الخطب

حسن الخاتمة وسوء الخاتمة

خطبة الجمعة في موضوع :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حسن الخاتمة وسوء الخاتمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الحمد لله قال وهو أصدق القائلين(إن الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها و هم فيما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر. و تتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) * و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد    * و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال عز شأنه: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) (فصلت: 30)

* و نشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبد الله و رسوله، مصطفاه من خلقه و خليله الذي قال  فصلى الله عليه و سلم من نبي أمين، ناصح حليم، مكي مدني، هاشمي مطلبي، و على آله و صحابته و على من حافظ على دينه و شريعته و استمسك بهديه و سنته إلى يوم الدين .

أما بعد، من يطع الله و رسوله فقد رشد و اهتدى، و سلك  منهاجا قويما و سبيلا رشدا، و من يعص الله و رسوله فقد غوى و اعتدى، و حاد عن الطريق المشروع و لا يضر إلا نفسه و لا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن يطيعه و يطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله و سؤله، فإنما نحن بالله و له،

عباد الله : كلنا نسأل الله حسن الخاتمة و نعوذ بالله سبحانه من سوء الخاتمة فما هي حسن الخاتمة؟: إنها أن يوفق العبد قبل موته للبعد عما يغضب الرب سبحانه، وأن تيسر له التوبة من الذنوب والمعاصي، ويحصل منه الإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة، ومما يدل على هذا المعنى ما صح عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله) قالوا: كيف يستعمله؟ قال:(يوفقه لعمل صالح قبل موته)(رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه الحاكم في المستدرك)

ولحسن الخاتمةـ أيها المؤمنون ـ علامات،منها:مايعرفه العبد المحتضر عند احتضاره، ومنها: ما يظهر للناس.أما العلامة التي يظهر بها للعبد حسنُ خاتمته فهي ما يُبَشر به عند موته من رضا الله تعالى واستحقاق كرامته تفضلا منه تعالى، كما قال جل وعلا: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) (فصلت: 30) ، وهذه البشارة تكون للمؤمنين عند احتضارهم، وفي قبورهم، وعند بعثهم من قبورهم.ومما يدل على هذا أيضا ما رواه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) فقلت: يا نبي الله! أكراهية الموت، فكلنا نكره الموت؟ فقال: (ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بُشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله و أحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه ) وفي معنى هذا الحديث قال الإمام أبو عبيد القاسم ابن سلام رحمه الله : (ليس وجهه عندي كراهةُ الموت وشِدَّتُه، لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثارُ الدنيا والركونُ إليها، وكراهيةُ أن يصير إلى الله والدار الآخرة)،وقال:(ومما يبين ذلك أن الله تعالى عاب قوما بحب الحياة فقال:(إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة واطمأنوا بها) (يونس:7) وقال الخطابي رحمه الله: (معنى محبة العبد للقاء الله إيثارُه الآخرة على الدنيا، فلا يحب استمرار الإقامة فيها، بل يستعد للارتحال عنها، والكراهية بضد ذلك)وقال الإمام النووي رحمه الله: (معنى الحديث أن المحبة والكراهية التي تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تُقبل فيها التوبة، حيث ينكشف الحال للمحتضر، ويظهر له ما هو صائر إليه)

أما عن علامات حسن الخاتمة ـ أيها المؤمنون ـ فهي كثيرة، وقد تتبعها العلماء رحمهم الله باستقراء النصوص الواردة في ذلك، ونحن نورد هنا بعضا منها، فمن ذلك:

*1 النطق بالشهادة عند الموت: ودليله ما رواه الحاكم وغيره أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : (من كان آخرَ كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)

2ومنها: الموت برشح الجبين،أي: أن يكون على جبينه عرق عند الموت لما رواه بريدة بن الحصيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (موت المؤمن بعرق الجبين) رواه أحمد والترمذي. 3ومنها: الموت ليلة الجمعة أو نهارها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر ). 4ومنها: الاستشهادُ في ساحة القتال في سبيل الله، أو موتُه غازيا في سبيل الله، أو موتُه بمرض الطاعون أو بداء البطن كالاستسقاء ونحوه، أو موتُه غرقاً، ودليل ما تقدم ما رواه مسلم في صحيحه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما تعدون الشهيدَ فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل، قالوا: فمن هم يا رسول الله ؟ قال: من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد)5ومنها: الموت بسبب الهدم، لما رواه البخاري ومسلم عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشهــداء خمسة: المطعون والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله)

6ومن علامات حسن الخاتمة، وهو خاص بالنساء : موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها أو هي حامل به، ومن أدلة ذلك ما رواه الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبر عن الشهداء، فذكر منهم: (والمرأة يقتلها ولدها جمعاء شهادة، يجرها ولدها بسَرَرِه إلى الجنة) يعني بحبل المشيمة الذي يقطع عنه. 7ومنها الموت بالحرق وذات الجنب، ومن أدلته أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد أصنافاً من الشهداء فذكر منهم الحريق، وصاحب ذات الجنب: وهي ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع.8ومنها: الموت بداء السل، حيث أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شهادة.9ومنها أيضاً: ما دل عليه ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل دون ما له فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد) 10ومنها: الموت رباطا في سبيل الله، لما رواه مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قال: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان). ومِن أسعد الناس بهذا الحديث رجالُ الأمن وحرس الحدود براً وبحراً وجواً على اختلاف مواقعهم إذا احتسبوا الأجر في ذلك.

11ومن علامات حسن الخاتمة الموت على عمل صالح، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ختم له بها دخل الجنة) رواه الإمام أحمد وغيره.فهذه علامات على حسن الخاتمة علمت باستقراء النصوص، ـ واعلموا عباد الله أن ظهور شيء من هذه العلامات أو وقوعها للميت، لا يلزم منه الجزم بأن صاحبها من أهل الجنة، ولكن يستبشر له بذلك، كما أن عدم وقوع شيء منها للميت لا يلزم منه الحكم بأنه غير صالح أو نحو ذلك. فهذا كله من الغيب.

أما أسباب حسن الخاتمة فمن أعظمها:أن يلزم الإنسان طاعة الله وتقواه، ورأس ذلك وأساسه تحقيق التوحيد، والحذر من ارتكاب المحرمات، والمبادرة إلى التوبة مما تلطخ به المرء منها، وأعظم ذلك الشرك كبيرُه وصغيرُه ومنها: أن يلح المرء في دعاء الله تعالى أن يتوفاه على الإيمان والتقوى.ومنها:أن يعمل الإنسان جهده وطاقته في إصلاح ظاهره وباطنه  وأن تكون نيته متوجهة لتحقيق ذلك، فقد جرت سنة الكريم سبحانه أن يوفق طالب الحق إليه، وان يثبته عليه وأن يختم له به و من اسباب حسن الخاتمة الاستقامة:قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) و حسن الظن بالله :عن أبي هريرة رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( يقول الله تعالى أنا عند حسن ظن عبدي بي )) رواه البخاري ومسلم. نور الله بصائرنا و بصائركم بنوره،       و جمعنا و إياكم مع الصالحين،  و جعلنا و إياكم بمَنِّه و كرمه منهم،    و بعثنا جميعا في زمرة من أنعم الله عليهم من النبيئين و الصديقين      و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا آمين .سبحان ربك رب العزة  عما يصفون ، و سلام على المرسلين ، و الحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية

* الحمد لله على نواله و إفضاله، والصلاة  والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي الصادق الزكي و على آله ، وعلى جميع من تعلق بأذياله، و نشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله و بعد :

وأما سوء الخاتمة ـ أيها المؤمنون ـ أعاذنا الله و إياكم منها   فهي: أن تكون وفاة الإنسان وهو مُعرِضٌ عن ربّه -جلّ وعلا-، مقيم على مساخطه -سبحانه-، مُضيع لما أوجب الله عليه، ولا ريب أن تلك نهاية بئيسة، طالما خافها المتقون، وتضرعوا إلى ربهم سبحانه أن يجنبهم إياها. وقد يظهر على بعض المحتضرين علامات أو أحوال تدل على سوء الخاتمة، مثل النّكوب عن نطق الشّهادة -شهادة أن لا إله إلا الله- ورفض ذلك، ومثل التّحدث في سياق الموت بالسّيّئات والمحرمات وإظهار التّعلق بها، ونحو ذلك من الأقوال والأفعال الّتي تدل على الإعراض عن دين الله -تعالى- والتّبرم لنزول قضائه، فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه، قد تمكن منه الشّيطان، واستعمله فيما يريده من معاصي الله، وقد أغفل قلبَه عن ذكر الله -تعالى-وعطل لسانه عن ذكره، وجوارحه عن طاعته، فكيف الظّنّ به عند سقوط قواه، واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النّزع؟ وجمع الشّيطان له كلّ قوته وهمّته، وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته، فإن ذلك آخرُ العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانُه ذلك الوقت، وأضعفُ ما يكون هو في تلك الحال، فمن ترى يَسْلَمُ على ذلك؟ فهناك:  ]يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم:  )فكيف يُوَفَّقُ بحسن الخاتمة من أغفلَ اللهُ -سبحانه- قلبَه عن ذكره، واتبع هواه، وكان أمرُهُ فُرُطًا،  –وسوء الخاتمة ـ أيها المؤمنون ـ على رتبتين – نعود الله من ذلك: أما الأولى وهي العظيمة الشّنيعة، فهي أن يغلب على القلب عند سكرات الموت وظهور أهواله: إما الشّكُّ وإما الجحود فتُقبض الرّوح على تلك الحال وتكون حجابًا بينه وبين الله، وذلك يقتضي البعدَ الدّائم والعذابَ المُخَلِّد.والثّانية وهي دونها، أن يغلب على قلبه عند الموت حبُّ أمر من أمور الدّنيا أو شهوة من شهواتها المحرمة، فيتمثل له ذلك في قلبه، والمرء يموت على ما عاش عليه، فإن كان ممن يتعاطون الرّبا فقد يُختم له بذلك، وإن كان ممن يتعاطون المحرمات الأخرى من مثل المخدرات و القمار والأغاني والتّدخين ومشاهدة الصّور المحرمة وظلم النّاس ونحو ذلك فقد يختم له بذلك، أي بما يُظهرُ سوءَ خاتِمتِه والعياذ بالله ، ومثل ذلك إذا كان معه أصل التّوحيد فهو مخطور بالعذاب والعقاب.
ـ أسباب سوء الخاتمة :وبهذا يُعلم أن سوء الخاتمة يرجع لأسباب سابقة، يجب الحذر منها  .اللهمّ اجعل خير أعمالنا خواتيمَها، وخير أعمارنا أواخرَها، وخير أيامنا يوم نلقاك فيه، اللهم وفقنا جميعا لفعل الخيرات واجتناب المنكرات.وصلّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أيها المومنون وعليكم هداكم بالإكثار من الصلاة و التسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم  اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حق قدره و مقداره العظيم، صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال و الآفات، و تقضي لنا بها جميع الحاجات، و تطهرنا بها من جميع السيئات،       و ترفعنا بها أعلى الدرجات، و تبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة و بعد الممات، آمين.و ارض اللهم عن أصحاب رسولك، و خلفاء نبيك، القائمين معه و بعده على الوجه الذي أمر به و ارتضاه و استنه، خصوصا الخلفاء الأربعة، و العشرة المبشرين بالجنة،  والأنصار منهم  و المهاجرين، و عن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين، و عن أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، اللهم انفعنا يا مولانا بمحبتهم، و انظمنا يا مولانا في سلك ودادهم، و لا تخالف بنا عن نهجهم القويم وسنتهم،

(ربنا لا  تزغ  قلوبنا بعد إذ هديتنا)

( و هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)

( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)

( و لا تجعل في قلوبنا غلا  للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم .)

(سبحان ربك رب العزة عما يصفون)

( و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين).

الخطبة من إنشاء عبد ربه الفقير إلى رحمته :” ذ سعيد منقار بنيس”

الخطيب    بمسجد ” الرضوان ” لافيليت ” عين البرجة الدار البيضاء

أستاذ العلوم الشرعية

بمدرسة العلوم الشرعية التابعة لمؤسسة مسجد الحسن الثاني

مفتش منسق جهوي لمادة التربية الإسلامية للتعليم ثانوي متقاعد

البريدالالكتروني mankarbennissaid@gmail.com

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى