أولاد الشيخ

سيدي محمد الحبيب التجاني

عملت عدة عوامل على إبقاء أبناء شيخنا سيدي أحمد التجاني رضي الله عنهم تحت الظلال والحجب الكثيفة التي حالت دون التعرف عليهم عن كثب، وتسليط الأضواء على شخصياتهم بشكل يفي بالرد على الأقوال والأعمال التي نسبها بعض الجهلة إليهم، وخاصة الحملات التشهيرية والتشكيكية التي استهدفت شيخنا سيدي أحمد التجاني وأبنائه رضي الله عنهم.
تزعم بعض العلماء حملات تشهيرية بهدف الحد من انتشار صيت سيدي أحمد التجاني وعلو شأنه ــ ونخص هنا بالذكر الطيب بن كيران في المساجلة العلمية التي جمعته مع سيدي أحمد التجاني (الطريقة التجانية في بلاد المغرب السودان الغربي ج1 ص 120). ــ أو تلك التي دعمها العدو الفرنسي بعدما أيقن بضرورة التخلص من أبناء الشيخ رضي الله عنهم لكسب مصالحه وبسط نفوذه بالجزائر. وقبل هذا وذاك لا ننسى الضغوط التركية الممارسة على سيدنا الشيخ كما ذكر ذلك محمد بن الأمير عبد القادر الجزائري في كتابه تحفة الزائر متحدثا عن سيدي أحمد التجاني: “أنه لما شاع أمره في وطنه وخاف من غوائل الحكومة، انتقل بأهله وأولاده إلى فاس..” (المصدر نفسه ج1 ص 11).

هذه الحملات هدفت إلى تحقيق مصالح شخصية تارة كما هو الحال مع العلماء المنكرين على الشيخ رضي الله عنه، أو سياسية استعمارية بالنسبة للفرنسيين والأتراك.
لهذا فإن اختيارنا في العدد الثاني لشخصية سيدي محمد الحبيب لم يكن بالإختيار العفوي بل هو وليد اهتماماتنا وأهدافنا والمتمثل في إثبات أفضلية أبناء الشيخ التجاني وخصوصيتهم، خاصة وأنهم نشأوا في دائرة فضلية وبيئة دينية خيرية وتربوا وجبلوا على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وسلكوا طريقة جدهم وجدوا فيها، وصاروا نجوما يهتدى بهم، وأيضا من أجل تحديد رؤيا جديدة تجعلنا نهتم بأبناء الشيخ رضي الله عنهم باعتبارهم قطب دائرة الطريقة التجانية دون إغفال الدور الريادي لعلماء الطريقة رضوان الله عليهم.
فمن هو إذن هذا الشريف الجليل؟؟

1 ــ نسبه الشريف:
هو سيدي محمد الحبيب بن سيدي أحمد بن محمد التجاني رضي الله عنهم جميعا، ذو الفضل الشهير والجاه الخطير، الخليفة الأعظم الجامع بين مقامات العرفان، الشائع فضله بالتواتر في سائر البلدان. أمه السيدة الغالية المتصفة بالهمة العالية السيدة “مباركة” ذات القلب السليم والفضل العميم والمآثر الفاخرة والكرامات الظاهرة، تزوج بها سيدنا رضي الله عنه بعد عتقها ونالت منه رضي الله عنه الحظ الوافر من المودة التامة، وهذا ما يدل على فائق عنايته واهتمامه بأمور الإماء والعبيد ــ “إذ كان لا يحب أن يترك تحت يده أو يد غيره من الناس خدما بلا تزويج ويقول لأصحابه من يملك الأمة من غير أن يتسرى بها أو يزوجها لغيره…فليحط سبحتي ما بيني وبينه” كشف الحجاب ص15 ــ ومخالفته لما اعتاده الناس من تهميشهم وإهمال حقهم في الزواج، فكان رضي الله عنه يقول: “الدار المباركة هي التي فيها مبارك ومباركة” (الإفادة للعلامة سيدي الطيب السفياني الدال المحلى بالألف واللام ص79) ، مخالفة لقول بعض الشيوخ.

2 ــ نشأته:
نشأ سيدنا محمد الحبيب في عفاف وصيانة وتقوى محروسا بعناية ورعاية سيدنا الشيخ رضي الله عنه، إذ كان شديد الحرص على تهذيبه “فكان يسد عليهما البيت الذي هما فيه عند نومهما إلى طلوع الفجر” (كشف الحجاب ص17) ــ أي هو وأخوه سيدي محمد الكبير ــ وبعد سبع سنين أو ثمان… جعل لهما فراشين، مستقلين في الدار الصغرى التي كان يسكنها صاحبه، وأمر أمهاتهما إذا دخلوا الدار كل واحدة تقوم مع ابنها حتى يخرج من الدار. ويهدف من كل هذا رضي الله عنه إلى التطبيق الحرفي للشريعة الغراء. وقد زوجه سيدنا الشيخ قبل وفاته بمدة يسيرة اعتناء بشأنه وحفظا له من الشيطان وحزبه، السيدة حسناء أخت أحمد بن موسى يوم عقد لأخيه سيدي محمد الكبير على فاطمة بنت أخيه “بصداق قدره لكل واحدة منهما خمسون ريالا روميا..” (المصدر نفسه ص 18)، وبعض الألبسة الفاخرة رفعا لشأنهما.

3 ــ أعماله:
في المجال الديني: خلف سيدي محمد الحبيب والده رضي الله عنه في الهداية والإرشاد والنفع العميم للعباد وبذل النصيحة لعامة المسلمين، بما خصه الله به وكغيره من أبناء الشيخ من الكمال الفطري والمعرفة بالله المضمونة لهم من جدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي جعل الخلافة موقوفة عليهم. فكان كثير الإهتمام والحرص على تطور وصلاح أمور الزوايا وأحوال المريدين والفقراء ونذكر هنا على سبيل المثال رسالته إلى بعض الخاصة من أصحاب سيدنا الشيخ رضي الله عنهم يحث فيها على عدم الدفن في الزاوية وأمرهم في هذا الصدد بوضع رخامة مكتوب عليها “وأن من يدفن في هذه الزاوية تأكله النار لا محالة” (المصدر نفسه ص 23)، خوفا منه رضي الله عنه على العباد كما جاء قوله في الرسالة: “ونحن لا نرضى بأحد من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تأكله النار” (المصدر نفسه ص 24).

في المجال العلمي:
 كان رضي الله عنه ذا همة عالية ونفس أبية وجد واجتهاد في طلب العلوم الشرعية وغيرها، منفتحا على المحيط الثقافي، مطلعا على أهم المصنفات التي جاد بها زمانه. قال سيدي أحمد العبدلاوي رضي الله عنه: “كنت في بعض الأيام مشتغلا بحفظ بعض المصنفات في النحو فرآني سيدي محمد الحبيب رضي الله عنه فقال لي: اترك عنك هذا واقرأ ما يعود نفعه عليك. قال فتركت ذلك امتثالا لأوامره. قال فبينما أنا معه في بعض الأيام جالسا إذ قال لي يا فلان وسماه إن عندي بعض أذكار الشيخ رضي الله عنه المكتومة التي لا ينبغي أن يطلع عليها الغير وأريد أن أذكرها ولكني خفت أن ألحن فيها والآن أردت قراءة النحو فلابد لنا أن نقرأ معا الألفية. قال: فصرت أكتب عشرة أبيات في اليوم وأحفظها وهو يكتب أربعة أبيات فقط، فلما بلغت لباب حروف الجر نظرت إلى لوحه فوجدت فيها آخر الألفية، فتعجبت من ذلك وقلت له يا سيدي ما هذا؟ فقال لي أنا لست مثلك أنام الليل كله وإنما أنام ساعة واحدة فقط وأشتغل بما أنا بصدده” (نفس المصدر ص 201)، وكما هو معلوم فما بين باب حروف الجر وآخر الألفية ما يفوق ستمائة بيت، وهذا ما يدل على عزم سيدي محمد الحبيب وحرصه على تحصيل العلوم.

أما في ما يخص الأوضاع السياسية : ففي هذه الفترة التي عاشها سيدي محمد الحبيب، والتي تزامنت مع الإحتلال الفرنسي للجزائر كثرت الخلافات ما بين الأمير عبد القادر والفرنسيين، وفي ظل هذه النزاعات تحدَّث البعض عن تورط سيدي محمد الحبيب في هذا الصراع مدعين علاقته بالفرنسيين وعداوته للأمير عبد القادر.
إلا أن الحقائق التاريخية تفند هذا القول خاصة وأنه “لم يذكر أي مؤرخ أن التجانيين تأخروا عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم مع الأمير”، (اليواقيت العرفانية ص 32)، وقد دون سيدي محمد بن الأمير عبد القادر تلك الوقائع وبين الخلاف في تحفة الزائرــ وقد ذكر أنه كان يراجع فيه والده رضي الله عنه ــ ولم يذكر أن لسيدي محمد الحبيب أي صلة بها، وقال في التعريف به: “وأصل التجاني من أشراف المغرب وقال في والده .. وكان عالما زاهدا مشتهرا بالصلاح وقصده الناس للتبرك به..” (المصدر نفسه ص 32).

كما أن سيدي محمد الحبيب عاش ومات ولم ير بعينه فرنسيا وهو ما أكده قول سيدي أحمد العبدلاوي: “أن العدو (الفرنسي) كتب إلى ابن سيدنا رضي الله عنه من الجزائر رسالة مضمنها: نطلب منك أن تقدم إلى الجزائر لنتبرك بك. قال فلما حلت بيده الرسالة…قال لي: يا فلان…جاوبه وقل له إني لا آتي إليه أبدا.. قال وفي غير ذلك اليوم بعث إلي فلما جئت إليه قال أسأل الله أن لا أرى وجه نصراني ولا جوابا منه، فلم تمض أربعة أيام عليه حتى قبضه الله إليه” (كشف الحجاب ص 201 و 202) “في آخر جمادى الأولى من عام تسعة وستين ومائتين وألف كما أخبر بذلك سيدي أحمد العبدلاوي” (نفس المصدر ص 65).

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى