الخطبمقالات

جهاد النبي بالقرآن تبليغا و تطبيقا  

 

جهاد النبي بالقرآن تبليغا و تطبيقا  

*الْحَمْدُ لِلَّـهِ رب العالمين * و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنــا محمد  سيد الأنبياء و المرسلين * ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،* ونشهد أن سيدنا و نبينا  و مولانا محمدا عبد الله و رسوله و مصطفاه من خلقه و خليله، فصلى الله عليه و سلم من نبي أمين، ناصح حليم وعلى آله وصحابته، وعلى من اهتدى بهديه و سنته إلى يوم الدين . 

* أَمَّا بَعْدُ، فيا عباد الله: حديثنا اليوم عن بعض الصور من جهاد النبي صلى الله عليه و سلم بالقرآن تبليغا و تطبيقا، وعن ثقته بنصرة الله و كفايته إياه في جميع أطوار الدعوة إلى الله تعالى و في ذلك عبرة و أية عبرة لكل فرد من أمته ، لاشك معاشر المؤمنين أنكم تقرأون سورة العلق في كتاب الله تلاوة و تقرأونها في صلواتكم فرائض و نوافل تعبدا و تقربا، فهل توقفتم عند معنى قوله سبحانه مخاطبا رسوله الكريم: [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)] ؟ و هل تساءلتم من هو هذا الإنسان الذي قال تعالى في شانه: [كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى]؟ لقد كان من شأن النبي صلى الله عليه و سلم في بداية العهد المكي من نبوءته، و جهرِهِ في قومه بدعوتِهِ أن كان يذهب عند البيت الحرام فيصلي و يركع و يسجد، و يتلو ما أنزل عليه من القرآن، غيرَ آبهٍ و لا مبالٍ بقريش و صناديد كفارها من المشركين، و بلغ الخبرُ أبا جهل  بن هشام ، فاغتاظ و هو أعدى عدو لرسول الله صلى الله و سلم و لِمَا جاء به من عند الله، مع أنه يعلم أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم صادق غيرُ كاذب، و لكنه الحسد و الغيرة، قَالَ أَبُو جَهْلٍ للمعشر من قريش: هَلْ يعفِّر مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟( يعني هل يسجد و يضع رأسه في التراب أمام أعينكم و أنتم تنظرون؟) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، ولأعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ)  فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة، جاء أبو جهل وقال له: يا محمد إن سجدت عند الكعبة سوف أدوس على رأسك، ثم فقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ – وَتَوعَّده-  فما من رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلا أن وعظه وأَغْلَظَ لَهُ القولَ وانتهره، فقال: يا محمد، بِأَيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَكْثَرُ هَذَا الْوَادِي نَادِيًا! ( أكثر أنصارا و جمعا ) فلم يهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لكلامه وتوجه إلى الكعبة ليصلي، فجاء أبو جهل يهدِّدُه من جديد قائلاً: يا محمد إن سجدت عند الكعبة سوف أدعو جميع أهل قريش وأجعلهم يشاهدون كيف أدوس على رأسك، ومرة أخرى لم يهتم له رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فدعا أبو جهل جميع أهل قريش وانتظر حتى سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقترب منه لينفِّذَ تهدِيدَهُ، ويَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ ولكن فجأة وقف صامتاً ساكناً بلا حراك، فَمَا فَجأهم مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، ثم بدأ بالتراجع ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ يا أبا جهل ها هو محمد ساجد وأنت لم تدس على رأسه، فلماذا تراجعت؟ فرد أبو جهل: لو رأيتم ما رأيت أنا لبكيتم دماً، فقال الناس: وماذا رأيت يا أبو جهل فَقَالَ: رأيت   بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدقا مِنْ نَارٍ، وهَوْلاً، وَأَجْنِحَةً. فلما بلغ الخبر رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقَالَ: “لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا”  يعني“لو فعل لأخذته الملائكة عياناً”.نعم أيهاالمومنون:لقد تحدى القرآن هذا الطاغية أبا جهل بقوله تعالى “فليدع ناديه سندع الزبانية” رد عليه رب العالمين: إذا جمعت أهل قريش فسوف أجمع ملائكة العذاب ليمنعوك  من إذاية رسولي و أذيقك من أشد العذاب، ثم قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم:“كلا لا تطعْهُ واسجد واقترب”. فأنا كافيك و حاميك.فاللهم اقسم لنا من خشيتك ما تباعد بيننا وبين معاصيك سرا و جهرا آمين سبحان ربك رب العزة  عما يصفون ، و سلام على المرسلين  و الحمد لله رب العالمين .

                                الخطبة الثانية

*الحمد لله على نواله وإفضاله،والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي، الصادق الزكي،وعلى آله،وعلى جميع من تعلق بأذياله       و نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده و رسوله و بعد أيها المؤمنون: و إليكم قصة أخرى من جهاده صلى الله عليه وسلم فقد كان له عدو آخر من ألد الأعداء فاقت عداوته عداوة أبي جهل، إنه أبَيُّ بنُ خَلَف من رؤساء قريش في الجاهلية، ومن ألدِّ خصوم النبي صلى الله عليه وسلم وأكثرهم إيذاءً له، وأشدهم استهزاءً به وإحجاجًا عليه حتى ذكرت مواقفه الخبيثة و أقواله القبيحة في القرآن الكريم في عدة مواضع منها قوله تعالى في سورة الأنعام : (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمُ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ). وكذلك جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عظام بالية يفتتها بيده وهو يقول: زعم لكم محمد أنا نُبعث بعدما نموت، فنزل من سورة مريم: (وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا). و مرة أخرى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم بالٍ وقال: يا محمد! أتَرى الله يُحيي هذا بعد ما أصبح رميما؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (نعم، ويبعثك ويدخلك النار)، فنزل فيه من سورة يس: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ). و هو من نزلت فيه آيات سورة الهمزة، و في أحد الأيام اعترض أبي بن خلف وجماعة من المشركين صلى الله عليه وسلم النبي وهو يطوف حول البيت الحرام، فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، فنزلت فيه وفي صحبه الآيات من سورة الكافرون. و أبي بن خلف هذا هو الوحيد الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ففي غزوة أحد لَمّا أَسْنَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشّعْبِ و كان مُنهكا من سقوطه في حفرة و شُجَّ جبينُهُ و كُسِرَت رُباعيته، أَدْرَكَهُ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ وَهُوَ يَقُولُ: أَيْ مُحَمّدُ لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَوْتَ، فَقَالَ الْقَوْمُ يَا رَسُولَ اللهِ أَيَعْطِفُ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم» دَعُوهُ«   فَلَمّا دَنَا، تَنَاوَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْحَرْبَةَ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ الصّمّةِ فَلَمّا أَخَذَهَا رَسُولُ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً تَطَايَرْنَا عَنْهُ تَطَايُرَ الشّعْرَاءِ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إذَا انْتَفَضَ بِهَا (الشّعْرَاءُ ذُبَابٌ لَهُ لَدْغٌ) ثُمّ اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا.( تَقَلّبَ عَنْ فَرَسِهِ فَجَعَلَ يَتَدَحْرَجُ). وَكَانَ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ، يَلْقَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكّةَ فَيَقُولُ: يَا مُحَمّدُ إنّ عِنْدِي الْعَوْذَ فَرَسًا أَعْلِفُهُ كُلّ يَوْمٍ فَرَقًا مِنْ ذرةٍ أَقْتُلُك عَلَيْهِ. فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم» بَلْ أَنَا أَقْتُلُك إنْ شَاءَ اللهُ «فَلَمّا رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ وَقَدْ خَدَشَهُ فِي عُنُقِهِ خَدْشًا غَيْرَ كَبِيرٍ فَاحْتَقَنَ الدّمُ فَقَالَ: قَتَلَنِي وَاَللهِ مُحَمّدٌ قَالُوا لَهُ: ذَهَبَ وَاَللهِ فُؤَادُك، وَاَللهِ إِن بِك مِنْ بَأْسٍ، قَالَ:إنّهُ قَدْ كَانَ قَالَ لِي بِمَكّةَ أَنَا أَقْتُلُك، فَوَاَللهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيّ لَقَتَلَنِي. فَمَاتَ عَدُوّ اللهِ بِسَرِفِ وَهُمْ قَافِلُونَ بِهِ إلَى مَكّةَ.يعني بعد ليلة واحدة. فاتقوا الله عباد الله و خذو العبرة من جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه، واستولى على أنواعه كلها فجاهد في الله حق جهاده بالقلب، والجَنَان، والدعوةِ، والبيانِ، والسيفِ، والسِّنانِ، وكانت ساعاتُه موقوفة على الجهاد، بقلبه، ولسانه، ويده، ولهذا كان أرفع العالمين ذكرا، وأعظمهم عند الله قدرا، وأمره الله تعالى بالجهاد من حينَ بَعثَه، وقال: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) {الفرقان: 51ـ 52}عباد الله استعينوا على اموركم كلها بالإكثار من الصلاة  و التسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق و الخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حق قدره و مقداره العظيم،(ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) (ولاتجعل في قلوبنا غلا  للذين آمنوا،ربنا إنك رؤوف رحيم)(سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين)

الخطبة من إنشاء عبد ربه الفقير:”ذ. سعيد منقار بنيس” مسجد الرضوان

لافيليت /عين البرجة/ الدار البيضاء/،

أستاذ العلوم الشرعية بمدرسة العلوم الشرعية التابعة لمؤسسة مسجد الحسن الثاني مفتش منسق جهوي لمادة التربية الإسلامية للتعليم ثانوي متقاعد

البريدالالكتروني mankarbennissaid@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى