مقالات

في رحاب رسائل مولانا الشيخ رضي الله عنه

قراء علمية متأنية لرسائل مولانا الشيخ التجاني للباحث الجليل محمد العراقي الحسني

في رحاب رسائل مولانا الشيخ
أبي العباس أحمد التجاني رضي الله عنه
من كتاب جواهر المعاني
محمد العراقي الحسيني
الدار البيضاء – المغرب
رمضان 1430 – شتنبر 2009
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأمته
دراســـة لرسائل
مولانا الشيخ أبي العباس أحمد التجاني رضي الله عنه
من كتاب جواهر المعاني
مقدمة :
يعتبر كتاب “جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أحمد التجاني” رضي الله عنه (1150 – 1230 هجرية / 1737 – 1815 ميلادية) الذي ألفه سنة 1214 هجرية العارف بالله صاحب الشيخ وخليفته سيدي علي حرازم بن العربي برادة الفاسي (ت 1217 هجرية) المرجعية الأولى لمعرفة مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه ومعرفة طريقته. وهو كتاب غالبه من إملاء الشيخ التجاني رضي الله عنه. كتاب عال النفس يأخذ بلب قارئة لبسطه لأعمق المعاني وأسمى الأذواق وأبهى المعارف في قوالب لفظية واضحة.
كان من جملة المعتنين بهذا الكتاب النفيس شيخنا وأستاذنا العلامة العارف بالله سيدي الأحسن البعقيلي (ت 1367 هجرية) الذي ألف عليه حاشيته المسماة “الشرب الصافي من الكرم الوافي على جواهر المعاني” في جزئين طبعا سنة 1353 هجرية.
وقد وجدت في رسائل مولانا الشيخ التجاني من العلوم والفوائد جملة هائلة فحاولت مشاطرة إخواني في الطريق مما استفدته وأستعين بالله في محاولتي هذه وبه التوفيق سبحانه وله الثناء الجميل وكل الفضل والمنة.
النسخة التي اعتمدتها طبعتها مكتبة الحلبي بمصر سنة 1382 هجرية في مجلد من جزئين في ما يقرب 560 صفحة من الحجم الصغير بحاشيته “كتاب رماح حزب الرحيم على حزب الرجيم” للعلامة سيدي عمر بن سعيد الفوتي (1797 – 1864 ميلادية).
يضم جواهر المعاني ستة أبواب وست عشرة فصلا أعدت فهرسته في 21 صفحة من الحجم الكبير سنة 1399 هجرية. وسأعمل على طبع هذه الفهرسة ونشرها إن شاء الله تعالى.
خصص المؤلف رحمه الله ورضي عنه الفصل الرابع من الباب الخامس (من صفحة 160 إلى صفحة 195 من الجزء 2) لرسائل مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه. قدم فيه 21 رسالة في 35 صفحة . بمعدل صفحتين لكل رسالة. أطول رسالة في خمس صفحات. وهناك مقتطفات من رسائل أقصرها في نصف صفحة. كل الرسائل من إملاء مولانا الشيخ رضي الله عنه على سيدي علي حرازم أو من خطه بغير واسطة. وقد يوقع مولانا الشيخ التجاني بخطه على بعض الرسائل التي يمليها.
يتناول هذا البحث العناصر التالية :
• المرسل إليه
• شكل الرسائل
• مضامين الرسائل
• خصائص الرسائل
1- المرسل إليه
هذه الرسائل وجهها مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه (مرتبة حسب ترقيمها من 1 إلى 21) :
• إما تلقائيا (11 رسالة : 1/2/3/4/5/6/7/11/16/18/19)
• أو جوابا (10 رسائل : 8/9/10/12/13/14/15/17/20/21)
• إلى فئات مختلفة :
? رسالة إلى كافة الفقراء والمسلمين (18)
? أربع رسائل إلى كافة الفقراء (1/3/5/6)
? ثمان رسائل إلى فقراء معينين (2/7/8/9/12/13/20/21)
? أربع رسائل إلى فقهاء معينين (10/11/14/15)
? رسالة إلى بعض الطلبة (4)
? رسالة إلى السلطان (19)
? رسالة إلى بعض أصحاب السلطة (16)
? رسالة إلى بعض التجار (17)
• إلى وجهات مختلفة. ست رسائل ذكرت فيها مواطن من وجهت إليهم : فاس (1/2)، الأغواط (7)، سلا (14)، زرهون (15) وتونس (21)
2- شكل الرسائل
يستهل الشيخ رضي الله عنه رسائله كلها بالبسملة والحمدلة والصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتمجيد الله والثناء عليه أحيانا. وقد يعين المرسل إليه وموطنه، يسلم عليه وقد يحليه بأوصاف محمودة. ويخاطب المرسل إليهم بخطاب ودي (الأحباب، الأصحاب، الإخوان، الفقراء ،الأصفياء، حبيبنا، صفينا). ويدلي الشيخ رضي الله عنه باسمه “من العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمد التجاني الحسني”، وكثيرا ما يدعو للمرسل إليه بالاجتباء كقوله في الرسالة 3 “وبعد، نسأل الله تعالى لكافتكم وخاصتكم أن يفيض عليكم بحور العناية منه والرضا منه سبحانه وتعالى على طبق ما منح من ذلك أكابر العارفين من عباده وأهل الخصوصية، حتى تكون عنده جميع مساويكم ممحوة غير مؤاخذين بها، وجميع ذنوبكم وآثار سهوكم مقابلة بالصفح والتجاوز منه غير مقابلين بها، ونسأله سبحانه وتعالى أن يكتبكم جميعا في ديوان أهل السعادة الذي ما كتب فيه إلا أكابر أوليائه وأهل خصوصيته بوجه لا يمكن فيه المحو ولا التبديل، وأن يكحل بصائركم بنوره الذي رشه على الأرواح في الأزل وأن يواجهكم بفضله في الدنيا والآخرة وأن ينظر فيكم بعين رحمته التي من نظر إليه بها صرف عنه جميع مكاره الدنيا والآخرة”.
ثم يتحدث عن موضوعين رئيسيين أو ثلاثة يخللها بوصايا وإرشادات مستدلا في كثير منها بأحاديث نبوية أو بآيات قرآنية وبأقوال علماء أو بأشعار. وينهي رسائله بالسلام على المرسل إليه.
3- مضامين الرسائل
أحصيت 66 مسألة معروضة في صيغة إرشاد أو تعليم أو وصية أو إخبار أو تلقين أو بيان. تدور المسائل حول المواضيع الخمسة التالية :
1- كيفية التعامل مع قدر الله وأوامره ونواهيه والسلوك إلى الله (22 مسألة)
2- كيفية تعامل أهل الطريقة فيما بينهم (9 مسائل)
3- شروط الطريقة التجانية وضماناتها (5 مسائل)
4- بسط لمجموعة من الأذكار وبيان كيفية استعمالها وخصائصها التربوية (10 مسائل)
5- بيان لمجموعة من حقائق التصوف ومقاصد الشريعة (20 مسألة)
وإن لائحة المسائل 66 (انظر الملحق) تدل على علم غزير ومعرفة عميقة بآداب الحضرة الإلهية ومقاصد الشريعة والنفس الإنسانية وطرق السلوك.
كما أحصيت عشرين حديثا وخمسا وعشرين آية وثمان أبيات شعرية من أربعة أشعار وأربع أسماء أعلام وصلحاء. الشيء البارز في هذه الرسائل كونها تعطيك “كيفية استعمال”. فهي كوصفات طبية مضبوطة المقادير.
4- خصائص الرسائل
المحلل لهذه الرسائل يفاجئ بمميزات وخصائص كثيرة إذ يجد نفسه أمام :
1. أسلوب خال من الحشو الأدبي، بعيد عن السجع إلا في رسالتين موجهتين إلى صاحب سلطة وإلى السلطان. يستهلهما بالمدح والثناء على المرسل إليه تمهيدا لخطاب قوي ووعظ صارم.
• يقول في الرسالة 16 “يصل الكتاب إلى العلامة النبيه الدراكة الفقيه السمديع الوجيه حلو الشمائل كريم الأخلاق والفضائل. ثم يقول “وأما ما أعظك به فاسمع ما يقوله ربنا في كتابه وكفى به واعظا…. فراقب الله في قلبك وانظر إلى خلق الله بعين الشفقة ولضعيفهم ومسكينهم بعين الرأفة وقضاء حوائجهم. وإياك والاستهزاء والتواني بهم في تبليغ أمورهم إلى مولانا السلطان … وهذا يكفيك إن اتعظت”. أسلوب من لا تأخذه في الله لومة لائم. ينصر الحق بالحق ولا يضعف أمام صاحب نفوذ وسلطة.
• ويقول في الرسالة 19 الموجهة إلى سلطان المغرب المولى سليمان العلوي (1760 – 1822) “يصل الكتاب إلى الدرة اليتيمة والنسمة الكريمة ذي الأوصاف الجلية شرفا والأخلاق البهية ترفا والجوانب الواسعة كنفا…” إلى أن يقول “من طلعت شمس سعده في سماء المجد والعلا وضياء بدره في غياهب الوقت قد تجلى. أعني بذلك أمير المؤمنين خليفة رب العالمين …”. ثم يقول “اعلم أن الله عز وجل قد ولاك أمر خلقه وائتمنك على بلاده وعباده فأنت أمين من أمناء الله في بلاد الله وعباده. والله سائلك عن أمانته وعما فعلت فيها فاحذر من الله أن يجدك فرطت أو اشتغلت عن أمره بلعب … وأحذرك بما سمعت من الخصوصية التي أعطيتها من فضل الله تعالى فلا تأمن من مكر الله في حال من الأحوال … وأوصيك في الضعفاء من الخلق … وأوصيك بالمظلومين … فالله الله دبر كيف ترضى ربك في حوائج المظلومين ولا تتغافل ولا تفرط”. هذا هو أسلوب الشيخ التجاني. لله دره. أسلوب الرسل الكرام صلوات الله عليهم الجامع بين الحق والأدب والمراعاة للمقاصد. “فأتياه فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى” سورة طه.
2. اهتمامه بواقع الناس ومشاغلهم وهمومهم عوض التحليق في متاهات المصطلحات والتأويلات والشطحات والبطون. يعالج ما يشغل الناس في واقعهم اليومي من مقارفتهم للذنوب، وعدم رضاهم بالقدر، وتسخطهم وانزعاجهم لنزول المصائب والديون والفقر، وتهاونهم بالأوامر والنواهي الشرعية، وخصوماتهم العامة وداخل الزاوية، ومعاملاتهم المالية … تجد الشيخ التجاني قريبا من أصحابه وأتباعه لا منشغلا عنهم بنفسه وبمقامه، متنزلا إليهم بالاستماع إلى شكواهم وإلى آلامهم وبالإجابة لهم كتابة رغم مشاغله المتعددة دون إسكات أصواتهم أو الاستهانة بطلباتهم. وهم عرفوا فيه هذا الخلق فتعاملوا معه في إطاره. فكانوا يحدثونه بهمومهم وذنوبهم لا لمجرد التفريغ ولكن بصفته رضي الله عنه صاحب حلول وأدوية وعلاج.
• يقول في الرسالة 15 “وما ذكرت من صعوبة انقياد نفسك عليك لأمر الله ودوامها على التخبط فيما لا يرضى فتلك عادة جارية أقامها الله في الوجود لكل من أهمل نفسه وتركها جارية في هواها ألا يسهل عليه سبيلا إلى القيام بأمر الله بل لا يرى من نفسه إلا الخبث والمعاصي والخروج عن أمر الله”.
• ويقول رضي الله عنه في الرسالة 17 “ويليه إعلامكم عما كتبتم به إلينا من شكواكم بإعطاء ما لكم للسائلين ومضايقتهم لكم وعدم طاقتكم لردهم. فاعلم يا أخي أنك في هذه الحال مضر بنفسك شرعا و طبعا”.
3. ومما يميزه بشكل باهر أنك لا تكاد تجد رسالة تقدم المرض ولا تعطي وصفة علاجية له. إن القارئ ينبهر لقوته رضي الله عنه ومهارته في تحليل الأمراض القلبية وتقديم طرق علاجها والموازنة بين طرق مختلفة للعلاج. كل دواء بمقدار وبوقت معين. عارف بخصائص الأدوية لا يخلط بينها بل يبين فعالية كل منها. منهجه رضي الله عنه في ذلك يبين المرض ويحلله، يبرز أسبابه وآفاته، ثم يقدم أسلوب العلاج وشروطه والغاية منه. وهذا الباب هو مادة الرسائل جميعها ومخها ومدارها. ونكتفي ببعض الأمثلة :
• يقول رضي الله عنه في الرسالة 1 “فإن لكل ذنب مصيبتين لا يخلو العبد عنهما. والمصيبة واحدة في الدنيا وواحدة في الآخرة. فمصيبة الآخرة واقعة قطعا إلا أن تقابل بالعفو منه سبحانه وتعالى. ومصيبة الدنيا واقعة بكل من اقترف ذنبا إلا أن يدفعها وارد إلهي بصدقة لمسكين أو صلة رحم بمال أو تنفيس عن مديان بقضاء الدين عنه أو بعفوه عنه إن كان له وإلا فهي واقعة”. ويقول “واعلموا أن الذنوب في هذا الزمان لا قدرة لأحد على الانفصال عنها. فإنها تنصب على الناس كالمطر الغزير. لكن أكثروا من مكفرات الذنوب. وآكد ذلك صلاة الفاتح لما أغلق الخ فإنها لا تترك من الذنوب شاذة ولا فاذة وكصلاة التسبيح ومما هو في هذا المعنى يلازمه الإنسان … الخ.
• ويقول رضي الله عنه في الرسالة 2 “وأديموا الصلوات المفروضة في الجماعات بالمحافظة فإنها متكفلة بالعصمة من جميع المهلكات إلا في نبذ قليلة توجب العقوبات. وإن لله سبحانه وتعالى للمداوم عليها عناية عظيمة. فكم يجبر له من كسرة وكم يستر له من عورة وكم يعفو له عن زلة وكم يأخذ بيده في كل كبوة”.
• ويقول رضي الله عنه في الرسالة 3 “وليكن في علمكم أن جميع العباد في هذه الدار أغراض لسهم مصائب الزمان. إما بمصيبة تنزل أو بنعمة تزول أو بحبيب يفجع بموته أو هلاك أو غير ذلك مما لا حد لجمله وتفصيله. فمن نزل به منكم مثل ذلك فالصبر الصبر لتجرع مرارتها. فإنه لذلك نزل العباد في هذه الدار. ومن كبا به منكم جواده عن تحمل ثقلها ومقاومة ما يطرأ من أعبائها فعليه بملازمة أحد الأمرين أو هما معا وهو أكمل. الأول ملازمة يا لطيف ألفا خلف كل صلاة إن قدر وإلا ألفا في الصباح وألفا في المساء فإنه بذلك يسرع خلاصه من مصيبته. والثاني مائة صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالفاتح لما أغلق ويهدي ثوابها للنبي صلى الله عليه وسلم. قدر مائة خلف كل صلاة وإلا مائة صباحا ومائة في الليل. وينوي بهما أعني يا لطيف والصلاة على النبي صلى الها عليه وسلم أن ينقذه الله تعالى من جميع وحلته ويجعل خلاصه من كربته فإنها تسرع له الإغاثة في أسرع وقت. وكذا من كثرت عليه الديون وعجز عن أدائها أو كثر عياله واشتد فقره وانغلقت عليه أبواب أسباب المعاش فليفعل ما ذكرنا من أحد الأمرين أو هما معا … و إن أسرع مع ذلك بصدقة قلت أو جلت … كانت أجدر في إسراع الخلاص والفرج”.
• ولائحة الأمراض القلبية و طرق علاجها طويلة تحفل بها رسائل مولانا الشيخ رضي الله عنه. وطرق العلاج التي أدلي بها واعتمدها الشيخ رضي الله عنه في رسائله تسع طرق :
• الصبر والتحمل
• الدعاء
• التذلل إلى الله والانكسار بين يديه
• الصدقة والبذل والعطاء
• الذكر بعدد معين
• العفو عن الناس
• التوبة والرجوع إلى الله
• المحافظة على الصلوات المفروضة في وقتها وفي الجماعة
• ترويض النفس بالتقليل من شهواتها والتقليل من الطعام ومن الكلام (الصمت) ومن مخالطة الناس (العزلة أو الخلوة)
4. إن مولانا الشيخ رضي الله عنه شديد المراعاة لأحوال الناس وظروفهم وقدراتهم. لذلك نجده يعلن صراحة شرط التوسط والاعتدال في طرق العلاج.
• يقول في الرسالة 1 “وعليكم بالمحافظة على ذكر الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه و سلم ليلا ونهارا على حسب الاستطاعة وعلى قدر ما يعطيه الوقت والطاقة من غير إفراط ولا تفريط”. ويقول “وعليكم بشكر النعم الواردة من الله تعالى بسبب أو بلا سبب. والشكر يكون في مقابلتها بطاعة الله تعالى إن قدر على أن تكون كلية وإلا فالأبقع خير من الأسود. وأقل ذلك شكر اللسان. فلا أعجز ممن عجز عن شكر اللسان”.
• ويقول في الرسالة 17 “فلا تنهمر في إعطاء المال حتى تنتهي إلى التبذير فتقع فيما حرمه الله تعالى. ولا تمسك يدك عن الإعطاء حتى تنتهي إلى البخل. فإنه مذموم شرعا وطبعا. وكن في وسط الأمرين بين البخل والتبذير. يعني توسط في ذلك. وأعط لله بقدر اتساع مالك. وقدر مصروفك على أهلك ونوائبك. وعلى قدر ما يدخل يدك من التجارة والأسباب في كل وقت”.
• ويقول في الرسالة 18 الموجهة إلى كافة أصحابه وغيرهم “وليعمل بعضا من أوقاته فيما يجري على يديه من النفع لعباد الله لا عموما بل خصوصا. الأقرب فالأقرب. من غير إفراط ولا تفريط. وليكن شديد الاهتمام بحقوق إخوانه في طريقته التي لا يمكن التأخر عنها. لكن ملازمة الواجب منها فقط من غير أن يجعلها هجيراه. فإن لكل عاقل أوقاتا يخلو فيها بربه لا يمكنه التأخر عنها والاشتغال عنها. وأوقاتا يجالس فيها إخوانه في الطريقة لله تعالى لتذكير أو تعليم أو استفادة مما لم يكن عنده من العلم من غير إفراط ولا تفريط. ثم ليتحين في خلوته مع الله الأوقات الفاضلة كوسط الليل بعد نوم الناس إلى طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح إلى وقت الضحى وبعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء عاملا في ذلك بالتسديد والتقريب في معرفة ما يقدر عليه وما يوجب للنفس كسلا و ضجرا”.
5. ونجده يحذر أشد التحذير من الخلط بين طرق مغايرة أو متضاربة للعلاج أو من طرق خاطئة لا تؤدي إلى نتيجة رغم تهافت الناس عليها. نراه يرشد أصحابه إلى تركها والابتعاد عنها.
• يقول في الرسالة 9 “فتعلقك بالخواص في طلب الدنيا وأغراضها وشهواتها وأنت مشغول بإطلاق لسانك في الغيبة والنميمة وفيما لا يرضى الله ومنهمك في البعد عن الله لا ربح في هذه التجارة إلا التعب. فلا تظفر منها بشيء”.
• ويقول في الرسالة 10 “فالذي سألت عنه من التصرف بالدائرة الشاذلية وأسمائها وخواصها. فالجواب عن ذلك اعلم أن التمسك بما في كتب أهل الخواص من دائرة الشاذلي وأسماء الله والحروف والجداول كله كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. ما في جميعها إلا التعب والطمع الذي لا يوجد فيه قليل من الفائدة و لا جدوى من العائدة”.
6. هذه الرسائل تبرز جوانب عالية و دقيقة من شخصية مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه :
• قدرته على الإتيان باللفظ المبين دون إسهاب وتطويل ممل أو إعادة. ينتهي كلامه عندما تنتهي المعاني التي قصد تبليغها.
• لا تجد في كلامه ازدراء بقوة فهم مخاطبه نحو “ما أقول لك لا يصله فهمك وإدراكك”. بل ثقته في قوة وبيان وتبسيط حديثه تضمن له بلوغه واستيعابه من طرف كل سامعيه.
• إجابته المباشرة على أسئلة وطلبات سائليه دون تعريض أو هروب من الموضوع. سئل عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فأجاب. سئل عن شروط الخلوة فأجاب. سئل عن أسانيده فأجاب. سئل عن أشياء كثيرة ودقيقة فأجاب بالدقة التي طلبت منه.
• ضربه للأمثلة لتقريب الفهم لبعض المسائل المغلقة. ضرب المثال للحالة التي يجب أن يتصف بها المتضرع المبتهل إلى الله يقول رضي الله عنه في الرسالة 14 “مثل حالة المرأة الكبيرة السن التي ليس لها إلا ولد واحد أخذ من بين يديها ليقطع رأسه. فهي تتوسل بالله وبالناس في كشف ما نزل بها. فإنها في هذه الحال ليس لها هم غير ولدها ولا يلتفت قلبها لأمر من أمور الدنيا والآخرة. فإن من كان على هذه الحالة وفزع إلى الله تعالى في نزول الكرب والشدائد على هذا الحد وناداه باسمه اللطيف ما استطاع أسرع إليه الفرج في أقرب وقت. وإن لم يكن على هذه الحالة أبطأ به الأمر”.
• استحضاره السريع لكلام الله وحديث رسول الله صلى اله عليه وسلم وللقواعد الأصولية ولأقوال العلماء وأشعار الشعراء وأذكار الأولياء وحكاياتهم وللأدعية النبوية وغيرها. وباللفظ التام المنضبط. ولا يحيل إلى وقت آخر ريثما يبحث ويجد.
• ينصح لا عن تخمين وتقدير بل عن معرفة تامة بأحوال الناس وبأحوال المرسل إليه. يقول لشخص في الرسالة 17 “وأما أنت وأمثالك فليست لكم تلك القوة. واعرف المرتبة التي أقامك الله فيها و قف عند حدها وتصرف في أحكامها. ولا ترق بنفسك إلى مراتب أهل الخصوص إذ ليست لك قوتهم ولا يقينهم”. ويقول “وأما ما ذكرت من تفرغ قلبك إلى الاشتغال بالله وعدم المبالاة بسواه فاعلم أن لذلك وقتا وأجلا ليس هذا وقته”.
• يراعي حساسيات أصحابه ويتلطف معهم. يقول لأحدهم في الرسالة 20 “وما أظن أنه تعلق قلبك بما سمعت وقوعه لفلان ظنا منك أني آثرته فاعلم أنه لم يقع منه شيء”.
• لا يتحدث عن نفسه إلا ليخبر بما آتاه الله من كرامته من غير تعمل له. وغايته في ذلك تربوية لا أنانية. يقول في الرسالة 12 “وأما ما ذكرت من الإخبار لك ببعض الأمور ليطمئن قلبك وتزيد محبتك ويدوم سرورك”. ويخبر عن مقامه لا عن افتراض مرتبة. ولا تجده قط في مجموع 35 صفحة يتحدث عن حقوق المشيخة على نحو الطريقة الثانية طريق القوم من طاعة عمياء للمريد واستحضار صورة الشيخ … بل يربط دائما العبد بربه ويقوم النظرة الخاطئة أو المفرطة التي قد يبطنها المريد.
ولنا شاهد عجيب في الرسالة 21. يقول للمرسل إليه “وأما ما كتبته لي وأخبرتني به من تصرفات الأولياء السابقين طالبا مني أفعل في ضررك مثل ذلك كي تستريح. فالجواب أن أحوال الأولياء لا تجري على قانون واحد ولا في سبيل واحد ولا حيث كلما أرادوا. بل الأمر في ذلك موكول إلى الله. جار على قانون مشيئته. فما قام ولي في أمر باختياره ولا تصرف ولي في شيء بأمره وإرادته. بل ذلك كله جار على حكم مشيئة الله. فإنه هو الفاعل لما يريد”. ثم يقول “ثم إن الأمر الذي طلبته مني في التصرف في زوال ضررك لم أجد إليه سبيلا ولا حيلة ولا تعويلا. وكل بقضاء الله وقدره”. و هذا درس للشيوخ والمقدمين الذين يتركون أتباعهم يعتقدون فيهم اعتقادات خاطئة بحجة أن ذلك من حسن الظن. بل إن ذلك شر كله. لأن التابع الجاهل ينتصر لمتبوعه بجهل و يدافع عما ينسبه إليه ولو أدى ذلك إلى المقاطعة والمدابرة لمن لا يشاطره نفس الاعتقاد.
وفي الرسالة 15 يقول لمن ذكر له صعوبة انقياد نفسه لأمر الله ودوامها على التخبط فيما لا يرضى الله طالبا أن يتصرف فيه بهمته ليتحول مما هو عليه “والشيخ في هذه الأمور دال ومعين لا خالق ولا فاعل. إذ الخلق والفعل لله والدلالة للشيوخ”. وعلى خلاف الخطاب الصوفي السائد الذي يجعل محور المجال الصوفي العلاقة بين المريد والشيخ. فإن مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه تجد خطابه مركزا على علاقة العبد بربه. كلامه ينصب في التوحيد وفي الثناء والأدب مع الله وعلى الأخلاق التي تبرزها علاقة الناس فيما بينهم. كلامه ينصب في الاجتماع والألفة والأخوة وصلة الرحم وإصلاح ذات البين والرأفة بالمستضعفين والمظلومين.
من المعلوم أن الكلام صفة المتكلم. فهذه الرسائل ترشح بأنفاس العلم والمعرفة والدلالة على الله. يشعر القارئ لها أنه أمام رجل عارف بالله وبالطرق الموصلة إليه وبالنفس الإنسانية وبعللها وأمراضها وبمفاتيح فوزها وأسباب هلاكها. رجل شديد الحب للناس مهتم بما يريحهم من المصائب والذنوب ويقربهم من مولاهم. يجزم المنصف أنه أمام مربي من طراز فريد. رضي الله عن سيدنا ومولانا أحمد التجاني وجازاه الله عنا وعن المسلمين الجزاء الأوفى.

محمد العراقي الحسيني
01 يناير 2001
ملحق مـواضيع الرسـائل وأرقامها
1- كيفية التعامل مع قدر الله وأوامره ونواهيه والسلوك إلى الله
1- التحذير من لباس حلة الأمان من الله )الرسـالة 1)
2- الثناء على الله (الرسائل 1/2/15)
3- التوصية بحفظ الحدود والأمر الإلهي (2)
4- التوصية بتقوى الله (1/5/16/18)
5- التوصية بالصبر على البلايا والمحن (1/2/3/4/14/21)
6- التوصية بالمداومة على الصلوات المفروضة والصدقات (1/2)
7- الإرشاد إلى كيفية تحمل المصائب والديون والخلاص منها ومن الفقر (3/5)
8- التوصية بتصفية القلب والرضا بحكم الله (4/14)
9- الإرشاد إلى كيفية تصفية القلب والرضا بحكم الله (4/18)
10- التوصية بترك المحرمات المالية (4)
11- الإرشاد إلى كيفية تعين على النجاة من المصائب والأوزار (5)
12- الإرشاد إلى الرجوع إلى الله (5)
13- كيفية التعامل مع شرور الناس (2/6)
14- الإرشاد إلى شكر الله وكيفياته (6)
15- التحذير من صرف النعم في المحرمات وإذاية المسلمين (6)
16- التوصية بالمحافظة على قواعد الشرع في الأسواق (6)
17- التحذير من التهاون بحرمة أولياء الله (7)
18- تبيين أسباب صعوبة الانقياد لأمر الله وكيفية تقويمها (15)
19- بيان حكم الله وكيفية السلوك في المال (17)
20- الحث على مراقبة الله في معاملة الخلق لصاحب السلطة (16/19)
21- الإرشاد إلى التعلق بالله وكيفية الوصول إليه (4/14/18)
22- التحذير من تكرر الفزع إلى الله في كل كرب (14)
2- كيفية تعامل أهل الطريقة فيما بينهم
23- أدعية للإخوان (1/2/3/7/13/14/15/16/17/19/21 )
24- التحذير من مقاطعة الإخوان وتضييع حقوقهم (1/2/3)
25- معاملة المقدم لإخوانه ونصائح الشيخ للمقدم (2)
26- الإرشاد إلى كيفية المناصحة بين الإخوان (2/3)
27- الإرشاد إلى احترام المقدم (2)
28- مدح المرسل إليه من أصحاب السلطة (16/19)
29- التحذير من مقاطعة الأرحام وعقوق الوالدين (2)
30- الإرشاد إلى كيفية التعامل مع العامة وولاة الأمر (2)
31- توصية أهل السلطة بالضعفاء والمظلومين (16/19)
3- شروط الطريقة التجانية وضماناتها
32- التذكير بشروط الطريقة (1)
33- التبشير بكرامات الشيخ رضي الله عنه (1/7/12)
34- الإرشاد إلى ملازمة الوظيفة وتخفيف أذكارها (2)
35- بيان سند الطريقة التجانية وسند الشيخ رضي الله عنه في بعض الأذكار (8)
36- إجازة الشيخ رضي الله عنه لسيدي علي حرازم في بعض الأذكار (8)
4- بسط لمجموعة من الأذكار وبيان كيفية استعمالها وخصائصها التربوية
37- الإرشاد إلى مكفرات الذنوب (1/2/5)
38- التذكير بالقصد من الأذكار والعبادة (2)
39- التذكير بكيفية التوجه إلى الله (2)
40- الإرشاد إلى كيفية لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم في النوم (8)
41- بيان بعض شروط الخلوة (8)
42- التحذير من التعلق بالخواص في طلب الدنيا وبيان من يدرك بعض أسرار الخواص (9)
43- التحذير من التصرف بالدائرة الشاذلية وبيان شروط التوجه بها (10)
44- إجازة في قراءة الفاتحة بنية الاسم الأعظم و في بعض الأذكار (11)
45- عدم الإذن في أذكار المشايخ (15)
46- الإرشاد إلى بعض الأذكار وثوابها (17)
5- بيان لمجموعة من حقائق التصوف ومقاصد الشريعة
47- مصيبة الذنب (1/18)
48- بيان في تصرفات الأولياء وقانونها (21)
49- بيان صعوبة التقوى (5)
50- بيان مراتب الحياء (18)
51- بيان صدور نفحات لله على أيدي صور من الغيب (20)
52- الإرشاد إلى الاعتدال في السلوك (18)
53- التوصية بكتم الأسرار (19)
54- وصية سيدنا علي كرم الله وجهه لأولاده (18)
55- الإرشاد إلى كيفية بغض أهل الباطل (2)
56- الإرشاد إلى كيفية اكتساب القدرة على مخالطة الناس (4)
57- بيان ثواب الصبر على شرور الخلق (6)
58- بيان طرق تسخير الروحانيات وشروطها (10)
59- بيان معنى حفظ قلوب الأقطاب (13)
60- التحذير من الانهماك في مطالب الدنيا (14)
61- التوصية على المنجيات والابتعاد عن المهلكات (6)
62- بيان دائرة الفضل الإلهي (17)
63- بيان القانون الذي يتعين مراعاته للعالم ولطالب العلم (18)
64- الإرشاد إلى كيفية توزيع أوقات العبد (18)
65- بيان مكر الشيطان بصاحب المال (17)
66- بيان مرتبة أكابر الأولياء في إفراطهم في إعطاء المال (17)

الباحث
محمد العراقي الحسيني
1 مواليد 1958 م
2 دبلوم الدراسات العليا في اقتصاد المقاولات
3 إجازة في الدراسات الإسلامية
4 عمل أستاذا في المعاهد العليا الحرة للتجارة
5 عمل في الميدان البنكي والصناعي ويعمل حاليا مدير “التدقيق الداخلي” و”مراقبة التسيير” و”تدبير الجودة” بشركة صناعية
6 باحث في “علوم التدبير” و”علوم الدين”
7 أصدر كتابين في “التدقيق الداخلي” بالفرنسية و”فقه صوم رمضان” بالعربية
8 له مجموعة من البحوث تحت الطبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى