الفقراء مترفهون. فالدين مؤتلف بقلوب مؤتلفة، فالجائع مع المترف المنعم بلا مباشرة متنافران طبعا، فيجب إصلاح ذات البين، وشأن المضيف الإكرام وشأن الضيف الرضا، ونحن إخوان في الله فوجب نزع ما يورث الضغائن، وهو عدم مبالاة الأخ بشأن أخيه مرضا وحضرا وسفرا وشبعا وجوعا. فليس ذلك من شأن أهل السنة السمحة، وعلى كل حال فيجب على من كلفه الله أن يباشر كل أحد من الفقراء، فإنهم أولياء الله قطعا لأنهم اجتمعوا في الله، وينهى من كان يذكر شأن الفقراء بغير كرم، فإنهم منزهون عن القبائح والرذائل، فإن الله نزّلهم في ذروة المجد بالفطرة التجانية. فيفطن وجوبا لدعي دخيل في وسطهم من غير تصريح له به. بل يباششه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشش المنافقين مع علم بواطنهم. لكن وجب غض البصيرة فيسوسه في الله حتى يدخله في زهرة الصادقين، وهو شأن الأطباء العارفين… فافهمه، وإياي وإيا غيري مما يفعل من إخراج بعض الغرباء الخلاّص في الصدق من الزاوية قهرا فإنه مهلك سرّ أهل الزاوية، إن سكتوا، فإنه ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلا تتركون عبد الله في بيت الله؟) فالزاوية ليست لواحد بل لأهل الله بنيت لأجل ائتلاف قلوب في الله، فطهارتها بعمارتها بأولياء الله لا بإخلائها منهم بحيث يخرج منها غريب وهو يبكي ويبتغي المقدم وغيره رضوان الشيخ وهو بعيد عنه لأن الشيخ رضي الله عنه قال: “لا أدخل سوق أصحابي لأنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا صلح له مع الشيخ إلا بمسامحة الغريب، وإلا فأهل الزاوية بمعزل عن الرضى. أفتغير حبيبه وتتملق له بأنواع المداهنة من الصلاة عليه؟ ما أكذب من ادعى محبة نبي وهو يكره واحدا من أمته! وأحرى إن غيّره بالإذاية، فلا يقدر على المسامحة إلا من راض نفسه، فالزاوية دار للفقراء بسياسة، والبواب لا ينصّب حتى يلين مع كل داخل لبيبا عاقلا، فإن كان فظا يعزل ويولّى غيره، الله الله الله فيما شاهدناه في زواوي سيدينا من التبديل والتغيير فإنه سم قاتل مهلك لأهل البلد… (انتهى المراد منه).
وقال في رسالة بعث بها إلى المقدم سيدي علي بن ابراهيم: “فيجوز الأكل في الزوايا بلا تلطخ الزاوية، زاويتنا دارنا، نفعل فيها ما نشاء. وفيها يأكل الفقراء ويشربون وينامون قياسا على أهل الصفة، فلا يحل التضييق على الناس. فالفقراء إخوان هينون لينون مطمئنون يشد بعضهم بعضا.
وقال في الجزء الثاني من “الشرب الصافي” ص: 78 و 79، ما نصه: “فالشيخ المربي هو نعمة، فإنه يصيّر لتلميذه عوائده وأحواله ويقظاته وسكناته عبادة، فيوجب على تلميذه، أن يستحضر في كل نفس امتثال الأوامر واجتناب النواهي، إلى أن قال: فإن الحقائق الشرعية وضعت للعبادة، وهذه الحقائق وضعت للعبادة فمن تفطن لها على يد عارف كان نَفَسُه لا يعادله غيره ممن لا يقصده فهذا فائدة المربين. فالزاوية التي لا حقائق فيها فندق. انتهى المراد من كلامه.

أيها الإخوة الكرام:
نستخلص مما سبق ذكره من أصل الزاوية ونشأته وتطورها وقيامها بالتبليغ والدعوة إلى الشريعة الخالصة، أن الزاوية المغربية من خلال مختلف أنشطتها قد قامت بالدور الفعال في تنشيط الحركة الإسلامية وإرساء قواعد التصوف السني في العالم الإسلامي، ونشر الفكر الصوفي السني بين مختلف طبقات المجتمع المغربي بل الإسلامي. وقد مثلث الزاوية عبر مختلف أطوار التاريخ خلية حية نشيطة في ضم عناصر أبناء المجتمع وجمع شتاته حول قيمه ومبادئه ومثله حول قيادته السياسية والدينية، ولم تكن الزاوية في يوم من الأيام عنصر تشتيت ولا تفريق كما يتزعمه خصومها الذين يستهدفون ضعفها وهوانها والنيل من سمعتها، وليس لهم هدف إلا الفساد والخراب والعياذ بالله.
وختاما فإن هذا الموضوع لا زال خصبا لم أستوف له حقه في الإحاطة والشمول، وأعتذر لأخواني وأحبابي عن هذا العجز والتقصير، فإن ما لا يمكن كله لا يترك جله، أو كما قيل.
نسأل الله العلي العظيم أن يقيل عثرتنا، وأن يغفر زلتنا، وأن يتقبل منا ومنكم جميع الأعمال، وأن يصلح لنا ولكم سائر الأحوال بمنه وفضله ورضي الله تعالى عن شيخنا وقدوتنا ووسيلتنا إلى ربنا أبي العباس سيدي أحمد بن مَحمد التجاني سقانا الله وإياكم من مدده بأعظم الأواني. آمين
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقدراه العظيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


وكتبه بتاريخ يوم السبت 22 ربيع الثاني 1427هـ، موافق 20 ماي 2006م
العبد الضعيف أعمون مولاي البشير بن محمد بن مبارك التناني السوسي
بالزاوية التجارية بشارع السلام حي يعقوب المنصور – الرباط – المملكة المغربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى