الخطبمقالات

التحذير من الوهم في فهم كتاب الله لأنه أخطر من الجهل به

*( خطبة الجمعة في موضوع  )*:

[ التحذير من الوهم في فهم كتاب الله لأنه أخطر من الجهل به]

 

*الحمد لله رب العالمين* والصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد خاتم الانبياء و المرسلين.  * و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  * ونشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبد الله و رسوله  و مصطفاه من خلقه و خليله صلى الله عليه وسلم وآله وصحابته، وعلى من حافظ على دينه واستمسك بهديه   إلى يوم الدين . أما بعد،

* عباد الله، لقد أمر الله بتدبّر كتابه فقال: ( أفلا يتدبرون القرآن  و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنّ أفضلكم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه»(رواه البخاري) ولكن الناس في فهم كلام الله تعالى أصناف مختلفة: فصِنْف رزقه الله الفهمَ في كلامه، وحُسنَ الإدراك لمعاني آياته؛ فهذا الصنف على خيرٍ عظيم، فإنْ انضاف إلى ذلك أن وَفـَّقَه الله أن يُعلِّمه للناس و يُفَهِّمَهم إياه ؛ فهذا بأسنى المنازل وأرفعها.وصِنف لا علم له بمعاني كلام الله؛ وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ يطلب العلم من مصادره، ويجالسُ أهلَ العلم، ويقتبس من نورهم، فذلك متعلِّمٌ على سبيل النجاة، لاحقٌ -إن شاء الله- بأهل الخير ما دام يلزم طريقَهم، ويتّبعُ سبيلهم. و قسمٌ لا شُغل له بمعاني القرآن، ولا همّة له في طلبها، هَمّـُهُ من تلاوته إن وفقه الله لها أن ينال أجر التلاوة ويُحَصِّلَ الثواب لا يتجاوز ذلك؛ فذلك حظُّـُهُ من كتاب الله. وقسمٌ هو أسوأ الأقسام يخبطُ في معاني القرآن على غير هُدَى، ويتكلمُ في كتابِ الله بغير بيِّنة؛ فذلك الكذابُ على الله، وليست عاقبتُهُ إلّا الضلالُ في نفسه، والإضلالُ لغيره قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}[هود: 18].فطوبى لمن تكلم في القرآن بعلْمٍ، أو سكت بورعٍ وحِلْم، وقليل فاعلُه.

عباد الله: إن معانيَ كلام الله تعالى ليست على درجة واحدة من الوضوح والخفاء؛ بل الأمر كما قال ابن عباس -رضي الله عنه- على أربعة أوجه: «وجهٌ تعرفُهُ العرب من كلامِها، وتفسيرٌ لا يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمهُ العلماء، وتفسير لا يعلمه إلّا الله تعالى» والإشكال هنا في أن الحدود بين هذه الأوجه الأربعة ليست واضحة جليّة لكل أحد، وأكثر الناس إنما يطلب العلم فيما خفيَ وأشكل عليه، دون ما ظهر له واتضح، وههنا يكمنُ الخطر، خاصة بالنسبة لعامة الناس في سعيهم إلى تدبر القرآن الكريم؛ فإن كثيرًا ممَّا تراه العامَّة و تظنه واضحَ المعنى ليس كذلك؛ بل قد يكون المراد منه غير ما يبدو لأول النظر، وغير ما يظهر لبادئ الرأي؛ وبهذا تكون المعاني المتصورة في أذهان العامة مجرد أوهام لا حقيقة لها.والوهم شرٌّ من الجهل. لماذا؟ لأن الجاهل قد يطلب العلم ليُزيلَ عن نفسه معرَّة الجهل، والواهم  بالعكس لا يرى بنفسه حاجة إلى التعلُّم؛ فهو راضٍ بما عنده من الوهم الذي يظنه من العلم، فلا يبغي عنه حِوَلًا، ولا يطلب به بَدَلًا.ومنشأ هذا الوهم والغلط في فهم كتاب الله إجمالًا: اعتقادُ الناظر في القرآن وضوحَ المعنى وعدمَ حاجته إلى التفسير والبيان؛ ومن ذلك  دعاءٌ من أدعية القرآن، اعتاد كثير من الناس أن يلهجوا به في صلواتهم وفي غيرها، ظانِّين أنه من دعاء الخير والبِر، وهو خلاف ذلك تمامًا، أعني قوله تعالى على لسان شعيب -عليه السلام-: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}[الأعراف: 89]، فهذا دعاء نبي الله شعيب الذي كذّبه قومه وسخروا منه، وتوعدوه بالطرد والإخراج فاستغاث ربَّه عليهم، وسأله أن ينتقم له منهم، فاستجاب الله دعاءه: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}[الأعراف: 91]، فكيف يكون مثل هذا دعاء خير وبِر؟! بل كيف يدعو مسلمٌ بمثل هذا على قومه وهم مسلمون؟!  

ومن ذلك ما رُوي «أن عمر -رضي الله عنه- استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسَكِر؛ فقال عمر: مَن يشهد على ما تقول؟ فقال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول، وذكر الحديث.فقال عمر: يا قدامة إني جالدُك، قال: والله لو شربتُ كما يقولون ما كان لك أن تجلدني، قال عمر: ولِمَ؟ قال: لأن الله يقول: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ…}[المائدة: 93]. هكذا فهم قدامة، فقال عمر: إنك أخطأتَ التأويل يا قدامة؛ إذا اتقيتَ اللهَ اجتنبتَ ما حرَّم اللهُ.وفي رواية: فقال عمر: ألَا تردُّون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أُنزِلْنَ عذرًا للماضين وحُجةً على الباقين، فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن تحرَّم عليهم الخمر، وحجة على الباقين؛ لأن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ…}[المائدة: 90]، ثم قرأ إلى آخر الآية الأخرى، فإنْ كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا، فإن الله قد نهَى أن يشرب الخمر. قال عمر: صدَقْتَ».

ومن ذلك الغفلة عن أصول الدين والاعتقاد ، مثلًا: قوله تعالى مخاطبًا الملائكة: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمُ إِنِّيَ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}[البقرة: 33]، فقد يظن ظانٌّ أن الملائكة قد تكتم عن الله تعالى شيئًا أمَرهم ببيانه أو سألهم عنه، وهو غلطٌ شديدٌ مخالفٌ لأصل واضح من أصول الاعتقاد، وهو عصمة الملائكة الثابتة فقد قال تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[التحريم: 6]، وقال أيضا: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}[الأنبياء: 27، 28]، وغير ذلك من الأدلة؛ فلا يتصور أبدا أن الملائكة يكتمون شيئا عن الله تعالى قال أبو حيان التوحيدي في تفسير الآية: «ليس المعنى أنهم كتموا عن الله؛ لأن الملائكة أعرف بالله وأعلم؛ فلا يكتمون الله شيئًا، وإنما المعنى أنه هجس في أنفسهم شيءٌ لم يُظهرْهُ بعضهم لبعض، ولا أطلعه عليه. وقيل: الكاتم إبليس، كتَم عداوته لآدم منذ رآه مخلوقًا، فيكونُ من خطابِ الجمْع، ويرادُ به الواحد . فتعلموا عباد الله أن تسألوا أهل العلم إن كنتم لا تعلمون.

نفعني الله و إياكم بالذكر الحكيم و كلام سيد الأولين والآخرين .

سبحان ربك رب العزة  عما يصفون ،و سلام على المرسلين  و الحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية

* الحمد لله على نواله و إفضاله ، والصلاة  والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي، الصادق الزكي، و على آله ، وعلى جميع من تعلق بأذياله ، و نشهد أن لاإله إلا الله وأن محمدا عبده و رسوله و بعد 

عباد الله، قد نبّه العلماء كثيرًا إلى خطورة انتزاع الآيات من سياقها، والاستشهاد بها منفردة عما يفسرها ويبيِّنها من آيات أُخَر في سورتها، أو في سور غيرها من القرآن الكريم.ومن ذلك استعمال بعض العامة قوله تعالى (وهو على جمعهمُ إذا يشاء قدير) و ذلك إذا جمعهتم الصدفة بمن طال الفراق معهم، وهو استعمال بعيد تماما عن المراد بالآية يقول تعالى:(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمُ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ)فالآية قصدها الدلالة على قدرة الله على البعث و إحياء الموتى المتقدمين و المتأخرين للحشر و الجزاء. و ليس على لقاء من طال غيابهم بعضهم عن بعض في الدنيا.

و من الجهل بمعاني القرآن ظنُّ الناس أن الجِنة و الجَنة شيء واحد حتى إنهم ليقولون عن الذي يتنعم بأمر ما إنه وجده (من الجنة و الناس) أي كأنه في نعيم، بينما الجِنة بالكسر معناه الجن أي الشياطين،و الجُنة بالضم معناه الوقاية (الصوم جنة) ،و الجنة بالفتح معناه النعيم. وفقنا الله الى تدبر كتابه و أخذ فهمه على العلماء المتمكنين من فهم خطابه

     هذا و استعينوا عباد الله على الاستجابة لأوامر الله  و المبادرة إلى طاعته بالإكثار من الصلاة و التسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق و الخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حق قدره و مقداره العظيم،  و ارض اللهم عن أصحاب رسولك، و خلفاء نبيك، القائمين معه و بعده على الوجه الذي أمر به  و ارتضاه و استنه خصوصا الخلفاء الأربعة، و العشرة المبشرين بالجنة  والأنصار منهم  و المهاجرين، و عن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين، و عن أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، اللهم انفعنا يا مولانا بمحبتهم،  و انظمنا يا مولانا في سلك ودادهم  و لا تخالف بنا عن نهجهم القويم وسنتهم.(ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)

( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)

(ولاتجعل في قلوبنا غلا  للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم .)

(سبحان ربك رب العزة عما يصفون،وسلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين).

 الخطبة من إنشاء عبد ربه الفقير إلى فضل الله و رحمته :

” ذ. سعيد منقار بنيس أستاذ العلوم الشرعية بالمدرسة القرآنية

التابعة لمؤسسة مسجد الحسن الثاني 

الخطيب بمسجد ” الرضوان ” لافيليت /عين البرجة/ الدار البيضاء

  البريدالالكتروني mankarbennissaid@gmail.com 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى