الخطب

الشوق الى رسول صلى الله عليه و سلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 *( خطبة الجمعة في موضوع  )*:

[الشوق الى رسول صلى الله عليه و سلم]

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الحمد لله قال و هو أصدق القائلين: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآءوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا” سورة النساء/ الآية 64،

* و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد القائلمن زارَ قبرِي وجبَت له شفاعَتي” رواه أبو علي بن السَّكن في السّنن الصّحاح ، وعبد الحقّ في الأحكام ، والشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين وصحّحه باعتبار مجموع طرقه (2|267) من تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرّافعي الكبير لابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى)

* و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  ونشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبد الله و رسوله    فصلى الله عليه و سلم من نبي أمين، ناصح حليم، وعلى آله وصحابته  و التابعين، وعلى من حافظ على دينه و شريعته و استمسك بهديه و سنته إلى يوم الدين .

* أما بعد ، من يطع الله و رسوله فقد رشد و اهتدى، و سلك  منهاجا قويما و سبيلا رشدا ومن يعص الله و رسوله فقد غوى  و اعتدى، و حاد عن الطريق المشروع و لا يضر إلا نفسه و لا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن يطيعه  و يطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله و سؤله، فإنما نحن بالله و له .

عباد الله : إن الله تعالى شرف بقاعا من الأرض و قدسها، و ميز طائفة من الأيام و الشهور فضاعف فضلها و أعلى قدرها، و اصطفى من خلقه من بني آدم انبياء ورسلا خصوصا نبينا محمدا خاتمهم صلى الله عليه وسلم، و إنما فعل ذلك سبحانه لنغتنم  شرف البقاع المقدسة فنزورها، و نغتنم أفضل الأيام و الشهور فنملأها بطاعته و نحفظها من الآثام و نصونها، و نوقر أنبياءه  ورسله و نحبهم و نتبع هديهم و إرشادهم، ولا شك يا عباد الله   أن محبة المؤمنين لربهم عظيمة و أن محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم و اشتياقهم إليه نابع من صدق  محبتهم لربهم، لأن الله يحبه، ولأن الله أرسله، ولأن الله أوجب علينا حبه، وقال لنا في كتابه (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)(الأحزاب: من الآية6 ). و كيف لا وقد بذل لنا النصيحة، وكان أرأف وأشفق بنا من آبائنا وأمهاتنا، فهو أعظم من منزلة الوالد، رؤوف رحيم بالمؤمنين، عزيز عليه ما شق علينا، فلا يسع المؤمن إلا أن يحبه لأن الله يحبه، ولأنه خليل الله، وأحب خلق الله إلى الله، ولأن الله بعثه ولأنه قدوتنا ولأن له من الشمائل والصفات والآداب والأخلاق وعظيم الطباع وجميل السجايا، ما يحب لأجل ذلك، ويحمد عليه، فهو محمد وهو أحمد وهو الماحي الذي يمحي الله به الكفر، وهو الحاشر الذي يحشر الله الناس على عقبه، وهو مصطفى من البشر خيرهم عند الله، وقد وعى الصحابة هذا فأحبوه لذلك، وحكموه في أنفسهم، وأموالهم وقالوا هذه أرواحنا بين يديك، لو استعرضت بنا البحر لخضناه، وهذه أموالنا يبن يديك فاقسمها كيف شئت ستجدنا من خلفك وعن يمينك وعن شمالك،

أبرُّ بني الدنيا وأعظمُ من شكــــرْ وأكــــرم مخلوقٍ على سائر البشرْ
به الله قد أهدى إلى الناس رحمةً وبه ضياءُ الحق في الكون قد ظهر

وقد اشتاق الصحابة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته وبعد مماته، وأحبوه حباً لم يعرف التاريخ مثله، حتى قال أنس  : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْبِلُ وَمَا عَلَى الْأَرْضِ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْهُ ) .وقال علي رضي الله عنه : (كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ. ) .  وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول: “وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ” : لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ .

كُــلُّ القلــوب إلى الحبيب تميلُ        ومعي بهذا شــــاهدٌ ودليـــلُ

أما الدليــــلُ إذا ذكرت محـمداً         صارت دموعُ العارفين تسيلُ

وقال عدوه ـ و الحق ماشهدت به الأعداءـ : “ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً صلى الله عليه و سلم.

نعم هكذا تغلغل حبه في قلوبهم، فوصل إلى الحشايا وتعمق في نفوسهم، فكان أحب إليهم من أموالهم وأولادهم ووالديهم والناس أجمعين، كيف لا و قد قال لهم وعلّمهم : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) .

ولو لم يكن في القلب حبُّ محمدٍ لعمّت بك البلوى و دام الضلالُ

بل كل من صدقت محبته للنبي -صلى الله عليه وسلم- أحبه أكثر من نفسه، ولذلك كان أحدهم يقول : نحري دون نحرك.يعني نفسي الفداء لك

وقال عمر للعباس رضي الله عنهما:”يا عباس والله لَإسلامك يوم أسلمت أحبَّ إليّ من إسلام الخطاب – يعني أباه – لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم“.

سيدناعمر رضي الله عنه لم تمنعه قوة شخصيته ولا غضبه في الحق أن يكون صاحب مشاعر حساسة وقلب مرهف تجاه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد فرض لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَخَمْسِ مِائَةٍ، وَفَرَضَ لابنه ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فسأله ابنه عن ذلك فقال: لأَنَّ زَيْدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِيكَ، وَأُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكَ، فَآثَرْتُ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ.  (كان صلى الله عليه و سلم يقول عن زيد الحِبّ و عن ابنه اسامة الحِبّ بن الحِبّ.)

وقد سجل التاريخ حب الصحابة له صلى الله عليه و سلم، حتى إن الملوك لا

يُفعل معها كما يفعل معه، لا من باب الذل والعبودية، و لا من باب التملق      و النفاق و الطمع ، ولكن من باب التوقير و الإجلال و المحبة الراسخة في القلب على الكمال ، قال الزُّهْرِيُّ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، وَمَرَوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، فَذَكَرُوا قِصَّةَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَمَا كَانَ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ ، قَالا : ” ثُمَّ جَعَلَ عُرْوَةُ يَرْمُقُ صَحَابَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً ، إِلا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ ، قَالَ : فَرَجَعَ عُرْوَةُ لأَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : أَيُّ قَوْمٍ ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ ، وَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ ، وَكِسْرَى ، وَالنَّجَاشِيِّ وَاللَّهِ ، إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ تَعْظِيمَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ محمدا ” .

نعم أيها المؤمنون كانت محبته صلى الله عليه و سلم في قلوبهم أصيلة، وكان شوقهم إليه عظيماً، هذا ثوبان مولاه كان قليل الصبر عنه، يشتاق إليه كل يوم، جاءه يوماً وقد رأى في وجه تغيراً فقال له صلى الله عليه و سلم:(ما غير لونك) ؟فقال: يا رسول الله ما بي من مرض ولا وجع غير أني إِذا لم أرك اشْتقت إِلَيْك وَاسْتَوْحَشْت وَحْشَة شَدِيدَة حَتَّى أَلْقَاك، ووالله إنك لأحب إلي من نفسي وأهلي وولدي، وإني لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكرت الآخرة عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك !

فنزل قوله تعالى:(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًاالنساء :69 .)

ولما قَدِمَ الْأَشْعَرِيُّونَ وقَرُبُوا مِنْ الْمَدِينَةِ جَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ ويَقُولُونَ:

غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّةَ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ

وكان بلال يرددها قبل أن يموت، وكان خالد بن معدان لا يأوي إلى فراشه إلا

ويذكر شوقه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن مضى من أصحابه وآله ويقول : هم

أصلي وفصلي، وإليهم يحنّ قلبي، طال شوقي إليهم.

وهكذا كانت العجائز في بيوتها إذا نفشت الصوف تتذكر محمداً -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الأخيار، وكيف كان بكاؤهم بالأسحار، وتقول إحداهن :

يا ليت شعري والمنايا أطوارْ هل تجمعَنِّي وحبيبي الدار

ولما قال النبي عليه الصلاة والسلام  لواحد من الصحابة:(أَنْتَ مَعَ مَنْ أحببت)

قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك. .

و هذا ذو البجادين تربى في حجر عمه، فنازعته نفسه إلى الإسلام، فقال: يا عم كنت أنتظر سلامتك بإسلامك فلا أراك تريد محمداً فائذن لي في الإسلام.

فقال له عمه: والله لئن أسلمت لأنتزعن كل ما أعطيتك حتى ثوبيك!

فصاح لسان عزيمته: نظرة من محمد عليه الصلاة والسلام أحب إلي من الدنيا وما فيها. فجرده عمُه من كل شيء حتى الثياب، فناولته أمه بجادًا لها( البجاد كساء مخطط)، فقطعه نصفين، فاتزر نصفًا وارتدى نصفًا. وأتى رسول الله، فقال: ما اسمك ؟ قال: عبد العزى.فقال: بل عبد الله ذو البجادين. .

إني لأُرْخِصُ دون عرضِك مهجتي روحٌ تروحُ ولا يُمسُّ حماكا
روحي وأبنــائي وأهلــي كلـــــهم وجميع ما حوت الحياةُ فداكَ

وكذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد فُدي في أحد، وقالت المرأة لما استقُبـِلت بابنها وجثث أبيها وزوجها وأخيها : ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . قالوا : خيراً، هو بحمد الله كما تحبين.قالت: أرونيه حتى أنظر إليه.فأُشير لها إليه حتى إذا رأته حيا سليما قالت: (كل مصيبة بعدك جلل). ( جلل:. حقير و هين).

تلك نماذج قليلة من دلائل اشتياق الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه و سلم و كذلك كان اشتياق التابعين ومن بعدهم للنبي صلى الله عليه وسلم.

وقيل لعبيد السلماني إن عندنا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من قِبل أنس بن مالك.فقال: لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء -يعني من الذهب والفضة –  على ظهر الأرض.أما الآن وإن قيل بقي من آثار النبي -عليه الصلاة والسلام- شيء،  كسيف أو عصى أو  ثوب أو شعر ، وما في المتاحف يخشى أن يكون كذبا لم يثبت، ولكن بقيت سنتُه، وبقي القرآن الذي نزل عليه قبل ذلك، وبقي لنا هذان الوحَيان وآثار أصحابه، وشروح التابعين، وبقي لنا الإيمان به والشوق إليه، وهو الذي قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ).قال العراقي في طرح التثريب” أي:( يَأْتِي عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ لأَنْ يَرَانِي فِيهِ لَحْظَةً ثُمَّ لَا يَرَانِي بَعْدَهَا أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ جَمِيعًا ).

وقال -عليه الصلاة والسلام- : ( مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي

يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ ) .فماذا تكون مشاعر الإمام البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي داود وأحمد والبيهقي وأهل الحديث كافة وهم يكتبون الحديث عنه ويجولون في البلاد لجمعه، ويسهرون الليل لكتابته، ويدرسون علل الأساليب، ماذا كان شوقهم، وكيف كانت حالتهم، وأهل الإيمان يتمنى الواحد منهم أنه رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- لحظة ليحظى بأجر الصحبة،

فالمؤمن الصادق يتمنى حقيقة أن يكون قد عاش في عهده أو رآه، يتمنى رؤيته ولو لحظة ،

نسينا في ودادك كلَّ غالٍ فأنتَ اليومَ أغلى ما لدينا
نلامُ على محبتكم ويكفي لنا شرفٌ نلام وما علينا
ولما نلقــكم لكـــــن شوقاً يذكرنـــا فكيف إذا التقينا
تسلّى الناس بالدنيا وإنا لعمــر الله بعدك ما سلينا

نفعني الله و إياكم بالذكر الحكيم و كلام سيد الأولين والآخرين سبحان ربك رب العزة  عما يصفون،…

الخطبة الثانية

* الحمد لله على نواله و إفضاله، والصلاة  والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي، الصادق الزكي، و على آله ، وعلى جميع من تعلق بأذياله ، و نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده و رسوله و بعد :

 أيها المومنون:هذا بلالٌ مُؤَذِّنُ رسولِ اللهِ صلى الله وعليه وسلم الذي سَكنَ بلادَ الشَّامِ بعدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، رأَى في الْمَنَامِ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يقولُ لَهُ: يا بِلالُ مَا هذِه الْجَفْوَةُ مضَى زمانٌ لَمْ نَرَكَ، فلمَّا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ غَلَبَهُ الشَّوقُ، (الشَّوقُ يَغْلِبُ بلالاً، وكَمْ مِنَ الأُمَّةِ اليومَ يَغْلِبُهُمُ الشوقُ لزيارَةِ قبرِ رسولِ اللهِ محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم واشوقاهُ إليكَ يا رسولَ اللهِ، واشَوْقَاهُ إليكَ يا حبيبَ اللهِ واشوقاهُ للوُقُوفِ أمامَ الحُجْرَةِ المحمّدِيَّةِ الشَّرِيفَةِ واشَوْقَاهُ لِشَمِّ الرَّوَائِحِ العَطِرَةِ الزَّكِيَّةِ الطِيّبَةِ التِي تَفُوحُ من قبرِهِ الشريفِ.) الشوقُ يَغْلِبُ بِلالاً فَشَدَّ رِحَالَه وَقَصَدَ قبرَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَلمـّا وصلَ صارَ يُمرِّغُ نفسَه بترابِ القبرِ تبرُّكـًا وكانَ ذلكَ في خِلافَةِ عُمَرَ فلم يُنْكِرْ عليهِ عمرُ ولا غيرُه. وجاءَ إليهِ الحسَنُ وَالحسينُ عليهِمَا السلامُ فَقالا لهُ نَشْتَهِي أن نسمَعَ أذانَكَ يا بِلالُ فَصَعِدَ إلى المكانِ الذِي كانَ يُؤَذِّنُ فيهِ فِي زَمَنِ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم. وبدأَ بالأَذانِ اللهُ أكبرُ اللهُ أكبَرُ فَارْتَجَّتِ المدينَةُ فلمَّا قالَ أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ زَادَتْ رَجَّتُهَا وَلَمـَّا قالَ أَشْهَدُ أَنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ خرَجَ الناسُ مِنْ بُيوتِهِم يَبْكُونَ حَتَّى النِّسوةُ خَرَجْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَمْ يُرَ أَشَدَّ باكِيًا وَبَاكِيَةً مِنْ ذلكَ اليَوْمِ إِلاَّ اليَوْمَ الذِي مَاتَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

خرج الركب العراقي حاجّاً في سنة 394هـ ، فلما فرغوا من الحج عزم أميرهم على العود سريعاً إلى بغداد وأن لا يقصدوا المدينة النبوية خوفاً من سرّاق الحجيج، فقام شابان قارئان على جادة الطريق التي منها يُعدل إلى المدينة النبوية – عند المفرق – ، وقرآ 🙁مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ) التوبة : 120.فضج الناس بالبكاء، وأمالت النوق أعناقها نحوهما، فمال الناس بأجمعهم والأمير إلى المدينة فزاروا وعادوا سالمين إلى بلادهم» .

واستعينوا على ذلك كله بالإكثار من الصلاة و التسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق  و الخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق، و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حق قدره      و مقداره العظيم.صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، و تقضي لنا بها جميع الحاجات وتطهرنا بها من جميع السيئات، و ترفعنا بها أعلى الدرجات و تبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة و بعد الممات، آمين. و ارض اللهم عن أصحاب رسولك وخلفاء نبيك القائمين معه وبعده على الوجه الذي أمربه و ارتضاه و استنه خصوصا الخلفاء الأربعة، و العشرة المبشرين بالجنة  والأنصار منهم و المهاجرين، و عن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، اللهم انفعنا يا مولانا بمحبتهم،  و انظمنا يا مولانا في سلك ودادهم، و لاتخالف بنا عن نهجهم القويم و سنتهم،(ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلا  للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم .)

(سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين).

الخطبة من إنشاء عبد ربه الفقير إلى فضل الله و رحمته :

” ذ. سعيد منقار بنيس”

الخطيب بمسجد ” الرضوان ” لافيليت /عين البرجة/ الدار البيضاء

أستاذ العلوم الشرعية

بالمدرسة القرآنية التابعة لمؤسسة مسجد الحسن الثاني

مفتش منسق جهوي لمادة التربية الإسلامية للتعليم ثانوي متقاعد 

  البريدالالكتروني mankarbennissaid@gmail.com 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى