مقالات

مفهوم الجهاد في الإسلام الشيخ إبراهيم صالح الحسيني التجاني

مفهوم الجهاد في الإسلام

الشيخ إبراهيم صالح الحسيني

التجاني

 

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق

 ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم

وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الملك الحق المبين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين  وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وأصحابه السادة المجاهدين .

أما بعد : يقول الله تبارك وتعالي : “يا أيها الذين آمنوا اركعوا لعلكم تفلحون ، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم  هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولي ونعم النصير” الآيات 77 – 78 من سورة الحج.

إن الجهاد  وهو ذروة الإسلام وقبته ، له المكانة السامية في جميع الأديان السماوية ، وهو من الفرائض الدينية ذات الأثر الواضح في التمكين للأمة ، وتأمين بقائها ، والاحتفاظ بهيبتها ، واستقرارها وفي قدرتها على فرض مبادئها ، وإصلاحاتها في جميع الاتجاهات.

إن إحياء فريضة الجهاد اليوم من ألزم الواجبات للأمة الإسلامية ، وخاصة بعد أن اتضحت أهداف هذا النظام العالمي الجديد ، وانكشفت جميع الأقنعة المزيفة التي تغلف وجهة ، وافتضحت نوايا الذين خططوا له . فإن نظام يكيل بمكيالين ، ويواجه الأمم والدول والشعوب بوجهين ، وكل الأدلة تشير بكل وضوح إلي أن محاصرة الإسلام وشعوبه هدف مشترك لتلك العقول التي خططت لقيامه ورعته بقوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية ، والأمة الإسلامية قابعة تحت سلسلة  من التهديد والاعتداءات ، في الشرق والغرب ، وهذا بلا شك هو مصداق الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن ثوبان مولي رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : قال رسول اله صلي الله عليه وسلم : ” يوشك أن تداعي عليكم الأمم من كل أفق ، كما تداعي الأكلة إلي قصعتها . قال : قلنا يا رسول الله ، أمن قلة بنا يومئذ ؟قال : أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ، ويجعل في قلوبكم الوهن . قالوا وما الوهن قال : حب الحياة وكراهية الموت” ج5 ص 278 مسند الإمام أحمد يعتقد كثيرون في العالم خطئاً ، أن الإسلام قام بالجهاد بالسيف ، وانتصر بقوة السلاح ، وهو اعتقاد خاطيء ، فإن كثيراً من البلدان التي أنعم الله عليها بالإسلام في أفريقيا مثلاً ، لم تشهد أصلاً حروباً إسلامية في اعتناقها لهذا الدين ، واكتفي ناشرو الإسلام في تلك البلدان بإحكام أركان وظيفة الجهاد العام الذي من أخص معانية إجهاد النفس ، وأتعابها ، في التقرب إلي الله ، بفعل ما به أمر ، وترك ما عنه نهي وزجر ، فقد قال تعالي ” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ” الآية 69 من سورة العنكبوت .

وبجهاد الدعوة إلي الله ، دخل الإسلام وانتشر ، بل واكتسح جميع المعوقات في أكثر  الممالك القائمة في وسط وغرب أفريقيا آنذاك ، مثل مملكة كانم برنو ، ومما لك الهوسا وصنغاي وغانه ومالي ، وما جرى على تلك البلدان من جهاد مؤخراً في القرن التاسع عشر ، فهو من أجل تحديد الإسلام بعد ضعف الإسلام وغلبة عادات الكفار والمشركين على المنتسبين إيه ، وبعد أن اجهد الدعاة أنفسهم في تقويم الأحوال وإصلاحها ، فقام حماة الباطل في وجوههم بالقتل والتعذيب والاضطهاد ، مما دفع بهؤلاء الأئمة على أحياء سنة الجهاد التجديدي ، وهذا هو سبب قيام الحركات الإصلاحية الكبرى في أفريقيا ، مثل حركة الشيخ عثمان بن فودي – 1168 – 1232 ه في بلاد هوسا. والشيخ محمد الأمين 1189 – 1253 ه في كانم برنو، والشيخ عمر بن سعيد الفوتي 1797-1827 م والإمام محمد أحمد المهدي في السودان … إلي غير ذلك . وهذا النوع من جهاد الحجة والبرهان لا يقل في فعاليته أحيانا من جهاد الرمح والسنان وهو وظيفة العلماء والمحتسبين ، ولنعد إلي أبحاث الجهاد الشرعي ومسائلة.

الإسلام والعلاقات الإنسانية

إن عصر الجاهلية ، وهو فترة ما قبل الإسلام ، بعد أن عبثت أيدي العابثين بشرائع السماء تغلبت فيه الغرائز البهيمية والطباع المتوحشة على الناس ، في صاحبة السلطان والسيطرة ولها الحكم في جميع التصرفات للأفراد والجماعات ، علم ملئ بالظلم والفرضي والطغيان ، يكسر فيه القوى الضعيف ، ويأكل فيه القادر العاجز ويستلب جميع حقوقه ، ففي القرآن جاء التأكيد على ذلك في قوله الله تعالي: ” أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين”الآيات 1-2 من سورة الماعون .

وكذلك في قوله الله عز وجل : “وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حباً جماً ” الآيات 18-20 من سورة الفجر.وفي سورة الضحى : ” فأما اليتيم فلا تقهر ، وأما السائل فلا تنهر ” الآيات 9-10 من سورة الضحى  . وفي سورة نون : ” مناع للخير معتد أثيم ….” الآية  الآية 12من سورة ن .وهكذا كانت صورة الحياة في الجاهلية تبدوا مظلمة قاتمة ، وحياة الإنسان الضعيف فيها بائسة قلقة في هذا الجو المبلد بغموم الفوضى والإرهاب ، تشرق على العالم شمس الإسلام تنفخ روحاً جديداً في الإنسان والكون والحياة وتعيد تقديم الإنسانية أجمع وتعطيها حصانة ثابتة ، هي الأساس في إقامة العلاقات العالمة بين الشعوب . ففي إعلان شامل وصريح وضع الإسلام أساس الوحدة والمساواة بين جميع الشعوب ، فقال الحق تبارك وتعالي: ” يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا   وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ” الآية 21من سورة الحجرات .

وقال في سورة النساء : ” يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ” الآية 1 من سورة النساء.

ودعا إلي العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، فقال :  إن الله يأمركم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون “الآية 90 من سورة النحل .

وأوجب أداء الأمانة ، فقال : ” إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلي أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ، إن الله نعما يعظكم به ، إن الله كان سميعاً بصيراً “الآية 58 من سورة النساء.

ووجه المؤمنين الذين هم قادة المجتمع الجديد أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله ، لا تأخذهم في الله لومة لائم ، فقال : ” يأيها الذي آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيراً فالله أولي بهما ولا تتبعوا الهوي أن تعدلوا وأن تلووا وتعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً ” الآية 124 من سورة النساء .

وكما طالبهم بالعدل في الحكم على القريب والبعيد ، دعى إلي العدالة مطلقاً حتى مع العدو ، فقد قال تعالي : “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” الآية 8 من سورة المائدة.

وجاء الكثير من أحاديث الرسول صلوات الله وسلامة عليه تؤكد هذا المعنى وتعمقه في نفوس الناس ، ففي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليها وسلم قال: ” إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد ، وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملؤوه ، ليس لأحد فضل على أحد إلا بالدين ، أو عمل صالح ” . رواه الإمام أحمد في المسند والبيهقي كلاهما من طريق أن لهيعة  ج3 ص 612الترغيب والترهيب.

وفي خطابة لأبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ” أنظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى ” . رواة أحمد ثقات ، قال المنذري مشهورون ، غلا بكر بن عبد الله المزني لم يسمع من أبي ذر  ج 3ص 612 نفس المرجع.

وفي حديث جابر رضي الله عنهما ، خطبنا رسول الله في أواسط أيام التشريق  خطبة الوداع فقال : ” يا أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند اله أتقاكم ، ألا هل بلغت ، قالوا بلي يا رسول الله . قال : فليبلغ الشاهد الغائب …” الحديث . رواه البيهقي. ج 3ص 572 – 575 الترغيب والترهيب .

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ” إن الله عز وجل أذهب عنكم عَبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنوا آدم ، وآدم من تراب ، مؤمن تقي وفاجر شقي لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها ” رواه أبو داود والترمذي وحسنة والبيهقي باسناد حسن ج 3 ص 613 الترغيب والترهيب .  والعَبية بكسر الباء وتشديدها – الكبر والفخر والنخوة.

بهذه التوجيهات العقائدية السامية أرسي قواعد الإصلاح ووضع اسس العلاقات بين المسلمين بعضهم مع بعض ، وبينهم وبين غيرهم من سائر الشعوب . وهكذا هيأ الإسلام الأجواء وأوجد المناخ الصالح لقيام ونمو روابط التعاون بين جميع أفراد البشر ، كما أنه بذلك حرر ضمير الإنسانية مما كانت تتخبط فيه ، في الجاهلية من ظلمات الجور وضلالات الأهواء ، فأشاع بين جميع الشعوب الخير والأمان والاستقرار ، باحترامه لقيم الإنسانية والحقوق الطبيعية لك كان ، وبمتابعة خط دعوة الإسلام في ابتداء الأمر ندرك أن الإسلام أبعد ما يكون عن العنف أو الإرهاب أو هضم الحقوق ، أو حمل الناس على اعتناقه بالقهر والإكراه ، كما يتفهم كثير من خصومه وأعدائه من طائفتي الجاهلين والمغرضين ممن لم يرزقهم الله الهداية أو الإنصاف ، فقد جاء في القرآن قول الحق تعالي : ” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها ، والله سميع عليم. الآية 256من سورة البقرة .

ففريضة الجهاد في الإسلام لم تفرض لمجرد استعراض القوة أو الاعتداء والقهر أو للرغبة في الاستيلاء على ما في أيدي المحاربين ، أو من أجل التوسع ، ولا  من أجل فرض بعض الأهداف السياسية المنافية لكرامة الإنسان واحترامه حقوقه كالتعصب للعرق والعنصر . ويعتقد بعض الناس حتى من المتحمسين لإسلام بأن الإسلام في حرصه على هداية الناس يمارس أسلوب القوة والإكراه في تحويل الناس من أديانهم إلي إعتناقه ، وهذا جنوح عن الحقيقة ، فإن المسلمين الأوائل منذ عهد الرسول عليه السلام وحتى عهد الخلفاء ، يدركون ، أن هذا غير وارد مع وجود العديد من آيات القرآن التي تنفي هذا فقد جاء قول الله تبارك وتعالي : ” قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل”.آية 108 من سورة يونس.

وفي آية أخرى يقول :” إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل ” آية 41 من سورة الزمر.وفي آية أخري : ” ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”. 99 من سورة يونس.

وفي أخرى يقول : ” فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهن حفيظا ، إن عليك إلا البلاغ ” 48 من سورة الشورى.

وكل هذه الآيات تدل على أن الله لم يرسل رسوله الأعظم محمداً عليه الصلاة والسلام لإرغام الناس على الإسلام وإنما مهمته بلاغ هذا الدين والإشراف على توجيه المؤمنين به من سائر الأمم . ويشهد لهذا عدة وقائع وقعت في صدر الإسلام فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد فتجعل على نفسها ، إن عاش لها ولد أن تهوده ، لما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار ، فقالوا : لا ندع أبناءنا ، فأنزل الله : لا إكراه في الدين ………” رواه أبو داود والنسائي وابن جرير وابن النذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن منده في غرائب شعبه وابن حبان وابن مردوية والبيهقي في سننه والضياء في المختارة . وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عبيدة أن رجلا من الأنصار من بني سالم بن عوف كان له ابنان تنصرا قبل أن يبعث النبي صلي اله عليه وسلم م، فقدما المدينة في نفر من أهل دينهم يحملون الطعام فرآهما أبوهما فانتزعهما ، وقال واله ، لا أدعهما حتى يسلما ، فاختصموا إلي النيبي صلي اله عليه وسلم ، فقال يا رسول الله ، أيدخل بعضي النار وأنا أنظر ، فأنزل الله : ” لا  إكراه في الدين “‎………..فخلي سبيلهما ” .

وأخرج النحاس عن أسلم ، سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية : أسلمي تسلمي فأبت فقال عمر : اللهم اشهد ، ثم تلا : “لا إكراه في الدين ”  يراجع الدر المنثور ج 1 ص 329 – 330

وبالنظر إلي هذه الآثار يتضح مفهوم مبدأ حرية الاعتقاد في هذا الدين العظيم لدي سلف هذه الأمة المختارة .

هذه هي طبيعة الإسلام ، وبذلك يتحقق أن الأصل في علاقته بالأديان الأخرى هي السلام الاحترام إلا إذا أساء الناس استغلال تسامحه واحترامه لعقائدهم وأديانهم ، فأعلنوا عليه الحرب أو قاوموا مسيرته أو حاكوا ضده المؤامرات أو نقضوا العهود والمواثيق التي تحكم صيغة التعايش السلمي معه.

تاريخ بدأ الجهاد في حياة المسلمين

إن أول ما بعث الله عبده ونبيه محمدا صلي الله عليه وسلم برسالة الحق ، اقتصر عمله على الدعاء إلي الإسلام سراً مدة ثلاث سنوات ، وذلك بعد نزول سورة إقرأ  الآيات 1-5 من سورة إقراْ. .وقوله تعالي : ” يأيها المدثر ، قم فأنذر” الآيات 1-3 من سورة المدثر وقوله تعالي : “وانذر عشيرتك الأقربين “. الآية 214 من سورة الشعراء. إلي أن أنزل اله تعالي عليه قوله تعالي : ” فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين “. الآية 93 من سورة الحجر .

وكان الأمر بإعلان الدعوة مقرونا بالكف عن القتال أو مقابلة الأذي والإساءة بالمثل ، كما في مثل قوله تعالي : ” فاصفح عنهم وقل سلام فسوف تعلمون ” الآية 89 من سورة الزخرف . وقوله : ” فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ”  الآية 12 من سورة المائدة. واستمر الحال على هذا من غمر أن يأمره الحق بالقتال ، ولا أذن له فيه ، ولا مره لفرض الجزية على صنوف الكفار والمشركين طل على ذلك عليه الصلاة والسلام عشر سنوات يدعو فيها إلي ربه عارضاً نفسه وما جاء   به من رسالة الحق على القبائل أثناء المواسم ، وكانت سنين مليئة بالكثير من الأحداث ، تحمل فيها عليها الصلاة والسلام والقلة التي آمنت معه الكثير من الأذى والسخرية والاستهزاء من مشركي قريش ، وسفهائهم . ونزل أثناء تلك المدة عددا من الآيات تنهي عن مقابلة إساءة الكفار بمثلها من بينها قول الله تعالي : ” ولا تسبوا الذين يدعون من دون اله ، فيسبوا الله عدوا بغير على كذلك زينا لكل أمه عملهم ثم إلي ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ”  الآية 111 من سورة الأنعام. وكان كلما عرض نفسه ، وما جاء به على القبائل ، قامت قريش في وجهة بالتكذيب والاعتداء ، والله يصبره ويسليه ، وكانوا يطالبونه بالآيات المادية والخوارق الطبيعية مما أخبر الله به في الكتاب ، إلي أن نزل قوله تعالي : ” ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم وكل شئ قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ، ولكن أكثرهم يجهلون ” الآية 110 من سورة الأنعام .

ولما أعيت قريش الحيل وعجزوا عن بلوغ هدفهم من صرف الناس عن اعتناق هذا الدين الجديد لجأوا إلي سفاهات وتفاهات لا تصدر إلا ممن يئس من نيل مراده ، فقال عنهم الحق تعالي : ” وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون”. الآية 26 من سورة فصلت. ولم ينته عدوان قريش إلي هذا الحد ، بل تمادوا حتى أوقعوا باتباع الرسول صلي الله عليه وسلم أشد أنواع الظلم وأبشع صور الاضطهاد والاستبداد ، كما هو معلوم ، فإنهم قوم في جاهلية صماء بكماء ، لا يحكمهم عقل ولا دين ، ولا يسوسهم قانون أرضي ولا تشريع سماوي ، فكان من صور هذا الأذي الواقع على من أسلم فتنهم عن دينهم بمصادرة حقهم في حرية الاعتقاد ، واجبارهم على اعتقاد الشرك والكفر ، وهو أمر لا يتسامح فيه الإسلام ، فعلي سبيل المثال ، بلغ بهؤلاء الطغاة أن يقولوا لمن آمن وعلى رأسه الجلادون ، اللات والعزى آلهك من دون الله . فيقول : نعم ، وحتى أن الجعل ليمر بهم فيقولون وهذا الهك من دون الله ، فيقول : نعم  زاد المعاد ج 3 ص 23 . حتى اضطروهم إلي هجران الأهل والأوطان ، فخرج فرق من المؤمنين مهاجرين إلي أفريقيا من مكة وهي هجرتهم الأولي والثانية إلي الحبشة ، وهكذا بلغ الأمر إلي محاولة الفتك برسول الله  صلي الله عليه وسلم فدبروا لذلك العديد من المؤامرات ، ومن أبرز ذلك ما تقرر في اجتماعهم بدرا الندوة من اتفاقهم على قتلة ، ضمن عدد من الخيارات ، فرد الله عنه كيدهم وإلي ذلك جاءت الإشارة في قوله تعالي : ” وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ، ويمكرون ويمكر الله ، والله خير الماكرين “. الآية 30 من سورة الأنفال, فحينئذ أذن الله لعبدة ورسوله محمد صلي الله عليه وسلم في الهجرة ، فهاجر هو وبرفقته صاحبه وصديقه أبو بكر ، وهاجر في هذا الجو من بقي من الصحابة إلي المدينة المنورة ، بعد أن مهد الله لهذه النقلة في فترة كافية بهداية  الأوس والخزرج سادة يثرب ، إلي هذا الدين العظيم ، وما أن علمت قريش بتمكين الله لرسوله عليه الصلاة والسلام في موطنه الجديد ، حتى طارت عقولهم وفقدوا صوابهم ، فحركهم الحسد والحقد والبغي والعدوان ، إلي ملاحقة المسلمين ، بقصد القضاء عليهم وعلى دعوتهم ، فوقعت بينهم وبين المسلمين عدة مناوشات ، انتهت إلي وقوع حرب حقيقية ، في موقعة بدر الكبرى ، وقد نصر الله فيها حق الإسلام ، على باطل الكفر ، وبعد موقعة أحد ، وجد كفار قريش كل الساندة ، من المنافقين بالمدينة وما حولها ، وكما هو معلوم ، أن الرسول عليه الصلاة والسلام ، وقع اتفاقية سلام بينه وبين اليهود ، ضمنها أسس تنظيم العلاقات بين المسلمين بعضهم مع بعض ، وبينهم وبين غيرهم من أهل الكتاب المقيمين في المدينة فلما رأي اليهود وقوع الهزيمة في معركة أحد ، نقضوا العقد ونكثوا ، وكان قبل هذه الحرب ، الأمر الألهي يتمثل في أذن الله للمؤمنين بقتال من قاتلهم وفي الكف عمن  لم يقاتلهم ، فنزل تصديقا لهذا قوله تعالي : ” أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير ” الآية 39 من سورة الحج. وقوله تعالي : ” فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ”  الآية 191 من سورة البقرة. وقال أيضاً : ” فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل اله لكم عليكم سبيلاً” الآية 29من سورة التوبة .

وظل الوضع على هذا الحال زمناً طويلاً ، وكانت هذه هي سيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمين منذ هاجر إلي المدينة ، إلي السنة التاسعة من الهجرة ، وفيها أنزل الله سورة براءة ، فأمرهم اله فيها بقتال جميع المشركين وكفار أهل الكتاب الناكثين ، فقام رسول اله صلي اله عليه وسلم والمؤمنون بجهاد الكفار من أهل الكتاب  ومن والاهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، فال الله تعالي : ” قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ”  .الآية 92 من سورة التوبة .  وألحق رسول الله صلي الله عليه وسلم المجوس بأهل الكتاب في سنة الجزية ، حيث قال عليه الصلاة والسلام : ” سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلا من كان له عقد عن النبي صلي الله عليه وسلم من المشركين ولم ينقض أو ينكث عهده فإن الله أتم له عقده إلي مدته “.

 

أحوال الكفارمع رسول الله صلي الله عليه وسلم :والقول الفصل في أحوال الكفار بعد نزول براءة ، والأمر بالجهاد ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله له أنهم صاروا إلي ثلاثة أصناف :

الأول : أهل صلح وهدنة

الثاني : أهل حرب وفتنة

الثالث : أهل عهد وذمة

فأمر الله تعالي : أن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم ، وأن يوفي لهم به ما استقاموا عليه ، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عقدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد ، وفي ذلك يقول الله تعالي :  إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلي مدتهم إن الله يحب المتقين “.الآية 4 من سورة براءة . وقال ” كيف يكون للمشركين عهد عند اله وعند رسوله إلا الذين عهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين “الآية 7 من سورة التوبة إلي غير ذلك من الآيات .

وقال في حق من خاف منهم نقض العهد : ” وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين “. الآية 8 من سورة الأنفال .

وأما أهل الحرب ممن نقض العهد وحارب ، فأمر الحق تعالي بقتالهم ونبذ عهدهم فقال : ” وإن نكثوا أيمانهم من بعد عقدهم وطعنوا في دينكم ، فقاتلوا أئمة الكر أنهم لا إيمان له ، لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة ، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ، ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليكم حكيم “. الآيات 12- 15 من سورة براءة وقال فيهم أيضاً : ” إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون ، الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون . فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون”. الآيات 55 –57 من سورة الأنفال.

ودخل في الناقضين الممالئين من مطلق الكفار ممن سار وراء ركب الكفر وهؤلاء إذا انتهوا من عدوانهم أو أسلموا ، فالمسلمون مأمورون بتركهم إذا لم تكن له فتنة ولا مقاومة ، وكان الدين لله قال تعالي : ” قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين واقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ، وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولي ونعم النصير “.الآيات 38 – 40 من سورة الأنفال.

وأما أهل الذمة فوفي لهم بذمتهم وشدد عليه الصلاة والسلام في رعاية حقوقهم وحماية أرواحهم وممتلكاتهم ، وأنه لا يجوز لأي مسلم تحت أي شعار أن يتعدي عليهم ، ويجب على الدول أن تضرب على يد المعتدي بكل قوة ، ولقد جاء في هذا وعيد شديد.

وعن صفوان بن سليم عن عدة من أصحاب رسول اله صلي اله عليه وسلم عن آبائهم أن رسول الله صلي الله عليه وسلم عن آبائهم أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ( من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفة فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة ) . رواه أبو داود   . ج –4 ص 11 – 1 الترغيب والترهيب .

وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ” من قتل نفساً معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة ، وإن ربح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام ” . وفي رواية : ” من قتل معاهدا في عهده لم يرح رائحة الجنة ، وأن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام ” رواه ابن حبان في صحيحه ج 4 ص 12 نفس المرجع .

ثم فريضة الجهاد على جميع المسلمين تقررت منذ ذلك التاريخ في حق الكفار المحاربين أو الذين يهددون أمن الدولة أو حدودها ، وفي ذلك نزلت آيات كثيرة ، منها قول الله تعالي : ” وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين “. الآية 36 من سورة التوبة . وقال تعالي : ” انفروا خفافا وثقالا وجهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ”  الآية 41 من سورة التوبة وقال : ” يايها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله إثاقلتم إلي الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ، إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئاً على كل شئ قدير ”  الآيات 38 –39 من سورة التوبة. .

ثم بعد آيات كثيرة في هذا الموضوع تدعوا الكافة إلي الجهاد دون أن تستثني مسلما دون آخر نزلت بآية أخرى تضمنت التخفيف ، ومنها فهم المسلمون أن الجهاد فرض على الكفاية بحيث يحمله من قام به من المسلمين عن سائرهم ، فقال تعالي : ” وما كان المؤمنون عن سائرهم ، فقال تعالي  : ” وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون . يايها الذين آمنوا قتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ” الآيات 122 – 123 من سورة التوبة . وبعد مآل الأمر إلي الأمر إلأي ما تقدم بيانه ، فقد قال الأمام أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الكبير فالجهاد الآن فرض على الكفاية يحمله من قام به بإجماع أهل العلم فإذا هوجر العدو وحميت أطراف المسلمين وسدت ثغورهم سقط فرض الجهاد عن سائر المسلمين وكان لهم نافلة وقرية مرغبا فيها إلا أن تكون ضرورة مثل أن ينزل العدو ببلد من بلاد المسلمين فيجب على الجميع إعانتهم وطاعة الإمام في النفير إليهم. ج2ص263 المقدمات .

الجهاد

1- تعريف الجهاد لغة : هذا اللفظ مأخوذ من مادة الجهد ، قال الزبيدي في تاج العروس الجهد : بالفتح الطاقة والوسع ، ويضم . قال : والجهد : بالفتح فقط: المشقة . ونقل عن أبن الأثير قوله : تكرر لفظ : الجهد والجهد فى الحديث ، وهو بالفتح المشقة . وقبل المبالغة    ، بالضم الوسع والطاقة  وقيل هما لغتنا فى الوسع والطاقة . فأما فى المشقة والغاية فالفتح لا غير.

قال : ويريد به فى حديث أم معبد فى الشاة الهزال. ومن المضموم حديث الصدقة، أى الصدقة أفضل . قال : جهد المقل، أى قدر ما يحتمله حال القليل من المال. وفى التنزيل: ” والذين لا يجدون إلا جهدهم ” . قال القراء فى هذه الآية : الطاقة . تقول : هذا جهدى ، أى طاقتى. وقرئ : ” والذين لا يجدون إلا جهدهم ، وجهدهم ” . بالضم والفتح . الجهد بالضم : الطاقة .

الجهد بالفتح من قولك : أجهدك جهدك فى هذا الأمر ،أى أبلغ غايتك . انتهى – تاج العروس جـ2 ص 329 – 330 . ويراجع المصباح المنير جـ 1 ص 155 . والمعجم الوسيط جـ1 ص 142 . ولسان العرب جـ4 ص 107 – إلى غير ذلك من كتب اللغة العربيية وقواميسها. 2- تعريفه شرعا : وفى اصطلاح الفقهاء . يراد بالجهاد : قتال المسلم كافراً لا ذمة له إعلاء لكلمة لله وحماية لحرماته . قال الزبيدى : والجهاز بالكسر القتال مع العدو كالمجاهدة.  قال الله تعالى : ” وجاهدوا فى الله ” . ويقال جاهد العدو، مجاهدة جهاداً . قاتله وفى الحديث: ” لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية” . الجهاد : محاربة الأعداء ، وهو المبالغة واستفراغ ما فى الوسع والطاقة، من قول أو فعل والمراد بالنية : اخلاص العمل لله تعالى . ثم قال : وحقيقة الجهاد كما قال الراغب الاصفهانى : استفراغ الوسع والجهد فيما لا يرتضى وهو ثلاثة أضرب : مجاهدة العدو الظاهر . والشيطان والنفس . وتدخل الثلاثة فى قوله تعالى : ” وجاهدوا فى الله حق جهاده” انتهى .

1- يقول السادة المالكية : وهو لغة : التعب والمشقة، واصطلاحا، قال ابن عرفة :قتال مسلم كافرا غير ذى عهد، لا علاء كلمة الله تعالى أو حضوره أرضه أو دخوله أرضه . أ هـ والتعريف صحيح بالنسبة للجهاد الحقيقي الكامل. وأما الجهاد الشكلي فهو نوع من الحروب التي لا يصدق عليها الجهاد الشرعي.

قال ابن رشد : الجهاد مأخوذ من الجهد ، وهو التعب ، فمعنى الجهاد فى سبيل الله : المبالغة فى أتعاب الأنفس فى ذات الله وإعلاء كلمة الله ، طريقا إلى الجنة، وسبيلا إليها. وقال الله عز وجل : ” وجاهدوا فى الله حق جهاده” . وهو أربعة أقسام : جهاد بالقلب. وجهاد باللسان . وجهاد باليد . وجهاد بالسيف . فجهاد الشيطان ومجاهدة النفس عن الشهوات المحرمات ، قال الله عز وجل : ” وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى” . وجهاد اللسان : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ومن ذلك ما أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من جهاد المنافقين لأنه عز وجل قال : ” يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير” . فجاهد صلى الله عليه وسلم الكفار بالسيف وجاهد المنافقين باللسان، لأن الله تعالى نهاه أن يقتل المنافقين لسبق علمه فيهم فيقيم الحدود عليهم لئلا يتحدث عنه أنه يقتل أصحابه على ماروي عنه صلي الله عليه وسلم وكذلك جاهد صلي الله عليه وسليم المشركين قبل أن يؤمر بقتالهم بالقول خاصة . وجهاد اليد زجر ذوي الأمر أهل المناكر عن المناكر والأباطيل والمعاصي والمحرمات ، وعن تعطيل الفرائض الواجبات ، بالأدب والضرب على ما يؤدي إليه الاجتهاد في ذلك ، ومن ذلك إقامتهم الحدود على القذفة  والزناه وشربه الخمر . وجهاد السيف قتال المشركين على الدين ، فكل من أتعب نفسه في ذات الله ، فقد جاهد في سبيله ، إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا أطلق فلا يقع بإطلاقه  إلا على مجاهدة الكفار بالسيف ، حتى يدخلوا في  الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. مقدمات ابن رشد ج1 ص 258 – 259 .

2- وقال الأحناف : في تعريف الجهاد : أنه الدعاء إلي دين الحق ، وقتال من لم يقبله وعرفه ابن الكمال : بأنه بذل الوسع في القتال في سبل الله مباشرة أو معاونة  بمال أو رأي أو تكثير سواد أو غير ذلك. رد المختار ابن رشد – ج 4 ص 121. وقال الكسائي : وفي عرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل اله عز وجل ، بالنفس والمال واللسان ، أو غير ذلك ، أو المبالغة في ذلك بدائع الصانع –ج 7 ص 97.

3- وقال الشافعية : أنه بذل الجهد في قتال الكفار ، ويطلق أيضاً على مجاهدة النفس والشيطان والفساق . فأما مجاهدة النفس فعلي تعلم أمور الدين ، ثم على العمل تعليمها.

وأما مجاهدة الشيطان ، فعلي دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات . وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال  واللسان والقلب . وأما مجاهدة الفساق فباليد ، ثم اللسان ، ثم القلب. فتح الباري – ج 6 ص 343.

4-  وقال الحنابلة : هو شرعاً قتال الكفار خاصة ، والجهاد من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يستقيم لأمة دينها ولا تنتظم أحوالها إلا بذلك فهو من محاسن الشرائع الإلهية  السلسبيل ي معرفة الدليل – ج 2 ص 2.

وقال الحافظ ابن تيمية : حقيقته ، يعني الجهاد : الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان مجموع الفتاوي – ج 10 ص 191.انتهي

وهذه التعاريف كلها متقاربة في أصلها ، وكلها مجمعة علي أنه لا يكون جهادا ما لم يكن جهاداً ما لم يكن في سبيل الله ، ولا يكون جهاداً شرعياً حتى يكون لا علاء كلمة اله . فالحرب من أجل المكاسب المادية أو النزعات القومية أو الحزبية أو السياسية أو التمييز العنصري أو التطهير العرقي أو من أجل البغي والطغيان أو ما شابه ذلك ، ليست من الجهاد في شي فهي نوع من حروب الجاهلية ، وهي ظلم وعدوان .

حكم الجهاد في نظر الفقهاء :

أجمع العلماء ، على أن الجهاد فرض على الكفاية وليس فرضاً على لأعيان . فقد اتفق على ذلك مذاهب الأئمة الأربعة وغيرها ، فإذا قام به طائفة من المسلمين سقط عن الباقين ، وإلا أثموا ، قال الصاوي في الشرح الصغير : الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله سنة ، فلا يجوز تركه ، كإقامة الموسم بعرفة والبيت وبقية المشاهد فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقي الشرح الصغير – ج2ص 267 انتهي

يقول السادة الأحناف : فيما ذكره الإمام شمس الدين السرخسي : فريضة الجهاد على نوعين : أحدهما فرض عين على كل من يقوى عليه بقدر طاقته ، وهو ما إذا كان النفير عاماً ، قال الله تعالي : ” انفروا خفافاً وثقالاً…” الآية 41 – من سورة التوبة.

وقال تعالي : ” ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله إثاقلتهم إلي الأرض … إلي قوله : يعذبكم عذاباً أليماً “الآيات 38 – 39- من سورة التوبة . ونوع : هو فرض على الكفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، لحصول المقصود ، وهو كسر شوكة المشركين ، واعزاز الدين ، لأنه لو جعل فرضاً في  كل وقت ، على كل أحد ، عاد على موضوعه بالنقض ، والمقصود أن يأمن المسلمون ويتمكنوا من القيام بمصالح دينهم ودنياهم ، فإذا اشتغل الكل بالجهاد لم يتفرغوا للقيام بمصالح دنياهم ، فلذلك قلنا إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وقد كان رسول اله صلي الله عليه وسلم تارة يخرج وتارة يبعث غيرة. المبسوط – ج 10 ص 3.

وقال السادة الشافعية ، كما قال النووي رحمه الله : أن الجهاد قد يكون فرض كفاية ، وقد يتعين . وهل كان فرض كفاية في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم أم فرض عين ؟ . فيه وجهان : أصحهما فرض كفاية ، لقوله : ” لا يستوي القاعدون …” الآية.الآية 95 – من سورة النساء .

وأما اليوم فهو ضربان : أن يكون الكفار مستقرين في بلدانهم ، فهو فرض كفاية ، فإن امتنع الجميع منه أثموا ، وهل يعمهم الأثم أم يختص بالذين يدنون إليه ، وجهان الأصح أنه يأثم كل من لا عذر له . الضرب الثاني : الجهاد الذي هو فرض عين ، إذا وطئ الكفار بلدة للمسلمين أو أطلوا عيها ونزلوا بابها قاصدين ولم يدخلوا ، صار الجهاد فرض عين .. فيتعين على أهل تلك البلدة الدفع بما أمكنهم  . روضة الطالبين – ج 10ص 208 وص 214 انتهي

وأما الحنابلة فقد قال ابن قدامه الحنبلي : والجهاد فرض على الكفاية ، إذا قام به قوم سقط عن الباقين . معنى فرض الكفاية : هو الذي إذا لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم ، وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس ، فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع ، كفرض الأعيان ، ثم يختلفان في أن فرض الكفاية ، كفرض الأعيان ، ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له ، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد يفعل غيره المغني ج 8 ص 347.

ومن خلال هذه الآراء التي نقلناها عن أئمة المذاهب يتضح لنا أن فريضة الجهاد كفائية . وهل وجوبها ابتداء أو دفاعا ، يرى السادة الحنابلة أنها واجبة ابتداء لا دفاعاًحاشية السلسبيل على زاد المستقنع – ج 2 ص 3

وفي رأي الأكثر أن الجهاد يجب ابتداء إذا وجدت الأسباب الداعية إلي ذلك وإلا فهو دفاع عن الدين والوطن ، ووسيلة لفرض السلام والأمن والاستقرار  وإتاحة للفرصة لمن يرغب في الدخول في الإسلام وحينئذ يتحقق الجهاد بالإعداد والاستعداد ، يقول الحق تعالي الجهاد ” وأعدوا له ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل .. …” الآية  الآية 60 من سورة الأنفال .

ولذلك رأي الحافظ ابن عبد البر : أنه فرض على الكفاية مع الخوف ونافلة مع الأمن غير أن المشهور في المذهب ، هو ما نقله الجز ولي عن ابن رشد والقاضي عبد الوهاب وهو عدم تركه في كل سنة مع الأمن والخوف لا نطوائه على إعلاء كلمة الله ، وإذلال الكفرة. الشرح الصغير ج 2 ص 272 . انتهي

والأدلة على فريضة الجهاد على الكفاية من الكتاب والسنة كثيرة ، ويكفي فيها قوله تعالي : ” وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذورا قومهم إذا رجعوا إليهم  لعلهم يحذرون ”  الآية 123  من سورة التوبة .

ففي هذه الآية دليل على أن الجهاد فرض كفاية وليس على الأعيان ، وإلا لما جاز نفي عموم النفير لجميع المؤمنين ، بحيث لا يجوز التخلف لأحد من الناس ، إذ المعنى أنه ما يصح ذلك ولا يستقيم أن يذهب جميع أفراد المؤمنين القادرين على الجهاد للغزو ، لما يؤدي إليه ذلك من ضياع المصالح وتضييع من وراءهم من العيال وتعطيل مقومات الحياة الأخرى التي لا تصلح أحوال المجتمع إلا برعايتها . قال العلامة القرطبي : قوله تعالي : ” وما كان المؤمنين لينفروا كافة “‎…….الآية 122 من سورة التوبة .

وهي أن الجهاد ليس على الأعيان ، وأنه فرض كفاية. إذا لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال ، فليخرج فريق منهم للجهاد ، وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع وما تحجج نزوله علي النبي صلي الله عليه وسلم  . الجامع لأحكام القرآن – للقرطبي – ج 8 ص 293.في الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة فقال : (إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيراً ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ، حبسهم المرض) وفي رواية ( إلا شركوكم في الأجر ). رواه مسلم.ورواه البخاري عن أنس رضي الله عنه ، قال :  (إن  أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا وادياي إلا وهم معنا حبسهم العذر ).صحيح البخاري – حديث 1021 – ج 4 ص 423.

وفي حديث موسى بن أنس بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ” تركتم بالمدينة أقواما   ما سرتم مسيراً ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه ” قالوا يا رسول اله ، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ، فقال : ( حبسهم العذر ) , قال العلامة القرطبي: فأعطي رسول الله صلي الله عليه وسلم للمعذور من الأجر مثل ما أعطي للقوى العامل  الجامع – للقرطبي – ج ص 292. انتهي . وهذا المعني يصدق عليه مضمون قوله تعالي: ” لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل اله بأموالهم وأنفسهم ، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد اله الحسنى ، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً ” الآية 95- من سورة النساء .

محل الشاهد ، هو قوله تعالي : ” وكلا وعد الله الحسنى ” . فالتفاضل بين العامل والتارك طبيعي، ولكن الإثم والذم انتفي عن القاعدين بوعد الله لهم بالحسنى ، كما وعد المجاهدين ، وهذا واضح في أن التكليف سقط عنهم بقيام غيرهم به .

متى يتعين الجهاد

بعد أن استعرضنا الأدلة التي اعتمدها العلماء في أن أصل فريضة الجهاد تجب على المسلمين وجوبا كفائياً ، علينا الآن أن نتناول هذه الفريضة من جهة تعينها أحياناً.     أن الجهاد يتعين على جميع أفراد المجتمع في ثلاث حالات :

الأولي : إذا داهم العدو بلاد المسلمين ، ففي هذه الحال يجب الجهاد ويتعين على جميع القادرين من أهالي المنطقة ومن جاورهم من المسلمين.

الثانية : إذا استنفر الإمام المسلمين ، كما جاء في قوله تعالي : ” يا يها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله  إثاقلتم إلي الأرض ، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ، فما متاع الحياة الدنيا من الآخرة إلا قليل ، إلا تنفروا يعذبكم  عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شئ قدير”الآية 38 من سورة التوبة .

قال العلامة القرطبي : والتثاقل عن الجهاد مع إظهار الكراهية حرام على كل أحد ، فأما من غير كراهية فمن عينه النبي صلي الله عليه وسلم حرم عليها التثاقل ، وأن أمن منهما فالفرض ، فرض كفاية . ذكره القشيري. وقد قيل أن المراد بهذه الآية وجوب النفير عند الحاجة ، وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم ، وظاهر الآية يدل على أن ذلك على وجه الاستعداد فعلي هذا لا يتجه الحمل على وقت ظهور الكفرة واشتداد شوكتهم ، وظاهر الآية يدل على أن ذلك على وجه الاستعداد فعلي هذا لا يتجه الحمل على وقت ظهور المشركين ، فإن وجوب ذلك لا يختص فالاستعداد ، لانه متعين ، وإذا ثبت ذلك بالاستعداد والاستنفار يبعد أن يكون موجباً شيئاً لم يجب من قبل أن يتثاقلوا عن التعيين ، ويصير بتعيينه فرضاً على من عينه ، لا لمكان الجهاد ولكن لطاعة الإمام. الجامع لأحكام القرآن – ج 8ص 142.

وفي حديث ابن عباس أن النبي صلي اله عليه وسلم قال يوم الفتح : ” لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا” .رواه البخاري . قال الحافظ نقلا عن النووي :” وإذا أمركم  الإمام بالخروج إلي الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه ” . ثم قال الحافظ بعد قليل : وفي الحديث وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الإمام وأن الأعمال تعتبر بالنيات.فتح الباري – ج 6 – ص 378- 379.

لثالثة: حالة التحام الصفوف فإنه يتعين حينئذ ويجب الصمود وعدم الفرار ، قال تعالي : ” يايها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا أن الله مع الصابرين” الآيات 45 – 46 – من سورة الأنفال .  وقال : ” يايها الذين آمنواإذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأويه جهنم وبئس المصير”  الآيات 15-16 من سورة الأنفال  وبإمعان النظر فيما تضمنته هذه الآيات، ندرك أن وحدة الصف والابتعاد عن النزاعات والخلافات، وتطهير الصفوف من المثبطين والمخذلين ، أمور جوهرية فى تحقيق النصر، يقول تعالى : إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص”. الآية 4 – من سورة الصف .

وفى حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اجتنبوا السبع الموبقات ” قالوا يا رسول الله ، وما هن . قال : ” الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ” . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى جمع الفوائد – جـ2 ص 244 – حديث رقم 8091 . . ففى هذه الأوجه كلها يتعين الجهاد على من توجه إليهم الأمر .

وهناك ثلاثة أمور يجب التنبيه عليها:  –

الأول : التحرف من جانب إلى جانب آخر ، يقى فيه المقاتل نفسه من شر الأعداء وأسلحتهم، وهو نوع من مكائد الحرب.

الثانى : التحيز إلى فئة من المسلمين، ليستعين بهم ويرجع إلى القتال. وهذان الوجهان يعتبران من الجهاد، وليسا من التولى من الزحف او الانهزام ، لما جاء فى الآية السابقة : ” ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ، فقد باء بغضب من الله ….” الآية  الآية 16 من سورة الانفال . وعن عبد الله بن عمر أنه كان فى سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فحاص الناس حيصة فكنت فيمن حاص، قال : فلما بزنا ، قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول  الله صلى الله عليه وسلم فإن كانت لنا توبة أقمنا، وان كان غير ذلك ذهبنا قال فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه ، فقلنا نحن الفرارون، فأقبل إلينا فقال : لا ، بل أنتم العكارون. قال فدنونا ، فقبلنا يده، فقال : ( أنا فئة المسلمين) . قال أبو داواد  أبو داود جـ3 ص 63 وكذلك رواه الترمذى وابن ماجه.

قال القرطبى : قال ثعلب : العكارون هم العطافون. وقال غيره : يقال للرجل الذى يولى عند الحرب، ثم يكر راجعا. عكر واعتكر. وروى جرير عن منصور عن ابراهيم قال انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين : هلكت ، فررت من الزحف ، فقال عمر أن فئتك. وقال محمد بن سيرين، لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر ، فقال : لو انحاز إلى لكنت له فئة .، فأنا فئة كل مسلم. قال . وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة لأن الفئة هنا المدينة والإمام وجماعة المسلمين، حيث كانوا، وعلى القول الآخر يكون كبيرة، لأن الفئة هناك الجماعة من الناس الحاضرة للحرب، هذا على قول الجمهور أن الفرار من الزحف كبيرة، قالوا وأنما كان ذلك القول من النبى صلى الله عليه وسلم، وعمر على جهة الحيطة على المؤمنين ، إذ كانوا فى ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مرارا. انتهى . الجامع لأحكام القرآن جـ7 ص 383 – 384 .

الثالث : إذا بلغ الأعداء ضعفى المسلمين أو أكثر فإن الفرا لا يكون موليا من الزحف والأصل فى هذا قول الله تعالى : ” يأيها النبى حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن تكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون، الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن تكن منكم مائة صابرة مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ، والله مع الصابرين” الآيات 65 – 66 من سورة الأنفال .

ولعلمائنا فى هاتين الآيتين رأيان :

منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين … الخ لفظ خبر ضمنه وعد بشرط ، لأن معناه إن يصبر منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين”  الجامع للقرطبى جـ8 ص 44.  وهكذا قال الثعالبى : ” وقوله سبحانه : ” ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائيتن …” الى أخر الآية . خبر مضمنه وعد بشرط ، لأن قوله : ” إن يكن منكم عشرون صابرون ” بمنزلة أن يقال : أن يصبر منكم عشرون يغلبوا . وفى ضمنه الأمر بالصبر. أ. هـ ثم قال : وتظاهرات الروايات عن ابن عباس وغيره من الصحابة : بأن ثبوت الواحد للشعرة كان فرضا على المؤمنين ، ثم لما شق ذلك عليهم حط الله الفرض إلى الثبوت الواحد للإثنين ، وهذا نسخ الأثقل بالأخف أ.هـ . الجواهر الحسان للثعالبى جـ2 ص 109 – 110 .

وفهم أصحاب هذا الرأى الآيتين على أن إحداهما وهى آية الضعف ناسخة الآية التى قبلها والتى أفهمت وجوب وقوف المسلم الواحد أمام عشرة من الأعداء ولا يجوز له الفرار ، ثم خفف الله عن المسلمين فأجاز لهم أن يفر المقاتلون إذا زاد عدد الأعداء عن ضعفهم فيقف العشرون أمام أربعين من العدو ، وجوباً وإذا زاد عدد العدو عن الأربعين وهو الضعف جاز الفرار ، أو لم يجب الصمود.

قال ابن القاسم : لا يجوز شهادة من فر من الزحف، ولا يجوز لهم الفرار وان فر أمامهم ، لقوله عزل وجل : ” ومن يولهم يومئذ دبره …” الآية . وقال : ويجوز الفرار من أكثر من ضعفهم ، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثنى عشر ألفا ، فإذا بلغ اثنى عشر ألفا لم يحل لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين. على الضعف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يغلب إثنا عشر ألفا من قلة ، قال : فإن أكثر أهل العلم خصصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية . قال القرطبى : رواه أو بشر وأبو سلمة العاملى وهو الحكم بن عبد الله بن خطاب وهو متروك ، قالا : حدثنا الزهرى عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” يا أكثرين الجون خير الرفقاء أربعة ، وخير الطلائع أربعين وخير السرايا أربعمائة ، خير الجيوش أربعة آلاف ، ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة ” . وروى عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه ، وهو قوله للعمرى العابد إذ سأله هل  لك سعة فى ترك مجاهدة من غير الأحكام ويدلها . فقال : ان كان معك اثنا عشر ألفا فلا سعة لك فى ذلك  الجامع لآحكام القرآن جـ7 ص 382 . فأتضح أن الآية الثانية فى رأى هؤلاء مخففة، وقد يطلق النسخ على التخفيف توسعا ولأنه تغيير لحكم قد سبق تقريره، والحقيقة أن الخلاف لفظى لمن تأمله.

الثانى : أن العدد غير مقصود بل يجب على المسلمين الصمود أمام العدو مهما كان عدد أفراد العدو، لأن النصر من عند الله، وليس بالكثرة أو العدة. قلت : وهذا الرأى وجيه إذا قيد ببعض الأحوال التى يتحتم فيها على المسلمين الدفاع عن حرماتهم، كالحال اليوم فى مسلمى البوسنة والهرسك، فى صمودهم أمام عدو يفوقهم فى قوته وعدده وعتاده، ويتمتع بالدعم الذى ياتيه من دول الظلم التى تسانده بلا توقف. والا فلا يجوز التصدى لخوض حرب لا تكون نتائجها محسوبة بدقة، خصوصاً فى هذا العصر الذى تقاس فيه القوة والقدرة القتالية بمجرد كثرة عدد الأفراد، وانما بتكنولوجيا الردع المتطورة ، وانما بتعاون وتنسيق واسع مع كثير من دول العالم.

ولقد نقل القرطبى عن فرقة ، منهم ابن الماجشون فى الواضحة: أنه يراعى – يعنى فى مواجهة الأعداء – الشعف والقوة والعدة، فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس من مائة فارس ، إذا علموا أن ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعف ما عندهم، وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا مما زاد على المائتين ، فمهما كان فى مقابلة مسلم أكثر من اثنين فيجوز الإنهزام، والصبر  أحسن  أ.هـ  الجامع القرطبى جـ7 ص 38 – 381 . قلت : ولقد تكرر فى تاريخ الحروب انتصار فئات قليلة تؤمن بمبادئها وبشرف الغاية التى تحارب من أجلها. ويشهد لهذا قول الله تعالى : ” (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله, والله مع الصابرين). (الاية 247 من سورة البقرة). ومع ذلك فلا يجوز الالقاء باليد الى التهلكة. قال القرطبي: وقد وقف جيش مؤتة وهم ثلاث الاف, في مقابل مائتي الف منهم مائة الف من الروم ومائة الف من المستعمرية من لخم وجذام, قلت: ووقع في تاريخ فتح الاندلس ان طارقا مولى موسى بن نصير سار في الف وسبعمائة رجل الى الأندلس وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة, فالتقى وملك الاندلس, وكان في سبعين الف عنان فزحف اليه طارق وصبر له فهزم الله الطاغية وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعت مالكا يسال عن القوم يلقون العدو او يكونون في محرس يحرسون فياتيهم العدو, وهم يسير, ايقاتلون او ينصرفون, فيؤذون اصحابهم؟ . قالل ان كانوا يقوون على قتالهم, والا انصرفوا الى الى اصحابهم فاذنوهم  (الجامع للقرطبي-ج7 ص381) . اهـ

الجهاد فريضة رسمية جماعية يجب اقامتها على الدولة

ان الجهاد بمعنى قتال الاعداء حين تتوفر شرائطه يجب ان يامر به الامام. بمعنى ان الذي يتولى استنفار المجاهدين بهذا الركن العظيم هو الدولة, ولا حق لاحد في ذلك سوى السلطة الرسمية التي بيدها امر الامة, وهناك يجب الجهاد على من عينته الدولة الا ان يتطوع السلم تحت رايتها ويشترط لهذا الواجب شروطا لابد من توافرها في المجاهد:

1-الاسلام: ولاء وانتماء, فلا جب على كافر او مشرك ذميا او معاهدا.

2-البلوغ: فالصبيان لا يجب عليهم الجهاد.

3-العقل: فالمجنون والمعتوه من المعذورين, لا يجب على واحد منهم.

4-الحرية.

5-الذكورية.

6-السلامة من الضرر.

7-وجود النفقة.

ومعلوم ان الاسلام والبلوغ والعقل, شروط في وجوب سائر العبادات, وشرط الحرية لان غير الحر لا يمتلك امر نفسه فلا يمكنه ان يدخل في عقد, قد يترتب عليه فوات نفسه التي لا يملكها, وايضا لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع على الجهاد والاسلام الاحرار, ويبايع العبيد على ا لاسلام دون الجهاد. واما شرط الذكورة: فحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: نرى الجهاد افضل الاعمال افلا نجاهد؟ فقال: (لكن افضل الجهاد حج مبرور) . رواه البخاري. (فتح الباري ج6 ص344). وفي رواية للبخاري قالت: قلت يا رسول الله الا غزو, ونجاهد معكم. فقال: (لكن احسن الجهاد واجمله الحج حج مبرور حج مبرور). قالت عائشة: فلا ادع الحج بعد اذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. (نفس المرجع ج4 ص445). واما شرط السلامة من الضرر, فلأن الله تعالى يقول: (ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج) (الاية 17 من سورة الفتح). واما شرط النفقة, فلأن الله تعالى يقول: (ليس على الضعفاء ولا على المرض ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج اذا نصحوا لله ورسوله, ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم) (الاية 91 من سورة التوبة ) ومعلوم ان هذا الشرط في وقتنا الحاضر اصبح من واجبات الدولة, فهي التي تمد المقاتل بكل ما يلزم من نفقة وكسوة وسلاح ووسيلة انتقال, كالسيارات والطيارلت والبواخر.. الى اخر ذلك, مما يؤكد ان وظيفة الجهاد من مهام الدولة, وليست من مهام الافراد, وما دامت الدولة ترفع شعار الاسلام فانه لا يجوز لاحد ان يعلن في وجهها العصيان او يمتنع عن الجهاد تحت رايتها, ومن هنا ثبت ان الجهاد ماضي مع كل بر وفاجر الى يوم القيامة, ولقد جاء في حديث انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من اصل الايمان, الكف عمن قال لا اله الا الله, لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الاسلام بعمل, والجهاد ماض منذ بعثني الله الى ان يقاتل اخر امتي الدجال, لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل, والايمان بالاقدار). رواه ابو داود والامام احمد من رواية ابنه عبدالله. وفي حديث ابي هريرة عند ابي داود وابي يعلى مرفوعا: (الجهاد ماضي مع البر والفاجر) (-ج-8ص30 نيل الاوطار)

واخرج لبو داود من حديث عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم: (لا توال طائفة من امتي على الحق, ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل اخرهم المسيخ الدجال) (-ج8ص31- نفس المرجع)

الاعذار المسقطة للجهاد

ان الجهاد كما قدمنا, يجب اذا توافرت اسبابه على القادرين, الخالين من الاعذار المانعة من المطالبة به, فمثلا الذين قامت بهم بعض العوائق الطبيعية كالعمى والعرج والمرض المزمن, او غير المرض المزمن, ولكنه يمنع من الاداء بكفاءة, والزمانة والشيخوخة او فقد بعض الاعضاء كاحدى اليدين او الرجلين او جميعهما او بعض الاعذار المؤقتة, كالعبودية او عدم اذن الدائن لمدينه الى غير ذلك. وفي الايات المتقدمة دليل واضح على اسقاط الاعذار المذكورة للجهاد, وبالنسبة لاذن الوالدين, ففي الحديث عن عبدالله بن عمرو قال: جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فاستاذنه في الجهاد, فقال: (احي والداك) قال: نعم. قال:(ففيهما فجاهد). رواه البخاري والنسائي والنسائي وابو داود والترمذي وصححه. (ج7ص37.نبيل الاوطار). وفي رواية: اتى رجل فقال: يارسول الله.. اني جئت اريد الجهاد معك, ولقد اتيت وان والدي يبكيان. قال: (فارجع اليهما فاضحكهما كما ابكيتهما) رواه احمد وابو داود وابن ماجة. (ج7 ص37 –نفس المرجع).

وفي حديث ابي سعيد ان رجلا هاجر الى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن:(هل لك احد باليمن) قال ابواي. فقال: اذنا لك. فقال: لا. قال: (ارجع اليهما فاستاذنهما, فان اذنا لك فجاهد والا فبرهما) رواه ابو داود (ج7 ص37 –نفس المرجع).

واما الدين, ففي حديث ابي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قام فيهم فذكر لهم ان الجهاد في سبيل اللهع, والايمان بالله افضل الاعمال. فقام رحل فقال يارسول الله: ارايت ان قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم ان قتلت في سبيل الله وانت صابر محتسب مقبل غير مدبر) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :كيف, قال ارايت ان قتلت في سبيل الله تكفر عنى خطاياي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم, وانت صابر مختسب مقبا غير مدبر الا الدين, فان جبريل عليه السلام قال لي ذلك). رواه اخمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه, ولاحمد والنسائي من حديث ابي هريرة مثله.

وعن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليع وسلم: (يغفر للشهيد كل ذنب الا الدين). رواه احمد ومسلم. وعن انس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القتال في سبيل الله, يكفر كل خطيئة فقال جبريل الا الدين, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (الا الدين). رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. (-ج8 ص41-نيل الاوطار)

قال العلامة الشوكاني: وقد استبدل باحاديث الباب على انه لا يجوز لمن عليه دين ان يخرج الى الجهاد الا باذن من له الدين, لانه حق لادمي, والجهاد حق لله تعالى, وينبغيان يلحق بذلك سائر حقوق الادميين, وقد قال قبل قليل: ويلحق بالدين ما كان حقا لادمي من دم او عرض بجامع ان كل واحد حق لادمي يتوقف سقوطه على اسقاطه. انتهى  (-ج7 ص222-نفس المرجع) نيل الاوطار.

كيف يتم تنفيذ مهمة الجهاد في ارض الواقع

ان الاسلام حدد مفهوم الجهاد حين قال الله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا, ان الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث اخرجوكم والفتنة اشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه, فان قاتلوكم فاقتلوهم, كذلك جزاء الكافرين, فان انتهوا فان الله غفور رحيم, ولقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله, فان انتهوا فلا عدوان الا على الظزالمين. الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص, فمن اعتدى عليكم فاعتدول عليه بمثل ما اعتدى عليكم, واتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقين. وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة واحسنوا ان الله يحب المحسنين) (الايات 189-194 من سورة البقرة) .

ان مفهوم هذه الايات ان هناك حربا شنها الكفار من المشركين على الاسلام, وان هناك فتنة استهدفت المؤمنين في دينهم, وليمانهم, فامر الله المؤمنين بالتصدي لهم فيجاهدوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله, وامر الله ايضا بالانفاق في سبيل الله, لان قبض اليد عن الانفاق وعدم الاعداد والاستعداد الكافي لدر عدوان المعتدين يكون بمثابة الانتحار للامة المؤمنة, ومن هناراى بعض العلماء ان مهمة الجهاد تنفذ بقتال مت قاتل او فتن او بدا الاسلام بالاعتداءوالكف عمن لم يقاتل, ولا يجوز للمسلمين ان يبداوا الكفار بالقتال متى تم تامين حدود الوطن الاسلامي او جنح الكفار الى السلم واحترموا دين الله, واتاحوا للدعاة فصة التبشير بدين الله في ارض الله, ولا يبقى هناك سئ سوى التعبئة العامة دائما كما قال تعلى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم واخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف اليكم وانتم لا تظلمون. وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العيم) (الايات 61-62-من سورة الانفال)

وهذا هو المعنى الذي اشار اليه ابن رشد في المقدمات بقوله: فاذا هوجر العدو, وحميت اطراف المسلمين وسدت ثغورهم, سقط فرض الجهاد عن سلئر المسلمين, وكان لهم نافلة وقربة مرغبا فيها. (ج2 ص263-المقدمات)

واذ1 قلنا ان الجهاد يجب على الكافة لمواجهة الكافة دائما في كل زمان وفي كل مكان, فانه حنئذ يكون تكليفا بما لا يطاق, كما يشهد لذلك الواقع, والقول الاصوب ان النسخ الذي يدعيه بعض الناس لجميع ايات الجهاد باية السيف التي وردت في حق اهل الكتاب, فيه مبالغة, فاننا اذا نظرنا الى حروب الاسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نجد انها كلها بسبب اعتداء الاخرين, داخل الجزيرة العربية او خارجها, والاقرب ان يقال ايات الجهاد كاها باقية واها تعالج امورا مختلفة اوجبتها ظروف معينة في ازمنة وامكنة مختلفة, فاذا وجد المسلمون انفسهم في مثل تلك الظروف في بعض الامكنة او الازمنة وجب عليهم ان يواجهوا الموقف بما يناسبه من حرب او سلم او توقيع اتفاقيات تعايش سلمى بينهم وبين الكفار, ولا يجوز التسوية بين من قاتل واعتدى وفتن, وبين من لم يفعل ذلك كيف وقد فرق الله الصنفين في قوله تعالى: (لا ينهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتسقطوا اليهم ان الله يحب المسقطين. انما ينهاكم الله عن الذين قتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظهورا على اخراجكم ان تولوهم ومن يتولهم فاوئك هم الظالمون) (الايات8-9 من سورة الممتحنة). ثم ان الجهاد اذا اعلن واشتعلت نار الحرب بيننا وبين الاعداء فلا تراجع حينئذ ا لابالاسلام الاعداء او القضاء تماما على قوتهم ختى يخضعوا لشروط الاسلام.

فاذا تمهد هذا فان اعتداء المسلمين على الكفار المسالمين ممن لهم عهدا ولا ذمة او هدنة ولم ينقضوا او ينكثوا افرادا كانوا او جماعات, يعتبر عدوانا جاهليا غير مشروع ولا تقبله نظم الاسلام وقواعده التي تحتاط كل الاحتياط فيما يتعلق بارواح الناس وممتلكاتهم وحقوقهم, والمحرمات هي اشياء حرمها الله بالنسبة للمسلم لذاتها, سواء كان ذلك بالنسبة للمسلم او الكافر, ولا يقال ان الاعتداء على نفس المسلم وماله ودمه وعرضه حرام, واكنه حلال للمسلم بالنسبة لغير المسلمين, وما يحل في حال الحرب لا يحل في حال السلم, او الصلح, وعلى ذلك درج السلف الصالح من الخلفاء الراشدين ومن اهتدى بهديهمن من الامراء والملوك الصالحين.

الاجراءات التي اقرها الاسلام قبل اعلان الجهاد

ان من الحقائق شبه المسلمة ان مقاومة القوى المعارضة للاسلام منذ بدات لم تتوقف, بداء بالمستهزئين من قريش والمنافقين في المدينة الى اليهود في داخل الجزيرة العربية وخارجها انذاك, مرورا بالزنادقة والملاحدة في عهد الامويين والعباسيين, بالاضافة الى العناصر الخاقدة ممن اضطرهم الى ان ينافقوا السلطة قائمة باظهار الولاء وابطان العداء حتى جاءت الحروب الصليبية وما تلا ذلك من انتشار اصحاب المكر والدسائس من المستشرقين والمنصرين في بلاد الاسلام حتى عهد الاحتلال الغربي والاستعمار الاوروبي الذي استهدف الاسلام والمسلمين في دينهم وعقيدتهم وفي قلوبهم وعقولهم ولم يخرج الا بعد ان افسد كل شئ جميل في حياة المسلمين مخلفا وراءه من يحملون نفس الافكار والتصورات والمبادئ الفاسدة التي نادى بها الاستعمار من اباحية وعلمانية ةتنكر اسلطان الله الواحد القهار, وهذا العداء الدفين في نفوس هؤلاء الناس سجله القران العظيم في قوله تعالى: (ولا يزاولن يقاتلونكم ختى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والاخرة واوالئك اصحاب النار هم فيها خالدون) (الاية 217 من سورة البقرة) . وفي قوله تعالى ايضا: (ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من بهعد ايمانكم كفارا حسدا من عدن انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق, فاعفوا واصفحوا ختى ياتي الله بامره ان الله على كل شئ قدير) (الاية 109 من سورة البقرة)

ولهذه الاسباب كلها وجب على المسلمين ان يعيشوا في استعداد وتعبئة عامة ودائمة, وهذا هو الخط الذي درجت على تطبيقه الامم والشعوب في نظامها العسكري الحديث في احكامها لحظة الدفاع او الهجوم او فرض المبادئ بالقوة, ومع هذا, فان الاسلام يقرر عدة اجراءات يجب اتباعها قبل اعلان الحرب, منها ما يتعلق بالمقاتلين من المسلمين, ومنها ما يتعلق بالطرف الاخر:

اولا: رد امر الجهاد الى الامام, وقبول ما يشير به من امر ظاهر المصلحة والتزام الصدق في اسداء النصح له وعدم منافقته اومخالفته.

ثانيا: ان يرتب الامام الخطط الكفيلة باحكام قبضته على البلاد, وحماية المجتمع من التفكك والانخداع لارجاف المرجفين واكاذيب المنافقين.

ثالثا: تطير صفوف المجاهدين من المثبطين او الخونة المدسوسين.

رابعا: تأمين حدود البلاد بفريق من المجاهدين والمرابطين, ثم بعد اجراءات عديدة تهدف الى تامين الخطة الهجومية او الدفاعية, يقوم الامام باعلام العدو بينة المسلمين في مواجهة تهديدات العدو, او نقضه للعهود والمواثيق از غير ذلك من دواعي اعلان الجهاد.

الدعوة قبل القتال

ان الجهاد شعيرة اسلامية عظيمة تهدف الى تامين الدعوة والقائمين بها من عدوان المعتدين واستبداد الطغاة المستكبرين, وتهدف ايضا الى قطع دابر الفتنة والتمكين لدين الله, كما قال تاعلى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) الاية 192 من سورة البقرة) وفي اظهار التوبة وتعبئة الامة لمواجهة كافة الاحتمالات بحزم تحقيق لاكثر متطلبات السلام بين كافة الشعوب, ومع ذلك فاذا نشبت الحرب بين المسلمين والكافرين بسبب مقاومتهم لدعوة الحق , فانه يجب على المسلمين ان يقاتللوهم حينئذ على لعلاء كلمة الله, وبهدف ادخالهم في الاسلام لمجرد كفهم عن الوطن, ولا كذلك لمجرد التغلب عليهم وحوز الغنائم منهم. كما جاء في الحديث عن النبي صاى الله عليه وسلم انه قال: (امرت ان اقاتل الناس حتى يقولولا لا اله الا الله, فاذا قالوها فقد عصموا منى دماءهم واموالهم الا بحقها وحسابهم على الله)رواه الشيخان وابو داود والنسائي والترمذي وابم ماجة عن ابي هريرة ج1ص249.حديث 1630). والاصل في الدعوة قبل القتال الى جانب الاحاديث التي سنعرض لها قصة سليمان عليه السلام مع بلقيس بنت شراحيل ملكة سبا حيث بعث اليها برسالة ضمنها دعوتها مع قومها الى الاسلام, كما جاء في سورة النمل قول الله تعالى: (اذهب بكتابي هذا فالقه اليهم ثم تولى عنهم فانظر ماذا يرجعون قالت ياايها الملا اني القى الى كتاب كريم, انه من سليمان وناه بسم الله الرحمن الحيم, الا تعلوا على واتوني مسلمين) الايات 28-31 من سورة النمل). ومن المعلوم من سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام والثابت من سماحة الاسلام وعدالته, وجوب اعتبار الدعوة قبل القتال, كما وردت بذلك الاحاديث, وللعلماء في هذا المجال ثلاثة اتجاهات:

الاول: وجوب اعلام العدو بابلاغ الدعوة الاسلامية اليه ولا فرق في ذلك بين من بلغتهم الدعوة ومن لم تبلغهم, وهو مذهب الامام مالك والهادوية والزيدية. (ج7 ص231-نيل الاوطار)

الثاني: ان ذلك غير واجب مطلقا, وهو راي الحنابلة.

الثالث: ان ذلك غير واجب لمن بلغتهم الدعوة, ولكن يستحب في حقهم, ويجب لمن لم تبلغهم الدعوة. قال ابن المنذر: ان هذا هو قوا جمهور اهل العلم, وقد تظاهت الاحاديث الصحيحة على معناه وبه يجمع ما ظاهره الاختلاف من الاحاديث. وقد زعم الامام المهدي ان وجوب تقدم دعوة من لم تبلغه الدعوة مجمع عليه. قال الشوكاني: ويرد ذلك ما ذكرنا من المذاهب الثلاثة, وقد حكاها كذلك المنازري وابو بكر ابن العربي. (ج7 ص231-نيل الاوطار)

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط الا دعاهم, رواه احمد والبيهقي وابو يعلى والطبراني والحاكم وعبدالرازق. قال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله رجال الصيح. (ج5 ص304-المجمع)

وفي حديث سلسمان بن بريدة عن لبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا امر اميرا على جيش او سؤية اوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا, ثم قال: (اغزوا بسم الله في سبيل الله, قاتلوا من كفر بالله, اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا, واذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم الى ثلاث خصال, او خلال , فايتهن ما اجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم الى الاسلام فان اجابوك فاقبل منهم وكف عنهم , ثم ادعهم الى التحول من دارهم الى دار المهاجرين, واخبرهم انهم ان فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين, وعليهم ما على المهاجرين, فان ابو ان يتحولوا منها فاخبرهم انهم يكونوا كاعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري علىالمسلمين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيئ شئ للا ان يجاهدوا مع المسلمين, فان هم ابوا فاسالهم الجزية, فان اجابوك فاقبل منهم , وكف عنهم, فانه هم ابوا فاستعن بالله وقاتلهم واذا حاصرت اهل حصن, فارادوك ان تجعل لهم في ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه, ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة اصخابك فانكم ان تخفروا ذمتكم وذمة اصحابكم اهون من ان تخفروا ذمة الله, وذمة رسوله, واذا حاصرت اهل حصن وارادوك ان تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن انزلهم على حكمك فانك لا تدري اتصيب فيه حكم الله ام لا  )رواه احمد ومسلم وابن ماجة والترمذي وصححه. (راجع منتفى الاخبار-ج2ص2263)

وفي حديث فروة بن مسيك قال: قلت يارسول الله: اقاتل بمقبل قومي مدبرهم , فلما وليت دعاني, فقال: (لا تقاتلهم حتى تدعوهم الى الاسلام) رواه احمد (ج8 ص54-نيل الاوطار)

والدعوة قبل القتال احوط ليكون المجاهد على بنية, وهذا في الجهاد المطلق, اما اذا هدد الكفار المسلمين او هجموا على بلاد المسلمين فلا مكان لشئ غير مواجهة عدوانهم بالقوة.

 

 

النساء والصبيان والرهبان

مما يدل على ان الجهاد لم يشرع لمجرد الاعتداء ولاقهر ولا للرغبة في اكراه الناس على دينهم او لمجرد الطمع في سلب ما انعم الله عليهم من الاموال والممتلكات نهيه عن قتل النساء والصبيان والرهبان, ومن لم يكن من شانه القتال, فاتضح بذلك ان انما شرع لرد عدوان المعتدين وردع الناكثين, المستهزئين تمكينا لدين الله والمؤمنين في الارض واعلاء لكلمة الله, كما وعد الحق تعالى المؤمنين بذلك في قوله تعالى: (ولقد كتبا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون) (الاية15 من سورة الانبياء). وفي اية اخرى يقول :(وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا, يعبدونني لا يشركون بي شيئا , ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون) (الاية 55 من سورة النور)

ففي حديث ابن عمر قال : وجدت امراة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. رواه احمد البخاري ومسلم وابو داود والترمذي وابن ماجة (راجع ج8ص71 نيل الاوطار)

وفي حديث ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اذا بعث جيوشه قال : (اخرجوا بسم الله , تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا اصحاب الصوامع ) (راجع ج8 ص72 نفس المرجع)

وفي حديث انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انطلقوا بسم الله وعلى ملة رسول الله, لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امراة وضموا غنائمكم واصلحوا واحسنوا ان الله يحب المحسنين) (راجع ج8 ص72-نفس المرجع)

وفي حديث رباح بن ربيع انه خرج مع رسول الله صلى الله عيه وسلم في غزوة غزاها, وعلى مقدمته خالد بن الوليد, فمر رباح واصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امراة مقتولة, مما اصابت المقدمة , فوقفوا ينظرون اليها يعني وهم يتعجبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فانفرجوا عنها, فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما كانت هذه لتقاتل , فقال لاحدهم الحق خالدا , فقل له : لا تقتلوا ذؤية ولا عسيفا)رواه احمد وابو داود  (ج8 ص71-72 نيل الاوطار)

وهذه الاحاديث وما شابهها هي الاساس في النهي عن قتل من لم يكن اهل القتال اذا لم يباشر القتال او يتعاطى من الاعمال ما يقوم مقام القتال  وبذكر العسيف دخل اللاخون والخدم ممن لا شان لهم بالقتال  كما قدمنا.

وجاء في حديث يحي بن سعيد, ان ابا بكر بعث جيوشا الى الشام, فخرج يمشي مع يزيد بن ابي سفيان وكان يزيد امير ربع من تلك ارباع, فقال : اني موصيك بعشرة خلال: (لا تقتل امراة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطع شجرا مثمرا ولا تخرب عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا الا لماكله ولا تعقرن نخلا ولا تحرقه ولا تغلل ولا تخبن). رواه الامام مالك في الموطا. قال في كتاب المستخرجة المعروفة بالعتيبة , قال اشهب: سمعت مالكا, وسئل عن الربان, فقيل انهم يعتزلون في ديارات ليس في صوامع ايسبون؟ قال: لا ارى ان يهاجوا . فقيل له: سواء عليك الرهبان في الدسلرات او اصحاب الصوامع قال: هاه, يقول الله تعالى : (قسيسن ورهبانا) (الاية 82 من سورة المائدة) . ولم ير ان يهاجوا, فقيل له فالرهبان من النساء عندنا والله احق الا يهاجن. أهـ. وسئل كذلك عن اموال الرهبان وعبيدهم وزروعهم,يمر بهم الجيش, فقال: لا ارى اذا علموا انها للرهبان ان يمسوا منه شيئا ولا يهيجوه. أهـ  .

وخلاصة المذهب ان من بحر قتلهم من اصحاب  الديانات يترك لهم ما بايديهم من الاموال وهكذا الشيخ الهرم يترك له ما يعيش به ,واذا شك في انه لهم ترك لهم منه ما يكفي, واما اذا تحقق انه لهم ترك جميعه لهم,ولا يؤخذ منه شئ وان كثر. أهـ. هكذا كان عدل الاسلام في السلم والحرب حتى مع الاعداء, ومن هنا يتاكد ان علاقة السلم هي الاصل في علاقة المسلمين بالشعوب الاخرى.

موقف الاسلام ممن شارك في الحرب او خان او تجسس

ان الاسلام استثنى من القتل فئات من الناس, قدمنا ذكرهم , ولكن اذا قاتل واحد من اولئك او شارك في التخطيط للمعركة او للحرب, فان الاسلام لا يتردد في الحكم عليه بالقتل , سواء كان ذلك امراة او صبيا او راهبا او عسيفا . قال الحافظ الشوكاني بعد ايراده لاحاديث النهي عن قتل النساء والاطفال والصبيان.. الخ . انها تدل على انه لا يجوز قتل النساء والصبيان. والى ذلك ذهب مالك والاوزاعي ,فلا يجوز ذلك عندهما بحال من  الاحوال , حتى لو تترس اهل الحرب بالنساء والصبيان او تحصنوا بحصن او بسفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان, لم يجزر رميهمن ولا تحريقهم. قال: وذهب الشافعي والكوفيون الى الجمع بين الاحاديث المذكورة, فقالوا : اذا قاتلت المراة جاز قتلها, وقال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد الى قتلها اذا قاتلت, الا ان باشرت القتل او قصدت اليه, ويدل على هذا ما رواه ابو داود في المراسيل عن عكرمة ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بامراة مقتولة يوم حنين, فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل انا يارسول الله, غنمتها فاردفتها خلفي فلما رات الهزيمة فينا اهوت الى قائم سيفي لتقتلني, فقتلتها. قلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. (ج7 ص247-نيل الاوطار)

واما الجواسيس والخونة , فان الاسلام لا يتسامح معهم اطلاقا , ولقد راى مالك في الجاسوس ان يترك الحكم فيه لاجتهاد الامام. قال في العتبية: سئل ملك عن الجاسوس من المسلمين يءخذ وقد كاتب الروم واخبرهم خبر المسلمين, ماذا ترى فيه؟ قال: ما سمعت فيه شيئا , وارى فيه اجتهاد الامام . قال ابو القاسم: ارى ان تضرب عنقه , وهذا مما لاتعرف له توبة . قال الامام ابن رشد: قول ابن القاسم صحيح, لان الجاسوس اضر على المسلمين من المحارب, واشد فسادا في الارض. (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) (الاية 33-من سورة المائدة). فللجاسوس حكم المحارب ,.الا انه لا تقبل له توبة باستخفافه بما كان عليه, كالزنديق وشاهد الزور ,ولا يخبر الامام فيه من عقوبات المحارب في القتل والصلب ,لان القطع او النفي لا يرفعان فساده في الارض وعاديته على المسلمين, قال وعلى هذا ينبغي ان يحمل قول مالك: ارى فيه اجنهاد الامام . أي بين ان يقتله او يصلبه  (ج2 ص536-537-البيان والتحصيل)

الاعداد والاستعداد الحربي

قال الله تعالى )لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط, وانزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس , وليلم الله من ينصره ورسله بالغيب ان الله قوي عزيز) (الاية 25 من سورة الحديد) . وقال تاعلى ايضا: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم واخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف اليكم وانتم تظامون, وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم ) (الاية 60-61 من سورة الانفال)

ان مما يثبت وسجله تاريخ الامم والشعوب في هذه الارض منذ فجر الانسانية والى اليوم ان الصراع بين الحق والباطل لم يتوقف, وان المبادئ والقوة توامان لا يفترقان متى اريد للمبادئ ان تبقى وتدوم وتنتصر , وسواء كانت مبادئ حق ام باطل هدى ام ضلال . ومتى اهمل اصحاب المبادئ الصحيحة جانب القوة فلم يعدوا له فانهم معرضون للذلة والمهانة , ومبادؤهم معرضة للتذويب او الالغاء . فبالنظر الى هذه الثوابت التاريخية والمعطيات الواقعية وجب على المسلمين ان يدركوا ان الاعداد والاستعداد من واجبات هذا الدين, ومن اجل تحقيق هذا المطلب الاساسي ولتامين الامة ودعوتها وجب انشاء المصانع اللازمة لامدادهم بالقوة التي جاءت في هذه الايات, بما تتسع له هذه الكلمة مرتبطة باقصى ما تستطيعه الامة , وبذلك تفرض الامة احترامها واحترام مبادئها على الامم والشعوب الاخرى . ولقد نصر الله نبيه وحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم بالرعب مسيرة شهر . ولقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم, القوة في اية الانفال بالرمي, ففي سنن ابي داود عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول : (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ,الا ان القوة الرمي , الا ان القوة الرمي , الا ان القوة الرمي  (ابو داود-ج3 –ص3)

ورباط الخيل :اعدادها والاعتناء بها, ومع ان الخيل قد فقدت اهميتها في الحرب الان عكس الحال في العصر الاول, الا انها ما زالت تستخدم في بعض الخالات, فاذا كان معنى القوة في ذلك العصر اكثر ما يصدق على الرمي بالنبال والفئوس والرماخ والمجانيق الى غير ذلك من الات المي , فانه يصدق اليوم على القوة المتطورة الحديثة التي تحسم المعارك والحروب, كالطائرات الحربية المقاتلة, وناقلات الجنود العملاقة, والشاحنات, والدرعات والصواريخ على اختلاف انواعها,والبوارج الحربية , والاساطيل البحرية والغواصات, وحاملات الطائرات, والدبابات والمصفحات, والمدافع والرشاشات , والقنابل والبنادق, وحتى المسدسات ,واجهزة الرقابة الرادارية ,واجهزة الاتصال على مختلف انواعها, واجهزة جمع المعلومات الدقيقة لكشف مدى قوة العدو ,واستعدادته, جوا وبحرا وبرا, بل يدخل في هذه القوة كما يدخل في الاستطاعة مما يساوي او يفوق قوة العدو. وبما ان هذا لا يتحقق عن طريق الاستجداء او حتى الشراء, فلا بد من اقامة مصانع التصنيع الحربي, كما فعلت بعض الدول الاسلامية, وعلى راسها جمهورية مصر العربية الان, ومصر معروفة بانها كنانة الاسلام-كبت الله اعداءها, وجعلها دائما نصيرا للاسلام , ودرعا واقيا للامة الاسلامية. فاذا امعنا النظر في معاني هذه الايات, ادركنا ان السلام والاستقرار لا يتحقق اشعب من الشعوب في أي عصر من العصور ما لم يملك هذا الشعب القوة الرادعة التي تجعله مساويا لغيره , فالدولة الضعيفة في هذا العصر ليس لها نصيب في الاستقرار او الازدهار, وعلى دول الاسلام اليوم ان تراجع مواقفها السلبية التي همشت الامة الاسلامية في أي قرار دولي, حتى ولو كان ذلك القرار يمس الامة في صميمها.

التصنيع والتنسيق

ان انشاء المصانع الكفيلة بتوفير السلاح الكافي في خطتي الهجوم والدفاع اصبح ضروريا بالنسبة للدول النامية, ومن جملتها الدول الاسلامية, ذلك لان وجود دولة على ارفع مستوى من التسلح والقوة, معناه استقرارها وازدهارها سياسيا واجتماعيا, وحتى اقتصاديا , بالاضافة الى ان ذلك يؤمن تلك الدولة من كل عدوان خارجي, ومن المعلوم ان الدول الاسلامية والعربية غنية بكل المواد اللازمة لتصنيع جنيع انواع الاسلحة , واذا اردنا ان ننجح في ذلك يجب علينا وضع حطة ثابتة وواضحة للتعاون بين جميع هذه الدول الغنية بشتى انواع المعادن التي انعم الله عليها, وكما اشرنا سابقا ان بعض الدول الاسلامية بدات في ارتقاء سلم تصنيع السلاح الذي تحتاجه, فبعض تلك الدول التي لم تصل الى مستوى انتاجه, ليس اذن من المصلحة ان تتجه لشراء هذا السلاح من الدول الاجنبية, وهو موجود في احدى الدول الشقيقة, كما انه يجب لجعل هذا التعاون ايجابيا ان تنسق هذه الدول بين منتجاتها من السلاح , ويجب ان تتعاون الدول الغنية بمالها وامكاناتها الهائلة لتمكين تلك الشركات من القدرة على لنتاج الكميات التي تفي بحاجة جميع الدول المعنية, وهذا المطلب ليس بالسهل التحقيق ابدا , خاصة في ظل النظام العالمي الجديد الذي قيد حريات الدول النامية, وحدد مدى ما تصل اليه طموحاتها في مجال السلاح والقوة العسكرية , ومع صعوبته يجب على المسملين تحقيقه.. فقد ثبت عن الرسول الكريم صلوات الله وسلام عليه , ان المسلمين اذا تركا الجهاد والاعداد له ,سلط الله عليهم ذلا , لا ينزعه عنهم الا رجوعهم الى دينهم, فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اذا تبايعتن بالعينة واخذتم اذناب البقر ورضيتم بازرع وتركتم الجهاد, سلط الله عليكم ذلا , لا ينزعه حتى ترجعوا الى دينكم) رواه ابو داود, وغيره عن طريق اسحق بن اسد مصر  (ج2 ص452-الترغيب والترهيب)

وعم ابي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترك قوم الجهاد الا عمهم الله بالعذاب ) رواه الطبراني باسناد حسن  (ج2 ص 454-نفس المرجع)

فاذا امعنت النظر في مثل هذه الاحاديث , اتضح لديك ضرورة تحقيق المسلمين لمطلب القوة الرادعة التي تضمن لهم العزة والهيبة التي تعطيهم حق العيش بسلام في هذا العصر , فاذا تعاونت دول الاسلام التي تملك الطاقة والمال , والتي تملك الخامات الوثروات المعدنية الهائلة , مع تلك التي لها رصيد كبير من العلماء والخبراء, واتجهت كلها الى تحقيق هذف التصنيع الحربي في تعاون وتنسيق صادقين فلا شك انها ستحقق للاسلام والامة الاسلامية ما لا يخطر على البال , وبذلك نحقق استقلالنا ,ونملك قرارنا , ونحرر ارادتنا, ونفرض على العالم كله احترام الامن والسلام والاستقرار اللواتي حاجة المسلمين اليها, ليست باكثر من حاجة العالم كله اليها.

الاسلام وترويع المسلم

ان الاسلام احترم الانسان ككائن حي, وكانسان, حيث قال الله تعالى: (ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) (الاية 70 من سورة الاسراء)

كما اعطى المسلم حصانة ثابتة, تشمل دينه ودمه وماله وعرضه ونسبه, كما اعطى عناية خاصة للبنية التي يعيش فيها المسلم, قال تاعلى: (ان الله يامر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (الاية 90 من سورة النحل)

ان الاسلام يحرم تحريما قاطعا الحاق أي اذى او ضرر باي مسلم , مهما كان الاختلاف بينك وبينه في الراي او وجهات النظر,ولا يجوز ترويعه, وقد ورد الوعيد الشديد في حق من روع المسلم او رهبه. فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فخفق رجل على راحلته فاخذ رجل سهما من كنانته, فانتبه الرجل ففزع, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يحل لرجل ان يروع مسلما). رواه الطبراني الكبير في الكبير . قال النمذري : ورواته ثقات. ورواه البزار من حديث ابن عمرو من حديث مختصرا : (لا يحل لملم او مؤمن ان يروع مسلما ) قال : خفق الرجل : اذا نعس ) (ج3 ص 483 الترغيب والترهيب)

وفي حديث عبدالحمن بن ابي ليلى قال : حدثنا اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : انهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فنام رجل منهم , فانطلق بعضهم الى حبل معه فاخذه , ففزع , فقال رسول الله صلى اللهع عليه وسلم :(لا يحل لمسلم ان يروع مسلما ) رواه ابو داود  (نفس المرجع والمكان)

فاذا عرفت هذا , فانه لا يحل لميلم لن ينظر الى اخيه  المسلم بنظرة تؤذيه, فكيف بتهديده له بالسلاح, فكيف باستباحة ما حرم الله على المسلم تهييجه حتى في حالة الحرب المشروعة . ففي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه الله يوم القيامة) . رواه الطبراني ورواه أبو الشيخ من حديث أبي هريرة.

وفي حديث ابن عمرو مرفوعا: (من أخاف مؤمنا كان حقا على الله ألا يؤمنه من إفزاع يوم القيامة). رواه الطبراني.

ولقد قارن ذنب ترويع المسلم ذنب الشرك بالله, في كون كل واحد منهما ظلم عظيم. فقال تعالى: (لن الشرك لظلم عظيم) (الآية 12 من سورة لقمان). هذا في الشرك, وأما في ترويع المسلم وإخافته, فقد روي البراز والطبراني وأبو الشيخ وابن حبان في التوبيخ, عن عامر بن ربيعه: أن رجلا اخذ نعل رجل فغيبها, وهو يمزح, فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تروعوا المسلم ظلم عظيما).

وفي حديث أبى هريرة مرفوعا: قال: (ولا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح, فانه لا يدري لعل الشيطان ينزع يده فيقع في حفرة من النار) رواه مسلم والبخاري.

وفي حديث أبى هريرة الآخر قال: قال أبو القاسم: (من أشار إلى أخيه بحديدة فان الملائكة تلعنه حتى ينتهي, وان كان أخاه لأبيه وأمه) رواه مسلم. (ج3 ص483 –485-الترغيب والترهيب)

المعاهدات في الإسلام

الإسلام بدعوته العالمية والمرتبطة بالسلام والاستقرار, لا يمنع من إنشاء المعاهدات, واتفاقيات السلام, للتعاون المثمر بين المسلمين و بين غير المسلمين, استبقاء على طبيعة المسلم القائم, أو رجوعا إليه بوقف الحرب, إذا جنح إلى السلام العدو, ولا فرق بين أن يكون اتفاق المتاركة أو وقف القتال دائما أو مؤقتا. فقد وقع الرسول الكريم معاهدة بينه وبين اليهود أول مقدمة إلى المدينة, وهذه أول علاقة رسمية يقيمها الإسلام مع غير المسلمين, كما وقع معاهدة الحديبية وكانت في النهاية فتحا عظيما بإسهامها في انتشار الإسلام, إلى غير ذلك من المعاهدات, والاتفاقات التي تضمنتها السيرة النبوية, ويكفي في ذلك قول الله تعالى (وان جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم. وان يريدوا أن يخدعوك فان حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)

وقوله تعالى (عسى الله ان يجعل بينكم وبين الذين عاديتهم منهم مودة والله غفور رحيم) (الآية رقم 7 سورة الممتحنة)

والمعاهدات مهما كان نوعها, فهي خاضعة لقوانين الإسلام الأساسية, وهي:

1-ألا تعود على الأصل بالنقض, ومعنى ذلك أن المسلم في معاهداته واتفاقياته يجب ألا يخرج عن تعاليم دينه, ولا يدخل فيما لا يعلم حكم الله فيه, قال تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم, ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) (الآية رقم 7 من سورة الممتحنة) . وقال: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها, ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) (الآية 17 من سورة الجاثية) وفي الحديث :(كل شرط ليس في كتاب الله تعالى, فهو باطل وان كان مائة شرط) رواه البراز والطبراني في الكبير, كلاهما عن ابن عباس رصي الله عنهما. (ج2 ص281 –الجامع الصغير.

2-يرى وجوب التراضي بين كافة الأطراف, وألا يكون جانب الإسلام هو الأضعف, أنه إذا انتقى التكافؤ في القوة كانت الاتفاقيات والمعاهدات أغلفة للقهر والإكراه وهي في الحقيقة استسلام, وليست بمعاهدة ملزمة, ألا يكون هناك سبب ينطوي على حكمة أو ظرف ارتبط بتخطيط أو بعد نظركما وقع في الحديبية.

3-ويجب كذلك أن تكون بنود الاتفاقية واضحة وبعيدة عن التلاعب بالألفاظ والغش والخداع, قال تعالى: (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم) (الآية 94 من سورة النحل)

4-ويجب أن يتولى توقيع الاتفاقية الإمام, لأنها تمس حقوق الشعب كله, فكما لا يؤمن الفرد من المسلمين دولة داخلة في الحرب مع المسلمين, كذلك لا يجوز أن ينوب عم الأمة في توقيع مثل هذه المعاهدات ألا القائد الأعلى, وهو الأيام.

5-وإذا وقعت تلك المعاهدات أو الاتفاقيات, وجب الوفاء بها, لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعهود) (الآية 1 من سورة المائدة). وقال: (أوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) (الآية 34 من سورة الإسراء).وقال: (وافوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا, إن الله يعلم ما تفعلون) (الآية 91 من سورة النحل)

 

أهمية جهاد الكلمة في الدعوة

ان من اعظم الأسلحة الجهاد الفعالة سلاح النصيحة, سلاح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, سلاح الكلمة. وبالقيام بهذا الركن تتحقق هذه الأمة بوصف كونها خير أمة أخرجت للناس, كما يحق لها حينئذ إن تدعى خلافة الحق تعالى في الأرض, ويستحق قادتها الإمامة والزعامة, وبدون ذلك فإنها لا تستحق شيئا من تلك الأوصاف, ولا من تلك الألقاب. قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله, ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم) (الآية من سورة آل عمران)

ان من اشد ما يجيز في النفس الحزن والأسى,تلك الصورة الخطيرة التي وصلت إليها الأمة الإسلامية من انفاصلها عن المنهج الرباني الإسلامي, إلا في قضايا شخصية جدا, وخاصة, حتى صار الانتفاء إلى الإسلام اسميا اكثر من كونه عقدا وعملاء, والمفروض أن يكون الإسلام في الوطن الإسلامي هو مصدر التشريع, وقاعدة التوجيه, والأساس الذي ترتكز عليه جميع السياسات في مجالات التربية والثقافة والاجتماع والاقتصاد, بكونه هو النفس علميا وثقافيا وعسكريا واقتصاديا, بما يمكننا من التصدي للمكايد والشبهات التي يثيرها الأعداء ضد الإسلام في كل المجالات, وخاصة المجالات الفكرية والثقافية والأخلاقية والفلسفية, من اجل فرض السيطرة والهيمنة على أمته تكبرا وتجبرا, ولا بد من التركيز على دراسة جذور هذا الكيد والمكر المتأصل في نفوس أولئك الناس,ومصادره, من اجل اكتساب المناعات الحاسمة من الإصابة بأمراض التحلل والنقائص المتشفية هناك في جميع صورها, ورصد وأبعاد ما يتسلل إلى بلدان الإسلام منها عن طريق الشرح والبيان بالتي هي احسن.

ومن اخطر تلك الدسائس, نشر الفتنة والشك في دول العالم الثالث, وخاصة منها الإسلامية, أو دول أفريقيا واسيا, بقصد استقطاب الأمم الوثنية أو تجنيدها للعمل ضد الإسلام أو الضغط على الأقليات الإسلامية, حتى تتخلى عن تمسكها بدينها لو التضييق عليها في بعض المجالات الخيرية, حتى تترك أو تفقد حماسها, لهذا الدين الذي تؤمن به, أو بتصدير الإرهاب ومساندته في تلك الدول, إلى غير ذلك. واهم وسيلة لشرح حقائق في الدول الغير الإسلامية, هو دراسة لغات تلك الأمم مع استغلال فرصة حرية الكلمة والتعبير عن الرأي في إطار الحكمة والتبصر و اليقين, اللواتي أمر الله بها الدعاة في قوله تعالى: (ادع الله إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن) (الآية 125 من سورة النحل). ولا مكان للعنف أو القتل أو نشر الفساد في دعوة الإسلام, لأنه كلمة حق ولا ننصر الحق إلا بالحق.

فقد نجح الاستعمار في جعل المسامين في الدول العلمانية معزولين عن الحياة, إذا كانوا أقلية في الوقت الذي طور كوادر من غير المسلمين في تلك الدول وجعلهم حراسا أمناء للعمانية الصليبية وجندوا مخلصين من اجل الدفاع عنها, إلى حد الاستمانة, وهذا الواقع لا يمكن تغييره إلا عن طريق وضع خطة إسلامية مدروسة وحكيمة تكفل لنا تشخيص الأمراض وتحديد الأخطار وتعيين العلا المناسب أو الأسلوب الواقي من تلك الأخطار, وراس هذه الخطة المحافظة على وحدة الصف, وبما أن الدعوة في جوهرها تحتاج إلى شرائط وقواعد أساسية وبدونها لا تنجح, فإليك بعضا منها:

أولا: عمق الإيمان بها, والعلم الشامل بالإسلام أصولا وفروعا.

ثانيا: الالتزام بالقيم الأساسية للدعوة, كالحكمة والموعظة الحسنة, والرفق بالناس, وسلوك منهج الوضوح والتيسير والابتعاد عن التشديد.

ثالثا: الإخلاص في عمل الدعوة, والابتعاد عن التيارات التي تشوه صورتها, أو التي تحولها عن أهدافها الأساسية.

رابعا: معرفة أحوال المدعوين, من عاداتهم وتقاليدهم, وسائر ما يتعلق بحياتهم من اجل تحسين وإتقان التعامل معهم.

خامسا: تطوير وسائل الدعوة, باستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة, كالإذاعة المرئية والمسموعة, بالإضافة إلى وسائل النشر المعروفة, كالكتاب الجيد, والمقالات الهادفة في الصحف والمجلات.

سادسا: العناية بالطفل والشباب, وتنشئتهم في إطار إسلامي واعدادهم الإعداد اللائق بقيادة هذه الأمة.

سابعا: العمل من اجل إشاعة الحب والولاء والانتماء لقيم الإسلام, ومثله بين الأطفال والشباب, حتى لا يفسد تصورهم للإسلام المحرفون والمبدلون, من الذين لا يحترمون نصوص الإسلام ولا يقفون عند حدودها.

ثامنا: احترام النص القرآني أو نصوص السنة الصحيحة, حتى لا ننأى عن مدلولاتها الأصلية, حتى لا نخرج من هو في الإسلام عن دائرة الإسلام, بالتأويل الجائز, حتى لا نتلاعب بالمصطلحات الأساسية لهذا الدين العظيم.

تاسعا: العمل بصدق لإيجاد تفاهم كامل بين ركائز المجتمع الأربع, حتى نعطي لكل ذي حق منهم حقه, كما أمر الإسلام:

1-الولاة وهم الحكام.

2-العلماء الذين يتولون شرح النصوص الإسلامية في حدودها.

3-الدعاة الذين يشرفون على برامج التربية الإسلامية.

4-الوعاظ الذين يقومون بوظيفة الحسبة في الإسلام.

وعندما يتحقق لنا هذا, فان الأمة ستتوحد, وهيبتها ستعود إليها, وتكون سيدة نفسها, تملك القرار, وتقوى على مواجهة جميع التحديات,. فإذا باشرت الجهاد عند وجود مقتضياته ومبرراته فإنها ستنتصر لا محالة. وهذه يتطلب منا الصبر الكامل والابتعاد عن مسببات النزاع, قال تعالى: (ولا تنازعوا, فتفشلوا وتذهب ربحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) (الآية 47 من سورة الأنفال). وقال: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (الآية 200 من سورة آل عمران).

إنتهـــــــــى

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى