مصادر ترجمته

القدوة والقيادة جانبان من الجوانب المتميزة لشخصية سيدي أحمد التجاني

إن شيخنا العالم القدوة الإمام مولانا أبا العباس أحمد التجاني رضي الله عنه من الشخصيات الإسلامية البارزة التي طبعت زمانها والأزمنة التي بعده وأثرت تأثيرا ملحوظا في مجتمعاتها.

وعلى عكس أهميتها فإنها لم توف حقها من العناية والدراسة حتى ليعجب الدارس والباحث من قلة ما كتب عليها ومن الخلط والغموض الذين أحاطها بهما بعض المؤرخين رغم قربها التاريخي [القرن الثامن عشر] والجغرافي [شخصية مغاربية]، ورغم الوضوح والصحة التي تميزت بهما سيرته رضي الله عنه وبقدر ما بخس حقه لدى أعدائه وحساده بقدر ما عظمت مرتبته لدى أتباعه وأحبابه وتلامذته وأهل طريقته. فقل ما تجد أهل طريقة صوفية يمجدون ويكرمون شيخهم، مثل ما يمجد ويكرم التجانيون شيخهم وكل ما له صلة بشيخهم.
إن شخصية مولانا أحمد التجاني رضي الله عنه، شخصية مثيرة وجذابة خاصة لمسلمي ولعرب اليوم. لأنها شخصية تفوق وتميز، ونجاح وتحدي، وليست شخصية انهزام وانعزال وتقهقر. يحدث عن نفسه رضي الله عنه: “من طبعي أني إذا ابتدأت شيئا لا أرجع عنه وما شرعت في أمر قط إلا أتممته” (ج: 1. ص: 32). يقول عنه صاحبه سيدي علي حرازم رضي الله عنه: “فله رضي الله عنه همة سابقة وعزمة لاحقة تأبى نفسه أن يفوته مدرك من المدارك أو يضل مسلكا من المسالك” (ج: 1. ص 32).
ولي مع مولانا الشيخ رضي الله عنه عند القراءة في سيرته أربع حالات:

– أقرأ بعين المريد المنتسب.
– وأقرأ بعين مؤلف الكتاب الذي أقرؤه.
– وأقرأ بعين المتهيب من المقام العرفاني الكبير للشيخ رضي الله عنه.
– وأقرأ أخيرا بعين الدارس الناقد الذي يحاول أن يدرك أبعاد ما يقرأ.

ومجموع هذه القراءات تنتج في نفسي قناعات كبيرة وحبا وتعلقا شديدا، وتعظيما وإكبارا لهذا الشيخ الجليل المبارك الذي أفتخر بالانتساب إليه.
ولي أيضا مع مولانا الشيخ رضي الله عنه عند القراءة في سيرته أني أستحضر جانبا أو خلقا أو معنى، وأتتبعه لأخرج باستنتاجات قيمة حول الجانب الذي أبحث فيه ولا آتيه في محاولة تحليل كل الجوانب مرة واحدة. هذا العرض سأحاول -بتوفيق الله- تسليط الضوء على جانبين من الجوانب المتميزة في شخصية شيخنا مولانا أحمد التجاني رضي الله عنه: جانب “القدوة والقيادة”.
واختياري لهذين الجانبين ليس جزافا بل تعمدت هذا الاختيار ليقيني أن الخمول الذي وصلت إليه الزاوية التجانية ـ إذا لم نرد استعمال وصف التدهور أو الأزمة ـ يرجع بالأساس إلى ضعف جانبي القدوة والقيادة عند المسؤولين على الزاوية التجانية أو إلى سوء استعمال هذين الجانبين في مصلحة الزاوية التجانية.
وأتناول في هذا العرض محاور أربعة تجيب على الأسئلة التالية:

1- ما ذا أعني بالقدوة والقيادة؟
2- متى برزت القدوة والقيادة في حياة الشيخ رضي الله عنه؟
3- ما هي المؤهلات والظروف التي صاغت هذين الجانبين في شخصية الشيخ رضي الله عنه؟
4- هل نجح الشيخ رضي الله عنه في ممارسته للقدوة والقيادة، وكيف انعكس هذا النجاح؟
5- ما هي الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها لحاضر ومستقبل الزاوية التجانية؟

1) التعريف بمفهومي القدوة والقيادة:
القدوة أو الإسوة أو الإمامة صفة في المتبوع، تحمل الناس على تقليده ومحاكاته من غير سلطة ولا إكراه بل بدافع الحب والاقتناع.
أما القيادة أو الإمارة أو الرئاسة فهي ممارسة سلطة داخل مؤسسة أو جماعة. والسلطة قد تكون عامة أو محدودة. وقد تكون بالأصالة أو بالوكالة. القدوة عقد فردي معنوي أخلاقي بين التابع والمتبوع، بينما القيادة هي عقد اجتماعي بين القائد أو الحاكم أو الرئيس وبين أفراد المؤسسة أو الجماعة. القدوة والقيادة لا تمارسان إلا داخل جماعة (أقلها اثنين). فهما مفهومان لممارسة بالضرورة اجتماعية.
قد تمارس القدوة دون قيادة وهذا شأن المصلحين الاجتماعين كالأنبياء وكالعلماء. وقد تمارس القيادة دون قدوة وهذا شأن القادة السياسيين والحكام، وقد تمارس القدوة والقيادة معا، وهذا شأن الرسل والخلفاء الراشدين وفي نطاق ضيق فالأب قد يكون قدوة والأم قد تكون قدوة ورئيس شركة يمارس قيادة.
والقيادة والرئاسة شيء واحد من حيث الممارسة وحيث أن الرئاسة فيها شيء من العقد الذي تم بين نبي الله موسى عليه السلام والولي الصالح الخضر كان عقد قدوة: “هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا”.
العقد الذي تم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الأنصار في العقبة كان عقد قيادة.
رعونة النفس وحب الاستيلاء على الغير والانتفاع بهذا التحكم انتفاعا ماديا ومعنويا، حذر منها الدين ومنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس والصحابي الجليل أبا ذر الغفاري.
القيادة إذا صاحبتها نية التميز من أجل منفعة الناس ومراعاة مصالحهم فهي محمودة بل ومرغب فيها. قبلها الخلفاء الراشدون ومارسها شيوخ الطرق الصوفية. وهي قائمة على البيعة أي عقد مصلحي بين القائد والأتباع.

2) مواقع القدوة والقيادة في حياة مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه:
المتتبع لسيرة شيخنا رضي الله عنه يجد جانبي القدوة والقيادة يهيمنان على شخصيته رضي الله عنه وكأن حركاته وتصرفاته تصب جميعها في هذين الوصفين.
حاولت تقسيم حياته رضي الله عنه ـ باعتبار هذين الجانبين ـ إلى ست مراحل تحددها خمس تواريخ هامة، موافقه لعمره رضي الله عنه 21 سنة ثم 31 سنة، ثم 36 سنة، ثم 46 سنة، ثم 63 سنة.

1- الفترة الأولى إلى سن 21 سنة:
فترة الطفولة ثم النضج المبكر والزواج في 15 سنة، وموت الأبوين في 16 سنة، واستقلال الشخصية بعدها.
في هذه الفترة تخبرنا سيرته عن حلم طفل وعن تطلع يراوده حتى ينعكس على خياله ومنامه، حدث عن نفسه رضي الله عنه كما في الجواهر (1 ص: 45): “رأيت وأنا صغير قبل البلوغ كأنه انتصب لي كرسي المملكة وأنا جالس عليه، ولي عساكر كثيرة وأنا أصرفها في قضاء الحوائج كأني ملك” طفل كان يحلم بشيئين بالقيادة وبقضاء حوائج الناس.
وأقف عند موت والديه (رضي الله عنه وعنهما) لأقول أن هذا الحادث الفاجع ليس الذي غير مسار الفتى أحمد التجاني بل فقط عجل بنضجه وبتحمله المسؤولية وأطلق قيوده، لذا نجده بعده يتحرر من زواجه بعدما خير زوجته فلم يجد فيها الرفيقة التي ستساعده على خوض تجربته العلمية والروحية تجربة البحث عن الأعلى بثمن غال، وهو عدم الاستقرار والحرمان والمجاهدة والزهد وقطع العلاقات مع المألوف.
تميزت شخصية مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه في هذه الفترة بـ:
– نشاة في بيت علم وولاية.
– حفظ القرآن الكريم وطلب العلوم الأصولية والفروعية والأدبية.
– ديانة متفوقة وأخلاق عالية.
– بروز جانب القدوة العلمية إذ كان رضي الله عنه يدرس ويفتي ويدون أي له كتابات في هذه الفترة لم تصل إلينا.

2- الفترة الثانية دامت 10 سنوات من سن 21 سنة إلى بلوغه 31 سنة:
بدأت بارتحاله (لا مجرد رحلة تعود به إلى مقره الأول) من بلده عين ماضي إلى مدينة العلم والولاية فاس ونواحيها، ثم إلى الصحراء وأقام بزاوية الشيخ الأبيض خمس سنوات، ثم عاد إلى عين ماضي مدة يسيرة أو عابرا، ثم مرة ثانية إلى زاوية الشيخ الأبيض لينتقل منها إلى تلمسان ليمكث فيها خمس سنوات.
في هذه الفترة نجد:
1/ سيدي أحمد التجاني طالب العلم الباحث على استكمال شخصيته العلمية فهو يسمع شيئا من الحديث في فاس كما في الجواهر، وقرأ على الدقاق في السبع، وعلى الشيخ الجِمال في تعليم الاسم وسر الحرف، وعلى الشيخ السجلماسي في صغرى السنوسي، كما في رسالته لصاحبه السيد محمد عبد الله الجيلاني (كشف الحجاب، ص: 295).
2/ كما نجد التحول في شخصيته فهو الآن طالب الولاية الباحث عن رجالاتها والآخذ لأوراد المشائخ المتعددين، مع ملاحظة شيء مهم هو اشتراطه رضي الله عنه على ملقنيه عدم الإلتزام بعهودهم وعدم تلقين أورادهم للغير. وهذه نقطة مهمة في هذه الفترة من حياته رضي الله عنه فهو مشتغل بنفسه لم يقبل أن يجعل من نفسه قدوة روحية ولا قائدا لغيره في طريقة معينة (جواهر 1، ص: 44).
3/ كما نجد سيدي أحمد التجاني المشتغل بمطالعة كتب القوم (أي التصوف) وبالانكباب عليها (جواهر ص: 36) والباحث على الأسرار الإلهية إلى درجة التبحر في فهم علومها وله أجوبة في فنون العلوم، فأبدا فيها وأعاد وحرر المعقول والمنقول وأفاد (جواهر ص: 27).
4/ ونجد أخيرا سيدي أحمد التجاني العالم المدرس لعلم الحديث والتفسير وغيرهما (جواهر 1، ص: 36).

3- الفترة الثالثة هي فترة خطيرة ومتميزة في المسار الروحي والتربوي للشيخ رضي الله عنه دامت خمس سنوات من سنة 31 إلى بلوغه 36 سنة.
فترة لم يبرزها حدث معين تخبرنا به سيرته رضي الله عنه. ولكن يجد الشيخ رضي الله عنه نفسه فجأة تحت دافع قوي لا يملك إلا الخضوع له ويقرر انعزاله الكلي عن الناس وإرادته إدراج نفسه في أول باب من أبواب السلوك الصوفي وهو باب التوبة، وبعدها طالب نفسه بأنواع عالية وشديدة من الالتزام والجد والمجاهدة والصيام وقيام الليل بكيفية خارجة عن المألوف. وكل هذا خارج طريقة صوفية معينة وخارج نظر شيخ معين. وقد ظهرت للشيخ رضي الله عنه في هذه الفترة كرامات معنوية عالية تمثلث في بروز علوم ومعارف شدت إليه الناس وخاصة طلاب المعرفة الصوفية فكان يمتنع امتناعا صارما عن دعوى المشيخة.
تميزت هذه الفترة التي قضاها بتلمسان:
1/ ببروز جانب مهم في شخصية الشيخ رضي الله عنه هو نقد ذاتي جعله يعيد أولوياته وكأن رحلته الأولى وإخبار الشيوخ والأولياء الذين التقى بهم له بالمقام العالي دفع بطموحه وبأحلامه مستوى لا ينسجم مع ما هو عليه ووجد نفسه دون هذه الأحلام. فقطع عن نفسه أحلامها وطموحاتها ورجع لتحقيق منازل السلوك منزلة منزلة.
2/ بقطع كل مظاهر القدوة بعزلة تامة عن الخلق، فلم يعد يدرِّس أو يفتي أو يبدي شيئا من العلوم بل صار رجلا يبحث عن خلاص نفسه لا عن معرفة منزلته. تعتبر هذه الفترة الثالثة بحق فترة التهيئ الروحي والتربوي لمولانا الشيخ رضي الله عنه. وكان رضي الله عنه تنبه إلى أنه سبق الأحداث في الفترة الثانية إذ انتقل من التحصيل العلمي الشرعي إلى البحث عن المشيخة الصوفية بينما لم يسلك سلكا صحيحا وتاما وقد كان الشيوخ الذين لقيهم لاحظوا هذا النقص، لذا عرضوا عليه إدخاله في التجربة الصوفية تحت نظرهم. فعاد رضي الله عنه لتصحيح ما فاته، لذا الفترة الرابعة الآتية تندرج كمرحلة طبيعية في مساره رضي الله عنه.

4- الفترة الرابعة: استغرقت 10 سنوات من بلوغه رضي الله عنه 36 سنة إلى 46 سنة:
بدأت برحلة حج، مر فيها ببلد ازواوى قرب الجزائر، ثم تونس ثم مصر القاهرة، ثم مكة المكرمة، ثم المدينة المنورة، ثم عاد إلى مصر فتونس، وفي طريقه إلى تلمسان التقى بصاحبه العلامة السيد محمد بن المشري مؤلف “الجامع”، وعمر الشيخ رضي الله عنه 38 سنة. وأقام رضي الله عنه في تلمسان 3 سنوات ثم رحل إلى فاس مرورا بوجدة حيث التقى بصاحبه وخليفته السيد علي حرازم رضي الله عنه وعمر الشيخ رضي الله عنه 41 سنة، ثم عاد إلى تلمسان فبقي بها 5 سنوات، ثم رحل إلى قرية أي سمغون، ثم توات ثم عاد إلى أبي سمغون، حيث وقع له “الفتح الأكبر” بالاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم وعمره 46 سنة.
تميزت هذه الفترة:
– ببحثه رضي الله عنه عن أعلى مرتبة روحية ولائية في الهرم الصوفي. كان يتوق أولا إلى الفردانية، ثم تعلقت همته بالقطبانية العظمى وهي رأس البناء الصوفي. لكن لم يقبل الشيخ رضي الله عنه أبدا أن يكون ثمن وصوله إلى هذه المرتبة الانقطاع عن الخلق بل كان هاجسه هو حلمه لما كان طفلا أن يصل إلى مرتبة عالية في الولاية تؤهله لنفع الخلق. وتحضرني قولته الشهيرة: “إن كنت بابا لنجاة كل عاص مسرف على نفسه تعلق بي فنعم وإلا فأي مزية لي؟”
– باستمراره رضي الله عنه في أخذ علوم الصوفية والطرق الصوفية والأذكار والأسرار مع الامتمناع عن تلقينها للناس سوى الطريقة الخلوتية، التي لقنها لصاحبه العلامة ابن المشري والخليفة علي حرازم رضي الله عنهما مع إخباره لهما عند التلقين أنه ما زال باحثا عن منزلته أي أنه لم يستقر نهائيا على الطريقة الخلوتية.
– بملاقاته بشيوخ من حجم أعلى كمثل القطب الكردي الذي وجد فيه الشيخ الأهلية لتسليمه نفسه للتربية الشيء الذي لم يفعله مع أي واحد ممن لقيهم من رجالات الصوفية.
– بشهادة كبار رجالات التصوف له بالمقام العالي في الولاية لا فقط الاكتفاء بتبشيره بهذا المقام.
– بالاعتراف له وتقديمه لتدريس علوم الصوفية (كشرح الحكم العطائية)، ولتقرير المعارف والإجابة على الإشكالات بمحضر واحد من أكابر زمانه القطب الكردي رضي الله عن شيخنا وعنه.
– ثم تتويجه بالفتح الأكبر وذلك بلقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة وبإخبار النبي صلى الله عليه وسلم له بنيله أعلى مرتبة تربوية في هرم الولاية فوق الصديقية، كما أخبره بنهاية بحثه من أجل نفسه، وبداية وظيفته من أجل تربية الخلق بطريقة صوفية محمدية صافية: الطريقة الأحمدية التجانية.
لم تكن في هذه الفترة شخصية القيادة مهيمنة على الشيخ رضي الله عنه وإن كانت حاضرة، فقد أعطى الإذن في الطرق والأذكار والأسرار لعدد من الناس لكن من حيث كونه قدوة ولم يرد أن يكون قائدا في إحدى هذه الطرق بل كل من اشترط عليه ذلك لم يجبه إلى شرطه.

5- الفترة الخامسة: من عمره المبارك 46 سنة إلى 63 سنة.
17 سنة من الاستقرار في قرية أبي سمغون – موطن فتحه – مارس فيها الشيخ رضي الله عنه المشيخة الصوفية في إطار طريقة مستقلة وهي الطريقة التجانية، مارس وظائف القدوة والقيادة، يقول صاحب الجواهر رضي الله عنه: “فمن ذلك الوقت والوفود ترد عليه من جميع النواحي والأقطار للأخذ عنه وللزيارة وأخذ الأسرار، ومن جملة فيوضاته ما تلقيناه من إملائه علينا من حفظه ولفظه” (ج: 1، ص: 52). فحتى سنة 41 من عمره المبارك يحدثنا صاحبه سيدي علي حرازم: “ورجع إلى تلممسان وأخبرني بأنه ينتقل من تلمسان إلى مكان آخر لأن حاله لم يستقم بها وضاقت نفسه” (ج: 1، ص: 50).
ويعلم أنه رضي الله عنه في سن 58 سنة من عمره المبارك تقدم لإمامة الصلاة بنفسه بعدما وكلها لصاحبه العلامة ابن المشري عشرين سنة.
إذا كانت جميع رحلات الشيخ رضي الله عنه وتنقلاته السابقة تمت تحت دافع البحث عن الذات والمنزلة والاستقرار النفسي والروحي، فانتقال الشيخ رضي الله عنه من قرية أبي سمغون إلى فاس لم يكن تحت هذا الدافع بل بدافع آخر.
يحدث صاحبه سيدي علي حرازم: “فعند هذا تنزل للحلق والإفادة وإظهار الطريقة والاستفادة ” (ج: 1، ص: 51).

6- الفترة السادسة والأخيرة: من عمره المبارك 63 سنة إلى وفاته رضي الله عنه 80 سنة:
17 سنة من الاستقرار بفاس، وفي سنة دخوله لفاس أمر رضي الله عنه بجمع كتاب “جواهر المعاني” أي بكتابة الإطار المرجعي لطريقته وأفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: “هذا كتابي وأنا ألفته” لا بالمفهوم الحرفي وإنما مباركته صلى الله عليه وسلم وتزكيته لهذا الكتاب كمرجعية صوفية أولا ثم تزكيته كمرجعية للطريقة التجانية. ونعلم أن مادة “الجواهر” و”الجامع” من إملاء ومن لفظ الشيخ رضي الله عنه فهو المنظر لطريقته من ألفها إلى يائها، لم يعنه أحد فيها فكل قواعدها من إنشائه رضي الله عنه بالإذن النبوي، وشاء الله سبحانه ألا يكون لأحد منة على الطريقة التجانية، فمات المؤلفان صاحب “الجواهر” وصاحب “الجامع” قبل الشيخ رضي الله عنه بسنين، (13 سنة) و (6 سنوات) قبل وفاة الشيخ رضي الله عنه.
تميزت هذه الفترة:
– بكتابة مرجعية الطريقة وحراستها من التغيير والتبديل: ضبطت قواعد السلوك فيها وقواعد تنظيمها وعمره رضي الله عنه 63 سنة.
– بإنشاء زاويته المباركة بفاس بحومة البليدة سنتين بعد استقراه رضي الله عنه بفاس وعمره المبارك 65 سنة.
– بانتشار الطريقة التجانية انتشارا عارما ـ في حياة مؤسسها رضي الله عنه – في جميع الأوساط والشرائح الاجتماعية من العلماء والوجهاء والطلبة وأصحاب الحرف وأهل المخزن والشرفاء.
– بممارسة وظيفة المشيخة الصوفية بجانبيها – القدوة والقيادة – ممارسة تامة وأحادية، فلم يشاركه فيها صاحب ولا ولد.

في ختام هذه الجولة في حياة مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه أقدم مدة إقامته رضي الله عنه بالمواطن التي رحل إليها بهذا الترتيب:
• 21 سنة بعين ماضي من ولادته رضي الله عنه إلى بلوغه 21 سنة.
• 5 سنوات ببلدة الشيخ الأبيض بالصحراء من عمره 21 إلى 26 سنة.
• 18 سنة بتلمسان:
الإقامة الأولى دامت 5 سنوات: 26 – 31 سنة.
الثانية دامت 5 سنوات: 31 – 36 سنة.
الثالثة دامت 3 سنوات: 38 – 41 سنة.
الرابعة دامت 5 سنوات: 41 – 46 سنة.
• 17 سنة بقرية أبي سمغون والشلالة بالصحراء 46 – 63 سنة.
• سنتان: رحلة الحج – ازواوى – تونس – مصر – مكة المكرمة – المدنية المنورة، ثم الرجوع 36 – 38 سنة.
• 17 سنة بفاس: الزيارة الأولى لفاس والنواحي في سن 21.
(زيارتان ثم استقرار نهائي): الثانية لفاس مرورا بوجدة في سنة 41.
الثالثة والاستقرار بها في سنة 63 إلى الوفاة 80 سنة.

3)
هل نجح مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه؟
إن مقياس النجاح والفشل هو الوصول أو عدم الوصول إلى الهدف، فماذا كان هدف الشيخ في الحياة رضي الله عنه وهل وصل إلى هدفه؟
هدف الشيخ رضي الله عنه كان واضحا منذ البداية، بداية حياته المباركة متمثلا في شيئين في منزلة وفي وظيفة.
– المنزلة: مرتبة ولائية عالية أي تدين من مستوى رفيع، والمستوى الرفيع بالنسبة للشيخ رضي الله عنه هو الصديقية إما الفردانية وإما القطبانية، لا أقف عند نوع المرتبة ولكن عند مستلزماتها وهي العبادة لله في أجمل وأبهى وأكمل وأسمى مقاماتها وهي الإحسان والمعرفة.
– الوظيفة: نفع الناس وإيصال الخير إليهم لكن بشكل كبير فياض ومستمر النفع، نفع روحي تربوي، الشكل الكبير الفياض يتمثل في الثواب العظيم المترتب على طريقته وعلى زاويته. والشكل المستمر يتمثل في الضمانات والالتزام المرتبطين بطريقته. لذا لا يسعنا بعد استعراض حياته رضي الله عنه إلا أن نقرر أن الشيخ مولانا أحمد التجاني رضي الله عنه نجح نجاحا باهرا يجر إليه كل إعجاب وافتخار.

ما الذي كان وراء هذا النجاح؟
أرى أن الشيء الذي كان وراء نجاح مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه هو توفيق الله عز وجل وعنايته الكبيرة به رضي الله عنه، هذا التوفيق وهذه العناية تجليا في مؤهلات وملامح وظروف. لكن المتتبع لحياة الشيخ رضي الله عنه لا يكاد يجد تعويل الشيخ رضي الله عنه على ظرف معين من الظروف بل يرجع كل اختياراته لمسؤوليته الشخصية في توكل تام على توجيه الله له.

– ما هي ملامح شخصيته رضي الله عنه ؟
1/ التوكل التام على الله عز وجل الذي أكسبه ثقة كبيرة بنفسه ليس غرورا ولا أنانية وإنما ثقة الناجح المتفوق له قوة وصرامة وفراسة على اتخاذ القرارات الحاسمة في حياته رضي الله عنه لا تثنيه أو تغير قراره الظروف والأشخاص. نجده رضي الله عنه دائما يعرف ما يريد، فلا يتعثر في اختياراته أو يتركها للظروف وللزمن وكأنك لا تلمح في مساره تأثيرا للظروف فهو الذي يختار الظروف ويلائمها مع نفسه ويعلن اختياره ولا يخفيه، وهذا يجعلنا نفهم جملة من أسلوبه التربوي حول الوقت وعدم معارضة الظروف خاصة السياسية.
2/ استقلاله الفكري والوجداني الذي يأبى ويرفض بتاتا الانقياد لأحد أو النزول تحت حكمه وتصرفه، وهذا الطبع صاغ شخصيته رضي الله عنه القيادية، هذا لا يعني أنه رضي الله عنه يقول بالحرية المطلقة من كل القيود، وإنما أنه رضي الله عنه يحتكم إلى القواعد، ويرفض الاحتكام إلى الأشخاص، وهذا الطبع الحر صاغ كل حياته رضي الله عنه، نراه يلتقي برجالات التصوف بعد بحث وجهد، للوصول إليهم لكنه يمتنع امتناعا صريحا عن الدخول تحت تربية أحدهم، ولعل هذا الملمح الكبير في شخصيته هو الذي يفسر غيرته المفرطة على أتباعه، ويفهم به الشرط الحاسم في طريقته الذي هو عدم الزيارة لغيره من الأولياء. وأرى أن بحثه رضي الله عنه أولا عن الوصول إلى مقام الفردانية لأنه ينسجم مع هذا الطبع المستقل. فنعلم أن الفرد في اصطلاح الصوفية خارج عن نظر القطب.
3/ وضوح فكره ومعتقده ومنهجه الذي يبرز قوة تصوره ومنطقه واستدلاله وقوة لسانه وبيانه يصفه صاحبه رضي الله عنه في “الجواهر” (ج: 1 ص: 79) “من شأنه رضي الله عنه يطلب التحقيق والتدقيق في كل شيء” وهذا يظهر جليا في معارفه وتفسيره وخاصة في المسائل المغلقة التي تحدث فيها من سبقه من العلماء والعارفين. فأجوبته فيها من الوضوح والبيان حتى ليتساءل القارئ لم طرحها وهي بهذه السهولة. وأرى أن هذا التمكن من التحليل المنهجي والبيان لا يتم إلا لشخص مارس عملية الكتابة والتدوين والمباحثة مع غيره. لذا أرى أن الشيخ رضي الله عنه، له كتابات وإن لم تصل إلينا ويؤكد هذا صاحبه سيدي علي حرازم رضي الله عنه مرات في الجواهر.
كما أن وضوح فكره ومعتقده ومنهجه يجد تفسيره في تعليمه المتفوق أولا، ثم في ممارسته لعملية التدريس والإفتاء التي منحته قوة وسرعة ووضوح الإجابة والقدرة على تصور المسائل وعلى التحليل.
4/ خلقه الاجتماعي القوي الذي نجده بارزا برفضه لكل الأساليب التربوية التي عرضها عليه شيوخ زمانه الذين لقيهم والتي تجعل من الاعتزال اختيارا حياتيا مستمرا لا فقط أسلوبا مرحليا.
الشيخ التجاني رضي الله عنه رجل اجتماعي ورجل للمجتمع يرحل عن عين ماضي مقر ولادته وأسرته، لكن نراه أشد عطفا عليهم وصلة بهم. ورجل يخالط كل الشرائح الاجتماعية ولا يتحرج من شريحة دون أخرى، رجل يخالط العلماء والوجهاء، ويتحدى بالعلم كما تعلم بحضرة السلطان المولى سليمان رضي الله عنه ويكرم العلماء ويقربهم منه، كما كان يفعل مع أسرة صاحبه سيدي ابن المشري رضي الله عنه ومع سيدي الغالي بو طالب، وهذه أمثلة فقط..
هذا الخلق الاجتماعي تقوى بتنقلاته وبملاقاته وبعيشه في مجتمعات مختلفة صحراوية وبدوية ومدنية، لا يجد حرجا في تغيير موطنه وهذا الخلف صاحبه كل حياته حتى في نهايتها كان يهم بالانتقال إلى الشام. هذا الخلق الاجتماعي أكسبه قوة على معرفة الناس وعاداتهم وأخلاقهم واختلافهم.
5/ شدة تنظيمه وتخطيطه: المتتبع لحياة الشيخ رضي الله عنه يجده لا يترك شيئا للصدفة يخطط لتنقلاته ولأسفاره، يسافر حيث يود لا حيث يتيسر. يخطط لمصارفه المالية وينظمها أشد ما ينظم. مسيرٌ ميزانية يخطط لطريقته ولانتشارها فيوكل مقدما لجهة معينة ويأمر بعدم الظهور حتى تجتمع شروط الظهور (سيدي محمد الحافظ الشنقيطي العلوي) ينظم توجهات مقدميه ومن بلغ منهم مرتبة المشيخة.
6/ قدرته القوية والمتجددة على اتباع الحق والسنة، وقول الحق والجهر به في كل الأحوال والظروف كان رضي الله عنه وقَّافاً على حدود الله كما يخبرنا به صاحب “الجواهر” (ج: 1، ص: 86) “متخلقا بالأخلاق الشرعية، كثير التحفظ في الدين والتحرر للأحوط. لا يسمع الباطل ولا يقدر أحد أن يذكر بمحضره وإن نطق أحد بمنهي رده للصواب لا محالة، كائنا ما كان لا يتساهل في ذلك” (ص 70).
7/ وآخرا لا أخيرا روحانيته العالية لم يكن رضي الله عنه مجرد عالم أو عابد بل انعكس على روحانيته صدق علومه ومعتقده وعبادته. فكان منور الباطن لا فقط صاحب فراسة بل صاحب إلهام وكشف، أكرمه الله بهما ولا يخفى رضي الله عنه ما أكرمه الله به من تنوير الباطن بل يتحدث به ويقرره كما في رسالته لصاحبه السيد محمد الجيلالي رضي الله عنه ما ورد في الضمانات النبوية.

نـهــايـة:
هذه جولة ممتعة ومثيرة ملخصة وموجزة في حياة هذا الشيخ المبارك شيخنا مولانا أحمد التجاني رضي الله عنه رجل مثال للتفوق والتميز. كطفل وطالب علم وسالك صوفي وعالم ومدرس، وولي وشيخ طريقة وصاحب وزوج وأب وقريب وجار، مفخرة للمسلمين لا فقط لأهل الطريقة التجانية. ومثال يتعين علينا الاقتداء به والانكباب على دراسة حياته الغنية بالعبر والدروس.
وأعيد دعوتي لإخواني الفقراء لعقد مجالس لقراءة ودراسة ومناقشة كتاب “جواهر المعاني”، لا فقط التبرك به، وأحذر من نوع القراءة أو الشرح المتمثل في إسقاط المعاني الواردة حول مقام المشيخة، إسقاطها على المقدم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.

بقلم الأستاذ الباحث
سيدي محمد العراقي الحسيني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى