مقالات

بداية الحركة الوهابية 2/ 2 ( 1154-1233 ) ذ:محمد المهدي الكنسوسي

بداية الحركة الوهابية

2/ 2

11541233

محمد المهدي الكنسوسي

 

أشرنا في المقال السابق، أن العهد السليماني بالمغرب 1206ــ 1238 ، عرف ظهور حركات دينية إصلاحية محلية ومستوردة من المشرق. أما المحلية فهي الطريقة التجانية و الطريقة الدرقاوية و المستوردة هي الوهابية. و كلها تنتسب إلى السنة و الجماعة.

أما الحركة الأولى المنسوبة للشيخ سيدي احمد التجاني الحسني (1150ــ 1230 / 1736ــ 1815) لم يكن لمؤسسها أي تطلع سياسي، حسب ما وصلنا من الأخبار. و لم يظهر تطلعها السياسي إلا على يد مريد تجاني من إفريقيا الغربية الحاج عمر الفوتي (1212ــ 1280/ 1797ــ 1864) نسبة إلى منطقة  فوتى طورو بدولة مالي حاليا. وهذا الرجل عالم كبير له مؤلفات عدة في الفقه و التصوف  منتسب للطريقة التجانية، وهو من الجيل الثالث، إذ أجازه بالحجاز خليفة الشيخ التجاني محمد الغالي بوطالب المكناسي  المتوفى بمكة سنة 1245ــ 1830. فلما عاد إلى بلده أنشأ دولة تعمل على نشر الإسلام السني المالكي بغرب إفريقيا في القبائل الوثنية و يحارب الاستعمار الفرنسي الذي وضع قدمه بتلك المنطقة.

والحركة الثانية فتنسب إلى الشيخ مولاي العربي الدرقاوي الإدريسي الحسني( 1159ــ 1239/ 1745ــ 1825)، حركته الصوفية ذات جذور جزولية شاذلية، عرفت انتشارا كبيرا في المغرب و الجزائر. وكان لأتباعه بغرب الجزائر مواقف معارضة لتصرفات البايات الخاضعين لحكم الخليفة العثماني و عدم وقوفهم عند الحدود المحدودة و عدم التزامهم بالأحكام الشرعية و البغي على الرعية. وقد أدت بهم هذه المعارضة إلى إشهار انفصالهم عن الخليفة و الرغبة في مبايعة سلطان المغرب، لكن مولاي سليمان رفض هذا التوجه و طلب من مولاي العربي أن يعمل على تهدئة أتباعه إرضاء للدولة العلية، لكن الشيخ الدرقاوي رفض و أصر على انضمام وهران و تلمسان للمغرب. فكان ذلك هو السبب في دخوله السجن. و سنعود في مقالات لاحقة للحديث بتفصيل عن هاتين الحركتين و إظهار أوجه التقارب  والاختلاف بينهما.

أما الحركة الثالثة المنسوبة لمؤسسها محمد بن عبد الوهاب النجدي، التي تعرضنا في المقال السابق لبدايتها، كانت منزوية في صحراء نجد و العسير ثم اتسعت رقعة نفوذها إلى أن وضع أنصارها اليد على الحجاز، ثم اندحرت على يد الجيش العثماني الذي بعث به محمد علي خديوي مصر.

والدعوة الوهابية حركة سياسية اتخذت شكلا دينيا تزعمها محمد بن عبد الوهاب(1115ــ 1206)،  و شايعها كثيرون، يقال عنها أنها نقلت فكر ابن تيمية من النظرية إلى التطبيق. وكان شعار هذه الحركة التوحيد الخالص و نبذ البدع و تحطيم ما علِق بالإسلام من أوهام كناية على ما يدعيه الصوفية من علوم إشراقية و تقديس الوسائط، كالأولياء،بل حتى النبي صلى الله عليه و سلم، إذ لا واسطة بين الخالق و المخلوقات حسب زعمهم.

يُلقب أتباع ابن عبد الوهاب أنفسهم بأهل التوحيد و الحنابلة والسلفيين والموحدين. ويسميهم خصومهم بالمتسلفين وبالوهابيين نسبة إلى حامل لوائهم ولعدم أحقيتهم بالانفراد بنعت التوحيد و السير بمفردهم على نهج السلف الصالح. وهذه التسمية هي الشائعة.و لشيخ هذه الطائفة مؤلفات أشهرها كتاب التوحيد ورسالة كشف الشبهات. والظاهر أن ابن عبد الوهاب درس في نشأته الفلسفة و التصوف و اطلع بالبصرة على الطقوس الشيعية، فأنكر ذلك و  ناصب أهله العداء تحت تأثير كتب ابن تيمية و ابن القيم والحافظ الذهبي و ابن كثير.

كما أشرنا أن الأمير عبد الله بن سعود و رفيقه عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، لما بسطا يدهما على الحجاز، بعثا برسائل لجميع الأقطار الإسلامية يطلبان من العلماء و الأمراء الانضمام لدعوتهما. فأجابه علماء المغرب بأجوبة عدة، من أشهرها هذه الرسالة الجوابية التي كتبها شيخ الجماعة بفاس في زمانه العلامة الطيب  بن عبد المجيد بنكيران ( 1172ــ 1227 / 1785ــ 1812). و هو من أئمة المالكية و العلماء الأشاعرة. و هو كذلك من المحدثين و المشهورين بالباع الطويل في علم التفسير . و قد ذكر الشيخ عبد القادر الكوهن  في فهرسته مؤلفات الشيخ الطيب بنكيران و هي تنيف على الأربعين كتابا و رسالة.

وقد حمل رسالة السلطان إلى أمير الحجاز وفدا برآسة ولده و ولي عهده مولاي إبراهيم سنة 1226 الموافق لسنة 1811. ورافقه جماعة من أعيان علماء المغرب و هم السفير سيدي حمدون بلحاج و قاضي مراكش الفقيه  محمد بن إبراهيم الزداغي وقاضي فاس عباس بنكيران ومؤقت مسجد الأشراف بفاس عبد الخالق لودييي والفقيه محمد الأمين بن جعفر  الرتبي والفقيه محمد العربي الساحلي.

قال أحمد الناصري في الاستقصا: فوصلوا إلى الحجاز وقضوا المناسك و زاروا الروضة المشرفة على حين تعذر ذلك وعدم استيفائه على ما ينبغي لاشتداد شوكة الوهابيين بالحجاز يومئذ و مضايقتهم لحجاج الآفاق في أمور حجهم وزيارتهم إلا على مقتضى مذهبهم. ثم أضاف: مسألة زيارة قبور الأنبياء والأولياء مشهورة في كتب الأئمة، و هي من القرَب المرغوب فيها عند الجمهور، و منعها قوم من الحنابلة و شدّد ابن تيمية منهم فيها. و القول الفصل أن التبرك بآثار الأنبياء و الأولياء و زيارة مشاهدهم من الأمر المعروف عند الأمة المحمدية المجمع عليه خلفا و سلف… الخ

فالتقوا بالأمير عبد الله بن سعود و عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب فناظروهما في بعض القضايا المتعلقة بالتوحيد كالاستواء وحياة الأنبياء في قبورهم وكذا منع زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم على الحجاج. فكان جواب زعماء الحركة موافقا على العموم لما يعتقده أهل السنة و الجماعة.

      وهذا نص الرسالة التي بعث بها مولاي سليمان للثوار بمكة وهي من إنشاء الفقيه الطيب بن عبد المجيد بنكيران، وهي اختصار لجواب طويل في أربعة كراريس.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد  وآله وصحبه  وسلم

 

من ملّكه الله أزِمّة العرب و قيادتها، فأحسن سياستها و أصلح سيرتها و مهّد بلادها، و يسّر على يديه حسنة أمن السابلة من القُطّاع و النُهّاب، و تيسير وصول الحجاج و العمار و الزوار إلى نيل الأوطار و الآراب، فأصبح، و قد أحرز بذلك الثناء و الثواب، و حصل به في الدارين أفضل جزاء و حسن مآب، أخونا في الله عبد الله بن سعود.  حفظكم الله من جميع الأسواء و أدام عليكم سبوغ النعماء و سلام عليكم و رحمة من الله نامية و بركات متزايدة و أياد صافية  ومنن مترادفة وعافية غير عافية.

وبعد، فإنّا نحمد إليكم الله الذي هداكم و هدى بكم.  فلقد سرّنا ما بلغنا عنكم من سيرتكم و شيمكم و أحوالكم من الزهد في الدنيا وإحياء رسوم الدّين و الحض على طريق السلف الصالح و سَنَنُ المهتدين و الحمل على إخلاص التوحيد لرب العالمين و قطع البدع والضلالات التي هي منشأ زيغ العقائد و كثرة الجهالات.    وما برحنا نسمع عنكم ما قد أصبتم فيه كل الإصابة و وافقتم فيه كتب العلماء و مذاهب السلف والصحابة كما لا يخفى على من درس موطأ الإمام مالك و ما في الصحيحين و طالع مسند الإمام الأوحد الزاهد أحمد بن حنبل أمير المؤمنين في الحديث بلا مَيْنٍ.

و مذهبنا معشر المالكية، مبني على ما أنتم عليه من سد الذرائع و إبطال البدع و المحدثات،  و لا نكفر مع ذلك أحدا بذنب من أهل القبلة و لا من أهل الأهواء في المعتقدات، إلا من خرج ببدعة عما علم من الدين ضرورة كمُنكِر علم الله تعالى بالجزئيات.  و على هذا إمام أهل السنة أبي الحسن الأشعري و الأئمة الأربعة ، و هو المراد بالقطعيات.

أخرج الطبراني عن أنس قال:  خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى و سبعين فرقة، و ستفترق هذه الأمة على اثنتين و سبعين فرقة كلها على الضلالة إلا السواد الأعظم.  قالوا : من السواد الأعظم؟ قال:  من كان على ما أنا عليه و أصحابي.  مَن لم يمار في دين الله، و لم يكفِّر أحدا من أهل التوحيد بذنب، غُفِر له.  و روى البيهقي بسند صحيح أن جابر بن عبد الله سئِل:  هل كنتم تُسَمُّون شيئا من الذنوب كفرا أو شركا أو نفاقا؟ قال:  معاذ الله، و لكنا نقول مؤمنون مذنبون.  فالفاسق إذا مات بلا توبة في المشيئة:  و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء.  وهي مخصصة لعموميات العقاب . فإن عوقب لم يخلد، بل نقطع بخروجه و دخوله الجنة ، كما صح في أحاديث الشفاعة المتواترة، و في ما رواه البزّار و الطبراني بإسناد صحيح : من قال لا إله إلا الله، نفعته يوما من دهره . يصيبه قبل ذلك ما أصابه .

فارتكاب الكبيرة لا يزيل اسم الإيمان خلافا للمعتزلة في أن مرتكبها غير مؤمن و لا كافر، فيخلد في نار دون نار الكفار، و خلافا لقول الخوارج أنه كافر . و لا نكفِّر نافي الرُّؤيا و خلق الله تعالى لأفعال العباد . و اختُلِف في من يقول بخلق القرآن، فأطلق قوم أنه كافر، و ثبت عن الشافعي. و قال آخرون مبتدع لا كافر. و تأوّل البيهقي قول الشافعي على كفران النعم دون الخروج عن الملة و رد بأن الشافعي أفتى بضرب عنق حفص القرد لقوله بذلك.

و لعل ما ينقل عنكم من تكفير جُفات الأعراب إنما هو في من استحق ذلك منهم باعتقاد ما يخالف ما عُلم من الدين ضرورة، إذ الظن بكم التبت في الأمور لا سيما في هذا المقام الصعب. فلا يخفى عليكم ما ورد في تكفير عوام المسلمين من التشديد و غاية الوعيد الشديد لحديث مسلم و جامع الترمذي عن ابن عمر مرفوعا: أيما امرئ قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، و إلا رجعت عليه. و لأبي داوود عن أبي هريرة رفعه: أيّما رجل كفّر رجلا مسلما ، فإن كان كافرا،  و إلا كان هو الكافر. و هذه مبالغة أو وعيد بأن لا يختم له بالإيمان. عصمنا الله و إياكم.

و للبخاري عنه و له ، و للإمام أحمد عن ابن عمر رفعاه: إذا قال رجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما. و الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصى. و انظر قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله) …إلى قوله: (بما تعملون خبير(. و في الصحيح أن المصطفى قال لأسامة: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فكيف تصنع بلا اله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ و لما اعتذر بأنه قالها خوفا من السلاح، قال: هلّا شققت عن قلبه؟

و انظر ما تواتر من قوله صلى الله عليه و سلم: أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على الله . فاكتفى من جفاة الأعراب بالشهادة حتى يثبت موجبُ انتفاء العصمة . و مما اشتهر بين علماء الأمة، و ذكره غير واحد كالتقي السبكي و البيضاوي أن الغلط بترك ألف كافر أهون من الغلط بسفك محجمة دم امرئ مسلم.

و كيف يُتَوهّم أو يَلْتَبِس على أمثالكم الفرق بين المشرك الذي يسجد للصنم و هو يرى أنه يجلب و يدفع و يعصم من الأسواء، و أنه لا ترد شفاعته ، بل تعتبر لا محالة من غير احتياج إلى إذن حتى قال تعالى معرّضا بهم ) من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه.و قوله: يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن و رضي له قولا. وقوله تعالى: قيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون. و : قوله قالوا و هم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين.( أي في استحقاق العبادة و النفع و الضر. و قال ) و من الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله). قال في النهاية:  الأنداد جمع نِد بالكسر و هو مثل الشيء الذي يضاده في أموره و ينادُّه أي يخالفه. هـ

و في المصباح:  و لا يكون النِّد إلا مخالفا.  و بين المسلم المستغيث بنبي أو ولي، مع اعتقاد أن الله هو المعطي المانع الضار النافع، و أن ما يستغيث به و يرغب إليه على وجه أن يشفع له عند الله استصحابا للإذن العام في الشفاعة للمسلمين و قضاء حوائجهم أو إسنادا لما يحدث له من إلهام أو كيفية يعلمها الله، و ظن قبول شفاعته لمكان خصوصيته . و لا يمنع من ذلك كونه ميتا فإن الأرواح بعد مفارقة الأجساد درّاكة عالمة بأحوال الأحياء غالبا، كما تواطأت به الآثار المتكاثرة المفيدة لليقين. قال تعالى : (كل نفس ذائقة الموت). و الذائق لابد أن يبقى بعد المذوق. و قال:  (إذا بلغت التراقي…إلى قوله المساق.)و المسوق الأرواح. ( و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء..).إلى آخره.

و أحاديث نعيمها و تعذيبها، و أن أهل القبور يسمعون سلام الزائر و يردون و يعلمون أحوال أهل الدنيا، و أن الأرواح تتلاقى و تتزاور كثيرة جدا. قالوا و لكل روح بجسمها اتصال معنوي. أما الأنبياء فأحياء حقيقة ، على ما للحافظ السيوطي في تأليف سماه: إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء.

و بالجملة ليس لنا أن نكفِّر إلا بإنكار ما علم من الدين ضرورة. و كل ما لا يخالف إجماعا و لا نصا صريحا قطعيا، فمرجعه إلى نوع اجتهاد.  فليكن رد العلماء فيه، بعضهم على بعض، برفق مع الجزم بأن المصيب في العقليات واحد و هو من صادف الواقع، كقولنا بأن الباري سبحانه يُرى في الآخرة و أنه الخالق لأعمال العباد، و أن صفات المعاني قائمة بالذات العلية، و أنه، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو لا يكون ما يريد.أما الأحكام الفقهية العلمية فقد اختُلف هل كل مجتهد فيها مصيب أو المصيب فيها واحد؟  و عليه الأكثر .فالأَنَةُ القول فيها مع الخصوم أجدر. و قد أفاد الغزالي في الإحياء في الباب الرابع من كتاب العلم:  شروط المناظرة و الجدل و آفاتهما . فليُنظَر.

و ليحذر العالم من التشغيب و قلة الإنصاف للحق بعد ظهوره و اللَّجاج فيه.  و انظر كيف كانت مناظرة الإمام أحمد رضي الله عنه مع خصومه في المعتقدات و غيرها بإيضاح الحق بأدلة و مظاهرة، و الاحتيال في إيصاله إلى الأفهام حتى يزول الالتباس و الاشتباه، و في هدم الباطل بحلِّ الشبه بلا تعنيت و لا تشغيب . و قد كانت البدع و الأهواء طافحة في وقته، فكان يتلطف في ردها و إبطالها، وهذا كله مما سبق إليه الكلام. وليس بخاف على أمثالكم ممن هو بصدد تحقيق الحق و إقامة الأحكام .  و أكثر ما تنكروه على مرتكبيه هو عندنا معشر المالكية صحيح أو مكروه أو مختلف فيه. فقد قال علمائنا يكره البناء على القبور أو التحريز، و سواء كان الميت ملكا أو عالما أو شريفا أو سلطانا أو غير ذلك. و إن بوهي به حرُمَ.  و جاز البناء الخفيف للتمييز بحجر و خشبة بلا نقش.  و قد صحح الحاكم في المستدرك أحاديث النهي عن البناء و الكتابة على القبور، ثم استخف الكتابة فقط بأن أئمة المسلمين شرقا و غربا مكتوب على قبورهم. و بَسْطُ المسألة و الخلاف فيها يطول.

و ذكر علماؤنا أيضا أن الوُقود على قبر الولي و وضع الستور عليه ليس بقربة بل هو مكروه،  و من نذر مالا لذلك أو نذره لعينه لم يلزمه ، لكن من وضع يده بمال نذر لذلك وجب عليه بمنزلة شرط الواقف المكروه، فإنه يتبع. و قد بسط صاحب المدخل الكلام في هذا و غيره.  و من كلامه، ولا بأس بذكر مسألة الصالحين و العلماء و الأولياء ما لم يكن منقوشا على القبر أو على الجدار أو في ورقة ملصقة هنالك.  و إذا كان هذا فما بالك بالشمع الكبير الغليظ الذي ليست به حاجة للوقود.  و لو كان سائغا فلم يبق إلا أن يكون إضاعة مال.  و كذلك يمنع ما يفعله بعضهم من تعليق قنديل على قبر من كان مشهورا بالخير ، و الناس يعتقدونه ليأتي الناس إلى مكان الضوء ليزوروا. فليُنظَر تمامه.

و من المختلف فيه زيارة قبور الصالحين . فذكر ابن أيوب في اختصار الرسالة العلمية للقشيري أن ذلك ليس من طريق القوم، أي الصوفية. و ذكر ابن العربي من علماء المالكية أنه لا يزار قبر لينتفع به غير قبر نبينا صلى الله عليه و سلم. و قال الشّارِمْسَاحي:  قصدُ الانتفاع بالميت بدعة. قيل و هذا يُنظر إلى سد الذرائع و حسم مادة البدع المحرمة المتطرًّقَة في ذلك. و جعلها الغزالي من العبادة و اعتمده صاحب المدخل و عمل عليه الجماهير الذين لا يحصون ، و حض على ذلك الشيخ إبراهيم التازي في قصيدته المشهورة التي تلقاها العلماء بالقبول و أولها :

   زيارة أرباب التقى مَرْهَمٌ يُبري         و مفتاح أبواب السعادة و الخير

إلى أن قال:

   عليك بها فالقوم باحوا بسرِّهـا    وأوصوا بها يا صاح في السر و الجهر

ثم قال:

   و لا فرق في أحكامها بين سالك        قرب و مجذوب و حي و ذي قبــر

       و قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلّم زائر القبر الشريف على المصطفى يقف للدعاء مستقبلا القبر الشريف لا القبلة. و قد سأله الخليفة المنصور: أيهما يستقبل؟ فقال: لِمَ تصرف وجهك عنه و هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم إلى الله عز و جل. و قال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف يدعوا، لكن يسلم و يمضي. و جمع الشيوخ بين قوليه بأن مثل المنصور يعلم ما يدعوا به. و آداب الدعاء بين يديه صلى الله عليه و سلم، فأمن عليه سوء الأدب، فأفتاه بذلك و أفتى العامة أن يسلموا و ينصرفوا، ليلّا يواجهوه بالتوسل به إلى الله أو يدعوا بما يحرم أو يكره أو يلغوا جهلا منهم .

و قد حذر الشيوخ مما يفعله بعض الجهلة من الطواف بالقبر الشريف و التمسح بالبناء و إلقاء المناديل و الثياب عليه. وقد تقرّب بعض العامة بأكل الزبيب في الروضة الشريفة و إلقاء شعورهم في القناديل . و كل ذلك من المنكرات.

و إذا كرّه مالك دعاء العوام عند القبر الشريف، فما بالك بغيره من قبور الصالحين. فإن زيارة العوام لقبور الصالحين لا يخلوا غالبا من سوء مقالات و ظهور جهالات ، فمنْعُهُم منها حتى يعلموا ما يقولون سواءً قياسا على ما في الآية ( لا تقربوا الصلاة… ).الآية و حديث مالك : فلعله يذهب يستغفر ، فيسب نفسه بجامع الخوف من التكلم بالجهل و ما لا يليق بجانب الباري سبحانه .

و من المختلف فيه أيضا، تقبيل كل معظم شرعا و قد أخذ بعضهم الجواز من مشروعية تقبيل الحجر. وقد ورد في وفد عبد القيس أنهم أكبّوا يقبلون يدي المصطفى و رجليه و كذا تمريغ الوجه في الأماكن الشريفة. قالوا و مذهب كثير من العلماء و خصوصا المالكية الكراهة في غير ما ثبت في الشرع كتقبيل الحجر . و قد نهى مالك عن تمريغ الوجه على الحجر. وكان يفعله إذا خلا به. هذا و في المدونة، و هي أجل كتب المالكية، و لو قال على جزور أو أن أنحر جزورا، فلينحرها في موضعه.  و لو نوى موضعا أو سمّاه ، فلا يخرجها إليه ، كانت الجزور بعينها أو بغير عينها. و كذلك إن نذرها لمساكين بلده و هو بغيرها ، فلينحرها بموضعه و يتصدق بها على مساكين مَن عنده . و سَوْقُ البُدْن إلى غير مكة من الضلال.هـ. و هذا كله من سد الذرائع.

و كرامة الأولياء لا تنكرونها في ما بلغنا عنكم ، كيف و إنما أنكرتها المعتزلة و أتبتها جميع أهل السنة و قال جمهورهم ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي لا فرق بينهما إلا التحري و عدمه و هي متواترة معنى، فلا حاجة للتطويل.

و هذا القدر كاف في هذه الرسالة المبنية على الاختصار دفعنا بها أن تظنوا بنا أنّا ممن ينحوا منحى الاعتراض عليكم والإنكار. و لما اتضح لدينا قصدكم و خلوص طويتكم في الدب عن الدين و لحقنا احتياطكم و حياطتكم للمسلمين و منعكم الجار و إن جار ، فكان بكم من اللائذين و محافظتكم على الشيم العربية والمكارم الشرعية مقتفين بذلك منكم مبتهجين و أنكم لا تعترضون للمغاربة الحجاج و العمار و الزائرين  لم يبق وجه في احتباسهم عن أداء الفريضة و السنة، وجهناهم و أحللنا ولدنا وسطهم في هذه السنة ملتمسين أجر تلك الخُطى و أن يحط بها عنا الوِزر و الخطأ، و أن نكون ممن ندب إلى الطاعة و كان عليها من المسعدين.

و إنك لخليق أن تسلك بهذه الأمة أحسن المسالك و أن تكون عليها من المشفقين، فأحسن جوارها أحسن الله إليك إن الله يحب المحسنين. و لا تصغ إلى واش يخادع الله و هو خادعه و لا يحيق مكره السوء إلا به و الله خير الماكرين. عصمنا الله و إياكم من كيد الشيطان و جعلنا ممن اضطره إلى استثنائهم بقوله (إلا عبادك المخلَصين). و صلى الله على سيدنا و مولانا محمد سيد الأولين و الآخرين و على آله و أصحابه أجمعين و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لقد اتضح من هذه الرسالة الجامعة المانعة أن السلطان مولاي سليمان خاطب عبد الله بن سعود من مرجعية مالكية أشعرية جنيدية. و قدّم له الأدلة و البراهين المبنية على الكتاب و السنة و عمل السلف الصالح و نصحه و خاطبه بأدب و لياقة. فكان لهذه السفارة أثر عظيم في نفس ابن سعود، عبر عنه أكنسوس في الجيش بقوله: و من جملة ما حدّث به الحجاج عن مولاي إبراهيم أنه لو لم يكن معهم في هذا الركب ما حجوا و لا بلغوا تلك الأماكن المحترمة ، و ذلك لأن ذلك الوهبي عظمه غاية التعظيم، و عظّم جميع من حج معه و سبب ذلك التعظيم و ذلك الاعتناء إنما هو حسن ذلك الجواب ،أي هذه الرسالة التي بين أيدي القارئ التي قدمها الشيخ حمدون بلحاج على لسان السلطان.

كما أن أكنسوس واخذ على الزياني عدم فهمه للمراسيم الدبلوماسية و خاصية المراسلات بين الأمراء و الملوك و لم يلتمس له عذرا، بل عزا قلة أدبه مع حمدون الحاج لجهله المركّب الذي يعتبر من الأمور التي هي أصول الكفر كما ذكره السنوسي في المقدمات و شرحها.

و قد اخطأ بعض المؤرخين المحدَثين الذين وصفوا السلطان مولاي سليمان باعتناقه للمذهب الحنبلي بل تبنى أفكار الحركة الوهابية في جانبها الإصلاحي و محاربتها لبدع العوام المحادية للصواب بناء على ما جاء في الرسالة التي وجهها لعلماء فاس يأمرهم بنهي العوام عن الاحتفال بالمواسم و ارتكابهم خلالها كثيرا من الأعمال الشنيعة.  كما بيّن فيها بعض آداب زيارة الأولياء و لم يمنعها أو يحرمها، و حذّر من تغالي العوام في ذلك. و هذا نص الرسالة كما وردت في  الجزء السابع من كتاب الاستقصا( طبعة وزارة الثقافة2001) .

و بعد،

أنشدكم الله ــ أهل فاس ــ هل فعل سيد الأرسال لعمه سيد الشهداء موسما؟ و هل فعل أبو بكر لسيد هذه الأمة و نبيها موسما؟ و هل فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأبي بكر موسما؟ و هل زخرفت المساجد و أضرحة الصحابة الماجدين على عهده صلى الله عليه و سلم؟

و كأني بكم تقولون إنّا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مهتدون. و هيهات هيهات. هذه مقالة قد قالها الجاحدون، فردّ الله مقالتهم و وبّخهم و أقالهم. فالعاقل من اقتدى بآبائه أهل الدين. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.

و بالجملة فقد قبض صلى الله عليه و سلّم و عقد الدين قد سجل، و وعد الله بإكماله قد عجل: ( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت تلكم الإسلام دينا)…الآية. وقد خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على منبره الشريف فقال: أيها الناس إن نبيكم ترككم على المحجّة البيضاء، فلا تميلوا بالناس يمينا و لا شمالا.

و الآن أحذركم يا أهل فاس من طوائف البدع من جيلالة و درقاوة و عيساوة و غير ذلك.و من الغلو البعيد اهتبال أهل مراكش بهذه الكلمة( سبعة رجال ). فهل كان لسبعة رجال شيعة يطوفون عليهم؟ فعلينا أن نقتدي بسبعة رجال و لا نتخذهم آلهة لئلا يؤول الحال فيهم إلى ما آل إليه في يغوث و يعوق و نسرا.

فمن أراد أن يذكر فليذكر على العهد المألوف المروي عن سيد البشر عليه السلام. و من أراد أن يتصدق فليتصدق كذلك. و إلا فمن أحدث في شريعة أبي القاسم ما ليس فيها ، فلا يلومن إلا نفسه. اللهم اشهد. اللهم اشهد. اللهم اشهد. ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ). و السلام

و هذه الرسالة سابقة للسفارة الحجازية التي تدل على التزام السلطان و حاشيته بالمذهب المالكي و العقيدة الأشعرية. و لا نجد فيها أي عداء للصوفية و الأولياء و إنما ذهب هذا السلطان العالم على أثر من سبقه من السلف الصالح في تقويم عمل العوام. و حتى والد سيدي محمد بن عبد الله الذي ثبت عنه اعتناء خاصا بمسند الإمام أحمد بن حنبل و بفقه أتباعه لم يهدم قببا و لا أضرحة بل لازالت بنائاته على الأولياء في كل جهات المغرب قائمة إلى اليوم. و هو الذي بنا على الرجال السبعة بمراكش القباب القائمة اليوم و عزل قبورهم عن المقابر التي دفنوا بها مع سائر المسلمين كما فعل بالنسبة لجده مولاي علي الشريف.و من أراد أن يطلع على بنايات هذا السلطان على قبور الأولياء، فليطالع كتاب البستان الظريف لأبي القاسم الزياني و من أراد التحقق من رسوخ كعب مولاي سليمان في الفقه المالكي و أخذه عن أعلامه فليرجع كتاب جمهرة التيجان في شيوخ مولانا سليمان الذي ألفه الزياني كذلك سنة 1233ــ1818 .

 

بداية الحركة الوهابية 1/ 2 ( 1154-1233 ) ذ:محمد المهدي الكنسوسي

رسالة المولى سليمان إلى عبد الله بن سعود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى