مقالاتمواضيع مختلفة

التصوف وأهميته في حياة الفرد والمجتمع/ الدكتور محمد حنفي دهاه

التصوف وأهميته في حياة الفرد والمجتمع

الدكتور محمد الحنفي ولد دهاه يحاضر في “الثقافي المغربي ” عن التصوف ودوره في حياة الفرد والمجتمع

 

الدكتور محمد الحنفي ولد دهاه/ أستاذ الفكر والحضارة الإسلامية بقسم الفلسفة وعلم الاجتماع ومنسق وحدة التصوف بكلية الآداب في جامعة نواكشوط العصرية.
احتضن المركز الثقافي المغربي بالعاصمة نواكشوط مساء الثلاثاء محاضرة  بعنوان :”التصوف وأهميته في حياة الفرد والمجتمع” للدكتور محمد الحنفي ولد دهاه أستاذ الفكر والحضارة الإسلامية بقسم الفلسفة وعلم الاجتماع ومنسق وحدة التصوف بكلية الآداب في جامعة نواكشوط العصرية.
وتحدث المحاضر عن تاريخ التصوف ومفاهيمه وأهميته في حياة الأفراد والمجتمعات
تميزت المحاضرة بحضور جمع غفير من الاستاذة الأكادميين والمنشغلين بالشأن الفكري والثقافي في البلاد ، فضلا عن مدير المركز الثقافي المغربي في نواكشوط

 

وهذا نص المحاضرة :

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح الخاتم الناصر الهادي وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

عنوان المحاضرة :التصوف وأهميته في حياة الفرد والمجتمع

بقلم أ.د. محمد الحنفي بن دهاه أستاذ الفكر والحضارة الإسلامية بقسم الفلسفة ومنسق وحدة التصوف بكلية الآداب /جامعة نواكشوط/ عضو المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة

المركز الثقافي المغربي بنواكشوط بتاريخ 08 مايو 2018

أود في بداية هذه المحاضرة أن أتوجه بخالص الشكر الجزيل إلى المركز الثقافي المغربي بنواكشوط على جهوده القيمة في نشر الثقافة الإسلامية ومواكبته لتطورات الساحة العلمية والثقافية والأدبية، وحرصه الدائم على استدعاء نخبة المثقفين في البلد لنقاش مواضيع ذات أهمية بالغة في حياة الناس مثل هذا الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه اليوم والذي يكتسي أهمية خاصة بالنسبة لعموم المسلمين في العالم، وخصوصا بالنسبة لسكان القارة السمراء، وهذا الدور ليس بمستغرب على المركز الثقافي المغربي، حيث أثبت التاريخ دورا بارزا لعلماء وصلحاء المغرب في المحافظة على وحدة الأمة وصيانة الثوابت التي قام عليها الدين في هذه المنطقة وهي المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف الجنيدي

مقدمة:

 إن المسلمين بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يتسمّ أفاضلهم في عصره بتسمية سوى صحبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم: الصحابة.

ولمَّا أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة بالتابعين، ورأوا في ذلك أشرف سِمة. ثم قيل لمن بعدهم: أتباع التابعين.

ثم اختلف الناس، وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس مِمَّن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزّهاد والعُباد.

ثم لما ذهب المشاهدون لنور النبوءة، والمشاهدون لمن شاهده، كرت الدنيا على الناس بزخارفها، وأجلب الشيطان عليهم بخيله ورجله، فداخلت القلوبَ الشهواتُ والغفلات والرعونات، وظهرت البدع، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادَّعوا أن فيهم زهاداً، فانفرد خواصُّ أهل السُّنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف. واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة.[1]

وسيكون كلامنا أولا على حد التصوف بما يحصل به تصوره، ثم على موضوعه، ليتم له الامتياز عن غيره، ثم نتبع ذلك بالكلام على مستمده، وحكمه الشرعي. ثم بيان مسائله، وفضليته، ثم في حقيقته وأركانه القائم عليها، ثم على أهميته في حياة الفرد والمجتمع وخاصة في وقتنا الحاضر.

كل ذلك ليتمكن المستمع من الاطلاع على حقيقة هذا العلم، ويرتفع عنه اللبس فيما يتعلق بأكثر جوانبه

 

حد التصوف:

قد اختلف في اشتقاق لفظ “التصوف” على أقوال كثيرة؛ وأمسها بحقيقته حسب علمنا خمسة:

أولها: أنه من الصوفة، لأن المتصف بهذا الاسم يكون مع الله كالصوفة المطروحة، لا تدبير له. وقد آثر التواضع والذلة وسقوط القدر مثلها.

الثاني: من صوفة القفا للينها. فالصوفي هين لين كهي.

الثالث: أنه من الصِّفَة، إذ جملته اتصاف بالمحامد، وترك الأوصاف المذمومة.

الرابع: أنه من الصفاء، لأنه مقام الصوفية، وصُحح هذا القول، وإن كان الاشتقاق لا يساعده.

الخامس: أنه من الصفة بضم الأول وتشديد الثاني، وهي مظلة في المسجد النبوي، كانت مأوى الفقراء المتجردين، لأن الصوفي تابع لهم فيما أثبت الله لهم من الوصف، حيث قال: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه”. غير أنه لو كان منه لقيل: “تصفف:، كما يقال: “تمعددإذا اعتزى لمعد.[2]

وحقيقة التصوف تظهر مما ذكرنا في أوصاف أهله، ولكن لاختلاف مشاربهم عبر عنه كل بما يوافق مقامه.

فقيل: ” هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به”. وهو المنسوب إلى شيخ الطائفة أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه. ومعناه استقامة العبودية، بأن يفنى مراد العبد في مراد ربه، وعلمه في علمه، حتى لا تبقى إلا عبودية تعلقت بربوبية، وربوبية تولت عبودية، وهذا مقام رفيع، وهو الذي طلبه أبو يزيد حين قال: “أريد أن لا أريد[3].

وقيل: الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني.

وقيل: هو أن لا تملك شيئاً، ولا يملكك شيء.

وقيل: “استرسال النفس مع الله على ما يريد”.

وقال شيخنا التجاني رضي الله عنه: “التصوف هو امتثال الأمر واجتناب النهي من حيث يرضى لا من حيث ترضى[4]اهـ

وقيل: التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالبذل والإيثار، وترك التدبير والاختيار.

وقيل: الأخذ بالحقائق، والإياس مما في أيدى الخلائق.

قال الهروي في منازل السائرين: “واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم أن التصوف هو الخلق، وجماع الكلام فيه يدور على قطب واحد، وهو بذل المعروف وكف الأذى.[5]

وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

ليس التصوف لبس الصوف ترقعه —– ولا بكاؤك إن غنى المغنونا

ولا صياح ولا رقص ولا طرب —– ولا اختباط كأن قد صرت مجنونا

بل التصوف أن تصفو بلا كدر —– وتتبع الحق والقرآن والدينا

وأن تُرى خاشعاً لله مكتئبا —– على ذنوبك طول الدهر محزونـا

قال الشيخ زروق رضى الله عنه: قد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ الألفين، ترجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه والله اعلم.[6]

 ثم قال: والاختلاف في الحقيقة الواحدة إن كثر دل على بعد إدراك جملتها، ثم هو إن رجع لأصل واحد يتضمن جملة ما قيل فيها كانت العبارة عنه بحسب ما فهم منه؛ وجملة الأقوال واقعة على تفاصيله، واعتبار كل واحد له على حسب مثاله منه علماً أوعملاً أوحالاً أوذوقاً أوغير ذلك.

والاختلاف في التصوف من ذلك، فمن أجل ذلك ألحق الحافظ أبو نعيم رحمه الله بغالب أهل حليته عند تحليته كل شخص قولاً من أقوالهم يناسب حاله، قائلاً: وقيل: إن التصوف كذا. فأشعر أن كل من له نصيب من صدق التوجه له نصيب من التصوف، وأن تصوف كل أحد هو صدق توجهه.[7]

وقال أيضاً: قاعدة صدق التوجه مشروط بكونه من حيث يرضاه الحق تعالى، وبما يرضاه، ولا يصح مشروط بدون شرطه، “ولا يرضى لعباده الكفر، فلزم تحقيق الإيمان، “وإن تشكروا يرضه لكم”، فلزم العمل بالإسلام، فلا تصوف إلا بفقه، إذ لا تعرف أحكامُ الله تعالى الظاهرةُ إلا منه، ولا فقه إلا بتصوف، إذ لا عمل إلا بصدق توجه، ولا هما إلا بإيمان، إذ لا يصح واحد منهما بدونه، فلزم الجميع لتلازمها في الحكم، كتلازم الأرواح للأجساد، إذ لا وجود لها إلا فيها، كما لا كمال له إلا بها.

ومنه قول مالك رحمه الله: “من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق”.

 قلت: تزندق الأول، لأنه قائل بالجبر الموجب لنفي الحكمة والأحكام؛ وتفسق الثاني، لخلو علمه عن صدق التوجه الحاجز عن معصية الله تعالى، وعن الإخلاص المشروط في العمل لله؛ وتحقق الثالث لقيامه بالحقيقة في عين تمسكه بالحق.[8]

وينقسم علم التصوف إلى قسمين: علم مكاشفة، وعلم معاملة.

فالقسم الأول: علم المكاشفة: وهو علم الباطن، وهو علم الصديقين والمقربين، فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان (أي الصوفي) يسمع من قبلُ أسماءها، فيتوهم لها معاني مجملةً غير متضحة، فتتضح إذ ذاك، حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه، وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله، وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة.[9]

 وذلك غاية العلوم، فقد قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة، وأدنى نصيب منه التصديق به، وتسليمه لأهله.

 وقال آخر: من كان فيه خصلتان لم يفتح له بشيء من هذا العلم: بدعة، أو كبر.

وأما القسم الثاني: وهو علم المعاملة، فهو علم أحوال القلب. فأما ما يحمد منها فمن أمثلته الصبر والشكر والخوف والرجاء والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء ومعرفة المنة لله تعالى في جميع الأحوال والإحسان وحسن الظن وحسن الخلق وحسن المعاشرة والصدق والإخلاص.

 ومعرفة حقائق هذه الأحوال المذكورة سلفا وحدودها وأسبابها التي بها تكتسب وثمرتها وعلامتها ومعالجة ما ضعف منها حتى يقوى ،وما عزب حتى يعود ،فمن علم الآخرة.

وأما ما يذم فخوف الفقر، وسخط المقدور، والغل، والحقد، والحسد، والغش، وطلب العلو، وحب الثناء، وحب طول البقاء في الدنيا للتمتع، والكبر، والرياء، والطمع، والبخل، والبطر، وتعظيم الأغنياء، والاستهانة بالفقراء، والمباهاة، والاستكبار عن الحق، والخوض فيما لا يعنى، وحب كثرة الكلام، والتزين للخلق، والمداهنة، والعجب، والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس، وشدة الانتصار للنفس إذا نالها الذل، وضعف الانتصار للحق، والأمن من مكر الله سبحانه وتعالى في سلب ما أعطى، والاتكال على الطاعة، وطول الأمل، والفرح بالدنيا، والأسف على فواتها، والأنس بالمخلوقين، والوحشة لفراقهم، فهذه وأمثالها من صفات القلب هي مغارس الفواحش، ومنابت الأعمال المحظورة. وأضدادها -وهي الأخلاق المحمودة- هي منبع الطاعات والقربات. فالعلم بحدود هذه الأمور، وحقائقها، وأسبابها، وثمراتها، وعلاجها، هو علم الآخرة؛ وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، فالمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا، بحكم فتوى فقهاء الدنيا.[10]

 

موضوعه:

موضوع التصوف هو الذات العلية، لأنه يبحث عنها باعتبار معرفتها، إما بالبرهان، أو بالشهود والعيان؛ فالأول للطالبين، والثاني للواصلين.

وقيل: موضوعه النفوس والقلوب والأرواح، لأنه يبحث عن تصفيتها وتهذيبها، وهو قريب من الأول، لأن من عرف نفسه عرف ربه.

استمداده:

وأما استمداده فهو من الكتاب والسنة وإلهامات الصالحين وفتوحات العارفين، وقد أدخلوا فيه أشياء من علم الفقه، لمسيس الحاجة إليه في علم التصوف، حررها الغزالي في الإحياء في أربعة كتب: كتاب العبادات، وكتاب العادات، وكتاب المهلكات، وكتاب المنجيات، وهو فيه كمال، لا شرط، إلا ما لا بد منه في باب العبادات والله تعالى أعلم.

حقيقته وأركانه القائم عليها:

يعتمد التصوف كما في حلية الأولياء على تسعة أركان وهي:

  1. معرفة الله تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله ومعرفة النفوس وشرورها

  2. اعتماد القلب على الله تعالى في السكنات والحركات

  3. الرغبة في الطاعات

  4. الصبر في فقد الدنيا عن الخروج إلى المسألة والشكوى

  5. الشغل بالله عن سائر الأشغال

  6. الذكر الخفي عن جميع الأذكار

  7. تحقيق الإخلاص

  8. السكون إلى الله عز وجل في الاضطراب والوحشة

  9. التمييز في الأخذ عند وجود الشيء

 

حكمه الشرعي:

وأما حكم الشارع فيه فقال الغزالي: إنه فرض عين، كما تقدم عنه[11]، إذ لا يخلو أحد من عيب أو مرض، إلا الأنبياء عليهم السلام؛ وقال الشاذلي: من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر، وهو لا يشعر.

مسائله:

وأما تصور مسائله فهي معرفة اصطلاحاته، والكلمات التي تتداول بين القوم، كالإخلاص، والصدق، والتوكل، والزهد، والورع، والرضا، والتسليم، والمحبة، والفناء، والبقاء، وكالذات، والصفات، وكمعرفة حقيقة الحال، والوارد، والمقام، وغير ذلك. وقد ذكر أبو القاسم القشيري في أول رسالته جملة شافية من ذلك.

قال في إيقاظ الهمم: وقد كنت جمعت كتاباً فيه مائة حقيقة من حقائق التصوف سميته “معراج التشوف إلى حقائق التصوف” فليطالعه من أراده، ليستعين به على فهم كلام القوم.

ثم قال: والتحقيق في مسائل هذا العلم أنها القضايا التي يبحث عنها السالك في حال سيره، ليعمل بمقتضاها، ككون الإخلاص شرطاً في العمل، وكون الزهد ركناً في الطريق، وكون الخلوة والصمت مطلوبين، وأمثال هذه القضايا، فهي مسائل هذا الفن، فينبغي تصورها قبل الشروع في الخوض فيه علماً وعملاً والله تعالى أعلم.[12]

فضليته:

تقدم أن موضوع التصوف هوالذات العلية، وهي أفضل على الإطلاق، فالعلم الذي يتعلق بها أفضل على الإطلاق، إذ هو دال بأوله على خشية الله تعالى، وبوسطه على معاملته، وبآخره على معرفته والانقطاع إليه.

ولذلك قال الجنيد: لو نعلم أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا لسعيت إليه.

وقال الشيخ الصقلي رضي الله عنه في كتابه المسمى بأنوار القلوب في العلم الموهوب: وكل من صدق بهذا العلم فهو من الخاصة، وكل من فهمه فهو من خاصة الخاصة، وكل من عبر عنه وتكلم فيه فهو النجم الذي لا يدرك، والبحر الذي لا ينزف.

وقال آخر: إذا رأيت من فتح له في التصديق بهذه الطريقة فبشره؛ وإذا رأيت من فتح له في الفهم فيه فاغتبطه، وإذا رأيت من فتح له في النطق فيه فعظمه، وإذا رأيت منتقدا عليه ففر منه فرارك من الأسد، واهجره.[13]

نسبته:

وأما نسبته من العلوم فهو كلي لها، وشرط فيها، إذ لا علم ولا عمل إلا بصدق التوجه إلى الله تعالى، فالإخلاص شرط في الجميع.

هذا باعتبار الصحة الشرعية والجزاء والثواب، وأما باعتبار الوجود الخارجي فالعلوم توجد في الخارج بدون التصوف، لكنها ناقصة أو ساقطة، ولذلك قال السيوطي: نسبة التصوف من العلوم كعلم البيان مع النحو، يعني هو كمال فيها ومحسن لها.

وقال الشيخ زروق رضي الله عنه: نسبة التصوف من الدين نسبة الروح من الجسد، لأنه مقام الإحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: أن تعبد الله كأنك تراه.. الحديث. إذ لا معنى له سوى ذلك.

واضعه:

سئل أحد العلماء عن أول من أسس التصوف وهل هو بوحي سماوي فأجاب : “أول من أسس التصوف هو الوحي السماوي في جملة ما أسس من الدين المحمدي، إذ هو بلا شك مقام الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم بعدما بينها واحدا واحدا دينا بقوله:”هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”، وهو الإسلام والإيمان والإحسان

فالإسلام طاعة وعبادة، والإيمان نور وعقيدة والإحسان مقام مراقبة ومشاهدة، (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)

فمن أخل بهذا المقام “الإحسان” الذي هو التصوف فدينه ناقص بلا شك لتركه ركنا من أركانه، فغاية ما يدعو إليه التصوف ويشير إليه هو مقام الإحسان، بعد تصحيح الإيمان والإسلام.[14]

ثمرته:

ثمرة التصوف عند علماء الفن تهذيب النفوس،وترسيخ المعارف الإيمانية والتحلي بالآداب الإنسانية،

ذلك أن أصول هذا العلم -كما قال سهل بن عبد الله – مبنية على ستة أشياء : كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكف الأذى ، واجتناب الآثام ، والتوبة ، وأداء الحقوق[15].

ولهذه الدعائم الستة آثار بارزة في سلوك الطريق الأمثل بالنسبة للفرد والمجتمع ؛ فالتمسك بالكتاب والسنة والاعتصام بحبلهما وأداء الحقوق وكف الأذى عوامل أساسية في وحدة الكلمة ونبذ الشذوذ والتطرف  ، قال الله تبارك وتعالى (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) وقال : وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) وقال : (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) وقال : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

وقال رسول الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تناجشوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا.[16]

وفيه كذلك عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه  ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك أصابعه[17].

وقال صلى الله عليه وسلم (يد اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ)[18]

فبقيام التصوف على ضبط الأمور بتعاليم الكتاب والسنة نجح في الحفاظ على وحدة الصف وتماسك بنية المجتمع المسلم .

وبقيامه على أداء الحقوق وكف الأذى هيأ الأرضية الملائمة لقيام علاقة ودية بين أفراد المجتمع تحتفظ بجو إيجابي من التكافل المادي والتجاوب المعنوي لا يترك ثغرة للمنغصات الشيطانية التي لا تريد لابن آدم أن يعيش حياة كريمة إلى جنب أخيه.

أما الأثر البارز للدعامتين الأخريين وهما التوبة واجتناب الآثام فمرجعه في الأساس توجيه السلوك الفردي للمسلم إلى الوجهة الصحيحة بجعله يسير على محجة بيضاء مأمونة الغوائل تجعل السائر فيها مطمئن القلب خالدا إلى راحة الإيمان وبشاشته ، معظما لحرمات الله مجتنبا لسخطه مشتغلا بما يعنيه.

ومن نظر في كتب القوم وشاهد أحوالهم أدرك أنهم فازوا بالأدب الدنيوي والأخروي وتحلوا بأحسن الآداب الإنسانية وكانوا أشد الناس بعدا من البدع والضلالات . نفعنا الله ببركاتهم ووفقنا لاتباع سننهم والاستفادة من سلوكهم.

أهمية التصوف في حياة الفرد والمجتمع

أضحى التصوف اليوم قانونا ضروريا لتحقيق التوازن في الحياة، وطريقا معَبدة للانسجام مع فطرية الوجود وبساطته، ومنهاجا محتما لتسديد القيم والسلوك، وشريعة غضة تستطيع برسالتها أن توجد الحلول الناجعة للمشاكل التي تعاني منها المجتمعات الإنسانية، وترزح تحت وطأتها فئات من المهووسين بحمى الحياة المعاصرة، وتعيش من وراء حجابها فئام من المضطربين والحيارى الذين فقدوا تفسيرا واضحا لحقيقة وجودهم، ومعنى حياتهم.

فالتصوف بهذا الاعتبار والتقدير، سفينة النجاة التي تمخر عباب الأمواج العاتية للحياة المادية الفاقدة للروح والغاية، والمحطة التي تزود الإنسان بطاقة روحية ووجدانية تفيده في تحرير نفسه من سلطان الهوى، وربقة الشهوة، وأغلال النزوة.

لكن هذا الإرث الروحي تعاملت معه طوائف كثيرة بالتعمية والنقض، وطالته أخرى بمعاول الهدم والطمس، وأرسلت إليه سهام طاعنة، وأطلقت عليه حداد الألسنة تسلق أهله وتُجرح محبيه بكل نقيصة وعار، وهذا ما يستلزم من أربابه أن يدافعوا عن بيضته، ويستوجب من معتنقيه أن يحموا ذماره، ويعرفوا بحقيقته، ويجلو مذهبه، و إلا تسممت العقول بالإنكار، وتصحرت النفوس بالجفاء، وهبت على القلوب رياح الاشتباه، وتولت على الباطن موجات الشك والارتياب، واستولت على السلوك أحاسيس المصلحة والاضطراب، وانتفت من الأرواح حب الحياة الروحية، وأثرة الانتساب إلى معاهد الصلاح، ومغاني الأخيار، فيتحول الإنسان المفتون بالعولمة والعصرنة قهرا إلى النظرة العجلى للحياة، والرؤية المسطحة الفاقدة للبراهين والدليل العلمي، وهذا مربط الضرر، وموقع الخطر.

ويمكننا من خلال استقراء ما سبق أن نبرز النقاط الأساسية التالية :

أولا: إن السبيل الوحيد لتخليص الأمة مما تتخبط فيه من أزمات فكرية وعقدية يكمن في رجوعها إلى التعاليم السمحة لشريعة الإسلام والمحبة والسلام من خلال التصوف الذي يعتبر جامعة شعبية تجمع مكونات الثقافة الإسلامية، ومختلف شرائح المجتمع الإسلامي، فالمفسرون، والمحدثون، وأهل الفقه والفلاسفة والحكماء، والمتكلمون ، وأرباب الأدب والشعر، وسائر طبقات الناس من العلية إلى السفلة، ومن النجباء إلى البلداء، يستطيع التصوف أن يمدهم بوهج يوقد أنوار الهداية في حياتهم، ويعطي غاية وهدفا حقيقيا لوجودهم.

 

ثانيا: إن التصوف يمثل الحياة الروحية للديانات السماوية، ويجسد حقيقة التدين الصحيح الذي يحرك الإنسان في دائرة الفعل المسئول، فلا حقد، ولا عداء، ولا حسد، ولا بغضاء، ولا كراهية، ولا إسفاف بحق الألوهية والربوبية، ولا تطاول على حقوق المخلوقين والعباد، فالتصوف هو الموصل للعبد الصادق إلى حضرة علام الغيوب، والمبلغ إلى مالك الملوك، وهو الجسر الذي يعين الإنسان على التعايش السلمي مع أخيه الإنسان، وييسر له أسباب الالتقاء والمقام الأمين.

ثالثا: إن التصوف يُعلِم الإنسان على اختلاف وظيفته في الحياة، ووظيفته في السلم الاجتماعي، كيف يحب غيره، فهو قيثارة الحب، وقانون الود، ومشتل الصفاء، فبالحب تصفوا الأرواح، وتسمو النفوس، وبالحب ستسطر الأمة قيمتها بين الأمم، وتعلوا مكانتها بين الأقوام.

 

رابعا: إن التصوف يبرُز في خاصيته بمثابة النقطة المحورية التي تلتقي في رحابتها جميع المذاهب والمشارب، فالماتريدي إلى جانب الأشعري، والمالكي إلى جانب الشافعي، وهكذا دواليك، فلكل حظ من هذا الإرث الروحي، ونصيب لا ينكر.

 

خامسا: إن التصوف يقدم للإنسان حلولا عملية تساعده على ترويض نفسه، وتهذيب أخلاقه، وتخليص ذاته من الأنانيات المفرطة، ويعطي أملا في تهيئة الأنفاس والحواس الباطنية والظاهرة للإقبال على الله عز وجل، والبلوغ إلى غاية استحضار عظمته في ملكه وملكوته، فمن اقتادته الأقدار، وساعدته الألطاف، لا بد أن ينتهي إلى مراده، ويستبين مقصوده، ومن لم تلحظه عناية الله بقي جامدا تقصر به فترة البعد والسحق، وتُضعف من مقاماته ساعات اليأس والحنين.

فالتصوف يعبر كما يقول بعض الباحثين: عن شوق الروح إلى التطهر، ورغبتها في الاستعلاء على قيود المادة وكثافتها، وسعيها الدائم إلى تحقيق مستويات عليا من الصفاء الروحي، والكمال الأخلاقي.

 

سادسا: إن التصوف يدفع عن المسلم غلواء الحياة، وفحيح الحضارة، وضغطة المادة، فنحن كما يقول أحد الكتاب المعاصرين في عصر مادي، وهذا يقتضي منا أن نقابله بفكر مكافئ، وبحيوية روحية عالية، ونحن في عصر شهواني، وهذا يقتضي منا أن نقابله بأشواق روحية راقية مع تأمين الشهوات المباحة وإبقاء منافذها مفتوحة.

والمتتبع لمسار المدنية المعاصرة يلحظ ابتعادها عن محور الوجود، وغفلتها عن المعاني الخالدة، والجوانب الملكوتية في النفس البشرية، ويلمس إيلاءها الرعاية القصوى، والأهمية الكبرى للجانب الحيواني في الإنسان، فالربح واكتناز الثروة، والرفاه المادي، والغنم السريع، صارت مع التحولات الاقتصادية غاية الآملين للحياة الوديعة، ومنتهى غايات المحمومين بسعار الحضارة.

سابعا : إن الفراغ الروحي، والعطش النفسي، والاضطراب الذي يواجهه أدعياء الحضارة لا يمكن القضاء عليه إلا بالإجهاز على مسبباته، والقضاء على موجداته، ولا مسلك يؤدي حتما إلى اقتلاع هذا الهوس من قلوب وعقول وأرواح كثير من شباب اليوم إلا بإحياء القيم الروحية، وتعبئة المتدينين للأخذ بما يضمن سلامة أرواحهم من عواصف فتنِ ومغريات الحياة، ويؤمن للمجتمع استقراره وهدوءه وطمأنينته، ويمد الحياة في مشكلاتها بحلول ناجعة، فالتصوف يغطي زوايا حساسة ومهمة في حياة الأفراد، ويسد الخَوَاء الروحي والنفسي الذي يعيشه الإنسان في حياته الفكرية وحضارته المادية.

 

ثامنا : إن التصوف بعد من أبعاد التجربة الدينية، ما دامت التوجيهات الدينية مرتبطة بالجانب العقدي والأخلاقي، فالتصوف فقرة أخيرة من فقرات السير الذي ينتقل فيه المتدين من الإسلام شعيرة، إلى الإيمان عقيدة، إلى الإحسان سلوكا، فالتصوف عبارة عن التخلية عن الأخلاق الأرضية، والتحلية بالأخلاق الملكوتية، والتدثر بالصفات الإلهية،

 

تاسعا: إن التصوف يقرب صورة المعتقد والعبادة على أنها بسيطة غير معقدة، بخلاف المحاكاة المنطقية التي شغلت المتكلمين والفلاسفة ردحا من الزمان.

 

والخلاصة التي يمكن أن نختم بها هذا العرض هي أن التصوف عانى من جملة من الأمور شوهت صورته بقصد أو بغير قصد ومن هذه الأمور على سبيل المثال لا الحصر:

  • : المصطلح الصوفي المشكك إن لم نقل المشترك حسب الإصطلاح الأصولي الذي سبب للكثير من خصومه خللا في الفهم جعلهم يهاجمونه ويتهمونه بما يقلل من قيمته وأهميته وقد رد الصوفية على هذا الجدل بقولهم :”من لم يفقه أحوالنا لم يفقه أقوالنا”.

  • ظلم المنتسبين إليه له بانحرافهم عن المعاني الحقيقية للتصوف إلى ترهات وخرافات ومتاهات تعطل الدور الحضاري للأمة، ، وتدفع بالآخر إلى اتهمامه بأوصاف لا تليق به ولا برجاله المخلصين الصادقين.

ولا يخفي ما في ذلك من تحامل على التصوف وأهله وتزوير للحقائق التاريخية التي تشهد لرجاله بالتفوق العلمي والمعرفي وحمل هموم الأمة والدفاع عن مقدساتها بالحكمة والموعظة الحسنة وبالحزم والعزم، فقد فتح الله بهم قلوبا غلفا وأعينا عميا وآذانا صما ووصل الإسلام بفضل دعوتهم وجهادهم  إلى بقاع لم يكن ليدخلها لولا التضحيات الجسام التي قدم فيها المتصوفة أرواحهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الحق ونشر الدين الإسلامي الحنيف .

 

الهوامش:
[1] – الرسالة القشيرية ص 389. ط/ المكتبة العصرية – بيروت.
[2] – قواعد التصوف لللشيخ زروق ص 24. ط/ الكتب العلمية. القانون لليوسي ص 199.
[3] – القانون لليوسي ص 199، 200. مطبعة شالة  الرباط.
[4] جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض شيخنا أبي العباس أحمد التجاني
[5] – منازل السائرين  (1 / 59)
[6] – قواعد التصوف ص 21.
[7] – قواعد التصوف ص 22.
[8] – قواعد التصوف ص22.
[9]– إحياء علوم الدين – (1 / 37). ط/ المكتبة السلفية.
[10] – إحياء علوم الدين 1/38، 39.
[11] راجع الفقرة الأخيرة من حد التصوف في هذا البحث
[12] – إيقاظ الهمم شرح متن الحكم – (1 / 4)
[13] – إيقاظ الهمم شرح متن الحكم – (1 / 4)
[14] محمد بن الصديق الغماري، الانتصار لطريق الصوفية الأخيار، ص 6
[15] عدة المريد الصادق 36
[16] صحيح البخاري الحديث رقم 5143
[17] صحيح البخاري الحديث رقم 481
[18] سنن الترمذي الحديث رقم 2320

المصدر:

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى