مناسبات

بيان ورد شيخنا مولانا أحمد التجاني رضي الله عنه

 بيان ورد شيخنا مولانا أحمد التجاني
رضي الله عنه
 بقلــــــم
العلامة المقدم سيدي عبد الكريم بنيس

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه

 مـــــقدمــــــة

 هذه ورقات تعم بها الفائدة، وتعظم بها العائدة، ننشرها بين الإخوان التجانيين للانتفاع بمضمونها المشتمل على أحكام الطريقة الأساسية، وبيان أورادها اللازمة وشروطها وآدابها، وعمل التجاني في ليله ونهاره، وما ينبغي أن يتأدب به، وشروط المقدم وصفاته، وهي من تأليف أحد كبار مقدمي مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه وهو العلامة عبد الكريم بن العربي بنيس الفاسي، نعيد نشرها وبثها بين السادات التجانيين بمناسبة لقائهم العالمي المنعقد بفاس أيام 14 و15 و16 رجب الفرد الحرام عام 1435 (ماي 2014).

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم

 الحـمــد لله

 يقول أفقر العبيد إلى مولاه، وأحوجهم إلى فضله ورحماه، عبد الكريم بن العربي بنيس الفاسي دارا ومنشأ، التجاني طريقة، غفر الله أوزاره، وجعل عليين مسكنه وقراره، قد طلب مني بعض الأحبة من الأصحاب شكر الله مسعاهم، وجعل الجنة مثواهم، أن أضع تقييدا في الطريقة التجانية يكون سهل المأخذ، قريب التناول، ينتفع إن شاء الله به العوام وربما ينفع غيرهم ممن تعسر عليه مراجعة المظان من كتب الطريق وفرها الله تعالى، فأجبتهم لذلك، وإن كنت لست أهلا لما هنالك، تسهيلا على الإخوان، ورفقا بالضعفاء مثلي من الخلان، ورجاء حصول بركة الشيخ ودعائه لمن نصح الإخوان ورفق بهم، نفعنا الله بهم ورزقنا وإياهم عطفة الشيخ دنيا وأخرى، وأماتنا على حبه، وحشرنا في زمرته آمين.

 

 

بيان ورد سيدنا وشيخنا ومولانا أحمد التجاني ووظيفته

وذكر يوم الجمعة وشروط ذلك ومبطلاته وجبره، وما يلزم من أخذ الإذن في ذلك، وصفة المقدم لإعطاء الورد وما معه، ووقته، وبيان ما يرفع الإذن عن المريد.

 

أما الورد فهو: “أستغفر الله” مائة مرة، و “صلاة الفاتح” مائة مرة، وهي: “اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم”، و “لا إله إلا الله” مائة مرة. هذا هو الورد يقرأ مرتين في اليوم والليلة، مرة في الصباح ومرة في المساء.

وأما الوظيفة فهي: “أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم” ثلاثين مرة، و”الفاتح” خمسين مرة، “ولا إله إلا الله” مائة مرة، وجوهرة الكمال وهي: “اللهم صل وسلم على عين الرحمة الربانية والياقوتة المتحققة الحائطة بمركز الفهوم والمعاني، ونور الأكوان المتكونة الآدمي صاحب الحق الرباني، البرق الأسطع بمزون الأرباح المالئة لكل متعرض من البحور والأواني، ونورك اللامع الذي ملأت به كونك الحائط بأمكنة المكاني، اللهم صل وسلم على عين الحق التي تتجلى منها عروش الحقائق عين المعارف الأقوم، صراطك التام الأسقم، اللهم صل وسلم على طلعة الحق بالحق الكنز الأعظم إفاضتك منك إليك إحاطة النور المطلسم، صلى الله عليه وعلى آله صلاة تعرفنا بها إياه”، اثنى عشرة مرة.

وأما ذكر يوم الجمعة، فهو أن تذكر “لا إله إلا الله” بلا عدد عشية اليوم المذكور إلى الغروب.

وأما شروط الورد فهي خمسة: الأول أن يكون على وضوء، الثاني أن يكون طاهر البدن والثياب والمكان من النجاسة، الثالث أن يكون مستور العورة، الرابع أن لا يتكلم في حال قراءة الورد إلا لضرورة، الخامس النية في أوله. فمن ترك واحدا من هذه الشروط فلابد له أن يعيد الورد مرة أخرى. ويطلب منه أن يستحضر في قراءة الورد أنه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يقدر فليستحضر صورة الشيخ رضي الله عنه وكذلك يستحضر معنى الذكر ويرتله ولا يلحن في ألفاظه، ويستقبل القبلة إلا لعذر، ولا يجهر في قراءته، ويجلس كهيئة الصلاة إلا لشغل وهذه المطلوبات على وجه الكمال فقط، وقل كما قال الشيخ رضي الله عنه: “أعوذ بالله من الشيطان، الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم” واشرع في وردك.

       وأما شروط الوظيفة فهي الشروط المذكورة قبل الاستقبال، وتزيد الوظيفة وجوب الجلوس إلا لعذر، والجماعة لمن وجد إخوانا في الطريق، والتحليق، والجهر، وعدم التخليط، ويستحب نشر ثوب طاهر عند قراءة جوهرة الكمال.

       والتيمم بعذره يكفي عن الوضوء في الورد والوظيفة إلا في جوهرة الكمال فلابد من الوضوء، فإن عجز فليجعل بدلا عن عددها في الوظيفة عشرين من الفاتح.

ولا يكفي في الوظيفة إلا الفاتح فإن لم يحفظها سقطت عنه الوظيفة، وأما الورد فيكفي عن الفاتح فيه غيرُها من صيغ الصلوات حَفِظها أم لا، وهي أولى. فإن كنت على سفر فلك قراءة الورد والوظيفة على ظهر الدابة، إلا الجوهرة فيلزمك النزول وطهارة الأرض التي تمشي فيها حال قراءتها، فإن وصلت السابعة جلست حتى تختم إلا لعذرِ خوفٍ أو نحوه.

وعند ختم كل ذكر من الورد والوظيفة قل: “سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين”.

وأما شروط ذكر يوم الجمعة فهي الاجتماع مع الإخوان في الطريق، والجهر، والتحليق إن وجد الإخوان وإلا فعل وحده، ومن كان له شغل آخر إلى أن يبقى للمغرب ساعة ونصف وإن شاء أن يجعل بدل ذلك على نفسه عددا ألفا فأكثر، وتنتهي الزيادة على الألف إلى ستمائة فله ذلك. وإن كان في بلد اصطلح إخوانه فيها على الذكر في اليوم المذكور على قاعدة الطريق الخلوتية، فهي مقدمة على غيرها لمن عرف طريقها على الوجه المتقن في ذلك وإلا فالعمل على السرد المذكور أولى وأحسن والخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع.

       وأما ما يجبر الخلل وعدم الحضور فإن شك في نقص أو زيادة أو نكس فيبني على اليقين، وإذا فرغ من ورده استغفر الله مائة مرة بصيغة الورد بنية الجبر. ويجبر عدم الحضور في جميع العبادة قراءة جوهرة الكمال ثلاث مرات بحضور لمن قدر على ذلك، وهذا خاص بمن هو في الطريق بنية الجبر. والمنكس يلغى كما إذا قدم صلاة الفاتح على الاستغفار فإنه يلغي المقدم ويأتي بالفاتح أيضا بعده ويستغفر بنية الجبر مائة بصيغة الورد، وهذا إذا زاد أو نقص أو نكس نسيانا، وأما إذا تعمد فقد بطل الورد. وأما الوظيفة فإن كانت مع الجماعة فالإمام يحمل ما وقع فيها سهوا فلا تحتاج لجبر، وأما إن كان منفردا فهي كالورد في جميع ذلك، وتلزم مرة في اليوم.

وأما ما يلزم من أراد أخذ الورد وهو كل مسلم ذكرا كان أو أنثى، حرا أو عبدا، كبيرا أو صغيرا، طائعا أو عاصيا، فيلزمه أن لا يزور أحدا من الأولياء لا حيا ولا ميتا، ولا يستمد منه ولا يتعلق به ولا يتوسل به ولو بقلبه، إلا بشيخه ومن هو أخوه في طريقه، وإلا الأنبياء وصحابة النبي عليه السلام. نعم يلزمه تعظيم جميع الأولياء ومحبتهم لله لكونهم أولياءه المقربين، وإن أردت أن يحصل لك ثواب من زار جميع الأنبياء والأولياء أحياء وأمواتا فاقرأ جوهرة الكمال اثني عشرة مرة بشروطها المتقدمة، وانو بها زيارة النبي صلى الله عليه وسلم يحصل لك ذلك بفضل الله بوعد صادق منه عليه السلام. ويلزمه أيضا أن يترك جميع أوراد المشايخ إن كان له ورد، وأن يداوم على هذا الورد، ويلتزم عدم تركه إلى الممات، فإن زار أو اتخذ وردا آخر أو ترك هذا الورد اختيارا بعد أخذه والتزامه له حلت به العقوبة، ويخسر في الدنيا والآخرة إلا أن يتوب ويجدد الأخذ عمن له الإذن.

ويلزمه فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات الظاهرة والباطنة فإن خالف في شيء منها وجبت عليه التوبة ولا يلزمه تجديد، وليحافظ على الصلاة بجميع شروطها ولا ينقرها نقر الديكة، وليحافظ على الجماعة السنية.

وليحذر كل الحذر من إذاية أخيه في الطريق فإنها إذاية لسيد الوجود صلى الله عليه وسلم، وليبالغ في حبهم ومودتهم والرفق بهم بحسب طاقته ووسعه فإنهم أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلاميذه، كما أخبرنا بذلك شيخنا رضي الله عنه عليه السلام يقظة لا مناما.

       وينبغي له اتخاذ السبحة للإعانة ولا بأس بجعلها في عنقه ولكن يجعلها تحت الثياب لا فوق الثياب، وليخفها تباعدا عن المباهات والتظاهر بدعوى الفقر وأسباب الشهرة.

وأما وقته، أي الورد، فأما ورد الصباح فوقته المختار من بعد صلاة الصبح إلى الضحى الأعلى والضروري له من الضحى الأعلى إلى غروب الشمس والضروري لمن كان له شغل، ومن فعل الورد في هذين الوقتين المختارين والضروري فقد أداه وأما فعله، أي ورد الصبح بعد ذلك فقضاء، وأما مختار ورد المساء فمن بعد صلاة العصر إلى العشاء الأخيرة والضروري له من العشاء إلى طلوع الفجر وجميع الوقتين أداء وما بعد ذلك فقضاء، وورد الصبح يجوز تقديمه ليلا ولو بلا عذر لفضيلة ذكر الليل وأول وقت التقديم بعد العشاء بقدر ما يقرأ القارئ خمسة أحزاب من القرآن وينام الناس ويستمر إلى الفجر فإن طلع عليه الفجر ولم يكمله فليكمله وليعده في وقته المختار، وأما ورد المساء فلا يجوز تقديمه نهارا ولو لعذر ومن كان له عذر في وقته وأراد تقديمه فليقدمه ليلا بعدما يقدم ورد الصباح من أجل الترتيب.

       وأما المريض والحائض والنفساء فهم مخيرون في قراءة الورد وتركه ولا شيء عليهم في تركه ولا يلزمهم قضاؤه إن تركوا. وأما الصحيح التارك فيلزمه قضاؤه ولو طال الزمان وتكرر الترك.

       وأما وقت الوظيفة فاليوم كله لها وقت، فلك أن تذكرها مرة في الليل ومرة في النهار، فإن خص بها وقتا واحدا أجزاه ذلك عن المرتين وفعلها ليلا أحسن، وعليه استمر عمل الشيخ رضي الله عنه آخر عمره، ويجب قضاؤها إن فاتت وتنجبر من المنفرد كالورد ومن أدرك بعضها مع الجماعة وفاته البعض فليقرأ ما أدرك وبعد الفراغ يأتي بما فاته من أولها ولا يقرأ ما فاته وهم يقرؤون، لما فيه من التشويش لا سرا ولا جهرا.

       ويمنع من الكلام فيها وفي الورد كما تقدم إلا نحو الكلمة والكلمتين لعذر فلا يضر، ويشير برأسه ويده إن أفادت الإشارة، ويستثنى من هذا الوالد والوالدة والزوج فإنهم يجابون لما في ترك الجواب من العقوق، فإن العاق لا يتيسر له سلوك هذه الطريقة كما قال سيدنا الشيخ رضي الله عنه، ولا يبطل الورد بجواب الولد لوالده ولا بجواب المرأة لزوجها، وكذا لا يبطله نحو الشرب واللقمة والضحك تبسما يسيرا والالتفات كذلك.

       وأما صفة المقدم لإعطاء الورد فهو من حصل له الإذن من الشيخ ولو بوسائط معتبرين باللفظ الصريح وتشترط فيه أي هذا الملقن للورد الأهلية لذلك فلابد فيه من الشواهد الحالية التي تفيد غلبة الظن في تأهيله لذلك، ومحصلها تقريبا أن يكون عالما بجميع ما في هذا التقييد بحيث إذا سئل عن شيء منه أجاب عنه بالصواب فيه. ثم بعد هذا يعرف ما يراد من الدخول في طرق المشايخ وأن النفع في صحبتهم لا يحصل إلا بأمرين: الأول أن يعلم أنه ولي الله تعالى وقد صحبه لتجذبه موالاته لله تعالى، والثاني أن يعلم أنه عارف بآداب الحضرة مكاشفة ومنازلة فيصحبه ليدله على ذلك، فهذا أقل ما يراعى فيمن يريد التقديم من العلم والمعرفة لما هو بصدده. وهذا زيادة على معرفة أحكام الطهارة استبراء ووضوءا وغسلا وتيمما، وكذا معرفة ما لا تصح الصلاة إلا به. ومن نقص عن هذا القدر في العلم لا يصلح للتقديم لأنه لم يحصل على حقيقة ما هو بصدد أن ينقله لغيره كمية وكيفية ووقتا وغير ذلك مما يتعلق بالورد، لأنه لم يعرف المراد والمقصود من هذا الأمر الذي يريد أن يُدخل غيره إليه ويدله عليه وربما دله على غير المراد، وسلك به في طريق غير طريق السداد، بل ربما أوقعه في مهوات الطرد والبعاد، فلابد أن يكون مع ما تقدم ذا ديانة وعقل وحِلم وأمانة ورفع همة عن الخلق ثقة بالملك الحق عما في أيدي إخوانه، والإنسان فقيه نفسه فكلما وجد فيها رائحة من الطمع فيما يأتيه من قبل إخوانه الذين يلقنهم عرف أنه ليس أهلا لذلك ولا مرادا فيكون اشتغاله بالإقبال على إصلاح أمر نفسه أهم الأشياء إليه، فلا يقبل التقدم على أحد وأحرى أن لا يتعرض له بطلب أو استجلاب شيء، ومن فعل فقد تعرض للخسران المبين.

قال سيدنا وشيخنا ووسيلتنا إلى ربنا مولانا أحمد بن محمد التجاني متعنا الله برضاه في الدارين في بعض وصاياه، أردنا ختم هذا التقييد بها تبركا واكتفاء، ونصه: “وأوصي من كان مقدما على إعطاء الورد أن يعفو للإخوان عن الزلل، وأن يبسط رداء عفوه على كل خلل، وأن يتجنب ما يوجب في قلوبهم ضغينة أو شينا أو حقدا، وأن يسعى في إصلاح ذات بينهم وفي إزالة كل ما يوجب بغضا في قلوب بعضهم لبعض، وإن اشتعلت نار بينهم سارع في إطفائها، وليكن سعيه في ذلك طلبا لمرضات الله تعالى لا لحظ زائد على ذلك، وأن ينهى من يراه يسعى بالنميمة بينهم وأن يزجره برفق وكلام لين. وعليه أن يعاملهم بالرفق والتيسير والبعد عن التنفير والتعسير في كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه من حقوق الله وحقوق الإخوان، ويراعي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا“. وعليه أن يتباعد عن تغريم دنياهم وأن لا يلتفت إلى ما في أيديهم معتقدا أن الله هو المعطي والمانع، والخافض والرافع، وليجعل همته في تحرير دنياهم من التشتيت والتبذير وأن لا يطلبهم بإعطاء شيء لا من القليل ولا من الكثير، إلا ما سمحت به نفوسهم من غير طلب، فإن عقول الناس حول هذا المطاف تدور، وعلى هذا المقدار تجري بهم جميع الأمور”. انتهى.

وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح الخاتم وعلى آله وصحبه وسلم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى