أنشطة

رسالة تهنئة بنيل شرف شيخ الطريقة التجانية بالمملكة المغربية

رسالة تهنئة قدمها السيد المصطفى بن الحاج محمد الرازي مقدم الزاوية التجانية بالكزى في مراكش، للشريف سيدي محمد الكبير بن سيدي أحمد التجاني بمناسبة توليه مشيخة الطريقة التجانية بالمغرب.
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الفاتح الخاتم وعلى آله وصحبه أجمعين

إلى الشريف الصوفي الجليل سيدي محمد الكبير حفيد شيخنا الجليل أبي العباس سيدي أحمد التجاني الحسني رصي الله عنه.
الموضوع: رسالة تهنئة بنيل شرف شيخ الطريقة التجانية بالمملكة المغربية.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وكلل الله أمسيتكم هاته بإشراقات المودة والمحبة والحبور.
وبعد، تتشرف أسرة المرحوم المشمول بعفو الله ورضاه الشريف سيدي الحاج محمد الرازي التجاني والشرفاء والمريدون التجانيون بزاويته التي أنشأها والده قطب الطريقة سيدي الحاج العباس التجاني المراكشي التگموتي بطريق الجزاء روض العروس منذ سنة 1914م وإلى اليوم – أقول في حضرتكم الطيبة الميمونة: تتشرف هذه الزاوية المباركة السعيدة، المزدانة بالأنوار الربانية وقدسية كتابه الكريم، وأذكار شيخنا وقدوتنا سيدي أبي العباس أحمد التجاني رحمه الله وجزاه عن الطائفة التجانية الشريفة خير ما يجزي به شيخا عن مريديه ومقدميه وخلفائه في زواياه وفي إعطاء إذن ولوج الطريقة والتقديم على رأس الزوايا …
أقول مرة أخرى، وفي حضرتكم الطيبة الميمونة: تتشرف هذه الزاوية مقدما ومريدين ومحبين وذاكرين، أن يتقدموا إلى سيادتكم المنيفة، وإلى جنابكم الشريف الفواح بأريج ذكر مولانا سبحانه وتعالى وعطر الصلاة والسلام على حبيبنا وإمامنا وقدوتنا وقائدنا إلى الطريق والنهج المستقيم، نهج الأنبياء المرسلين، والأولياء الأبرار الميامين، وفي مقدمتهم شيخنا الجليل سيدي أحمد التجاني … تتقدم هذه الثلة جميعها إلى مقامكم، العالي بالله، بأحر التهاني وسمو الأماني لما أكرمكم به المولى سبحانه وتعالى، وأنتم أهل الشرف وأجدر بهذا السمو، وأحق بنيل درجة شيخ المغرب في الطريقة الأحمدية المحمدية التجانية حفظها الله وصانها من كل الشرور على مر الأيام والعصور والأزمان والدهور، وجعلها وأهلها منصورين معززين مكرمين بفضل الله ورعايته وكرمه، مستنصرين بعزة نبيه وحبيبه سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وبحفيده الأجل سيدنا وشيخنا ورائدنا في أسمى القيم والمعالي سيدي أبي العباس أحمد التجاني.
وإن مما جعلنا أكثر مفخرة وأشد اعتزازا بهذه التسمية الجليلة، إنعامكم بها من قبل حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين جلالة ملكنا الهمام سيدي محمد السادس نصره الله وأيده، وخلد في الصالحات ذكره، فقد نلتم هذه الحظوة التاريخية الشريفة، وسعدتم بها وسعدنا معكم بها نحن مريدي وأبناء هذه الطريقة النفيسة الغالية،… ولا غرابة ولا عجب في ذلك، فأنتم – كما سبق القول رعاكم الله – أهل لهذا التشريف، بوصفكم حفيدا لشيخنا المقتدر، بوصفكم  ـ أطال الله عمركم ـ صاحب الباع الطويل في العلم والتصوف، وحامل لواء الذود والدفاع ونشر هذه الطريقة في جميع بقاع العالم. وحفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ملكنا الشاب الملهم وابن العائلة الصوفية، وسليل العثرة النبوية الشريفة، ولا أدل على ذلك أننا نرى جلالته يختتم الدروس العلمية الرمضانية كل يوم بصلاة الفاتح التي أنزلت بقلم القدرة على الشيخ البكري المصري الذي ظل زمنا طويلا يرجو الله أن يرزقه صلاة تفوق جميع الصلوات الكائنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستجاب المولى سبحانه وتعالى لدعائه وألهمه هذه الصلاة التي ليست من كلام بشر، وقال الشيخ البكري: “من قرأ هذه الصلاة بهذه النية في عمره مرة واحدة فليقبضني أمام المولى سبحانه وتعالى يوم القيامة إذ لم يدخل الجنة”، هذه الصلاة التي يختتم بها مولانا صاحب الجلالة دروسه العلمية الرمضانية هي من الصلوات التي دل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخنا وقدوتنا سيدي أحمد التجاني، وهذا لم يأت من فراغ مطلقا وإنما نصت عليه أمهات الكتب الإسلامية، وصح عن طريق مجموعة كبيرة من أئمة وعلماء ديننا الحنيف، وقد شرحه بإسهاب شيخنا سيدي أحمد التجاني في كتابه – جواهر المعاني – المؤلف من جزأين كبيرين عام 1214هـ، والذي هو من إملاءاته على خليفته سيدي علي حرازم رضي الله عنه.

وحظوتكم هذه – شيخي الجليل – من قبل أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله، لتذكرنا بتلك الحظوة الكريمة السامية التي نالها شيخنا العظيم من قبل السلطان المولى سليمان العلوي، الذي استقبله بعاصمة ملكه فاس، يقول الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله في مقال نشره بمجلة دعوة الحق تحت عنوان: “لماذا رعاية الدولة العلوية للطريقة التجانية”: “إن رباط البيعة للمملكة المغربية هو الذي حدا بالشيخ التجاني للهجرة إلى فاس انتجاعا للجهاد ودفاعا عن الصحراء الشرقية المغربية” – والعروة الوثقى التي تربط بين الطريقة التجانية والدولة العلوية، والمتجلية بين الشيخ سيدي أحمد التجاني والسلطان المولى سليمان تظهر بارزة في نشر الدين الإسلامي والجهاد في سبيل الله، وطرد المستعمر من الصحراء المغربية ومحاربة كل من يمس بسيادة ووحدة المغرب ـ وتاريخ المغرب خير شاهد على مواصلة هذه الأعمال حتى وفاة الشيخ والمولى سليمان، وهذا قول يؤكده قول الأستاذ بنعبد الله، الذي يذكر: “إن هذا الرباط للحفاظ على وحدة المغرب، واصله الشيخ التجاني والمولى سليمان عبر هذه الصحاري التي بقيت المعارك مع حكام الأتراك عليها دائما حتى وفاة الشيخ والمولى سليمان”. والملاحظ أن شيخنا سيدي أحمد التجاني، وباعتراف العلماء والأئمة وأهل الدين والفكر، كان يتمتع بروح دينية كبيرة، وبروح المواطنة العالية، وكان يستأثر باهتمام الجميع، لوفرة علمه وغزارة أفكاره وسمو أخلاقه وشرف قيمه وعلو مكانته ودرجته التي اكتسبها بجده ومثابرته ومواصلة سعيه من أجل القيم والفضائل الإنسانية الرفيعة … ولهذا لما وصل إلى فاس استقبله المولى سليمان فأعطاه دار المرايا وساهم في بناء زاويته، وفي هذا يقول الشاعر:

  ذاك الـذي نـال مـا لـم يحــوه بشـر
 من العطايـا ولـم يعـرف بمقيــاس
  روح الوجود وقطب الكون مركزه
 مـدده سـره الســاري إلـى النــاس
  رمـز الوجود وسـر الحـق طلمسـه
 مكنـونـه كنــزه المخفـي بحــراس
  حقيقـة الكـون معنـى السر مجمعـه
 فيض الإلـه بــلا لبـس ولا بـــاس
  أعني التجانـي تـاج العارفين ومـن
 بسابـغ الفضـل مـن عرفانه كاسي
وفي السياق نفسه، لابد من الإشارة إلى ما تلتقي فيه شخصيتكم الكريمة من جدكم سيدي أحمد التجاني، وذلك لقدمكم الراسخ في العلم، علم جدكم، وباعه الكبير في تفسير القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، التي اختلف العلماء في تأويلها، فكان جدكم شيخنا سيدي أحمد التجاني يعطي حلولا وتفاسير وشروحا تبهر العقول وتخرس الألسنة، وأنتم رعاكم الله بعنايته، وحفظكم بموفور رعايته، قد سرتم على هذا النهج، وسرتم على هذه الطريقة المثلى … وما هذه التسمية: شيخ الطريقة بالمغرب، إلا لتوفركم على شمائل عالية واعتزامكم الشديد على مواصلة السير المستقيم، الذي بنى لبناته شيخنا سيدي أحمد التجاني بزهده وورعه وتقواه وتصوفه وعلمه وسلوكه وحسن معاملته وتسامحه وتشبته بالفضائل الإنسانية الراقية البعيدة عن الزلف والمحاباة … وما هذه الخطوة الشريفة إلا مكافأة مولوية سامية على صنائعكم الجليلة، ودوركم الكبير في إرساء قواعد الفضيلة والمثل العليا امتثالا لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وما الطريقة التجانية إلا بعث جديد للقيم والفضائل والمثل في الظاهر والباطن، فقد سئل الشيخ التجاني عن حقيقة التصوف، فأجاب بما نصه: “اعلم أن التصوف هو امتثال الأمر واجتناب النهي في الظاهر والباطن، من حيث يرضى للأمة حيث ترضى” فجدير بنا ونحن نستحضر هذا الزخم الهائل من صفاته الرضية، وشمائله البهية، أن نحث على التمسك والتشبت بطريقته، ونعرف أسرارها لأجيالنا الصاعدة، ليتربوا على الجميل من الأخلاق، ويذوقوا أحلى ما في الحياة: ألا وهو شَهْد القيم الإسلامية الكريمة، والفضائل النبوية العظيمة، وقد صدق سيدي إبراهيم الرياحي التونسي في أبياته حين قال:
رد ورده العذب واستنشق روائحه
تظفــر بأعطـار ذاك الـورد والآس
واستعمل الجد في تحصيل واجبـه
إن لم تكن في بساط القرب ذا ياس
واهـرع إليـه إذا ما كنـت ذا ظمــإ
وأسرع إلى الله مشـاء علـى الراس
وما ظنونـك بالـورد الـذي نظـمت
يــد النبــوءة هـل يبنـى بلا ســاس
ومـا تظـن بمنهــاج لســالكـه أمنـا
مـــن أهــــوال نيـــران وأرمـــاس
لا أنكر وأنا في حضرتكم الشريفة، أعلن بأن أورد القلب في حياض صنائعه تتجول، والكلام عن شمائله يطول، والتعلق بطريقته سيظل قائما لا يزول…
فهنيئا لكم شيخنا الكريم، بهذه الخطوة المولوية السامية، ومبارك ما وصلتم إليه بسعيكم وأمانتكم وشرف فضائلكم … والفخر لنا صادحا اليوم بما يثلج به الصدر، وتقر به العين، فبارك الله مسعاكم، وأضاء الله بمنهجكم طريق الخير والسداد، وجعلكم خير خلف لخير سلف…

لا يسعني وقد أشرفت على إنهاء هذه الرسالة، إلا أن أردد دائما مع الشاعر الصوفي الكبير سيدي إبراهيم الرياحي التجاني داعيا بالرحمة والغفران والثواب الجزيل لشيخنا الجليل سيدي أحمد التجاني، وأن يجمعنا المولى سبحانه وتعالى في جنة خلده، مع زمرة حبيبنا وسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم. وأن يسقينا من حوضه بيديه الشريفتين، شربة لا نظمأ بعدها أبدا.

 يا رب أدعوك بالأسمــاء وأعظمهـا
وأفضل الرسل ذي الإحسان والياس
 وحمــزة وعلـــي وابنــــه حـســــن
مــع الحسيــــن وزهـــراء وعبــاس
 اجعـل قـلادة جـيدي فـــي أصابعــه
وارحم به قلبي المضنـى بـه القاسـي
 وابعث له عند سمـع النظـم مرحمـة
تنفـــي علــى شقــاوتـــي وإفـلاســي
 وعم مثـواه تسليمــا فليـــس ســـوى
تسليم ذاتك كفء القطب فـي النــاس
عن أسرة المرحوم الحاج محمد الرازي التجاني ومريدي الزاوية بروض العروس طريق الجزاء
إمضاء: مقدم الزاوية المصطفى بن الحاج محمد الرازي التجاني
الخميس 6 مارس 2009 / 7 ربيع النبوي 1430

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى