مناسبات

كلمة الوفد الموريتاني

بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الوفد الموريتاني

فإنه لا يسعني في البداية إلا أن أعرب عن تقديرنا و شكرنا لمن رعى هذه المناسبة الطيبة و دعا إلى هذا اللقاء العظيم في أرض فاس الطاهرة مسكن شيخنا سيدي أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه و مقامه و العاصمة الروحية للمملكة المغربية أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله تعالى، و لست أنسى – هو بالخاطر أبدا لا ينسى – سيدي و نجل ساداتنا محمد الكبير أدام الله عزه و أنسأ و بارك له في عمره ، فله علينا المنة العظمى إذ جمعنا و مهد لنا أسباب زيارة شيخنا سيدي أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه فأوقفنا ببابه فعسى الله أن يمن بقبولنا في زمرة أصحابه.

أيها الإخوة في الله تعالى إن موضوع كلمتي هو:

التوجيه و الإرشاد في رسائل الشيخ رضي الله تعالى عنه

و ليس لي في هذه الكلمة إلا النقل و الرواية و في ذلك كفاية لمن سبقت له من الله العناية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين، خير خلق الله أجمعين، وعلى آله الطيبين وأصحابه الهداة المهتدين.

وبعد :

أيها الإخوة في الله تعالى، أيها الجمع الكريم.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

لقد كان الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه الشيخ الكامل والقدوة الواصل، حامل لواء التربية والترقية في زمانه، لا أورع منه في عصره وأوانه؛ يأخذ بالعزم ويأبى الترخص بشهادة معاصريه وأقرانه، وبشهادة من ترجم له من علماء بلده وأعيانه، مقبلا على الجد والاجتهاد، مائلا إلى الرشد والانفراد، شديد التمسك في جميع أموره بالسنة والكتاب، يراهما الأصل الذي يتعين المصير إليه في كل جواب. وقد قرر ذلك في أجوبته الفقهية أتم تقرير، وعلم ذلك من سيرته وحاله أمر شهير.

قال رضي الله تعالى عنه: ولنا قاعدة تنبني عنها جميع الأصول: أنه لا حكم إلا لله ورسوله، ولا عبرة في الحكم إلا بقول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن أقاويل العلماء كلَّها باطلة إلا ما كان مستندا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكل قول لعالم لا مستند له من القرآن ولا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو باطل، وكل قولة لعالم جاءت مخالفة لصريح القرآن المحكم، ولصريح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فحرام الفتوى بها، وإن دخلت في كتب الفقه.[1]

فلهذا جاءت طريقته رضي الله تعالى عنه مشيدة على الكتاب والسنة والأقوى دليلا مما صار إليه علماء الأمة، فكانت إرشاداته للأتباع وتوجيهاته لهم كلها إشارات إلى آيات الكتاب وأحاديث الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، يجيء ذلك في بعض الأحيان تصريحا، كما يجيء في أحيان أخرى تلويحا.

وقد كانت هذه الإرشادات ذات جوانب متعددة، يمكن أن نجملها فيما يلي:

  • ما يتعلق بالحث على الإقبال على الله تعالى وإصلاح القلب بمداومة الأذكار وإقامة الفرائض والإكثار من نوافل الخيرات.
  • ما يتعلق بالحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والوفاء بحقوق المسلمين وتقوية الروابط بينهم.
  • ما يتعلق بتحري الحلال في المأكل والملبس والمسكن واجتناب محرمات العقود والمعاملات.

في كل ذلك كان الشيخ رضي الله تعالى عنه يحض على التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكثيرا ما يصدر رسائله بأن المرجع في وصاياه إلى ذلك؛ ففي فاتحة إحدى رسائله يقول رضي الله تعالى عنه: ” وأما ما أعظك به فاسمع ما يقول ربنا في كتابه، وكفى به واعظا، قال سبحانه وتعالى: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون.. إلخ كلامه.

ومن رسالة وجهها إلى كافة الإخوان أينما كانوا قوله رضي الله عنه: أوصيكم بما أوصى الله به، قال تعالى: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله، وقال سبحانه وتعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى قوله كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، وقال سبحانه وتعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا إلخ الرسالة[2].

وقال في صدر بعض رسائله أيضا: فالذي أوصيكم به وإياي المحافظة على قوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث منجياتٌ وثلاث مهلكات، فأما الثلاث المنجيات فهي تقوى الله تعالى في السر والعلانية، وكلمة العدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغني، وأما المهلكات فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه)؛ وعلى قوله صلى الله عليه وسلم: (ما تحت قبة السماء إله يعبد من دون الله أعظمُ من هوى متبع)؛ وعلى قوله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)؛ وعلى قوله صلى الله عليه وسلم: لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا الحديث.

كل ذلك يشير إلى ما كان عليه رضي الله تعالى عنه من التمسك بالكتاب والسنة وحضورهما لديه عند كل إرشاد وتوجيه وتحذير من فتنة.

وإليكم بعض هذه النصائح والتوجيهات:

أما القسم الأول: وهو توجيهاته فيما ما يتعلق بالحث على الإقبال على الله تعالى: فمنها حثه على الإكثار من ذكر الله تعالى بحضور قلب، والابتعاد عن الدنيا وتمنيها.

ففي بعض الرسائل يقول الشيخ رضي الله تعالى عنه: ومن أراد تقويم اعوجاج نفسه فليشتغل بقمع نفسه عن متابعة هواها، مع دوام العزلة عن الخلق، والصمت وتقليل الأكل، والإكثار من ذكر الله بالتدريج وحضور القلب مع الذكر، وحصر القلب عن جميع المرادات فيما يعتاده من الخوض في أمور الدنيا وتمنيها وحبها، وذم القلب عن الجزع من أمر الله؛ فبدوام هذه الأمور تتزكى النفس، وتخرج من خبثها إلى مطابقة أمر الله، وإلا فلا، سنة الله التي قد خلت في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا، والشيخ في هذه الأمور دال ومعين، لا خالق ولا فاعل؛ إذ الخلق والفعل لله تعالى، والدلالة للشيوخ”.

وقال أيضا: “وعليكم بالمحافظة على ذكر الله تعالى والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم ليلا ونهارا على حسب الاستطاعة، وعلى قدر ما يعطيه الوقت والطاقة من غير إفراط ولا تفريط”.

ومن ذلك حثه على حفظ حدود الله تعالى قدر الإمكان، والاشتغال بالمكفرات، والمحافظة على الصلوات في الجماعات.

ففي ثاني رسالة من رسائله في الجواهر يقول رضي الله عنه: أوصيكم ونفسي بما أوصاكم الله به من حفظ الحدود ومراعاة الأمر الإلهي على حسب جهدكم واستطاعتكم .. فاتركوا مخالفة أمر الله ما استطعتم، وقوموا بأمره على حسب الطاقة، واجعلوا لأنفسكم عدة من مكفرات الذنوب في كل يوم وليلة.. وأديموا الصلوات المفروضة في الجماعات بالمحافظة، فإنها متكفلة بالعصمة من جميع المهلكات إلا في نبذ قليلة توجب العقوبات، وإن لله سبحانه وتعالى للمداوم عليها عناية عظيمة، فكم يجبر له من كسرة، وكم يستر له من عورة، وكم يعفو له عن زلة، وكم يأخذ بيده في كل كبوة.

ومن ذلك حثه رضي الله تعالى عنه على دوام إخراج الصدقات، قال: وعليكم بالمحافظة على الصدقات في كل يوم وليلة إن استطعتم، ولو فلس نحاس أو لقمة واحدة بعد المحافظة على أداء المفروضات المالية، فإن عناية الله بالعامل في ذلك قريب من محافظة المفروضات في الجماعات.

ولا يفوت الشيخ رضي الله تعالى عنه هنا أن ينبه على آداب هذا الإنفاق، والتوسط فيه بين التفريط والإفراط، فقد شكا إليه بعض الإخوان تضرره من كثرة السؤّال مع عدم قدرته على ردهم، فقال رضي الله تعالى عنه مجيبا: أما ما كتبتم به إلينا من شكواكم بإعطاء مالكم للسائلين، ومضايقتهم، وعدم طاقتكم لردهم، فاعلم يا أخي أنك في هذا الحال مضر بنفسك شرعا وطبعا، أما من جهة الشرع فإن الله تعالى ذكر في كتابه العزيز حيث مدح عباده المخلصين بالزلفى منه قال: “والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما”، وقال سبحانه وتعالى: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”، وقال سبحانه وتعالى لنبيه ورسوله وحبيبه وصفيه صلى الله عليه وسلم: “ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا” الآية، وقال سبحانه وتعالى: “وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا” الآية. والنهي عن إضاعة المال ولزومُ حفظه هو أمر أجمعت عليه الأمة ولا نعلم بينهم فيه خلافا.

هذا وقد سمعت ألفاظ القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وليس لك إلا السمع والطاعة والاتباع، فلا تنهمر في إعطاء المال حتى تنتمي إلى التبذير فتقع فيما حرمه الله، ولا تمسك يدك عن الإعطاء حتى تنتهي إلى البخل، فإنه مذموم شرعا وطبعا، وكن في وسط الأمرين بين البخل والتبذير”.

وكان رضي الله تعالى عنه في حثه على الإقبال على الله تعالى ومداومة أذكار الطريقة، وذكر ما ادخر الله لأهلها من الخير العميم والفضل الجسيم، يذكرهم دائما بشرط ذلك، وهو عدم الأمن من مكر الله تعالى، ودوام ترقب المؤاخذة على ارتكاب المخالفات واقتراف الذنوب.

قال رضي الله تعالى عنه في بعض وصاياه للإخوان: وأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى وارتقاب المؤاخذة منه في الذنوب، فإن لكل ذنب مصيبتين، لا يخلو العبد منهما، واحدة في الدنيا، وواحدة في الآخرة، فمصيبة الآخرة واقعة قطعا، إلا أن تقابل بالعفو منه سبحانه وتعالى، ومصيبة الدنيا واقعة بكل من اقترف ذنبا، إلا أن يدفعها بصدقة لمسكين أو صلة رحم بمال أو تنفيس عن مديان بقضاء الدين عنه أو بعفوه عنه إن كان له، وإلا فهي واقعة، فالحذر الحذر من مخالفة أمر الله، وإن وقعت المخالفة – والعبد غير معصوم – فالمبادرة بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى، وإن لم يكن ذلك عاجلا فليعلم العبد أنه ساقط من عين الحق، متعرض لغضبه، إلا أن يمن عليه بعفوه، ويستديم في قلبه أنه مستوجب لهذا من الله، فيستديم بذلك انكسار قلبه وانحطاط رتبته في نفسه دون تعزز، فما دام العبد على هذا فهو على سبيل خير، وإياكم -والعياذ بالله تعالى– من لباس حلة الأمان من مكر الله في مقارفة الذنوب، باعتقاد العبد أنه آمن من مؤاخذة الله له في ذلك، فإن من وقف هذا الموقف بين يدي الحق تعالى ودام عليه فهو دليل على أنه يموت كافرا، والعياذ بالله تعالى. وما سمعتم من الخاصية التي في الورد فهي واقعة لا محالة، وإياك والتفريط في الورد ولو مرة في الدهر، وشرط الورد المحافظة على الصلوات في الجماعة والأمور الشرعية، وإياكم ولباس حلة الأمان من مكر الله في الذنوب، فإنها عين الهلاك اهـ[3].

وفي الجواهر أيضا بعد أن ذكر ما لورده رضي الله تعالى عنه من الفضل ما نصه: وأقول للإخوان: من أخذ وردنا وسمع ما فيه من دخول الجنة بلا حساب ولا عقاب، وأنه لا تضره معصية، إن من سمع ذلك وطرح نفسه في معاصي الله لأجل ما سمع، واتخذ ذلك حبالة إلى الأمان من عقوبة الله في معاصيه، ألبس الله قلبه بغضنا حتى يسبنا، فإذا سبنا أماته الله كافرا، فاحذروا من معاصي الله ومن عقوبته، ومن قضى الله عليه بذنب منكم – والعبد غير معصوم – فلا يقربنه إلا وهو باكي القلب خائفا من عقوبة الله، والسلام[4].

وقد أكد على هذا الأمر مرارا، فلا يرجي إلا وخوف، ولا يذكر فضلا إلا وذكر أن من شرط حصوله عدمَ الأمن من مكر الله تعالى. والشيخ في ذلك جار على منهاج الشرع في الجمع بين مقتضي الرهبة من الله تعالى ومقتضي الرغبة إليه، ليكون ذلك أعون على طاعة الله تعالى وأمنع من معصيته.

شاهد ذلك من الكتاب قول الله تعالى: )غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول(، وقوله تعالى: )نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم(، وغير هذا كثير.

ومن السنة ما في صحيح مسلم عن معمر قال: قال لي الزهرى: ألا أحدثك بحديثين عجيبين: قال الزهرى: أخبرنى حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال «أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه، فقال: إذا أنا مت فأحرقونى، ثم اسحقونى، ثم اذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر علي ربى ليعذبنى عذابا ما عذبه أحدا. قال: ففعلوا ذلك به، فقال: للأرض أدي ما أخذت. فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب – أو قال – مخافتك. فغفر له بذلك ».

قال الزهرى: وحدثنى حميد عن أبى هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت».

قال الزهرى ذلك لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل.

قال العلماء: لما حدث الزهري بحديث الرجل الذي أسرف على نفسه، وفيه من سعة رحمة الله تعالى ما ذكر، وخاف أن يتكل سامعه على ما فيه من سعة الرحمة وعظيم الرجاء، ضم إليه حديث الهرة الذي فيه من التخويف ضد ذلك، للجمع بين الخوف والرجاء، وهكذا معظم آيات القرآن، يجمع فيها بين الأمرين، وهكذا ينبغي للواعظ أن يجمع بين الخوف والرجاء، لئلا يتكل أحد ولا يقنط أحد، وليكن التخويف أكثر، لأن النفوس إليه أحوج لميلها إلى الرجاء والراحة وإهمال العمل.

وحاصل ما للشيخ رضي الله عنه في هذا المقام هو ما أشار إليه سيدي العربي بن السائح رضي الله تعالى عنه في مقدمة كتابه: “بغية المستفيد”، متحدثا عن مكانة الشيخ رضي الله تعالى عنه في التربية، فقال: وجاء في أساليب الدلالة على الله تعالى بما لم يسبق إليه، وأتى في مسالك التربية والترقية بما لم يعرج أحد عليه، لبلوغه رضي الله عنه أقصى درجات الكمال، لجمعه بين العلم والحال والهمة والمقال، فأسست طريقته على تقوى من الله ورضوان، وشيدت من العلمين الظاهر والباطن على أقوم القواعد وأقوى البنيان. هذا كلامه.

وأما القسم الثاني: وهو ما يتعلق بالحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والوفاء بحقوق المسلمين وتقوية الروابط بينهم، فنصائح الشيخ في هذا المجال كثيرة شهيرة.

فمن ذلك حثه على صلة الأرحام، وبر الوالدين، وعدم تتبع عورات المسلمين، ومقابلة إساءاتهم بالصفح، إلى غير ذلك؛ ففي بعض رسائله ما هذا لفظه: وعليكم بصلة الأرحام من كل ما يطيب القلب ويوجب المحبة، ولو بتفقد حال وإلقاء السلام؛ وتجنبوا معاداة الأرحام وعقوق الوالدين وكل ما يوجب الضغينة في قلوب الإخوان، وتجنبوا البحث عن عورات المسلمين، فإن من تتبع ذلك فضح الله عورته؛ وأكثروا العفو عن الزلل والصفح عن الخلل لكل مؤمن؛ ومن وقع فيكم بزلة ثم جاء معتذرا فاقبلوا عذره وسامحوا لكي يقبل الله أعذاركم ويسامحكم في زلاتكم، فإن من شر الإخوان عند الله من لا يقبل عذرا ولا يقيل عثرة، وتأملوا قوله سبحانه وتعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم إلى قوله: والله يحب المحسنين؛ وعليكم بالغفلة عن شر الناس وعدم المبالاة بما يجري منهم من الشرور، وعليكم بالصفح والتجاوز عنهم”.

ومن ذلك أمره للمقدمين بالمبالغة في النصح للإخوان بإصلاح ذات بينهم، والعفو عن زلاتهم، ومعاملتهم بالرفق واللين، والابتعاد عن تغريم دنياهم؛ ففي بعض رسائله رضي الله عنه ما هذا نصه: وأوصي من كان مقدما على إعطاء الورد أن يعفو للإخوان عن الزلل، وأن يبسط رداء عفوه على كل خلل، وأن يجتنب ما يوجب في قلوبهم ضغينة أو حقدا، وأن يسعى في إصلاح ذات بينهم، وإن اشتعلت نار بينهم سارع في إطفائها، وليكن سعيه في ذلك في مرضاة الله تعالى، لا لحظ زائد على ذلك، وأن ينهى من رآه يسعى بالنميمة بينهم، وأن يزجره برفق وكلام لين، وعليه أن يعاملهم بالرفق والتيسير، ويبتعد عن التنفير والتعسير في كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه من حقوق الله وحقوق الإخوان، ويراعي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا”، وعليه أن يتباعد عن تغريم دنياهم، وأن لا يلتفت لما في أيديهم معتقدا أن الله تعالى هو المعطي والمانع والخافض والرافع، وليجعل همته في تحرير دنياهم فيما في أيديهم من التشتيت والتبذير، وأن لا يطلبهم بإعطاء شيء لا من القليل ولا من الكثير، إلا ما سمحت نفوسهم ببذله من غير طلب”.

ومن ذلك ما ذكره من الحث على تعظيم أولياء الله تعالى والتحذير من التهاون بحرمتهم، فقد قال عند التعرض لذكر علو مقامه عند الله تعالى، وأنه لا يصله أحد من الأولياء، ما نصه: ومع هذا كله فلسنا نستهزئ بحرمة ساداتنا الأولياء، ولا نتهاون بتعظيمهم، فعظموا حرمة الأولياء الأحياء منهم والأموات، فإن من عظم حرمتهم عظم الله حرمته، ومن أهانهم أذله الله وغضب عليه، فلا تستهينوا بحرمة الأولياء.

وأما القسم الثالث: وهو ما يتعلق بالحث على تحري الحلال في المأكل والملبس والمسكن واجتناب المحرمات في العقود والمعاملات، فقد بالغ الشيخ رضي الله تعالى عنه في الحث على ذلك والابتعاد عما حرمه الله تعالى.

ففي بعض الرسائل يقول الشيخ رضي الله تعالى عنه: والأمر الثاني مما أوصيك به ترك المحرمات المالية شرعا أكلا ولباسا ومسكنا، فإن الحلال هو القطب الذي تدور عليه أفلاك سائر العبادات، ومن ضيعه ضيع فائدة العبادة، وإياك أن تقول: أين تجده؟ فإنه كثير الوجود في كل أرض وفي كل زمان، لكن يوجد عند البحث عن توفية أمر الله ظاهرا وباطنا، ومراعاة ضرورة الوقت إن لم يوجد الحلال الصريح، وهذا المحل يحتاج إلى فقه دقيق واتساع معرفة بالأحكام الشرعية، ومن كان هكذا لم يصعب عليه وجود الحلال.

وله أيضا: وأوصيكم في معاملة الأسواق على محافظة قواعد الشرع وأصوله على حسب ما يعطيه الوقت، وتجنبوا جميع وجوه الغش والتدليس والكذب في تقويم الأثمان واقتحام ما حرم الله من ذلك بنصوص الشرع، فإن المنهمك في ذلك يهلك كل الهلاك؛ ثم إذا ألجأت الضرورة واشتدت الحاجة ولم يجد العبد ملجأ إلا أن يأخذ قوته مما حرم شرعا في الأسواق فليأخذ قدر ما يتقوت به، وليكن جاريا في ذلك على حكم المضطر في أكل الميتة، فإنه إنما يأكلها بلاغا وسدا للفاقة، لا كسبا وتمولا، وأحذركم أن تتهافتوا في المعاملات المحرمات شرعا تهافت الجهلة من العامة، محتجين بعدم وجود الحلال، يريدون أن يسقطوا عنهم الأحكام الشرعية في المعاملات، فقد صاروا في ذلك كأنهم لا تكليف عليهم، وهو كذب على الله وزور، فقد قال سبحانه وتعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان الآية.

وليس الشيخ رضي الله تعالى عنه بدعا في هذا، أعني الحث على تحري طيب اللقمة وحلية المسكن والملبس والتأكيد على ذلك، فهو أمر مجمع عليه، مرغب فيه كتابا وسنة.

فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك».

وقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام”

وقد أخرج الترمذي في سننه عن كعب بن عجرة قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم: يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به.

وفي رواية لابن حبان في صحيحه: “يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت، النار أولى به”.

قال الحافظ المنذري: والسحت هو الحرام، وقيل: الخبيث من المكاسب.

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام”. رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط.

وغير هذا ليس بالقليل، وأكل الحلال عند الصوفية أصل أصيل، لذا قد ذكروا أن سبب تأليف ابن جماعة لبيوعه أنه طلب منه أن يؤلف لهم تأليفا في التصوف، فأنعم به وشرع في تأليف بيوعه، فلما أخرجه قيل له في ذلك، فقال: هذا هو التصوف، لأن مدار التصوف على أكل الحلال، ومن أكل الحلال فعل الحلال.

وما قرره رضي الله عنه من أن الحلال لا ينعدم، وأنه إذا لم يوجد إلا الحرام فإن رزق ابن آدم منه يكون مباحا، إلا أن ذلك يتقدر بقدر الضرورة أمر معلوم مشهور، فقد نقل عن القاسم بن محمد قوله: “لو كانت الدنيا حراما لما كان لك بد من العيش، أترى أنه يحل أكل الميتة ومال الغير للمضطر، فما ظنك بما ظاهره الإباحة، هذا مما لا يكاد يختلف فيه، والحاصل أنه يطلب الأشبه فالأشبه بحسب الإمكان”. وقال بعض العلماء: وعندي في هذا الزمان أن من أخذ قدر الضرورة لنفسه وعياله من غير سرف ولا زيادة على ما يحتاج إليه لم يأكل حراما ولا شبهة.

وقد احتج الشيخ رضي الله تعالى عنه على ما قال بكتاب الله تعالى كعادته، فقال إثر ما تقدم عنه: وخطوات الشيطان التي نهى الله عنها هي المعاملات المحرمات شرعا حيث يجد العبد عنها معدلا، فإن لم يجد العبد عنها معدلا وألجأته عوارض الأقدار بحكم القهر والتحتم إلى أن يأخذ قوته من الحرام شرعا، وإن لم يأخذ منه مات أو مات بعض عياله جوعا لضيق الوقت وفقد السبيل لغيره فهو الواقع في قوله تعالى: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه”.

وقد اعترض الشيخ فتوى بعض أهل العصر في قوله: إن كل عقدة لا يوجد فيها إلا من يعامل بالحرام فهي حلال”.

قال: “ولا تلتفتوا لهذه المقالة، فهي قول باطل، لكون قائله تغافل عن ضبط القاعدة الشرعية فيه، والتحقيقُ فيها هو ما ذكرنا؛ يشهد له قوله صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وقولُه صل الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتم عن شيء فانتهوا، وقولُه سبحانه وتعالى: فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا”.

هذه –أيها الأخوة الكرام- بعض نصائح الشيخ رضي الله تعالى عنه وتوجيهاته، دعا فيها الأتباع إلى الإقبال على الله تعالى وما يقرب منه، وحذرهم فيها من معصية الله وما يبعد عنه، كما أرشد فيها إلى ما يقوي روابط الأخوة والمحبة بين عباده، وينفي الشحناء والبغضاء بينهم، مستنده في ذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، نفعنا الله وإياكم بهذه التوجيهات النيرات، وأسبغ علينا وعليكم نعمه الظاهرات والباطنات، وجعلنا وإياكم من المتمسكين بحبل الله المتين، والعاضين بالنواجذ على سنة رسوله الأمين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

[1] – جواهر المعاني 2/195.

[2] – 2/ 160. ط/ دار الجيل.

[3] – جواهر المعاني 2/161.

[4] – جواهر المعاني 1/133، 134.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى