أعلام الطريقة

الشيخ محمد مختار بن دهاه – جدد الله عليه رحماته – ودوره في نشرالطريقة التجانية

ولد الشيخ محمد مختار بن محم عام 1929م في بيت علوي الطرفين لأبيه محم بن دهاه الذي شهد له القاصي والداني من علماء عصره بمحبة الشيخ التجاني رضي الله عنه وبالمداومة الدائمة على صلاة الفاتح لما أغلق حتى قال عنه العلامة محمد بن أحمد بن بدي أنه كان يوما في مجلس شيخه عبد الله بن الحاج ومعهم جماعة فإذا بمحم يمر أمامهم وهو يمرر يده على رأسه فنظر عبد الله بن الحاج إلى الجماعة وقال لهم “ابن محمد الحنفي هذا الذي ترون كلما مرر يده على رأسه فكل شعرة رأسه تذكر واحدة من الفاتح لما أغلق”.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أفاض على أوليائه وأحبائه من النور الأحمدي أنوارا، من مكنون سره وجوهر علمه ودره معارف وأسرارا، وحلاهم بحلية جماله وبهائه وأطلعهم في سماء التوحيد أقمارا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي من فيض بحره يغترفون ومن روض مواهبه يقتطفون ويجتنون ثمارا وأزهارا، فما من نعمة واصلة أو رحمة متراسلة إلا على يديه أرسلت مدرارا، وعلى آله المكمل شرفهم بشرفه وكماله السامين مجدا وفخارا وعلى المكتوم والبرزخ المختوم والختم المحمدي المعلوم خاتم الأولياء وإمام الأتقياء من انتفع بمدده البعيد والداني سيدنا وسندنا ومولانا أبي العباس أحمد التجاني وعن أولاده وأحفاده وخلفائه وأصحابه وفقرائه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، جعلنا الله ممن ظفروا بجواهر تلك المعاني وشربوا من شربها الصافي وكرمها الكافي وجمعوا من درر تلك العلوم الفائضة من بحر ذلك القطب المكتوم، فإن فيها منية كل مريد، وبغية كل مستفيد، لعلنا في ميدان ذلك الفضل والإفضال نشم رائحة جوهرة ذلك الكمال أو يعلق بنا شيء من طيبها الفاتح تقودنا رائحته إلى كشف الحجاب أو لعلنا نرقى بذلك إلى مشاهدة تلك المشاهد العلية والأخلاق الزكية والسيرة المصطوفية.
أيها السادة الكرام قال تعالى ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” صدق الله العظيم
ولذلك فإنني بعد الترحيب الحار الذي يناسب مقام دوحة الشرف وعقد السلف والخلف سيدي وسندي محمد الكبير بن أحمد التجاني، وبعد تحية رفقائه الميامين الذين هم في الحقيقة أفلاذ كبد الديار المغربية المحروسة، فهم علماؤها وخطباؤها وخلفاؤها، سأحاول من خلال هذا المنبر تسليط الضوء على جوانب من حياة شيخي وسيدي محمد مختار بن محم بن دهاه بن محمد الحنفي العلوي محاولا إبراز علاقته بالسند الحافظي عموما وبالشيخ محمد الحافظ على وجه الخصوص، ولكني سأقتصر على ما لا مندوحة عنه لأن الإختصار أقرب إلى الأفكار، فأقول وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ولد الشيخ محمد مختار بن محم عام 1929م في بيت علوي الطرفين لأبيه محم بن دهاه الذي شهد له القاصي والداني من علماء عصره بمحبة الشيخ التجاني رضي الله عنه وبالمداومة الدائمة على صلاة الفاتح لما أغلق حتى قال عنه العلامة محمد بن أحمد بن بدي أنه كان يوما في مجلس شيخه عبد الله بن الحاج ومعهم جماعة فإذا بمحم يمر أمامهم وهو يمرر يده على رأسه فنظر عبد الله بن الحاج إلى الجماعة وقال لهم “ابن محمد الحنفي هذا الذي ترون كلما مرر يده على رأسه فكل شعرة رأسه تذكر واحدة من الفاتح لما أغلق”.
وكذلك كان مشهورا بالنجابة وسرعة الحفظ حيث كان يحفظ القصيدة الطويلة من فم قائلها في حكاية واحدة ويسردها بعد ذلك دون تغيير أو تحريف، أما جده محمد مختار بن محمد الحنفي الملقب دهاه فقد ذكر عنه العلامة المحدث محمد بن الداه في ترجمته للعلامة أحمدو بن دهاه في “مرآة الصفا في سيرة المصطفى” أنه السر الخاص ويروي عنه كثير من الكرامات والخوارق، والأسرار والبوارق.
وأما جده محمد الحنفي فقد كان يهيء نفسه للسفر في طلب العلم فلما خرج من الحي الذي كان فيه سمع أصواتا عظيمة خلفه فانتظر قليلا حتى يتأكد من أمرها فإذا بها تبشر بمقدم الشيخ محمد الحافظ، فرجع وجلس عند ظهره وأخذ عنه العلم الظاهر والباطن ولم يفارقه مدة حياته، وروى أحمد بن محم في “روض الشمائل” أن الشيخ محمد الحافظ قال لمحمد الحنفي: “لاتصل منا منفعة لأحد إلا بواسطتك” ومما يروى عنه أن الخليفة محمدي بن سيدنا الملقب بدي كان يوما في خيمته فرأى محمد الحنفي خارجا من الحي ففهم أنه يريد أن يصلي في خلوته فذهب على أثره بحيث لا يراه، فلما وصل محمد الحنفي إلى مكان خلوته وقف محمدي متحيرا ثم لم يلبث أن رجع إلى خيمته، وكانت عنده إذ ذاك ابنة عم محمد الحنفي فقال لها: “لم أغر يوما من رجل أيا كان إلا من ابن عمك هذا خرجت لأصلي خلفه فلم تتركني صفوف الملائكة أصل إلى مكانه”.
وأما أم شيخنا فهي السيدة عائشة بنت حرمة بن المختار محمذن بن ببانا العلوي، أبوها حرمة بن المختار قال عنه والده المختار بن ببانا “إنه رجل الدنيا والآخرة” وأما المختار بن محمذن فهو من أبرز أعلام عصره أخذ عن سيدي مولود فال وصحبه وانتفع كثيرا على يده والتقى بالحاج عمر الفوتي وأخذ عنه بعض الأسرار وقال له شيخه سيدي مولود فال “كلما كان عندي تركته لك” وأما محمذن بن ببانا العلوي فكان رجلا صالحا عالما عابدا زاهدا وكان مشهورا بدوام ملاقاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظةودوام مصافحته حتى كانت يده اليمنى أطول من يده اليسرى، وهو أول من أظهر أمر الطريقة حين كتمها الشيخ محمد الحافظ عملا بوصية الشيخ حيث قال له “لا تظهر حتى يظهرك الله” فلما وصل إلى هذه البلاد لم يحدث بشيء من أمر الطريقة حتى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم محمذن المذكور أن يذهب إليه ويأخذ عنه الطريقة التجانية فذهب إليه ووجده مع طلاب العلم، فقال له الشيخ محمد الحافظ عن فراشه ليجلس عليه فامتنع وقال له دعني أجلس بين الطلاب، فلما سأله عن حاجته قال له جئت أريد الأمانة التي جئت بها من التل وهي كلمة عامية تعني المغرب فقال له الشيخ محمد الحافظ جئت ببعض الكتب وبماء زمزم وما تحب من ذلك فهو لك فقال له محمذن دعني أنا أريد ورد الشيخ التجاني فلقنه له في الحال وكان جدنا محمد الحنفي من بين الحاضرين وأخذ الورد منذ ذلك الوقت فمن تتبع بإنصاف سيرة هؤلاء الرجال علم أن شيخنا محمد مختار لم يأت بغريب وإنما ورث المحبة الكاملة بالفرض المقسوم له وبالتعصيب وحاز في مربعها الخصيب أوفر حظ ونصيب.
و إن من بر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه.
قال في جواهر المعاني “اعْلَمْ أَنَّ أَوْلَى مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ المَعْرِفَةُ وَالدِّرَايَةُ، وَتَجِبُ المُحَافَظَةُ لِمَكَانِهِ وَالرِّعَايَةُ، مَنْ أَتَتْكَ عَلَى يَدَيْهِ نَتَائِجُ الهِدَايَةِ، وَوَاجَهَتْكَ مِنْهُ بِإِذْنِ اللهِ العِنَايَةُ، إِذْ هُوَ الأَبُ وَالوَالِدُ، وَأَحَقُّ مِنْ كُلِّ نَسَبٍ وَتَالِدٍ”
فالأبوة الدينية أقرب سببا وأوصل نسبا كما قال ابن الفارض رضي الله عنه:
نَـسَـبٌ أَقْـرَبُ فِـي شَــرْعِ الْـهَــــــوَى
بَـيْـنَـنَــا مِـنْ نَــسَــــبٍ مِــنْ أَبَـــــوَيْ
بدأ تعلق الشيخ محمد مختار بن محم بن دهاه بالشيخ محمد الحافظ منذ نعومة أظافره فقد تربى في هذا المحيط الحافظي الفريد وغدي بلبان المحبة والتعلق فكان لسان حاله يقول:
أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْــــرِفَ الْهَوَى

فَصَادَفَ قَــلْــبــاً خَـالِـيــاً فَـتَـمَــكَّــنَـــا
فظهرت عليه نتائج ذالك الحب في سن مبكرة فخافت عليه والدته من أن يتحدث بشيء من الأمور الدالة على ذلك فأرسلته إلى خاله أحمد بن حرمة بن ببانا العلوي، الذي كان في ذلك الوقت يعمل مترجما مع الإدارة الفرنسية فألحقته بالمدرسة العصرية ليشغله عن عالم الروحانيات حتى يبلغ أشده فأخذ من المدرسة الفرنسية شهادة في الترجمة وعمل لفترة يسيرة مع الإدارة الفرنسية، ولكن ذلك الحلم الكبير ظل دائما يراوده، فبينما هو ذات يوم في مهمة تتعلق بعمله إذ تراءى له والده محم و قال له محمد مختار ليس هذا مرادي منك، ففكر مليا في الأمور وما عسى أن يكون مراد والده منه. ثم قرر أن يأخذ الطريقة التجانية، فأخذها أول ما أخذها على يد عبد الله بن محمد فال بن بابه الذي لم يتردد بنصيحته بصحبة أهل الشيخ محمد الحافظ، عندما لقنه وقال له بلسان فصيح: “أنتم أهل محمد الحنفي سركم في الشيخ محمد الحافظ، فكمل عليهم”. فصحب أكابرهم مثل الشيخ محمد عبد الرحمن والشيخ محمد عبد الرحيم والشيخ محمد عبد الله أبناء الشيخ أحمدو وأخذ عنهم كثيرا من علوم الطريقة وأسرارها، ثم التقى بعد ذلك بالخليفة محمد بن الشيخ أحمدو الذي أجازه بإجازة مطلقة قال فيها.
“الحمد لله الذي جعل أولياءه من أهل القرب والتداني حتى أفاض عليهم بحور المعرفة وقلدهم جوَهْر جواهر المعاني، والصلاة والسلام على صاحب الحضرة المالئة لكل متعرض من البحور والأواني، وعلى آله وأصحابه ما سبحت بصائر أهل الذوق في بحور المعاني.
و بعد،
فيقول أفقر العبيد إلى مولاه وأحوجهم إلى مغفرته ورضاه محمد بن الشيخ أحمدو بن الشيخ محمد الحافظ التجاني العلوي يقول: من ذكر أعلاه أني أجزت فيما لدينا من الإذن المتصل بسيدنا رضي الله عنه، أجزت الكامل العلامة الدراكة محبنا ومحل ودنا عقد السلف والخلف: السيد محمد مختار بن محم بن دهاه العلوي التجاني إجازة مطلقة عامة خالدة تالدة طبق ما لدينا من إذن سابق في جميع أوراد سيدنا وشيخنا رضي الله عنه، وما نسب إليه من الأذكار اللازمة، والإختيارية، ولكل واحد من هذه الأذكار شروط وآداب مثلكم لا يجعلها ولذلك ضربنا صفحا أن نتصدى لشرحها، فرب إشارة أبلغ من عبارة، خصوصا إذا كان الخطاب موجها إلى أولي الألباب، وطريق شيخنا وسيدنا وسندنا رضي الله عنه، وإن تعددت شعبنا فهي ترجع إلى أصل واحد وهو صدق التوجه فعليكم بالتشبث بأذيال هذا المقصد الشريف، والمشهد اللطيف، ولما كان من أهل الدراية وكلنا شرح هذه الرموز إلى معرفتكم، نفعنا الله وإياكم بهذه الإجازة لكم ولمن أخذ عنكم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله و سلم تسليما”.
أسس الشيخ محمد مختار بن دهاه أول قرية له عند ضريح والده محم في السنغال سنة 1952م حيث قدم استقالته رسميا من العمل الرسمي ليتفرغ من المشاغل والشواغل مخلفا وراءه كل مشتهى وإن إلى ربك المنتهى.
عرفت مدينة الخير من الإزدهار في ذلك القطر ما لم يشهد له مثيل فكانت سفارة كبرى لدولة الشيخ التجاني التي لا تعرف الحدود الجغرافية فكان الموريتانيون يأوون إليها فيأمن خائفهم ويطعم جائعهم وكذلك كانت محط رحال أبناء الشيخ رضي الله عنه حيث كان محمد مختار يقول لهم “فيها المال مالكم والدار داركم ونحن عبيدكم” وقال أحد الشعراء في ذلك:
مَأْوَى الغَرِيبِ وَمَأْوَى القَادِمِ السَّارِي

دُكَّـــانٌ حَـيْـثُ بِـهَا مُـحَــمَّــدٌ مُخْـتَـارُ
كما أسس بعد ذلك قرية عند ضريح جده محمد مختار بن محمد الحنفي هي “أم اجناح” فجاءت مطابقة للمعايير التي أسست عليها أختها وشهدت عدة ندوات ولقاءات أشار إليها أحد الشعراء والعلماء بقوله:
أَيَــــا أُمَّ الْـجَـنَـــاحِ لَـكِ الأَمَــــــــــانُ

وَلاَ يَــغْــــدُرُ بِـسَـــاكِـنِـكِ الــزَّمَـــانُ
لَــقَـــدْ كُـنْــتَ الـطَّــرِيــقَ مَحَطَّ رَحْلٍ

لأَبْـنَـاءِ الـرَّسُـــولِ لَــكَ الأَمَــــــــانُ
وَلاَزَالَـــتْ بِـسَــاحَـتِـــكَ الــزَّوَايَـــــا

تُـقَــامُ بِـهَـــا الإِقَـــامَـــــــــةُ وَالأَذَانُ
وَكُـنْـتَ الْـمُـتْـلَقَــــى لِـكُـــلِّ فَــــــــــجٍّ

كَـمَــــا الْـــحُــجَّــــاجُ يَجْـمَعُهُمْ مَكَانُ
لِـــذِكْـــرِكَ فِــي الـقُـلـوبِ بَعِيدُ صِيتٍ

يُـتَـرْجِــمُـهُ عَـــنِ الــقَــلْـبِ الـلِّسَـــانُ
وَثَــاوِ فِـــي الْــمَــكَــانِ بِــهِ تَـسَـامَـى

وَلَــوْلاَ الْــخَـمْـرُ لَـمْ تَـكُـنِ الـــدِّنَـــانُ
و لولا خوف التطويل الممل والإطناب المخل لذكرنا لها أكثر، وبعد أن وقع ما وقع من أحداث بين موريتانيا والسنغال سنة 1989م طلبت مجموعة من العلويين من الشيخ محمد مختار بن دهاه أن يسكن في قرية قديمة كانت محط رحال سلفهم فجنت عليها يد الزمان حتى لم يبق منها إلا بئر وبعض الخشب فسميت بذلك أبا الخشب، فأجاب طلبهم ذلك وأسس قرية هنالك فجائت مطابقة لأخواتها لأن السر في السكان لا في المنزل. وما إن استقر حاله فيها حتى بدأ يواصل منهج الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وقال الشعراء في ذلك.
أَبَـــا خَـشَـبٍ حَـوَى شَــرَفَـا سَـنِـيَـــــا

حَـظِـيَـا مَــنْ يَـكُــونُ بِــهِ حَـظِـيَـــــا
وَأَصْـبَــحَ فِـي مَـيَــــادِيـــنِ الْـمَـعَـالِي

مُـــجْــــلَى إِذْ قَـدْ حَوَى الفَضْلَ الْجَلِيَا
وَحُــبُّ الـشَّـيْـخِ عَـمَّ ذَوِيـهِ قُـلْ لِــــي

بِـرَبِّـكَ هَـــلْ تَـــرَى مِـنْـهُـمُ خَـلِـيَــــا
يُـدِيــرُ عَـلَــيْـهِــمُ الْـمُــخْــتَــــارُ كَأْساً

مَــعِـيـنـاً مِـــنْ مَــعَـــارِفِــهِ رَوِيَــــــا
فَــحُـــبُ الـشَّــيْــــخِ صَـادَفَ مِنْهُ قَلْباً

خَـــلاَ فَــتَــوَطَّــــنَ الـقَـلْـبَ الْـخَـلِـيَــا
وَلَـــــمْ يُــمَــــرِّرَ خَــلِــيٌّ ثُـــــــــمَّ إِلاَّ

وَعََـــــادَ يُـــطَـــــارِحُ الشُّجُوَّ الشَّجِيَـا
كما زارها أيضا أحد الشعراء و العلماء فتعجب من تحول حالها فقال:
غَـــدَا أَبُـــو خَــشَـبٍ يُـدْعَى أَبَا ذَهَبٍ

مَـا أَبْـعَــدَ الـبُـونَ بَيْنَ التِّبْرِ وَالْخَشَبِ
فَــرُبَّ حَـامِـلَـةٍ مِـــنْ قَـبْـلُ ذَا حَـطَـبَا

مِـنْـهُ غَـدَتْ بَـعْـدَ ذَا حَـمَّـالَـةُ الــذَّهَبِ
أما علاقة الشيخ محمد مختار بالشيخ محمد الحافظ فلم يؤسس قرية ولم يقم ندوة ولم يقدم لأضيافه جفنة إلا عليها وبها، فكان أيام وجوده في السنغال ورغم بعد الشقة ووعرة الطريق فقد ظل يواصل الزيارة في جميع مواسم الخير حتى كان من يرغب في زيارة الشيخ محمد الحافظ من العلويين و غيرهم يأتيه هنالك فيهيئ لهم ما يحملهم عليه إلى أنفن ضاربا وُعُورة الصحراء بهمته، فكان لسان حاله يقول:
سَهَّلَ تَجَشُّمِي البَيْـدَاءَ مُـتَـعَـسِّــــــــفــاً

لَوْ كُنْتُ مِنْ وَصْلِ مَنْ أَهْوَى عَلَى أَمَلٍ
وقول الشاعر:
سَـلِـي فُـؤَادِي عَـنِّـي هَـلْ سَـلَـوْتُـكُـــمْ

وَالْـجَـفْـنُ بَعْدَكَ هَلْ ذُقْتَ الْمَنَـامَ سَلِي
وكان محمد مختار يرى أن أصل الخير على العلويين في هذه المنطقة وعلى غيرهم من التجانيين هو تلك الرحلة المباركة التي قام بها الشيخ محمد الحافظ الشنقيطي والتي قادته إلى القطب الرباني والغوث الصمداني أبي العباس أحمد التجاني، وكان يرى أن عدم إقامة قرية عنده مع وجود الحاجة الماسة لذلك يعتبر نوعا من التقصير. وقد سأل الشيخ محمد مختار شيخه محمد عبد الرحيم بن الشيخ أحمد عن كيفية الإتصال بين حبيبين لا يجمعهما مكان واحد فقال له إني أنشدك بيتين تجد فيهما جوابك وهما:
إِلَى الْحَائِمِ النَّسْرِ انْظُرِي كُلَّ لَيْلَةٍ

فَـإِنِّـي لَـهُ عِـنْـدَ الـعَـشَــاءِ لَـنَـاظِــرُ
عَسَى يَلْتَقِي طَرْفِي بِطَرْفَيْكِ عِنْدَهُ

فَـنَـقْـضِـى جَـمِـيـعاً مَا تُكِنُّ الضَّمَائِرُ
ففهم الشيخ محمد مختار أن الشيخ يحثه على السكن عند الشيخ محمد الحافظ.
فلما جاء الإذن من الله العلي القدير أخ الشيخ محمد مختار أفراد أسرته وحمل متاعه لينزل عند ضريح الشيخ محمد الحافظ في هذه الصحراء البعيدة كما ترون وكان يتمثل بقول الحق تعالى على لسان النبي إبراهيم ” رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ”
وأسس هذه القرية المباركة محققا بذلك رغبة قديمة له ومثمنا بذلك تراث الآباء والأجداد كما أشرنا إلى ذلك في مقدمة هذا البحث المتواضع.
نسأل الله أن لا يعدم طريقة شيخنا رضي الله عنه من وجوده وأن يبقيها محفوفة بشهوده وأن يحفظها من زيغ أهل الزيغ وفساد أهل الفساد، وأن يديم على سيدنا الخليفة سيدي محمد الكبير عواصف رياح نصره وتوفيقه وتأييده وتسديده، وأن يوفق كل من سعى في خدمته وخدمة الطريقة من قريب أو بعيد ولو بالدعاء الصالح فيما بطن أو برأي صالح حسن ونطلب مواصلة هذا النوع من الزيارات لما فيه من الفائدة الغزيرة التي لا تحصى، والمعارف العظيمة التي لا تستقصى.
فكان يقال لقاء لأبدان لقاح القلوب، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

*وافته المنية رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه يوم الإثنين 15 أكتوبر 2012 ودفن  بأَنْفَنِي حيث ضريح العارف بالله الرباني العلامة الجليل سيدي محمد الحافظ العلوي الشنقيطي

*إضافة إدارة الموقع بتاريخ وفاته

بقلـم:
محمد ينجح بن دهاه – إمام جامع انفنى
انفنى بتاريخ 02/04/2010 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى