مقالات

انتشار الطريقة التجانية في السودان ـ إقليم دارفور ـ

ظهور الحركات الدينية مثل السلفية في نجد بالجزيرة العربية والسنوسية في برقة بليبيا والثورة المهدية بالسودان إلى جانب فكرة الجامعة الإسلامية والطرق الصوفية التي ظهرت في المشرق كالطريقة القادرية في العراق والطريقة الشاذلية والطريقة التجانية في الشمال الإفريقي إنما كان رد فعل للشوائب التي ألمت بالعقيدة الإسلامية (1)

وتنسب الطريقة التجانية إلي الشيخ أبى العباس احمد بن محمد ابن المختار بن سالم التجاني 1150 هـ – 1230 هـ– 1737 – 1815م والذي ولد في عين ماضي بالجزائر وقد تلقي علومه الأولى في مسقط رأسه وأتمها في فاس عام 1171هـ – 1748 م ثم رحل إلى السودان الغربي حيث أقام خمس سنوات ثم رحل إلى تلمسان ومنها ذهب إلى مكة والمدينة سنة 1186هـ – 1773م ، ومن ثمّ عاد إلى القاهرة وقد دخل في عدة طرق كما التقى ايضا الشيخ حمد بن عبدالكريم السمان في المدينة المنورة ثم عاد إلى تونس ثم تلمسان ثم فاس. وفي هذه الفترة قابل أهم تلاميذه علي حرازم بن العربي الفاسي المغربي مؤلف أهم مصادر التجانية – جواهر المعاني وبلوغ الأماني – ثم ارتحل ناحية الصحراء قرية القطب سيدي ابي سمعون ثم رحل الي توات ثم عاد إلي أبي سمعون وفيها وقع له الفتح كما يروي خليفته علي حرازم فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلقين الخلق بعد أن كان فارا منهم كما ترك الشيخ أحمد التجاني جميع ما أخذ من الطرق وعاش بعد ذلك في الصحراء حتى أشار عليه تلميذه أن يعود لفاس فجاءها سنة 1203هـ – 1798م حيث ظل فيها حتى وفاته سنة 1230هـ – 1815م وقد دفن بزاويته فيها (2) وقد وصلت الطريقة التجانية في مدها إلى غرب إفريقيا بعد أن انضم الشيخ محمد الحافظ الشنقيطي المتوفي سنة 1830م إلى التجانية على يد مؤسسها مباشرة الذي عينه مقدما وخلفه على موريتانيا وما جاورها فقام الشنقيطي بنشر الطريقة التجانية بين قبائل الشناقيط ثم وصلت إلى السنغال (3) وقد سارت التجانية في بداية أمرها على نفس أساليب القادرية في الدعوة (4) ثم تحولت إلى الجهاد بقيادة الحاج عمر الفوتي والذي يعد شخصية فذة ومن دعائم الفكر والثقافة في غرب القارة الإفريقية بل يعد المجدد الأول للطريقة التجانية في غرب القارة ومن ثم في السنغال (5) وقد اعتمد الحاج عمر الفوتي على الطريقة التجانية كمنهج عقائدي في إقامة دولة إسلامية في غرب إفريقيا (6) إلى جانب عدد من المؤلفات التي دونها (7) ومنها رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم ، والذي طبع على هامش ” جواهر المعاني ” وتنظم الطريقة التجانية أتباعها في شكل هرمي يتربع الخليفة العام على قمته ويحيط به المقدمون ومريدو الطريقة ويقوم هؤلاء بمهام التنسيق ويشرف المقدم على الأعضاء في القرى والمدن والأحياء ويتم تقسيم المدينة إلى عدد من الدوائر تضم الواحدة منها عدداً من الأتباع يتعاونون فيما بينهم ويدرسون حياة الطريقة (8) وقد أنجب الشيخ أحمد التجاني ابنين هما الخليفة محمد الكبير وقد استشهد في معركة بأم عسكر ومحمد الحبيب الذي تولى الخلافة بعد أخيه وأصبح نسله يحملون الخلافة إلى الوقت الحاضر وقد تقلد الخلافة حتى الوقت الحاضر من إنجال محمد الحبيب وهم السادة الأشراف الآتي ذكرهم :
1- محمد الحبيب بن أحمد التجاني
2- البشير بن محمد الحبيب
3- علال بن عمار بن محمد الحبيب
4- محمد الكبير بن البشير بن محمد الحبيب
5- محمود بن البشير بن محمد الحبيب
6- الطيب بن علال بن عمار بن محمد الحبيب
7- علي بن محمود بن البشير بن محمد الحبيب
8- عبدالجبار بن محمد بن علال بن عمار بن محمد الحبيب (9)
انتشرت الطريقة التجانية في السودان بعد دخولها من غرب إفريقيا ومصر (10) وبلاد المغرب مع السيد محمد بن المختار والشيخ محمد ود دوليب (11) وذلك في عام 1847 وأصبح لها عدة مراكز في دارفور وكردفان والإقليم الأوسط (12) وهنالك دور الشيخ الماحي الدارفوري الذي عمل على إدخال الطريقة في الجزء الغربي من إقليم دارفور (13)
دخول الطريقة التجانية إلى كردفان :
حضر إلى السودان الشيخ سعيد بن محمد الأمين المغربي الفاسي المشهور بمولود فال حاملا الطريقة التجانية إلى السودان وكان أول من تلقاها بالقبول والإيجاب الخليفة محمد ابن إدريس المشهور بمحمد ود دوليب بقرية خرسي بسنده المتصل من الشيخ سعيد ابن محمد الأمين عن شيخه الشيخ محمد الغالي عن الشيخ أحمد التجاني وهذه صيغة إجازة سنده .
بسم الله الرحمن الرحيم – الحمد لله الذي جعل الأولياء باب الفوز والنجاة وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيد الإرسال الهداة وعلى آله وصحبه وجميع من تبعه على الإحسان والتقاة أما بعد:
فليعلم الواقف على هذه الورقة – أني قد أجزت أخي وحبيبى في الله السيد العالم الأجل الأديب الحي التقي الوقور المحسن المتفضل الأنبل اللبيب حاوي الكرم والجود ومعدن الأمانة وتوفية العهود – الشيخ الإمام محمد الخليفة في استعمال الطريقة التجانية المثلى وفي تلقينها لكل من التزمها منه وبعد التزام الشروط .. وقد أخذتها ايضا من الشيخ العالم العلامة محمد التونسي في المسجد الحرام وهو أخذها عن الشيخ العالم العلامة إبراهيم الرياحي وهو أخذها عن الشيخ التجاني رضي الله عنه وعن الجميع .
الفقير إلى الله الغني عن كل ماسواه
سعيد بن محمد الأمين المغربي الفاسي (14)
أما الشيخ محمد بن المختار الشنقيطي المشهور بابن العالية فعند دخوله السودان زار خرسي آنذاك في طريقه إلى الحج والتقى بالخليفة محمد ودوليب ومكث معه ستة أشهر تبادلا فيها الرأي والعلم لرفع شأن الطريقة وعميم فائدتها وانتشارها بين جميع الناس وبعد ذلك ودع الخليفة متجها صوب شمال السودان واتخذ من قرية أم حراحر – مركز شندي مقرا له وعمل على نشر الطريقة والعلم والمعرفة في ذلك الجزء من السودان (15)
مركز خرسي الصوفي في شمال كردفان :
تقع خرسي في الجنوب الشرقي لمدينة بارا علي بعد ثمانية أميال – 15 كلم – وهي مقر آل دوليب ومؤسسها هو محمد ود الأحمر ومن بعده ابنه إدريس ومن بعده ابنه الخليفة محمد ود دوليب (16).
وتعد خرسي أول مركز للطريقة التجانية في السودان وقد تأسس في القرن التاسع عشر الميلادي وقام سلاطين الفور بإهداء منطقة خرسي للدواليب باعتبارها مركزاً تجارياً وتمتعت بالإعفاء من الضرائب وذلك للاستقلال السياسي لأسرة الدواليب عن ( المقدوم مسلم ) نائب سلطان الفور على كردفان ، ويمثل الشيخ محمد ود دوليب أول جيل تمثلت فيه السلطات السياسية والدينية والتجارية والتعليمية مجتمعة في غرب السودان وبعد مجيء الأتراك إلى السودان انخرط أفراد أسرة الدواليب في صفوف الحكم الجديد كما نجحت أسرة الدواليب في تدعيم مركزها وقوتها المادية والدينية في منطقة شمال كردفان مما مكنها من نشر الطريقة التجانية وسط معظم قبائل شمال كردفان الكبابيش والمجانين ودار حامد (17). وقد حصل أيضا الخليفة محمد ود دوليب على إجازة علمية من شيخه محمد البرقاوي الأزهري في العلوم العقلية والنقلية من تفسير وحديث وفقه وأصول وبيان.
وساعد ذلك على انتشار الطريقة التجانية علي يده بكردفان ودارفور والنيل الأزرق وخلف من بعده تلاميذه من العلماء في الشريعة الإسلامية والذين سلكوا طريق الدعوة إلى الله بالقدوة الحسنة والأعمال الصالحة على هدي من الله ، كما شاعت منظومته التى تذكر بأحاديث الفتن وخلفه من بعده ابنه الشيخ الدرديري ( ت : 1257 هـ ) ثم تولى الخلافة حفيده الشيخ جعفر الدرديري ( ت : 1288هـ ) ومن بعده أخوه وصنوه الشيخ الدسوقي الدرديري ( ت : 1401هـ ) وانتقلت الخلافة إلى الشيخ الدرديري الدسوقي ثم إلى ابنه جعفر.
وعند مازار السيد ابن عمر حفيد الشيخ أحمد التجاني السودان عام 1951م زار منطقة خرسي ومكث بها عدة أيام وكتب بخط يده مانصه ( لمعلومية جميع المقدمين والمريدين بالقطر السوداني أن الشيخ جعفر الدرديري محمد الخليفة ولد دوليب في المكانة الخاصة لدينا لما له ولأسلافه من الأخذ بين المسلمين وإرشادهم إلى الطريق إلى الله عز وجل فاعرفوا له مكانته فمن أحبه فقد أحبنا ومن أطاعه فقد أطاعنا فهو منا وإلينا (18). ويمكن النظر لدور مركز خرسي الصوفي في محور يبين على هذا النحو:
أولا : في المجال التعليمي :
الحرفة الرئيسية لسكان خرسي هي الزراعة وتربية الإبل وقد نهض مركز خرسي بالمهام التعليمية لسكان المنطقة وقديما أقام الخليفة محمد وددوليب في العهد التركي معهده الذي كان يهتم بتحفيظ القرآن وتدريس الفقه واللغة والحديث وكانت صلته مباشرة بالأزهر الشريف وكانت الفتوى متبادلة بينه وبين الأزهر في كثير من الأمور الفقهية في أيام الشيخ عليش وقد تخرج فيه عدد من علماء البلاد (19)
وبدأت مظاهر تحديث خرسي في عهد الخليفة الدسوقي ببناء مسجد خرسي ومنزل الخليفة وأدخلت الكهرباء وقد واصل الخليفة الدرديري ما قام به والده فجدد محمد ود دوليب بخرسي وبني المركز الصحي بها ليقدم الخدمات الصحية اللازمة لجميع المواطنين في خرسي وماحولها من القرى وقد دفع الشيخ جعفر تلك الجهود فنظم المحاضرات لرفع الوعي التعليمي ونشط في تدريس الفقه (20) إلى جانب الاهتمام بالمدرسة الأساسية التي توجد في القرية مما يوضح مساهمة هذا المركز الصوفي في العملية التعليمية باتجاه التغيير الاجتماعي في قرى كردفان (21)
ثانيا : في مجال نشر الطريقة التجانية :
قام مركز خرسي الصوفي بدور مهم في نشر الطريقة التجانية في كردفان على هذا النحو:
– انتشرت الطريقة التجانية في مناطق سودري ومن أهم العلماء الذين نشروها الشيخ محمود موسى ومعه عدد من المقدمين من أنحاء المنطقة (22).
– كما وصلت الطريقة التجانية إلى منطقة السميح منذ بداية عام 1950 م على يد الشيخ عبدالرحمن محمد فضل الله وخليفته إدريس أحمد وقد تأثرت هذه المنطقة بالمد الصوفي التجاني وهنالك مناطق مجاورة لمركز السميح تدين بالولاء للطريقة التجانية – الله كريم والعمارة الشيخ حامد هشابة – وتنتشر هذه الطريقة في داخل السميح ولها عدة زوايا بالحي الشرقي – مسجد حي فلاتة وزاوية حاج النور – ولها عدد من المريدين بالحي الأوسط والغربي وقد نهض أفراد الطريقة في التعاون في بناء المسجد الكبير في السميح (23) .
– أما في مناطق دار حامد في قرية طيبة الزعيتير فقد انتشرت الطريقة التجانية بواسطة الشيخ أحمد إبراهيم زعيتير والذي كان طالبا للعلم في خرسي (24).
– كما انتشرت الطريقة التجانية وسط قبائل الجوامعة في منطقة الرهد وذلك عندما دخل الشيخ أحمد البدوي على يد الشيخ الدرديري بن محمد دوليب في الطريقة التجانيةعام 1920م مما أدى لاتساع وانتشار الطريقة التجانية في هذه المنطقة من شمال كردفان(25)
– ساهم مركز خرسي في نشر الطريقة التجانية في منطقة المزروب حاضرة دار المجانين وهنالك علاقات اجتماعية متبادلة بين شيوخ خرسي وآل جمعة سهل ساهمت بدورها في انتماء معظم أفراد هذه القبيلة للطريقة التجانية (26).
– كما ساهم مركز خرسي في نشر الطريقة التجانية في شرق كردفان في منطقة ام روابة بواسطة الشيخ الدرديري محمد حمد السيد وأسلافه وهم من أسرة آل دوليب شيوخ خرسي وقد نتج عن ذلك تأسيس خلوة التجانية في داخل مدينة أم روابة منذ عام 1915م (27).
– ساهم شيوخ الطريقة التجانية في الهداية الربانية في مناطق شمال غرب كالوقي في جنوب كردفان ونتج عن ذلك وجود مؤسسة تعليمية محلية ( تقابة ) الفكي الحسين باريو التجاني كما هاجر عدد من علماء المنطقة إلى خرسى لدراسة العلوم الدينية والانتماء إلى الطريقة التجانية ثم عادوا إلى مناطق شرق كالوقي في قرى قدير والروصيرص وأم الشيخ والجرادة والسانية ونشروا فيها تعاليم التصوف مما ساهم في التواصل الاجتماعي مع سكان المنطقة مع قبائل النوبا ونتج عن ذلك دور الطريقة في السلام الاجتماعي في تلك الفترة من تاريخ جنوب كردفان (28)
– كما امتد مركز خرسي وترك أثره في انتشار الطريقة التجانية في غرب كردفان بواسطة الشيخ الشريف حسين والذي ترك أثره الواضح في مناطق أبوزبد وله زاوية يتولى أحد أحفاده قيادتها وفي مناطق الأضية والتي تأسست زاويتها في عام 1947م بجانب زوايا أخرى تأسست علي يد الشيخ محمود حسن والذي خلفه ابنه محمد زين. وقد ترك الشريف حسين أثره الواضح على قبائل الحمر والشويحات والبديرية والهوسا والفولاني والمسيرية في مناطق لقاوة مما ساعد على التكامل والتواصل الاجتماعي وبصفة خاصة في مدينة ( أبوزبد ) (29) حتى أن سكانها خلدوا السلام الاجتماعي وسهولة العيش في هذه الفترة بقولهم في أمثالهم المحلية ” ابوزبد المرين خريف بقاره وصيف أم سعين كان ترضي كان تابي تأكل روابة ” ونتج عن ذلك انتشار الحركة التجارية في هذه المنطقة ( 30 )
مركز أم سعدون الشريف الصوفي التجاني :
نشأت قرية أم سعدون الشريف على يد الشيخ الشريف عبدالمنعم بعد أن أخذ أذنا من الناظر محمد تمساح ناظر عموم دار حامد وذلك في عام 1917م(31) ويتكون التركيب السكاني للقرية من قبيلة الهابين ويطلق عليها محليا ” دار حامد ” وهي قبيلة عربية هاجرت من شمال البلاد واستقرت وسط كردفان في منطقة بارا وباديتها وهم عرب رحل ومستقرون ويرعون الإبل والأغنام ومنها تتفرغ قبائل الجليدان والعريفية وبني جرار والمجانين والغبشان (32).
وتوفي الشريف عبدالمنعم أحمد عام 1935م ودفن بأم سعدون وخلفه ابنه الشريف إبراهيم والذي خلفه ابنه الشريف عبدالحليم وقد أسس الشريف عبدالمنعم خلوة في أم سعدون(33) وواصل أحفاده تأسيس المؤسسات الاجتماعية في المنطقة وهي المدرسة والمركز الصحي ومركز تنمية المرأة الريفية ومركز محو الأمية وبناء المساجد والخلوات في كثير من القرى المجاورة (34).
يضاف إلى ذلك امتياز مركز أم سعدون الشريف بعلو سند مؤسسه الشيخ الشريف عبدالمنعم في الطريقة التجانية إذ أخذ الطريقة التجانية عن الشيخ محمد الغالي – شيخ الحاج عمر الفوتي – الذي أخذ الطريقة التجانية مباشرة على يد الشيخ أحمد التجاني ومن أهم تلاميذ الشيخ الشريف عبدالمنعم الشيخ عبدالله آدم والذي أسس مركزا للطريقة التجانية في قرية أم كثيرة – غرب الجفيل – في عام 1924م وظل ينشر رسالة الطريقة التجانية حتى وسط بعض المثقفين من داخل مدينة الأبيض وقد ظل مركز أم كثيرة يؤدي دوره الصوفي حتي هجرة الشيخ عبدالله إلى داخل مدينة الأبيض وتأسيس منزله بالقرب من مسجد عين ماضي في حي القلعة جنوب بمدينة الأبيض ويقوم كثير من الأشراف وعلماء التجانية بزيارته في كردفان (35).
دور غرب افريقيا في نشر الطريقة التجانية في كردفان :
انتشرت الطريقة التجانية وازدهرت تحت رعاية المجموعات الإفريقية في منطقة البرداب – شمال كادوقلي (36) كما قام الشيخ عمر آدم عمر الفولاني ( 1910 – 1989م)ببناء المساجد والخلوات ودور المؤسسات وإمامة المسجد الكبير في مدينة ( أبوجبيهة ) إلى جانب قيامه بإنفاق الأموال للفقراء والمساكين ونتج عن ذلك انتشار الطريقة التجانية والتواصل الاجتماعي وسط قبائل جنوب كردفان وبصفة خاصة وسط قبائل الفولاني وكنانة وأولاد حميد (37) كما انتشرت الطريقة التجانية في شمال كردفان في منطقة شركيلا بواسطة الشيخ إسماعيل محمد منقة وقد هاجر هذا الشيخ وأخوه أحمد من شمال نيجيريا بهدف الحج وزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذ في تلقي العلم في الحجاز وقد أخذ الطريقة التجانية على يد الشيخ محمد الحافظ المصري أثناء زيارته لمنطقة أم روابة عام 1946م وجددها على يد حفيد الشيخ التجاني السيد ابن عمر في طوافه بكردفان وقد ظل أماما لجامع شركيلا لمدة نصف قرن من الزمان وساهم في الدعوة الإسلامية في جبال النوبا (38) .
كما ساهم الشريف أحمد حماه الله في نشر الطريقة التجانية في كردفان وكان ميلاده في الجنوب الموريتاني عام 1928م في بيت علم ودين وتنقل في صباه بين تمبكتو وفاس مصاحبا لأبيه حماه الله بن عبدالمؤمن والذي كان من كبار العلماء في البلاد وقد تربى الشيخ الشريف أحمد حماه الله وسط إخوته عبدالرحمن وسعيد وسعد وموسى والتجاني وأخواته زينب وأم كلثوم وأمه وكان واسطة هذا العقد أما والدته حفصه بن موسى فكانت تعلم النساء والأطفال ثم هاجرت أسرته إلى مدينة تمبكتو بجمهورية مالي في عام 1944م وقضى فيها بقية شبابه ثم سافر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج وأخذ بعد ذلك الطريقة التجانية عن الشيخ الشريف محمد الأخضر وعاد بعد الحج ودخل إلى كردفان ناشرا الطريقة التجانية في كل من بارا وأم بادر وفي دار حمر حيث طاف بها في مناطق أم بل – ريفي ود بندة – وفوجه والنهود ثم استقر في حي البترول بمدينة الأبيض وقد عرف بتقواه وزهده وطيب معشره (39)
وهناك دوافع دينية واقتصادية وسياسية ساعدت على هذه الهجرات من غرب إفريقيا وأثرت على الأوضاع السكانية والاقتصادية والاجتماعية ونتج عنها التوطن والاستقرار في السودان والاختلاط الاجتماعي في الزواج (40) مثلما حدث في دار حمر بين مهاجرين من غرب إفريقيا وأسر حمرية معروفة في النهود وبين مهاجرين وبادية حمر الذين اعتادوا تمضية فصل الصيف – الدمر – حول آبار النهود (41).
كما هاجر الشريف الزبال من غرب إفريقيا واشتهر بالكرامات وهو من أوائل العلماء الذين أدخلوا الطريقة التجانية في النهود سنة 1860م ودفن في مدينة النهود في مقبرة عرفت باسمه تقع جنوب شرق المدينة وله حي باسم الشريف الزبال غالبية سكانه من الفلاتا(42)..
إلى جانب هؤلاء هنالك العمدة عبدالله – عمدة البرداب – وكان من علماء التجانية وكان عالما وفقيها وإماما لمسجدها وألف كتابا في الزراعة استنبطه من القرآن الكريم والاحاديث النبوية وحث الجميع على العمل الزراعي والاستقرار في الأرض كما ظهر العالم يوسف محمد اسحق البرناوي والشيخ شعيب محمد إبراهيم والشيخ موسي عثمان محمد وهما من الهوسا وتجلت أثارهم في الاهتمام بتعاليم الطريقة التجانية والقيام بمهام التعليم والإمامة في المساجد (13) كما يوجد الشيخ يحيى موسى محمد آدم الفولاني وقد أسس عدداً من المدارس والمساجد والخلوات ومركزاً صحياً في جنوب كردفان (44) مما يكشف عن أثر غرب إفريقيا على الخارطة الروحية لكردفان ويبين التواصل الاجتماعي الذي قامت به الطريقة التجانية من غرب إفريقيا إلى كردفان.
يلاحظ الفاتح النور في كتابه ( التجانية والمستقبل ) بأن الطريقة التجانية قبيل الاستقلال – كانت تمثل قمة الوجود الاجتماعي والاقتصادي في حياة مدينة الأبيض حاضرة كردفان(45)
هذه الملاحظة تنطبق بصفة خاصة على شمال كردفان أما جنوب كردفان فقد عانت من آثار السياسة البريطانية تجاه الوضع الديني (46) أما في غرب كردفان فرغم دخول الطريقة التجانية إلى مدينة الفولة قبيل الاستقلال (47) إلا أن المد الصوفي التجاني وخاصة في دار حمر قد ازداد في الفترة المعاصرة (48) .
إذا ماهي العوامل وراء وجود الطريقة التجانية في قيادة السلم الاجتماعي في شمال كردفان في هذه الفترة ؟ هنالك عدة أسباب قادت لنجاح الطريقة التجانية في قيادة الخارطة الروحية والتواصل الاجتماعي في كردفان على هذا النحو :
زيارات أحفاد الشيخ سيدي أحمد التجاني وبصفة خاصة زيارة السيد ابن عمر فقد طاف السيد معظم أرجاء إفريقيا ناشرا الطريقة التجانية ومناصرا القضية الجزائرية (49) وكانت زيارته للسودان في عام 1950م ونتج عن ذلك زيادة عدد زواياها حتي بلغت في الأبيض في شمال كردفان اثنتين وأربعين زاوية ومما يدل علي الأثر الاجتماعي لهذه الزيارة أنه منذ عام 1950م وحتي الوقت الحاضر – ما من بيت تجاني في كردفان أو السودان إلا وبه شخص أو أكثر يحمل اسم – ابن عمر – تبركا وتخليدا واثرا لتلك الزيارة .(50)
كما نجح الشيخ محمد الحافظ المصري في الرد على الانتقادات الموجهة ضد الطريقة التجانية وبين أن تعاليمها مستمدة من تعاليم الإسلام وأنها من التصوف السني وقد حصر الخلاف التجاني – الوهابي الذي كان من الموضوعات الساخنة في الفترة ( 1930- 1940 م) حصره في زيارة المقابر والصلاة على الرسول صلي الله عليه وسلم (51) وقد قام بدور مهم في بعث الطريقة التجانية في السودان بصفة عامة وكردفان خاصة من خلال اليات التواصل الاجتماعي الآتية :
– زياراته المتعددة للسودان والتي بلغت خمس زيارات (52)
– تأليفه أكثر من أربعين كتابا ورسالة بجانب إصداره مجلة طريق الحق عام 1951م وكان هو رئيس تحريرها وصارت هذه الدورية هي لسان الطريقة بجانب نشرها لمقالات إسلامية عامة (53)
وإلى جانب ذلك بعد دخول النظم الرأسمالية دخلت الصوفية قيم جديدة فبدلا من الزهد والتقشف أصبح الحديث عن وجوب العمل والتمتع بطيبات الرزق كحسن المأكل وحسن المشرب وظهر هذا بوضوح في أدبيات الختمية والتجانية(54) لكن الدعوة للموازنة بين الدنيا والآخرة ليست اتجاها راسماليا في التفكير الصوفي وكذلك الدعوة للعمل وإنما هي اتجاه أصيل في الفكر الصوفي المنضبط بالكتاب والسنة (55) إلى جانب أن الطريقة التجانية تدعو إلى الانفراد بشيخ واحد أو أن أخذ العهد يكون لمرة واحدة (56) وما يأتي من محاولات بعد ذلك يعرف باسم ( التجديد ) كما أن النهج المتطور والنزعة التحررية للطريقة التجانية أكسبها وجودا مقدرا في المدن السودانية(57) كما أن الشيخ محمد الأمين القرشي كان بفضل الطريقة التجانية لمن أسلم من النوبا (58) خاصة وأن الشيخ خليل محمد أحد شيوخ الطريقة كان قد عاونه في مشروعه الدعوي في جنوب كردفان(59)
دور العلماء في كردفان في نشر الطريقة التجانية :
ينقسم علماء كردفان والذين ساهموا في نشر الطريقة التجانية إلى نوعين على هذا النحو :
– نوع أثر فى مدينة الأبيض وعلى المناطق الحضرية في أجزاء أخرى من كردفان
– نوع أثر فى المناطق الريفية وعلى البادية.
أولا : التأثير فى المناطق الحضرية :
قام علماء كردفان بدور مهم في نشر الطريقة التجانية ومن أبرزهم الشيخ موسى عبدالمجيد الزين الحرافي وكان ميلاده عام 1905 بقرية ” الزريقة القيزان ” بمنطقة أم روابة وقد حفظ القرآن وهو في السادسة من عمره وتعلم حرفة الصياغة ثم هاجر لطلب العلم في مناطق النيل الأبيض – أم جر – الكريدة – الدويم – ثم عاد إلى كردفان وقصد مناطق دار حامد للعمل التجاري واستقر نهائيا بالأبيض عام 1931م
وعند افتتاح محمد مسجد الأبيض الكبير عام 1932 م واصل في طلب العلم علي يد الشيخ عبدالباقي أبو ودخل في الطريقة التجانية على يد أحد علماء شنقيط – محمد السالك بن حي الحسين التجاني – وجددها علي يد الشيخ عبدالرحيم الرشيد من منطقة الفرجاب وعلى يد الشريف عبدالمنعم بأم سعدون وعلى الشيخ عبدالله آدم بقرية – أم كثيرة .
وللمعرفة العلمية التي ألم بها لقب بمفتي الأبيض ومفتي كردفان وشيخ علماء كردفان ويعد موسوعة في الإدارة الأهلية وامتاز بالتواصل الاجتماعي مع كل سكان مدينة الأبيض وقد أسس مكتبة عامرة في مختلف مجالات المعرفة بما فيها الفلسفات الغربية من ماركسية ووجودية لكي يرد بها على معارضيه وله دور واضح في انتشار الطريقة التجانية في مدينة الأبيض حتي وفاته 1995 (60) كما ساهم الشريف محمد طه التجاني في نشر الطريقة التجانية في مدينة الأبيض وقد هاجر إليها من المتمة في شمال السودان وأخذ الطريقة التجانية عن الشيخ محمد خير الدوش واهتم بالعمل التجاري ونشر رسالة التصوف (61). ومن علماء كردفان الذين نشروا الطريقة التجانية وساهموا في بعثها في هذه الفترة العالم عبدالباقي أبو وقد أخذ الطريقة التجانية أول مرة على الشيخ عبدالعزيز أبوقرة أحد تلاميذ الشريف محمد الغالي وجددها بعد ذلك علي يد الشريف عبدالمنعم بأم سعدون والخليفة الدرديري بخرسي والفا هاشم بالمدينة المنورة والسيد ابن عمر أثناء زيارته للسودان واستقر بمدينة الابيض ومنذ سبعين عاما وزاوية الشيخ عبدالباقي التي أصبحت الآن مسجدا فخما لم تخمد فيها نار القرآن وحلقات العلم وحلقات الذكر في الطريقة التجانية (62)
وقد خلفه ابنه الشيخ محمد صالح عبدالباقي والذي ولد في عام 1930م بمدينة الأبيض – حي القبة غرب – ودخل الطريقة التجانية عام 1949م على يد والده وجدد على يد السيد ابن عمر ودرس بمدينة الأبيض مدرسة البوليس – سابقا – وأكمل بقية تعليمه على يد والده في الخلوة وحفظ فيها القرآن الكريم وأسس المسجد الذي يسمى– جامع العالم عبدالباقي – عام 1961م وهو خطيب هذا الجامع وله عدد من الأولاد وهم : محمد المختار ، محمد أحمد ، عبدالجليل ، محمد الحافظ ، محمد الحبيب ، محمد الجزولي ، ويعمل بنشاط لنشر الطريقة التجانية في مدينة الأبيض (63)
كما عمل أبناء الشريف عبدالمنعم على نشر الطريقة التجانية في شمال كردفان في هذه الفترة ومن أبرزهم : الشيخ محمد الشريف عبدالمنعم وعبدالمعطي الشريف عبدالمنعم وكان ميلادهما في قرية أم سعدون الشريف وانتقلا إلى مدينة الأبيض ولهما خلوة وزاوية لتدريس أسس الطريقة التجانية ويعملان بنشاط في نشر الطريقة التجانية حفاظا على ماورثاه من والدهم والذي كان من المؤثرين في دخول الطريقة التجانية إلى إقليم كردفان ويسكنان الأبيض حي الشويحات شرق سوق الجمعة(64).
وتجمع الروايات الشفهية(*) على أن الشيخ محمد جديد أحمد يعد مؤسس النهضة العلمية الدينية في مدينة النهود ، بدأ في نشر العلم بمدينة النهود بمنزله عام 1949م ثم نقلت الحلقة إلى المسجد العتيق و إلى جانب ذلك امتهن الزراعة في فصل الخريف في قرية ( أبومكينة ) المجاورة لمدينة النهود وقد نال سكانها من علمه الكثير مما يدل على التواصل الاجتماعي بين المدينة والريف بحركة الشيخ محمد جديد والذي كان شيخا للطريقة التجانية وقد سلك عليه الكثير من الطلاب ممن جمع بين العلم والتصوف في منطقة النهود في غرب كردفان و إلى جانب العمل الزراعي كان يعطى إعانة بسيطة من قبل الفضائية ومع ذلك كان الطلاب يسكنون معه في منزله ويتكفل بسكنهم وطعامهم وشرابهم ودراستهم في الزاوية ويساعده الطلاب في العمل الزراعي (65) مما يوضح أحدى صور التواصل الاجتماعي الذي قامت به الطريقة التجانية في غرب كردفان وساهم في نشر الطريقة التجانية في مدينة النهود الشيخ عباس الفكي علي وينتمى الي الجعليين في جبل أم علي وكان ميلاده في عام 1910م بأبي زبد وحفظ القرآن الكريم بخلوة الشريف حسين ثم التحق بمدرسة النهود الشرقية الأولية سنة 1918م عند انتقال أسرته إلى النهود وتلقى تعليمه الديني عند الشيخ محمد جديد وقد أظهر ذكاء خارقا حتى أن الشيخ اطلق عليه لقب ( الذهب المجمر ) ثم هاجر إلى أم درمان ودرس على يد الشيخ عبدالعزيز الدباغ ثم عاد ودرس اللغة العربية عند الشيخ أحمد يعقوب الأزهري.
وقد أسس منزلا خاصا بالنهود للطلاب الوافدين للمدينة وكان يهتم به كثيرا وأسس مسجدا بحي أبوجلوف ، ويعد من المؤسسين لمعهد النهود العلمي وساهم في قيام مدرسة النهود الأهلية ومدرسة محمد أحمد الحاج الثانوية للبنات إلى جانب رئاسة دار الثقافة الإسلامية وتأسيس جمعية حي الشايقية التعاونية ورئيس صاغة الذهب وعضوا في أندية السلام وحيدوب والهلال بالإضافة لنشاطه في نشر الطريقة التجانية حتي وفاته عام 1994م (66).
ثانيا : التأثير فى المناطق الريفية والبادية :
ساهم العالم عبدالجبار وابنه عبدالهادي في نشر الطريقة التجانية في غرب كردفان فى مناطق أبوزبد والسعاتة ولقاوة وقد وصف العالم عبدالجبار بالموسوعية العلمية وقد هاجر من شمال السودان إلى هذه المناطق ثم هاجر من أبي زبد وأصهر إلى أهل قرية أم جدادة العركيين (67) بالقرب من غبيش – مما أدى لتحول أهل القرية من الطريقة القادرية إلى الطريقة التجانية وأنجب في هذه المنطقة ابنه عبدالهادي الذي كان أول مدير لمدرسة أبوزبدالأولية وتولى منصب إمامة مسجد أبوزبد العتيق عام 1916م وقد عرف عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل محيط المدينة (68)إلى جانب صلاته الاجتماعية بالمجتمع المحلي مما ساعد على انتشار الطريقة التجانية في هذه المناطق الريفية في تلك الفترة .
وبرز في مناطق لقاوة الشيخ أحمد العباس والذي ساهم في تأسيس مسجدها بالمواد الثابتة عام 1966م وفتح زاوية للطريقة التجانية في داخل لقاوة ساهمت في نشر الطريقة التجانية في بادية المسيرية ووسط قبائل ( كمدة ) في منطقة الجبال الغربية مما أدى لتعميق التحالفات والتواصل الاجتماعي وسط سكان المنطقة تحت هذه الخارطة الروحية .
أما الشيخ الضيف فله دور وأثر بارز تردده الروايات الشفهية في العمل الدعوي في مناطق الجبال الغربية ونشر الطريقة التجانية وسط بادية المسيرية ثم استقر في أبي زبد وقد عرف عنه إجابة الدعاء مما ساهم في رسم الخارطة الروحية في هذه المناطق(69)
وقام مركز أم سعدون الصوفي التجاني بدور بارز في انتشار الطريقة التجانية حول أم كريدم وباديتها لنشاط الشريف عبدالمنعم وأبنائه وأحفاده إبراهيم والشريف الجد وتركت الطريقة التجانية معالمها في المنطقة مثل الزاوية التجانية بالحي الغربي وخلوة الأحفاد في الحي الشمالي (70) مما نتج عنه قيام الطريقة التجانية في الإسهام في آليات فض النزاع في هذه المنطقة مما ساعد علي التواصل الاجتماعي في كردفان .
وقد ظهر دور الشريف السالك في منطقة المزروب وباديتها وقد أصهر إلى أهلها مما أدى إلى انتشار الطريقة التجانية وقد وصفته الروايات المحلية بأنه كان بحرا تشد إليه الرحال لأخذ الفتوى ) وكان يقيم في بداية أمر بقرية أم حصحاص في مسيدها بقيادة الشيخ محمد صالح غرب المزروب ثم هاجر من هذه المنطقة إلى قرية الطيب التي تبعد حوالي 5 كلم وقابل في هذه المنطقة ود الزاكي أحد علماء الدين وقد جاء من مناطق النيل الأبيض وظل معهم لتدريس الفقه ثم هاجر إلى داخل المزروب وظل على صلاته بالبادية لتدريس القرآن الكريم ونشر الطريقة التجانية (71) وظل على ذلك حتى وفاته عام 1982(72) حتي قال عنه بعضهم :
الســالــك الأواب ســفــر نــبــــــوة

نسم أفاض بطيب غرب زاخر (73)
أما الشيخ حمد آدم الطبيب الصافي فكان ميلاده في دارفور في قرية ” أوقر – ريفي اللعيت ” في عام 1911م وأخذ الطريقة التجانية عن الشيخ محمد المختار الشنقيطي وهو عن سيدي محمد الغالي وهو عن سيدي محمد الكبير عن سيدي أحمد بن محمد التجاني ومن أشهر تلاميذه : احمد محمد تاجر والشيخ عثمان سليمان ابكر وأحمد محمد صالح ومحمد زين وقد ساهم في تدريس القرآن وحلقات محو الأمية وتعليم الكبار وإمامة مسجد حامية الأضية واشتهر بالوعظ والإرشاد ومداومة الذكر وتلاوة القرآن والإحسان للفقراء والمساكين وكثرة شد الرحال إلى بيت الله الحرام ولاسيما المدينة المنورة لزيارة المصطفي صلى الله عليه وسلم وظل على ذلك حتى وفاته عام 1993م (74) وله أثره الواضح في رسم الخارطة الروحية في مناطق الأضية وباديتها .
خاتمة :
قامت الطريقة التجانية بدور بارز في التواصل الاجتماعي في إفريقيا وخاصة في كردفان التي يمكن وصفها بأنها سودان مصغر علي غرار أن السودان إفريقيا مصغرة وإلى جانب محاور الإمامة والتعليم ونشر العلم فإن هنالك مظاهر أخرى جسدت دور الطريقة التجانية في رسم الخارطة الروحية والتواصل الاجتماعي مع إفريقيا على هذا النحو :
– الاهتمام بتاسيس المراكز الريفية (**) ومثال ذلك تأسيس قريتي أم قريقير في شمال كردفان والتي تتبع لآل الشيخ عبدالرحمن المختاري والدبيبيات – أولاد يونس ” في جنوب كردفان بواسطة الشيخ يونس عبدالرحمن أحمد (75).
– الاهتمام بالمرأة (***) حيث قدم الشيخ محمد الحافظ المصري عدداً من النساء مما يوضح دور المرأة في خدمة الطريقة التجانية ومن أبرزهن الشيخة أمينة – زوجة الفاتح النور – والحاجة فاطمة محمد دفع الله ابنة ناظر المسيرية الزرق وكانت تستوطن في حي القبة بمدينة الأبيض (76) كما أن أغلب نساء آل دوليب أخذن الطريقة التجانية (77)
– اهتمام بعض شيوخ التجانية بالطب والتداوي بالقرآن حيث برع في هذا المجال العديد من أتباع الطريقة التجانية خاصة أولئك الذين ينتمون لقبائل البرقو في مناطق الشريط الرملي بجنوب كردفان ، أمثال الشيخ بركة حسين وهارون فضل الله والفكي عباس بالإضافة للفكي محمد الخير داود من التكارير بأم سعدة والفكي علي الفولاني وقد تداوي الكثيرون من أصحاب الأمراض العقلية علي أيديهم(78)
– كما شكلت مراكز التجانية ملاذات آمنة يلجأ إليها الناس عند حدوث الكوارث والأوبئة وخاصة عند شح الأمطار ونزول الأوبئة والآفات في مناطق الشريط الرملي في جنوب كردفان بالإضافة لدور الطريقة التجانية في إصلاح ذات البين بين الناس في هذه المناطق بفضل مركزها الاجتماعي القوي .
– الاهتمام بالبدو والبادية ويظهر ذلك في علاقة مركز خرسي بالبادية الكردفانية إذ له علاقة مع أولاد نواي في سودري وجدهم الشيخ صالح أبوحنك رغم أنه كان أميا إلا أنه تميز بحفظ فتاوي ود دوليب وقد حفظت ذريته القرآن الكريم ولذلك أسس لهم الخليفة الدرديري خلوة ثم ازدادت إلى اربع خلوات في عهد الخليفة جعفر ولهم طلاب في معهد ود دوليب بخرسي كما أن لمركز خرسي علاقة بإمارة الشنابلة وعلاقة بالفراحنة (79) . مما يؤدي لامتداد المؤثرات الصوفية التجانية إلى بادية كردفان ولعل اهتمام مركز خرسي الصوفي بالبادية يتفق مع النداءات التي ترتفع اليوم بالرجوع إلى البساطة البدوية التي هي الحل المنقذ من مرضى العصر الحديث :التراخي والأنانية والعلاج لهاتين المشكلتين يكمن في البداوة المتجردة – المحبة وهي السلاح لإنقاذ إنسان الحضارة من تراخيه وأنانيته (80)
ولعل دور الطريقة التجانية في التواصل الاجتماعي في إفريقيا يكشف عن وصول أفكار الشيخ إبراهيم انياس السنغالي عبر نيجيريا وبحيرة الشط – شاد – ودارفور إلى غرب كردفان في شكل بعض العلماء ومخطوطات (81) توضح أنه بالإضافة لحركية شيوخ الطريقة التجانية وأدبهم الشفاهي إلا أنهم قد خاطبوا المجتمع في كردفان وأتباعهم بأدلة مكتوبة إذ إنه كما يقال ليس هنالك دال بدون مدلول .

 


د. ابن عمر عمر عبيدالله
جامعة كردفان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى